الحكم العطائية وشرحها

صفحة 1 من اصل 11 1, 2, 3 ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:20 am

مقدمة ( بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي )

كلمة عن كتاب (الحكم) وصاحبه:

هو الإمام الملقب بتاج الدين، أحمد بن محمد بن عبد الكريم..
ابن عطاء الله السكندري المالكي، المتوفى عام 709 من الهجرة.
فهو من أعيان القرن السابع الهجري. وقد بدأ فتفقه ودرس التفسير
والحديثواللغة والأدب على شيوخ له في مصر، ثم توج حياته
العلمية بالسلوك التربوي والسعي إلى تزكية النفس على يد عالمين
جليلين جمع كل منهما بين ضوابط العلوم الشرعية وأصول تزكية
النفس من أمراضها التي سماها الله «باطن الإثم» أما أحدهما
فهو الشيخ أبو العباس المرسي أحمد بن عمر الذي اشتهر إلى جانب
غزارة العلم بالصلاح والتقوى. وأمّا الآخر فهو الشيخ أبو الحسن
الشاذلي علي بن عبد الله، وهو المرجع الأول في الطريقة
الشاذلية. وقد توفي الأول منهما عام 686 هـ، أما الثاني فقد
توفي عام 656 هـ.لمع اسم ابن عطاء الله عالماً من أجلّ علماء
الشريعة، مصطبغاً بحقائقها ولبابها التي تُحَرِّرُ الإنسان من
حظوظ النفس والهوى، وترقى به إلى سدة الصدق مع الله، وتمام
الرضا عنه، وكمال الثقة به، والتوكل عليه. ودرّس علوم الشريعة
في الأزهر، وتخرج على يديه كثير من مشاهير العلماء، من أمثال
الإمام تقي الدين السبكي، والإمام القرافي..وكان إذا جلس للنصح
والوعظ والتوجيه، أخذ حديثه بمجامع القلوب، وسرى من كلامه
تأثير شديد إلى النفوس. شهد له بذلك أقرانه الذين كانوا في
عصره، والعلماء الذين جاؤوا من بعدهم، على اختلاف مذاهبهم
ومشاربهم.أما كتابه (الحكم) فلا أعلم كتيّباً صغيراً في حجمه
انتشر في الأوساط المختلفة كانتشاره، وتقبلته العقول والنفوس
كتقبلها له!..هو مجموعة مقاطع من الكلام البليغ الجامع لأوسع
المعاني بأقلّ العبارات.. كلها مستخلص من كتاب الله أو من سنة
رسول الله .وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أما القسم الأول منها
فيدور على محور التوحيد وحماية المسلم من أن يتسرب إليه شيء من
المعاني الخفية الكثيرة للشرك، وأما القسم الثاني فيدور على
محور الأخلاق وإلى تزكية النفس وأما القسم الثالث فيدور على
محور السلوك وأحكامه المختلفة.وقد تسابق كثير من العلماء في
عصور مختلفة إلى كتابة شروح لهذا الكتيّب الصغير في حجمه
والكبير في آثاره ونفعه، ويبدو أن أكثرهم إنما اندفعوا إلى ذلك
ابتغاء التبرك به وأملاً في أن ينالهم شيء من نفحاته، لا سيما
بعد أن تأكد لهم أن كثيرين من طلاب العلم في الأزهر فتح الله
عليهم ورفع لهم من حياتهم شأناً بنفحاته وبركاته. * * *


مقدمة

حِكَم ابن عطاء الله والتصوف:

سيقول بعض الناس: إن العكوف على دراسة هذه الحكم إنما هو
انصراف إلى (التصوف). والتصوف شيء طارئ على الإسلام متسرب
إليه، فهو من البدع التي حذر منها رسول الله إذ قال: «..
وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة»
رواه_أبو_داود_والترمذي_من_حديث_العرباض_بن_سارية_وأ وله:_وعظنا
_رسول_الله_(_موعظة_بليغة_وجلت_منها_القلوب... . وأقول في
الجواب: أما الأسماء والمصطلحات فلا شأن لنا بها ولا نتعامل
معها. وها أنا منذ الآن سأبعد كلمة (التصوف) هذه، من قاموس
تعابيري وكلماتي، مع العلم بأن الأسماء والكلمات ليست هيالتي
توصف بأنها الإسلام أو هي البدع الطارئة عليه، وإنما الذي يوصف
بهذا أو ذاك، مسميات الأسماء ومضامينها والمعاني التي جاءت
الأسماء والمصطلحات معبراً عنها وخادماً لها.. فالمصطلحات
والأسماء ليست هي المعنيّ بقول رسول الله : «محدثات الأمور»
وإنما المعنيّ بها المعاني والمسميات التي تتمثل في معتقدات
زائغة أو سلوكات باطلة.ولكني، على الرغم من هذا، لن أتعامل مع
الأسماء والمصطلحات الحديثة التي تثير حساسية بعض الناس الذين
يتعاملون مع الأسماء والمصطلحات والشعارات أكثر مما يقفون على
جوهر المعاني والمسميات. ولذا فلسوف أحاول أن أشطب كلمة
(التصوف) هذه من ذاكرتي، فإن لم أستطع إلى ذلك سبيلاً، فلا
أقل من أن أبعدها عن قاموس تعابيري وكلماتي خلال رحلتي هذه
كلها في خدمة حكم ابن عطاء الله وتجلية معانيها.على أن ابن
عطاء الله أيضاً لم يدن إلى هذه الكلمة في شيء من حكمه هذه قط.
بل إني لم أجده يعرّج على هذه الكلمة في أي من كتابيه (لطائف
المنن) و (التنوير في إسقاط التدبير) وهما الكتابان اللذان
أتيح لي أن أقرأهما وأستفيد منهما بالإضافة إلى الحكم.إذن
فلننظر فيما سنصغي إليه من هذه الحكم إلى اللباب والمعاني، ثم
لنضع هذه المعاني كلها في ميزان كتاب الله وسنة رسوله. فما
وافق من ذلك هذا الميزان قبلناه، وما خرج عليه وشرد عنه
رددناه.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:22 am

الإحسان وموقعه من الإسلام والإيمان:

ولرسول الله كلام عن الإحسان وأهميته والتعريف به في الحديث
الذي يرويه مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب، يقول فيه
جواباً عن سؤال جبريل له: « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه،
فإن لم تكن تراه فإنه يراك ». فهل سَاءَل أحدنا نفسه عن وجه
الحاجة إلى الإحسان، بعد أن وضعنا رسول الله أمام حقيقة كل من
الإيمان والإسلام؟وهل تساءلنا عن موقع الإحسان وعن وظيفته بعد
وجود كل من الإسلام والإيمان؟إن سيرة رسول الله وسيرة أصحابه
البررة الكرام، يبرز كل منهما وجه الحاجة إلى الإحسان، ويبرز
الموقع الذي يشغله الإحسان بين قطبي كل من الإسلام والإيمان،
لا سيما لدى المقارنة بين حياة رسول الله وحياة أصحابه من
جانب، وحياتنا نحن المسلمين والمؤمنين أيضاً من جانب آخر.من
المعلوم أن أركان الإيمان إنما تغرس يقيناً في تربة العقل، في
حين أن أركان الإسلام سلوك يصطبغ به الكيان والأعضاء.ولكن فما
هو السلك الذي ينقل شحنة اليقين العقلي قوة دافعة إلى الأعضاء
والكيان الجسدي؟..لعلك تقول: لا حاجة إلى هذا السلك؛ فيقين
العقل بأمر ما، يكفي وحده حافزاً إلى السلوك المناسب له.غير أن
هذا التصور باطل من الناحية العلمية، وهو باطل على صعيد الواقع
الدائم المرئي!!..كثيرون هم الذين آمنت عقولهم بالله، ولكن
سلوكهم ناقض مقتضيات هذا الإيمان وخاصمه.. جمع كبير من هؤلاء
كانوا على عهد رسول الله ، وجموع أكثر من هؤلاء أنفسهم،
يملؤون اليوم رحب العالم، وهم الذين قال الله تعالى عنهم: {
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً
وَعُلُوّاً } { النمل: 27/14 } والسبب العلمي في ذلك أن العقل
ليس هو الحافز الوحيد في كيان الإنسان إلى السلوك، بل يزاحم
العقلَ وينافسه في ذلك العصبيات والأهواء والأغراض، والعواطف
بأنواعها، لا سيما «الدافعة»
تنقسم_العواطف_إلى_عاطفة_دافعة_وهي_الحب_والكراهية،_ وعاطفة_راد
عة_وهي_الخوف،_وعاطفة_ممجّدة،_وهي_مشاعر_الانبهار_با لشيء_والتع
ظيم_له. وإذا لم يمتدّ بين العقل وكيان الإنسان هذا السلك
الذي نتحدث عنه، فإن العقل لا بدّ أن يصبح هو المغلوب والمهزوم
في هذا العراك. وعندئذ يصبح زمام السلوك بيد هذه العوامل
الأخرى المتمثلة في العصبية والأغراض والأهواء ورياح العواطف
المضادّة.وانظر إلى واقع أكثر الناس، تجده مصداقاً لما
أقول.إذن، فلكي يمتدّ شريان (الإحسان) في عبادات المسلم
وقرباته، بحيث يعبد الله كأنه يراه، لا بدّ أن يسري من العقل
الذي آمن إلى الأعضاء التي استسلمت وأسلمت، سِلْكٌ من التأثير
والفاعلية، بحيث يغدو المسلم يقظاً لحقائق إيمانه متفاعلاً
بشعوره معها أثناء النهوض بطاعاته وعباداته.فما هو هذا السلك؟
ومن أي شيء يتكون؟إنه الإكثار من ذكر الله وتذكره، والإكثار من
مراقبة الله والتنبه الدائم إلى مراقبة الله للعبد.. وخير سبيل
إلى هذا التذكر الدائم، والوقوف المستمر تحت مظلة المراقبة
الإلهية، ربط النعم بالمنعم، بحيث كلما وفدت إليه نعمة تذكر
الإله الذي تفضل بها عليه، وهيهات لسلسلة النعم الإلهية أن
تنقطع في لحظة من اللحظات عن العبد؛ إن هذا الإنسان الكريم على
الله عز وجل، محاط من الأرض التي يعيش فوقها بآلاف النعم،
ومستظل من السماء التي تعلوه بآلاف النعم، ومحشوّ من فرقه إلى
قدمه بآلاف النعم، هذا كله بالإضافة إلى النعم الوافدة
المتجددة التي لا حصر لأنواعها فضلاً عن عدّها وإحصائها.فإذا
عوّد العبد نفسه وأيقظ ذاكرته لتذكر الإله المنعم المتفضل،
كلما أقبلت إليه نعمة منها، أو كلما تعامل مع واحدة منها،
واستمر على هذا المنوال، اهتاجت بين جوانحه محبة عارمة لإلهه
المنعم المتفضل، إذ إن النفوس مجبولة على حبّ من قد أحسن
إليها. وكلما ازداد هذا العبد المغمور بنعم الله ذكراً وتذكراً
لربه ازدادت محبته له رسوخاً وازداد تعظيماً ومهابة له.ثم إن
هذه المحبة الراسخة تلعب دوراً كبيراً في طرد محبة الأغيار من
القلب، أو في تحجيمها وحصرها في زاوية ضيقة من الفؤاد الذي غدا
جلّه ساحة لمحبة الله عز وجل وتجلياته. فتذوب في ضرام هذا الحب
عصبيته للذات والمذهب ويتراجع سلطان أهوائه التي كانت مهيمنة
على نفسه، وتذبل مشاعره الغريزية التي تتحكم بكيانه
وتصرفاته.ويغدو عندئذ هذا الإنسان مظهراً للمؤمنين الذين وصفهم
الله في قوله: { وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ
اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ
آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } { البقرة: 2/165 } فهل تتصور
أن يقبل هذا المحب إلى صلاته دون أن يكون محسناً في أدائها، أي
دون أن يشعر بأن الله يراه إذ يناجيه وإذ يركع ويسجد بين يديه؟
أم هل تتصور أن تأتي مشاغله الدنيوية وأهواؤه الغريزية فتحجبه
عن تذكر الله ومراقبته وتنسيه نجواه لله في صلاته؟لا تتصور أن
يكون شأن هذا العبد المحب على هذا المنوال، ما دام أن هذا
السلك الذي حدثتك عنه قد امتدّ نابضاً بذكر الله عز وجل ما بين
مركز الإيمان في العقل ومركز الإسلام في الأعضاء والكيان. * *
* والآن، من ذا الذي يجهل أن هذا الإحسان الذي دعا إليه رسول
الله هو لباب الإسلام، بل هو الجامع المشترك بين الإيمان
والإسلام؟!.. وهل الإسلام بدون هذا الإحسان إلا كجسد لا روح
فيه، أو كتمثال لا حراك فيه؟ وهل يتعايش الازدواج بين شكل
الإسلام وألفاظه، والاستغراق في حمأة الشهوات والأهواء،
والخضوع للأغراض والعصبيات، في الواقع المعيشي والمرئي في حياة
كثير من الناس، إلاّ لأن صلة ما بين العقل المؤمن والكيان
المسلم أو المستسلم غائبة أو مقطّعة، لم يمتدّ بينهما سلك
الإحسان الذي لا سبيل إليه إلا عن طريق الإكثار من ذكر الله
وتذكره بالنهج الذي حدثتك عنه؟!..وإذا ثبت أن السبيل إلى ذلك
هو أن يأخذ المسلم نفسه بالإكثار من ذكر الله الذي هو سلّم
الوصول إلى محبة الله، والذي هو المدخل الذي لا بدّ منه إلى
تزكية النفس، فهل في المسلمين من يُهَوِّنُ من شأن هذا العلاج،
فضلاً عن أن ينكره ويدفع به إلى قائمة البدع والمستحدَثات.وكيف
يتأتّى للمسلم الصادق في إسلامه أن ينكره، والقرآن مليء
بالآيات الآمرة بالإكثار من ذكر الله والمحذرة من الاستسلام
للغفلات، وبالآيات الآمرة بالسعي إلى تزكية النفس وتطهيرها من
أوضارها التي سماها الله «باطن الإثم». فإذا جاء من يرشد
تلامذته ومريديه إلى اتباع هذا السبيل، ونبههم إلى أهمية السعي
إلى تزكية النفس عن طريق نقل الإيمان بالله من مجرد قناعة أو
يقين مغروس في العقل إلى عاطفة من الحب والخوف والتعظيم تهيمن
على القلب، ونظّم لهم إلى ذلك منهاجاً من الأوراد والمأثورات،
يأخذون بها أنفسهم، ليخرجوا بذلك من تيه الغفلة إلى صعيد
الذكر؛ فالمشاهدة بعين البصيرة، وليتحققوا عندئذ بالإحسان الذي
يجعلهم أثناء قرباتهم وعباداتهم كأنهم يرون الله.. أقول: إذا
جاء من يرشد تلامذته ومريديه وإخوانه إلى هذا النهج، أفيكون قد
أساء صنعاً من حيث إنه نفذ أوامر الله وتعاليم رسول الله في حق
نفسه أولاً، وفي حق إخوانه وأصحابه ثانياً؟!..ومن هم الذين
عناهم بيان الله بقوله عز وجل: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً
مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي
مِنَ الْمُسْلِمِينَ } { فصلت: 41/33 } والذين عناهم رسول
الله بقوله: « لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من
حمْر النعم» إن لم يكن هؤلاء المرشدون الناصحون في مقدمتهم؟ثم
إذا جاء من يطلق على الالتزام بهذا النهج الرامي إلى هذا الهدف
التربوي القدسي، اسم (التصوف) أو (علم السلوك) أو (فنّ
التزكية) أفتكون هذه التسمية مزهقة لشرعية المضمون، موجبة
لإبطال الحق، وإحقاق الباطل؟!.. على أن بوسعك أن تلتقط المنهج
والمضمون وتلقي الاسم والمصطلح وراء ظهرك، أو حتى إن -شئت- تحت

قدمك، وبذلك تصلح ما ترى أنه خطأ، وتقوّم ما تعتقد أنه معوج،


المهم أن لا تأخذ الجار بظلم الجار، وتعاقب المسمى البريء

بجريرة الاسم. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:22 am

فإذا جاء من يحذر من البدع التي تسربت إلى هذا النهج..

فإن جاء من يقول: ولكن هذا النهج الإرشادي تسرب إليه مع الزمن
كثير من البدع التي لا يقرها قرآن ولا سنة، قلنا له: أنت مشكور
على غيرتك على شرع الله أن لا يتسرب إليه دخيل وأن لا يختلط به
ما ليس منه.ولكن الغيرة على الحق لا تتمثل في أن تعود فتأخذ
الجار بظلم الجار، وفي أن تزهق الحق من أجل الباطل الذي تسرب
إليه.إن استنكار المشروع من سبل تزكية النفس وبلوغ درجة
الإحسان، من أجل البدع التي تسربت إليه، هو دعوة غير مباشرة
إلى هذه البدع، وإغراء خفي بقبولها وبالتعامل معها. ولعل من
أهم أسباب انتشار هذه البدع وعكوف فئات من الناس عليها باسم
التصوف ونحوه، هذا اللون من الاستنكار الذي يهدف إلى هدم الدار
كلها، من أجل أرائك غير مريحة فيها!!..حدّد البدعة التي عثرت
عليها ضمن كلٍّ من الطاعة المشروعة، ثم ركز إنكارك عليها،
مدافعاً عن بقية الكل، داعياً إليه، منبهاً إلى أهميته، يذوي
عندئذ العشب الدخيل، والغصن الطفيلي الضار، ويزهو النبات
الأصيل صافياً عن الأوضار والشوائب.إن المسلمين اليوم في ظمأ
شديد إلى العاطفة الدينية التي حرمتهم منها قسوة المتطلبات
الدنيوية وفتنة المغريات المستشرية.. فإن أتيح لهم من يهديهم
إلى مواردها الشرعية الصافية عن شوائب البدع، فلسوف يركنون
إليها ويسعدون بها، ويصلون منها إلى ريٍّ لا غصص فيه. وإن لم
يجدوا أمامهم إلا من يصدّهم ويردّهم ويحذرهم من هذه الموارد
العاطفية التي داخلتها البدع، دون أن يرشدوهم إلى أي بديل،
فلسوف يستجيبون لنداء ضروراتهم الملحة، ويعرضون عن التحذيرات
التي لا بديل عنها إلا الظمأ القتال.ولا شك أن توجيه هؤلاء
الظمأى إلى حِكَم ابن عطاء الله وأمثالها، إنما هو توجيه إلى
مورد لعاطفة إسلامية صافية عن الشوائب، بعيدة عن عكر البدع
والمنكرات، ولسوف توصلهم إن هم أخذوا أنفسهم بنصائحها إلى صعيد
باسق من محبة الله وتعظيمه والمخافة منه والرضا عنه والثقة به
والتوكل عليه. وهل يصلح إيمان بالله بدون هذا كله؟والواقع
المرئي أمامي خير شاهد على ذلك.. عندما استخرت الله في تدريس
حكم ابن عطاء الله في لقاء عام في المسجد، ظننت أن الجمع
الكثيف والكثير الذين تعودوا على حضور دروسي سيتفرقون
ويعرضون.. زهداً منهم في هذه البحوث التي تنعت على ألسن كثيرمن
الناس بالتصوف، ولكني فوجئت بنقيض ذلك، لقد ازداد الجمع
المواظب تعلقاً وثباتاً، وأقبلت من ورائهم فئات شتى من سائر
المشارب والاتجاهات والطبقات، وفيهم من لم يكن ملتزماً بسلوك
إسلامي قط.. ساقهم جميعاً الظمأ العاطفي الذي أشعرتهم به
الفطرة الإيمانية التي لم يحرم الله منها أحداً من عباده. وكان
من حسن الحظ أن المورد الذي اجتمعوا عليه مورد شرعي سلفي سليم
خال من الشوائب، وحسبك أنه المورد الذي تمثل في حكم ابن عطاء
الله.فليتق الله أولئك الذين ينتقمون من البناء كله من أجل خطأ
في تصميم إحدى نوافذه، أو يحرّمون الطعام الطاهر الطيب من أجل
استنكارهم لاسمه!!..وأعود في نهاية هذه المقدمة، لأذكّر بالعهد
الذي قطعته على نفسي، أن لا أتعامل فيما قد فتح الله عليّ من
شرح (الحكم) إلا مع المضامين والمسميات، وأن لا أعرِّج على
اسم التصوف في قليل أو كثير.والله المسؤول أن يهبنا من جذوة
الإخلاص لوجهه، ومن صدق التوجه إلى معالجة أمراضنا النفسية
الوبيلة المهلكة، ما يبصّرنا بضرورة سلوك النهج الذي ذكرته في
هذه المقدمة، والذي ستتجلى تفاصيله في الصفحات التالية، بفضل
الله وتوفيقه. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:36 am

الحكمة الأولى



من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

ـ الاعتماد على العمل، أهو في الشرع محمود أم مذموم

الاعتماد على العمل أهو في الشريعة أمر محمود أم مذموم؟يقول
لنا ابن عطاء الله: إياك أن تعتمد في رضا الله عنك وفي الجزاء
الذي وعدك به على عمل قد فعلته ووفقت له، كالصلاة، كالصوم،
كالصدقات، كالمبرات المختلفة، بل اعتمد في ذلك على لطف الله
وفضله وكرمه.هل هنالك من دليل على هذا؟ نعم، إنه حديث رسول
الله الذي رواه البخاري وغيره: «لن يُدْخِلَ أحَدَكُم الجنةَ
عملُه» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن
يتغمدني الله برحمته».إذن فالعمل ليس ثمناً لدخول الجنة، وإذا
كان الأمر كذلك فالمطلوب إذا وفقت لأداء الطاعات أن تطمع برضا
الله وثوابه، أملاً منك بفضله وعفوه وكرمه، لا أجراً على ذات
العمل الذي وفقت إليه.وهنا يقول: ومن أبرز الدلائل على اعتمادك
على العمل لا على فضل الله، نقصان رجائك بعفوه تعالى عند تلبسك
بالزلل أي عندما تتورط في المعاصي والموبقات.إن هذا يعني أنك
عندما كنت ترجو كرم الله وعطاءه إنما كنت تعتمد في ذلك على
عملك فلما قلَّ العمل وكثرت الذنوب غابالرجاء!.. فهذا هو
المقياس الدال على أنك إنما تعتمد في رجائك على عملك لا على
فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه.. هذا هو باختصار معنى حكمة ابن
عطاء الله رحمه الله.ثم إن هذه الحكمة لها بُعْدٌ هام في
العقيدة، وبعد هام يتجلى في السنة.. في كلام سيدنا رسول الله
، ولها بعد ذلك بُعد أخلاقي تربوي، وسنأتي على بيان ذلك كله إن
شاء الله. * * *

ـ حكم ابن عطاء الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

ولنعلم بهذه المناسبة أن حكم ابن عطاء الله مقسمة إلى ثلاثة
أقسام: القسم الأول منها يدور على محور التوحيد. القسم
الثاني يدور على محور الأخلاق. القسم الثالث يتعلق بالسلوك
وتطهير النفس من الأدران.ولنبدأ ببيان البعد الاعتقادي وتحليله
في هذه الحكمة الأولى:يقول صاحب جوهرة التوحيد: فإن يُثِبْنا
فَبِمَحْضِ الفَضْلِ وإن يعذِّبْ فبمحضِ العَدْلِهذه هي
العقيدة التي ينبغي أن يصطبغ بها كل إنسان مسلم.. وعلى هذا درج
السلف الصالح رضوان الله عليهم.قد يقول قائل: بل الظاهر أن
الثواب الذي نستحقه إنما هو على العمل الصالح الذي
عملناه.ولكننا لو تأملنا، وأمعنا النظر، في علاقة ما بين العبد
وربه، لأدركنا أن الأمر ليس كذلك.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:38 am

يتبع الحكمة الاولى :

من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

ـ مامعنى قولك: إن الله إنما يثيبني بعملي؟

ما معنى قولك: إن الله إنما يثيبني بعملي.. وإنما يدخلني الجنة
بعملي..؟ معنى هذا الكلام أن الله عز وجل رصد قيمة للجنة، لا
تتمثل في دراهم أو في سيولة مالية، وإنما تتمثل في العبادات
والطاعات والابتعاد عن المحرمات. فإن فعلت الطاعات واجتنبت
النواهي، فقد بذلت الثمن، ومن ثم فقد أصبحت مستحقاً للبضاعة
التي اشتريتها!.. عندما تقول: إنما أثاب بالعمل الذي قدمتُه،
فهذا هو معنى كلامك.. فهل الأمر هكذا في حقيقته؟.. أي هل إنك
عندما تؤدي الأوامر التي طلبها الله عز وجل منك تصبح مستحقاً
للجنة ومالكاً لها بعرق جبينك، تماماً كما يستحق الذي اشترى
بضع دونمات من أرض، بقيمة محددة دفعها لصاحبها الذي عرضها
للبيع؟!.. لو تأملت لرأيت أن الأمر يختلف اختلافاً كبيراً..
أنا عندما أدفع قيمة هذا البستان نقداً كما طلب البائع فأنا
أمتلك بذلك هذا البستان بدون أي مِنَّةٍ له عليّ، وبطريقة
آليّة يقضي بها القانون. ومن حقي أن أقول له: اخرج من أرضي فقد
دفعت لك قيمتها كاملة غير منقوصة.ذلك هو شأن علاقة العبد مع
العبد.. أما عندما يأمرك الله سبحانه وتعالى بالطاعات التي
ألزمك بها، وينهاك عن المحرمات التي حذرك منها، ويوفقك الله
فتؤدي الواجبات وتبتعد عن المحرمات، فإن الأمر مختلف هنا بشكل
كلي.. من الذي أقدرك على الصلاة التي أديتها؟ من الذي أقدرك
على الصوم الذي أديته؟.. من الذي شرح صدركللإيمان؟ أليس هو
الله عز وجل؟ وصدق الله القائل: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ
أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ
اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ } {
الحجرات: 49/17 } إذن هنالك فرق كبير بين الصورتين. من الذي
حبّب إليك الإيمان وكرّه إليك الكفر والفسوق والعصيان؟ من؟ هو
الله سبحانه وتعالى.. من الذي شرح صدرك وأقدرك على أن تأتي إلى
بيت من بيوت الله فتحضر صلاة الجماعة ثم تجلس فتستمع إلى ما
يقربك إلى الله سبحانه وتعالى؟ من؟ هو الله سبحانه وتعالى..
إذن فما يخيل إليك، من أن الطاعة ثمن دفعته من ملكك مقابل
امتلاكك لجنة الله تعالى قياساً على الذي دفع أقساط الثمن من
ماله الحر لكي يمتلك البستان، قياس مع الفارق الكبير.إذن فلا
يجوز أن تتصور أنك تستحق (تأملوا التعبير الدقيق الذي أستعمله:
لا يجوز لك أن تتصور أنك تستحق) جنة الله سبحانه وتعالىوثوابه،
لأنك قد قدمت له ما قد طلب، ولأنك قد فعلت ما قد أوجب، وابتعدت
عما حرم، لا يجوز لك أن تعتقد هذا. ولو اعتقدت ذلك لكان نوعاً
من أخطر أنواع الشرك.ذلك لأن هذا الاعتقاد يعني أنك تؤمن بأن
صلاتك بقدرة ذاتية منك، وأنك تفضلت بها على الله، وأن طاعتك
التي أمرك الله عز وجل بها بحركة من كيانك، وكيانك ملك ذاتك،
وقدرتك ملك ذاتك، فعملك أنت المالك له، وقدراتك أنت مبدعها
وموجدها، والباري لا علاقة له بها. إذن فكأنك فيما تتخيل قدمت
له هذهالطاعات على طبق، وقلت: ها هي ذي أوامرك قد أنجزتها كما
تريد، بقدرة وطاقة ذاتية مني فأعطني الجنة التي وعدتني
بها.وهكذا تصبح العملية عملية بيع وشراء.. أعطيتك القيمة ومن
حقي إذن أن أطالبك بالثمن!.. هل هذا هو منطق ما بين العبد
وربه؟ أين أنت إذن من واقع عبوديتك لله؟. أين أنت من الكلمة
القدسية التي كان يعلمها رسول الله أصحابه: «لا حول ولا قوة
إلا بالله»؟. أين أنت من اليقين الإيماني الذي لا ريب فيه بأن
الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد؟.. من الذي يخلق
أفعالنا نحن العباد؟ أظن أن العهد لم يطل بنا، في بيان الحق
الذي هو عقيدة السلف الصالح، وهم أهل السنة والجماعة الذين
يمثلهم الأشاعرة والماتريديون.. إذن فأنا عندما أحمد الله
سبحانه وتعالى بلساني؛ ينبغي أن أشكر الله على أن حرك لساني
بهذا الحمد.. وإذا قمت من جوف الليل لأصلي، ينبغي أن أثني على
الله أنه وفقني للقيام بين يديه.. لولا حبه لي، لولا عنايته
بي، لولا لطفه بي، لغرقت في الرقاد، ولما أكرمني بهذا الوقوف
بين يديه. ولقد حدثتكم مرة بقصة فتاة صالحة كان تخدم في أسرة،
وذات ليلة قام رب الأسرة من جوف الليل فرأى الفتاة تصلي في
زاوية من البيت، وسمعها تقول وهي ساجدة: اللهم إني أسألك بحبك
لي أن تسعدني.. أن تعافيني أن تكرمني.. إلى آخر ما كانت تدعو
به. استعظم الرجل صاحب البيت كلامها هذا، وانتظرها حتى إذا
سلَّمت من صلاتها، أقبل فقال لها: ما هذا الدلال على الله؟!..
قولي: اللهم إني أسألك بحبي لك أن تسعدني وأن تكرمني وأن...
قالت له:ياسيدي لولا حبه لي لما أيقظني في هذه الساعة، ولولا
حبه لي لما أوقفني بين يديه، ولولا حبه لي لما أنطقني بهذه
النجوىلاحظوا أيها الإخوة: هذا هو التوحيد الذي ينبغي أن يصطبغ
به كل منا، كيف تمتن على الله بصلاتك وهو الذي وفقك
إليها؟!فهذا هو المبدأ الذي عناه صاحب جوهرة التوحيد وكل علماء
العقيدة عندما قالوا: «فإن يثبنا فبمحض الفضل» ثم قالوا:
«وإن يعذب فبمحض العدل».

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:39 am

يتبع الحكمة الاولى :

من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

ـ معنى قول الله عز وجل: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}

قد يخطر هنا في البال السؤال التالي: إذا كان الأمر كذلك، فما
معنى قول الله عز وجل: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 } ، ولقد كرر الله تعالى هذا
الكلام كثيراً في بيانه القديم؟ وأقول لكم في الجواب ما يزيدكم
حباً لله، ويزيدكم انغماساً في مشاعر العبودية له:إن هذا
الكلام قرار من طرف واحد هو الله عز وجل، لا من طرفين
متعاقدين.. يوفقك الله للعمل، ويلهمك السداد، وتجأر على بابه
بالدعاء: تقول: اللهم لا حول ولا قوة لي إلا بك، ناصيتي بيدك،
تصرفها كما تشاء، فخذ بها إلى طريق السعادة والرشاد. فيستجيب
الله دعاءك، ويشرح صدرك للخير، ويوفقك للعمل الصالح، ثم يقول
لك يوم القيامة: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 } ، فهل هذا الكلام منه عز وجل
يعني تنفيذاً لعقد رضائي جرى بينك وبينه، كالعقد الذي يكون بين
البائع والمشتري؟!..لا، معاذ الله. إنه عز وجل عندما جعل عملك
سبباً لدخول الجنة إنما فعل ذلك تفضُّلاً منه وإحساناً.ولو أنك
أبيت إلا أن تتصور أن المسألة بين الله وعباده معاوضة حق بحقٍ،
وحملت هذه الدعوى معك إلى يوم القيامة، قائلاً لله تعالى: إنني
أستحق الجنة والخلود فيها بأعمالي المطلوبة التي أنجزتها، وشاء
الله عز وجل - بناء على دعواك هذه - أن يجرّك إلى الحساب
الدقيق، لن يبقى لك عندئذ أي حق مما تدعيه. ولسوف يضمحلّ ذلك
كله تحت سلطان عبوديتك لله وافتقارك إلى عونه وتوفيقه.ولعل
أقرب مثال إلى ما أقول ما ينهجه الوالد مع ابنه عندما يشجعه
على الكرم وعمل الخير، يقول لابنه: إن أعطيت ذلك الفقير مبلغاً
من المال فلسوف أكرمك بهدية، ويأتي الأب بالمال فيضعه خفية في
جيب الطفل، ويستجيب الولد لطلب أبيه متأملاً ما وعده به من
الإكرام، فيعطي الفقير مبلغاً من المال الذي دسه والده في
جيبه. فيستبشر والده بذلك، ويعبر عن إعجابه بالكرم الذي اتصف
ابنه به، قائلاً: لقد قمت بعمل إنساني عظيم، ولا شك أنك تستحق
بذلك أجراً كبيراً ومثوبة عظمى.من الواضح أن هذا عمل تربوي لبق
يأخذ به الوالد ابنه. ولا ريب أن الولد سيعلم فيما بعد، أن
المال الذي كان في جيبه إنما هو مال أبيه، وأن الإكرام الذي
تلقاه منه باسم المكافأة والمجازاة على عمله الطيب، إنما هو
لون من التحبب إليه ابتغاء دفعه إلى مزيد من هذا العمل
الإنساني الجميل. فقول الله عز وجل: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 } ليس إلا من هذا
القبيل. ورد في أكثر من خبر أن أحد عباد الله تعالى يقول يوم
القيامة: يا رب حاسبني بعدلك وبما أستحق، فأنا عشت حياتي
الدنيا كلها لم أعصك يوماً قط. فيذكّره الله بنعمة عينيه
الباصرتين اللتين متعه الله بهما، هل أدّيت شكر هذه العين؟
ويوضع فضل الله عليه في ذلك في كفة، وتوضع كافة طاعاته وقرباته
في الكفة الأخرى، فترجح كفة الفضل الإلهي على كفة الطاعات
والقربات التي أقدره الله عليها.لو أنك نظرت إلى نعم الله التي
عشت حياتك الدنيوية تتقلب فيها لرأيت أن لحظة واحدة من لحظات
تمتعك بهذه النعم أكثر وأطم من كل طاعاتك التي قمت بها.. أنت
عبد لله سبحانه وتعالى، بقدرته تطيعه، برحمته تسير إليه،
برحمته بك تتقرب إليه، إنني لأقول كما كان يقول والدي رحمه
الله تعالى في بعض أدعيته: يا رب إني أشكرك ولكنك أنت الذي
تلهمني شكري لك، فشكري لك يحتاج إلى أن أشكرك على أن وفقتني
لهذا الشكر، وعندئذ يتسلسل الأمر، فأنت الخالق لكل شيء وأنت
اللطيف بي في كل الأحوال.إذن فقول الله تعالى: { ادْخُلُوا
الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 }
قرار من طرف واحد. أما نحن فينبغي أن نعلم أننا ندخل الجنة
بمحض التفضل منه عز وجل.. تؤدي ما قد كلفك به بشعور الحق
المترتب عليك، حتى إذا فعلت ما قد أمرك الله عز وجل به وأنجزته
على النحو المطلوب، ينبغي أن تعلم أنك تسعى إلى كرم الله عز
وجل مجرداً من أي استحقاق لذلك، ليس معك إلا الطمع برحمته
وصفحه. رأى بعض الصالحين في منامه رجلاً من الربانيين بعد
وفاته، فقال له -وقد علم أنه متوفى -: ما فعل الله بك؟ قال:
أوقفني بين يديه وقال: بِمَ جئتني؟ فقلت: يا رب أنا عبد،
والعبد لا يملك شيئاً يأتي به إلى سيده، جئتك بالطمع بعفوك
والأمل في كرمك.أرأيت إلى منطــق العبــودية؟.. هكذا يكون
القدوم غداً على الله عز وجل. من لم يدرك ذلك اليوم، فلسوف
يدركه غداً.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:41 am

من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

ـ معنى قول رسول الله: ((لن يُدِخِلَ أحدَكم الجنة عمله))

وهذا ما قد قرره رسول الله في الحديث الذي رواه البخاري من
حديث أبي هريرة ومن حديث السيدة عائشة وحديث أبي سعيد الخدري
أن رسول الله قال: «لن يُدْخِلَ أحدَكم الجنةَ عملُه، قالوا:
ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله
برحمته». ولنلاحظ هنا دقة كلام رسول الله في التعبير عن المعنى
الذي بسطناه وأوضحناه. فهو لم يقل (لن يَدْخُلَ أحدُكم
الجنةَ بعمله) لو قال ذلك، إذن لجاء كلامه مناقضاً للقرآن الذي
يقرر أن الله يدخل الصالحين من عباده في الجنة بأعمالهم، وذلك
في مثل قوله عز وجل: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 } ، وإنما قال: «لن يُدْخِلَ
أحَدَكم الجنةَ عملُه» أي إن اعتمادك على العمل مستقلاً عن عفو
الله وصفحه، وعن مسامحته وكرمه، سيخيب آمالك ولن يحقق لك شيئاً
من أحلامك. ذلك لأن الله هو الذي جعل عملك البخس، طريقاً إلى
مغفرته وجنته. والباء في قوله تعالى: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 } إنما ساقتها
فربطتها بالعمل، رحمة الله، كرم الله، سعة عفو الله، لا
استحقاقك أنت أيها العبد أياً كنت وأياً كان شأنك
ومستواك.وانظر إلى مثال تَصَدُّقِ أحدنا بشيء من المال على
فقير، وتأمل كيف يتجلى سائق الرحمة الإلهية والمغفرة الربانية
للباء التي دخلت دخول السببية على العمل: من المعلوم أن المال
مال الله، وليس له من مالك حقيقي إلاّ هو. ألم يقل {
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } { النحل:
16/32 } ثم إنه يخاطبنا قائلاً: { .. بما كنتم تعملون } {
النحل: 16/32 } يعطيك من ماله، ثم يفترض أنك أنت المالك
الحقيقي له، ويقيم ذاته العلية مقام المقترض منك، قائلاً:
أتقرضني شيئاً من مالك هذا، إذن أعدك أنني سأعيده إليك أضعافاً
مضاعفة!..فهل تصدق يا هذا أنك أنت المالك حقاً، وأن الله ليس
إلا محتاجاً إليك ومقترضاً منك؟!.. أفيمكن أن يبلغ منك السكر
بهذا الأسلوب الرباني المتفضل الودود، أن تذهل عن الحقيقة وأن
تصدق أنك أنت المالك وأن الله هو المقترض، ثم أن تزعم بأن لك
أن تطالب الله بما أقرضته إياه، مضافاً إليه الفوائد التي
تعاقدت معه عليها؟!..إن كنت تتصور هذا، وتنسى أن باء السببية
هنا إنما ساقها اللطف الإلهي، فأنت مجنون بكل جدارة!....إذن
فقد أدركنا وتذوقنا معنى كلام سيدنا رسول الله : «لن يُدخِلَ
أحدَكم الجنةَ عملُه..» إلى آخر الحديث.ولكن فلنتساءل: هل من
تعارض بين أن يعدك الله دخول الجنة برحمته وبين أن يأمرك في
الوقت ذاته بعبادته؟لا تعارض، لأن العبادة حق لله عليك بوصف
كونك عبداً له، والجنة منحة وعطية من الله لك، بوصف كونه
رحيماً بك وغفوراً لك. وقد قضى بسابق حكمه أن يكون أولى الناس
برحمته أكثرهم أداء لحقوقه. وقد أعلن عن ذلك بقوله: {
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُم } { النور: 24/33
} ولا يقولنَّ قائل: ما حاجتي إلى رحمة الله وصفحه إن كنت
مؤمناً متقياً؟ لأن الإيمان والتقوى ليس شيء منهما قيمة لعطاء
تناله، وإنما هو حق مترتب لله عليك. فإذا أديت الحق الذي له في
عنقك، فليس لك عنده بمقابل ذلك شيء، وكل ما ينالك منه تفضل
ورحمة وصفح.والآن، نعود إلى كلام ابن عطاء الله، لنقف على نقطة
هامة يحذرنا منها: ((من علامة الاعتماد على العمل نقصان
الرجاء عند وجود الزلل)).أي إن من أخطر نتائج اعتمادك في مثوبة
الله على العمل، نقصان رجائك بعفوه عندما تتورط في الزلل
والآثام؛ فبين الأمرين تلازم مطرد. والسبيل الوحيد إلى أن لا
يقل رجاؤك برحمة الله وصفحه عند التقصير، هو أن لا تعتمد على
عملك عندما يحالفك التوفيق. وعندئذ تكون في كلا الحالين
متطلعاً إلى جود الله وكرمه، بقدر ما تكون خائفاً من غضبه
ومقته.إذن فالخوف من غضب الله وعقابه يجب أن يكون موجوداً مع
الرجاء الدائم برحمته وفضله، لأن الإنسان أياً كان، لن ينفك عن
التقصير في أداء حقوق الربوبية عليه، في سائر التقلبات
والأحوال.ومن ثم فإن الذي يرى أنه من الضعف والتقصير بحيث لا
يستطيع أن يؤدي شيئاً من حقوق الله عليه، يتجاذبه شعوران
متساويان في كل الأحوال: أحدهما شعوره بالأمل بفضل الله وعفوه،
ثانيهما شعوره بالخجل والخوف من تقصيره في جنب الله عز وجل، لا
يعلو ويشتدّ الشعور الأول إن رأى نفسه موفقاً للطاعات، ولا
يهتاج به الشعور الثاني إن رأى نفسه مقصراً في أدائها متهاوناً
في حقوق الله عز وجل، لأنه في كل الأحوال لا يقيم لطاعاته
وزناً، ولا يعتمد عليها في الأمل برحمة الله وعفوه. فهو إذن في
كل الأحوال بين الخوف والرجاء.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:43 am

يتبع الحكمة الاولى :

من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

ـ قد يوسوس الشيطان بأن الطاعات ليس لها إذن أي دور في
تفضل الله على العبد، فلا فرق إذن بين الطائع والعاصي

ولعلّ الشيطان يوسوس إليك بأن الطاعات والقربات ليس لها إذن أي
دور في تفضل الله على العبد، وإذن فلا فرق بين إقبال العبد
إليها وإعراضه عنها!..ولكن فلتعلم أن هذا الوسواس الشيطاني ليس
نتيجة لهذا الذي نشرحه من كلام ابن عطاء الله، ولا لكلام علماء
التوحيد في هذا الصدد.. لقد قال الله تعالى: { مَنْ ذا
الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ
أَضْعافاً كَثِيرَةً } { البقرة: 2/245 } أفقال بعد ذلك:
سأكتبها للناس جميعاً، أم قال: { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ
شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُون } { الأعراف:
7/156 } ..هما أمران لا ينفك واقع عبودية الإنسان لله عنهما:
أحدهما أن عليه أن يسلك مسالك الهدى والالتزام بأوامر الله
والابتعاد عن نواهيه، ثانيهما أن يعلم أنه برحمة الله وعفوه،
لا بجهوده وأعماله ينال المثوبة والأجر.وهذا هو المعنى الجامع
الذي يتضمنه قول الله تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء.. } {
الأعراف: 7/156 } أي الإيمان والعمل الصالح واجبان، والمثوبة
تأتي عن طريق المغفرة والصفح لا عن طريق الأجر والاستحقاق.إنني
بحكم عبوديتي لله أنفذ أوامره، تلك ضريبة العبودية لله في
عنقي. ثم أبسط كفّيَ إلى السماء قائلاً: يا رب، أنا عبدك وابن
عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك
أسألك رحمتك، لا تعاملني بما أنا له أهل، بل عاملني بما أنت له
أهل، إنك أنت القائل: { فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُون
} { الأعراف: 7/156 } وشاكلتك الرحمة فارحمني، شاكلتك المغفرة
فاغفر لي.أقول مثل هذا الكلام دون أن أطالبه بأجر على عمل أرى
أني قد بذلته. بل أسترحمه بمقتضى ضعفي وشدة احتياجي، وأستجديه
العطاء كما يفعل الشحاذ إذ يستجدي احتياجاته من مال أو طعام
ممن يأمل منهم الجود والإحسان. هكذا تكون العبودية لله سبحانه
وتعالى.لعلك تقول: ولكن الله يحذر العاصين والمذنبين من مقته
وعقابه، فكيف لا ينقص رجائي بعفوه وإحسانه إن أنا ارتكبت
موجبات هذا النقصان؟.. كيف وقد شرط الله لنيل رحمته الإيمان
والتقوى، عندما قال: { . . فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ
يَتَّقُون } { الأعراف: 7/156 } والجواب أن العاصي الذي
يُطْلَبُ منه أن يظل راجياً كرم الله وصفحه، لا يمكن أن يُقبل
على الله بالرجاء إلا إن دخل رحابه من باب التوبة.أرأيت إلى
العاصي الذي جاء يطرق باب الله متأملاً صفحه ومغفرته، أيعقل أن
يفعل ذلك وهو مصرّ على معصيته مستريح إلى شروده وآثامه؟!..
لا.. من الواضح في مقاييس الأخلاق والمشاعر الإنسانية، فضلاً
عن مشاعر العبودية لله، أن هذا العاصي بمقدار ما يزدهر في نفسه
الأمل بصفح الله ومغفرته، تزداد لديه حوافز التوبة ومشاعر
الندم وعزيمة الإقلاع عما كان عاكفاً عليه.. فإذا تاب هذه
التوبة الصادقة، فلا بدّ أن يتنامى الرجاء لديه بصفح الله ولا
ينقص. إذ المفروض أنه يقرأ كتاب الله تعالى ويقف فيه على مثل
قوله: { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ
التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ
اللَّهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ } { التوبة: 9/104 }
والمفروض أنه وقف على مثل هذا الحديث القدسي المتفق عليه،
والذي يرويه رسول الله عن ربه: «أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم
اغفر لي ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم
أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي
رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أنه
له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب
اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له
رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي فليفعل ما
شاء».إذن فالتوبة لا بدّ منها، وهي السبيل إلى بقاء الرجاء
مزدهراً في نفس العاصي. أما المستمر في عكوفه على الآثام والذي
لا تخطر منه التوبة على بال، فالرجاء بصفح الله أيضاً لا يمكن
أن يخطر منه على بال.ثم إنه يتبيّن لك مما ذكرته وأوضحته أن
التلبس بعكس ما ذكره ابن عطاء الله، هو الآخر دليل على
الاعتماد على العمل. أي فمن ازداد رجاؤه بفضل الله ومثوبته
كلما ازداد إقبالاً على الله بالعمل الصالح، فذلك دليل منه على
أنه إنما يعتمد على أعماله الصالحة، لا على صفح الله
ومغفرته.وتتجلى خطورة هذا الربط بين تنامي الرجاء، وتنامي
العمل الصالح، إذا تصورنا إنساناً يزداد عمله مع الزمن صلاحاً
وتزداد طاعاته كثرة، وكلما ازداد ذلك منه ازداد ثقة بمثوبة
الله ووعده، ذلك لأن النتيجة التي سينتهي إليها هذا الإنسان،
بموجب هذا الربط، أنه في مرحلة معينة سيجزم بأنه قد أصبح من
أهل الجنة ومن المكرمين بالنعيم الذي وعد الله به. إذ هو
بمقتضى ذلك الربط بين العمل والأجر، لا بدّ أن يعتقد - إذا بلغ
تلك المرحلة في أعماله الصالحة - أن عمله كله مبرور وأن حياته
مليئة بالطاعات، إذن فهو من أهل الجنة قطعاً!. وهذا هو التألي
على الله، وكم وكم حذر منه رسول الله .وإنما سبيل الابتعاد عن
هذا المنزلق، العلم بأن حقوق الله على العباد لا تؤدَّى
بطاعاته مهما كثرت وعظمت، بل إن هذه الحقوق ستظل باقية. ولو
أديت حقوقه عز وجل بالطاعات، لكان أولى الناس بذلك الرسل
والأنبياء، ومع ذلك فما وجدنا واحداً منهم عقد رجاءه بمثوبة
الله بطاعاته وقرباته، بل كانوا جميعاً يتطلعون إلى مغفرة الله
وصفحه.كان سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام - وهو خليل
الرحمن - يرى أنه أقل من أن يكون في مستوى الصالحين من عباد
الله، فكانيسأل الله أن يلحقه بهم قائلاً: { وَإِنِّي
لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ
اهْتَدَى } { طه: 20/82 } وكان يتطلع إلى مغفرة الله وصفحه
قائلاً: { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شاكِلَتِهِ } { الإسراء:
17/84 } وكان يوسف عليه الصلاة والسلام يرى هو الآخر أنه أقل
من أن يرقى إلى درجة الصالحين، فكان يسأل الله أن يلحقه بهم
وإن لم يكن منهم، أليس هو القائل فيما أخبر الله عز وجل عنه:
{ . . فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُون } { الأعراف: 7/156
} أما سيد الرسل والأنبياء فهو الذي يقول كما قد علمت: «لن
يُدخِلَ أحَدَكم الجنة عمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته». * * * إذن،
فالإنسان، أياً كان، عندما يوفق للعمل الصالح، إنما يؤدي بذلك
جزءاً يسيراً جداً من ضريبة عبوديته لله عز وجل ومن حقوق النعم
التي أغدقها الله عليه في الدنيا، وهي نِعم كثيرة ومتنوعة لا
تحصى.فإذا كان هذا الإنسان على الرغم من طاعاته التي وفق لها،
لا يزال مثقلاً تحت حقوق الربوبية لله عليه، ومثقلاً تحت حقوق
النعم التيامتنّ الله بها عليه، فأنى له وبأي حجّة يطالب الله
أن يكرمه مقابل ذلك بجنان خلده، وبأن يضيف إلى نعمه الدنيوية
التي لم يؤد بعد حقوقها النعم الأخروية التي وصفها وتحدث عنها
في محكم كتابه؟!.. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:44 am

يتبع الحكمة الاولى :

من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

ـ يجب على المسلم أن يعبد الله لأنه عبده ولأن الله ربه،
أي سواء أثابه الله على طاعاته أم لا

وصفوة القول أن الإنسان - بعد أن عرف الله وأدرك أنه عبد مملوك
له - يجب عليه أن يعبد الله لأنه عبده ولأن الله ربه، أي سواء
أثابه الله على عبادته أم لم يثبه. ثم إن عليه أن يسأله جنته
تفضلاً منه وإحساناً، وأن يستعيذ به من ناره وعذابه، تلطفاً
واسترحاماً. وتلك هي سيرة رسول الله في دعائه.فلو أن أحدنا
قرر في نفسه أنه إنما يعبد الله طمعاً بجنته بحيث لو علم أنه
لن ينال على عبادته له هذا الأجر، فسيقلع عن العبادة ولن يبالي
بشرعته وأحكامه، فهو غير مسلم ولا مؤمن في ميزان الله وحكمه.
إذ إنه يعلن بذلك أنه ليس عبداً لله وإنما هو عبد للجنة التي
يبحث عن سبيل ما إليها.وهنا ندرك سموّ مشاعر التوحيد في مناجاة
رابعة العدوية لربها إذ كانت تقول له: «اللهم إني ما عبدتك
حين عبدتك طمعاً في جنتك ولا خوفاً من نارك، ولكني علمت أنك
ربٌّ تستحق العبادة فعبدتك».بعض السطحيين ظنّ أن رابعة كانت
تعبر بهذا عن استغنائها عن الجنة التي وعد الله بها عباده
الصالحين، ومن ثم أطالوا العتب والتشنيع عليها. وهذا تسرع في
الفهم وظلم في الحكم!.. فرابعة كانت تسألالله الجنة وتستعيذ به
من النار، وكم كانت في الكثير من مناجاتها تتخوف من عقابه الذي
ترى نفسها معرّضة له، وكم كانت تتشوق إلى إكرامه وجنة قربه،
ولكنها لم تكن تطلب ذلك أجراً على عبادتها، وقيمة لصلاتها
ونسكها. وإنما كانت تسأله ذلك لأنه الغني الكريم ولأنها
الفقيرة الراغبة بجوده.أما طاعاتها وعباداتها، فقد كانت تتقرب
بها إلى الله لأنه ربها ولأنها أمته. إنها مدينة بحق العبودية
له، ومن ثم فإن عبوديتها تلح عليها أن تعبده وأن تخضع لسلطان
ربوبيته، لا لشيء إلاّ لأنها أمته ولأنه ربها. وسواء أأكرمها
بنعيم جنانه أو زجها في أليم عذابه، فلن تنقض معه ميثاق هذا
الالتزام. وكيف تنقضه وهي في كل الأحوال صنع يده وملك
ذاته؟..هذا هو موقف رابعة رضي الله عنها.. فهل في المسلمين من
يقول: إنه موقف غير سديد؟!.. إذن فالموقف السديد نقيضه، وهو أن
نقول: اللهم إني لم أعبدك لأنك رب تستحق العبادة، ولكن لأني
طامع في جنتك!.. فهل في الناس المؤمنين بالله، حتى ولو كانوا
فسقة، من يخاطب الله بهذه المحاكمة الوقحة؟إننا على الرغم من
تقصيرنا وبُعد ما بيننا وبين رتبة أمثال رابعة العدوية، لا
يسعنا إلا أن نخاطب إلهنا وخالقنا بالمنطق ذاته الذي كانت
تخاطب به ربها، إننا نقول:اللهم أنت ربنا ونحن عبادك، نعبدك
وننقاد لأوامرك جهد استطاعتنا لا لشيء إلاّ لأنك ربنا ونحن
عبيدك.. ونحن نعلم أننا مهما استقمناعلى صراطك فلسوف يظل
التقصير شأننا الملازم لنا، لا بسبب استكبار على أمرك ولكن
لأنك قضيت علينا بالضعف.لسوف نرحل إليك من دنيانا هذه بخروق
كثيرة من الزلل والإساءة والانحراف، آملين أن نوفق لترقيعها
بالتوبة الصادقة النصوح.. سنرحل إليك فقراء عرايا إلا من ذل
عبوديتنا لك وافتقارنا إليك.ولسوف يكون جواب كل منا إن سألت،
بِمَ جئتني من دنياك التي أقمتك فيها؟: جئتك بالأمل في رحمتك..
بالأمل في كرمك، جئتك فقيراً إلا من عبوديتي لك، ذلك هو رأس
مالي الذي أقف به بين يديك ولن يجرِّئني عندئذ على استجداء
جنتك وكريم عطائك إلا ما أعلمه من تفضلك وكرمك وما أعتزّ به من
انتسابي بذل العبودية إليك.وبعد فهذا هو لُبَابُ التوحيد الذي
يجب أن يهيمن على مشاعر كل مسلم بعد أن يستقر يقيناً في عقله.
وتلك هي الحقيقة التي عناها ابن عطاء الله بقوله: «من علامة
الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل». * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:45 am

الحكمة الثانية

إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة
الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية


ـ معنى كلمتي: الإقامة في التجريد ـ والإقامة في الأسباب

هذه الحكمة تدور على قطبين اثنين: أحدهما ما يسمونه التجريد،
والآخر ما يسمونه الأسباب.. فما معنى هاتين الكلمتين؟يتعرض
الإنسان لحالتين اثنتين: الأولى أن يجد نفسه متقلباً تحت
سلطان من عالم الأسباب، فأينما تحرك وجد نفسه أمام أسباب لا
مناص له من التعامل معها. فهذه التي تسمى حالة
الأسباب. والثانية أن يجد نفسه معزولاً عن سلطان الأسباب، ليس
له سبيل إليها، إذ تكون بعيدة عن متناوله وعن المناخ الذي
أقامه الله فيه. وتسمى حالة التجرد أو التجريد.فالمطلوب من
المؤمن بالله الساعي إلى تنفيذ أوامره أن ينظر إلى الحالة التي
أقامه الله فيها فيتعامل معه طبق تلك الحالة. أي ما ينبغي أن
يسرع فيستجيب لمزاجه في التعامل مع نظام الأسباب آناً،
والإعراض عنها آناً آخر، دون أن يتبين الحال أو المناخ الذي
أقامه الله فيه. إنه -والحالة هذه- إنما يتعامل مع هواه ومزاجه
وإن كانت الصورة التي يظهرها من نفسه أنه يستجيب لأوامر الله
وأحكامه.تلك هي خلاصة معنى هذه الحكمة. ولكن فلنفصل القول فيها
في ضوء صور من الوقائع التي يتعرض لها كل منا. ولنبدأ بتحليل
الشطر الأول منها «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في
الأسباب من الشهوة الخفية».

ـ خلاصة سريعة لمعنى هذه الحكمة، ثم البدء بتحليل الشطر
الأولى منها: من أقامهم الله في عالم الأسباب.

نقول له: عليك قبل كل شيء أن تنظر في الحال أو المناخ الذي
أقامك الله.. لقد أقامك تحت سلطان من عالم الأسباب، وذلك عندما
جعل منك زوجاً لزوجة، وعندما جعل منك أباً لأولاد، وعندما أناط
بعنقك مسؤولية إعالتهم جميعاً. فإذا أعرضتَ عن هذه الحال التي
أقامك الله فيها، لتتخذ هذا الموقف، فاعلم أنك في الظاهر
تمارسالتوحيد، وفي الباطن ترعى هوى نفسك إذ تمتعها بشهوة من
شهواتها الخفية غير المعلنة، متطلعاً إلى أن تتباهى بين الناس
بأنك منصرف عن الدنيا إلى الله وأنك لا تتعامل مع الأسباب بل
مع المسبب.. وهذا غلط كبير وخطير في ميزان الدين وشرعه. والنهج
الصحيح في أوامر الله وحكمه أن تعلم أن الله عز وجل عندما جعل
منك رباً لأسرة فقد حمّلك مسؤولية إعالتها. إنك لا تتعامل في
هذه الحالة مع الله من أجل نفسك بناء على ثقتك الخاصة به في حق
ذاتك وإنما تتعامل معه من أجل أسرتك، زوجك.. أولادك.. وإذا كان
لك أن تزعم بأنك تملك من الثقة بالله في حق نفسك ما يجعلك تعرض
عن الدنيا وتنقطع للعبادة والطاعة، فبأي حق تجرّ زوجك وأولادك
إلى مثل هذه الثقة، وإلى مثل هذا الزهد الذي ارتضيته
لنفسك؟!..قل لهذا الإنسان: إن الله أقامك بين كفتين من ميزان
شرعه، عندما قال لك: { رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي
بِالصّالِحِينَ } { الشعراء: 26/83 } المباشر إلى بابي، وسر
إليه عن طريق ما أقول لك.. انزل إلى السوق، اشتغل، اكدح، تاجر،
ازرع، اسلك السبل التي يفتحها الله عز وجل أمامك.. هذا هو
النهج الذي ألزمك به.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:47 am

يتبع الحكمة الثانية :

إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة
الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية

ـ يقول بعضهم: لماذا أخضع لسلطان الأسباب؟ إنني مع
المسّبِب!..

ولهذا اللون من الانحراف صور واقعية كثيرة ونماذج شتى. ولنذكر
منها بعض الأمثلة:رجل ذو أسرة وأولاد، يشتغل في السوق ولكنه
عندما يأتي إلى الدار يتجه رأساً إلى الزاوية التي أعدَّها
للعبادة في بيته، دون أن يلتفت يمنة ولا يسرة بعد السلام
التقليدي يلقيه على من حوله.. فيقبل على القرآن يقرؤه، أو يتجه
إلى القبلة يصلّي النوافل والسنن؛ دون أن يباسط زوجته التي
تنتظره، وصغاره الذين من حولها!..أنا لا أتخيل.. أنا أصف
واقعاً.. ما حكم الشرع في هذا العمل؟.. حكمه، هذا الذي يقوله
ابن عطاء الله السكندري.يقول له الشرع: يا هذا لو كنت منفرداً
لا زوجة لك، ولا أولاد ولا أرحام، وكانت دارك كمغارة تدخل
إليها فلا تجد فيها أحداً تُسَلِّم عليه، إذاً لصحّ لك أن تفعل
هذا، لأن الله لم يعلِّق بعنقك مسؤولية أحد، لكن أما وقد أقامك
الله في عالم الأسباب وأخضعك لمسؤوليّاتها عندما جعلك ربّ
أسرة، فقد كلفك بسلسلة أوامر شرعية داخلة في معنى الميزان الذي
ألزمك الله به. استجابتك لهذه الأوامر هي عبادتك،هي قراءتك، هي
تسبيحك وتحميدك وتهليلك.. أن تدخل إلى الدار وقد رسمت البسمة
الحارّة على وجهك.. أن تُسَلِّم على من حولك تسليمة الإنسان
الودود المشتاق إلى أسرته وأولاده، ثم تجلس إليهم تنثر وتنشر
من محبتك بينهم.. تلك هي العبادة التي ألزمك الله بها..
الصورة، صورة دنيا تتعامل بها، وشهوات تمارسها، ولهو تتقلب
فيه.. لكن الواقع الكامن وراء هذه الصورة، عبادة تتقرب بها إلى
الله لأن الله أقامك من هذه الأسرة في عالم الأسباب، ومن ثم
فقد أخضعك لنظامها، ولو قلت: بل سأقفز فوق التعامل مع الأسباب
التي لا حقيقة لها أمام سلطان الله وقدرته، وأتعامل مع المسبب،
فأدعو الله لزوجتي في السجود بأن يكرمها ويدخل السرور إلى
فؤادها ويغنيها عن مجاملاتي ومباسطاتي، إذن فهي قلة أدب منك مع
الله عز وجل!..علمك الله الطريقة التي بها تسعد أهلك، إذ قضى
بأن يثيب الناسَ بعضَهم ببعض. يجعل الزوج من نفسه سكناً لزوجته
بما ينهض به من الوظائف التي كلفه الله بها، وتجعل الزوجة من
نفسها سكناً له، بما تنهض به هي الأخرى من الوظائف التي كلفها
الله بها، فيؤجِر الله عز وجل كلاً منهما بالآخر، ويتحقق
قانونه القائل: { رَبَّنا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ } { إبراهيم:
14/41 } فإذا جاء من يقول: بل أحيل هذه الرعاية إلى الله الذي
بيده كل شيء، وأكفي نفسي مؤنة المشاغل الدنيوية التي تقصيني عن
أورادي وعباداتي، فلا ريب أنه يتلبس من موقفه هذا بنوع سمج من
سوء الأدب مع الله، والتطاول بالنقد على نظامه الذي قضى أن
يأخذ به عباده. ولا شك أن مثل هذا الإنسان محجوب عن الله بشهوة
من شهواته الدنيوية الخفية، من حيث يحسب أنه يسعى إلى الابتعاد
عن الدنيا التي تحجبه عن الله.وقِسْ على مثال رب الأسرة مع
أهله وأولاده، الناس الذين شاء الله أن يقيمهم في عالم الأسباب
عندما وَكَلَ إليهم مسؤولية رعاية الأمة في أي من مستوياتها
المتفاوتة، أو الذين وَكَل إليهم رعاية الدين في مجتمعاتهم
بالتعليم والتثقيف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو
الذين أناط بهم عجلة الاقتصاد أو حمّلهم مسؤولية إحياء موات من
أرض..هؤلاء وأمثالهم، من الذين أقامهم الله في عالم الأسباب،
أي جعل منهم وسائل لمقاصد، إنما تتمثل عبادتهم لله في انقيادهم
لما أقامهم الله فيه، وفي القيام بالمسؤوليات التي أناطها الله
بهم، بعد القيام بالجامع المشترك من العبادات والطاعات التي
خاطب بها الله الناس جميعاً.ومن الأخطاء الجسيمة التي يقع فيها
كثير من الناس، ما يتصورونه من أن الطاعات والعبادة محصورة في
أعمال محدودة معيّنة، فإذا تجاوزها أحدهم وقع في فلك الدنيا
وشواغلها!..

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:48 am

يتبع الحكمة الثانية :

إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة
الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية

ـ العمل الصالح يتمثل في أعمال كثيرة شتى.

العمل ناظر للحال التي يمرّ بها الإنسان وللوظيفة التي أقامه
الله عليها. يقول ابن عطاء الله تعبيراً عن هذه الحقيقة في
واحدة من حكمه: «تنوعت الأعمال بقدر تنوع واردات الأحوال» أي
فليس كل عمل صالح صالحاً بالنسبة إلى الناس كلهم. بل يتوقف
الحكم بصلاحه أو عدم صلاحه على الحال التي يمرّ بها صاحب
الفعل، وعلى الوظائف والمهام التي أقامه الله عليها.فالعمل
الصالح بالنسبة لمن قضى الله له بالانقطاع عن العلاقات
الاجتماعية، والابتعاد عن مسؤوليات الأسرة، يتمثل في طاعات
وعبادات شخصية تعود بالفائدة إلى ذاته وشخصه هو، أما العمل
الصالح بالنسبة لمن قضى الله له بأن يتحمل إحدى المهام
السياسية أو الاجتماعية فيتمثل في خدمة أمته من خلال قيامه
أصدق قيام بالوظيفة التي أنيطت به، والعمل الصالح في حق من
وُكِلَتْ إليه حراسة ثغر أو ردّ لغائلة عدوان، هو الإخلاص
بالقيام بما قد وُكِل إليه، وهكذا.. على أن لا ننسى أن هناك
قدراً مشتركاً من الطاعات الواجبة يشترك في ضرورة النهوض بها
كل الفئات على اختلاف أحوالهم وأعمالهم، كالصلوات المكتوبة
والصيام والقدر الأساسي من النسك والأوراد والأذكار.فهذا هو
معنى الشطر الأول من حكمة ابن عطاء الله الثانية، والتي نحن
بصدد شرحها. وهو «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في
الأسباب من الشهوة الخفية». «وإرادتك الأسباب مع إقامة الله
إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية».

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:51 am

يتبع الحكمة الثانية :

إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة
الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية

ـ الانتقال إلى شرح الشطر الثاني من هذه الحكمة: من
أقامهم الله في عالم التجريد.

المثال الأول: مجموعة من الناس توجهوا حجاجاً إلى بيت الله
الحرام. أما البعض منهم فمتحررون من سائر القيود والتبعات
والمسؤوليات، متفرغون لأداء هذه الشعيرة، مقبلون إلى مزيد من
العبادات والقربات. وأما بعض منهم فأطباء أنيطت بهم مسؤولية
الرعاية الجسمية للحجيج ومعالجة من يتعرضون منهم للآلام أو
الأسقام، أو متعهدون أنيطت بهم مسؤولية توفير عوامل الراحة
والحاجات التي لا بدّ منها لهم.

أما الطائفة الأولى فهي
تمرّ من الوضع الذي هي فيه بما سماه ابن عطاء الله حال التجرد
أو التجريد، فالمطلوب منها أن تقبل إلى ما قد فرغها الله له من
كثرة العبادات والقربات والأذكار والاستزادة من النوافل.

وأما
الطائفة الثانية ، فهي تمرّ من الوضع الذي هي فيه بما سماه
ابن عطاء الله مرحلة الإقامة في الأسباب. فالمطلوب من أفراد
هذه الطائفة التعامل مع الأسباب التي أقامهم الله فيها وألزمهم
بها. فالطبيب منهم مكلف برعاية الكتلة التي كلف بالسهر على
صحتها ومعالجة المرضى وأولي الأسقام فيها. ومتعهدو الخدمات
الأخرى مكلفون بالقيام بما قد تعهدوا به على خير وجه.

فلو أن
أحدهم تناسى المسؤولية التي أنيطت به، إذ أقامه الله سبباً
لإحدى الخدمات الكثيرة للحجيج، وأمضى أوقاته كلها أو جلّها في
البيت الحرام طائفاً ساعياً راكعاً ساجداً يتلو القرآن ويكرر
الأذكار والأوراد، مهملاً سببيته التي أقامه الله عليها في
خدمة المحتاجين وتطبيب المرضى، فهو مفتئت على شرع الله عابث
بنظام هديه، ذلك لأن الله أقامه من الوضع الذي هو فيه، في عالم
الأسباب، فتجاهله

تناساه مصطنعاً لنفسه حالة التجرد التي هو،
بحكم الشرع الإسلامي، بعيد عنها.

وكم في الناس من يتورط في
هذا العبث، لدى توجههم حجاجاً إلى بيت الله الحرام، يتعاملون
مع عناوين الإسلام وألفاظه المضيئة، ويتجاهلون مضامينه ومبادئه
الإنسانية القويمة!!..

المثال الثاني: شاب قال له والده:
سأقدم لك كل ما تحتاج إليه من أسباب المعيشة على اختلافها، ولن
أكلفك بأي نفقة مما تريد أن تعود به إلى نفسك، على أن تتفرغ
لدراسة كتاب الله وتعلم شريعته. إذن فقد أقام الله هذا الإنسان
في مناخ التجريد بمقتضى ميزان الشرع وحكمه، والمطلوب منه إذن
أن يتعامل مع هذا الذي أقامه الله فيه، فينصرف إلى دراسة كتاب
الله وتعلم شرعه والتفقه في دينه.

ولا يقال لمثل هذا الإنسان:
إن الشرع يأمرك بالتسبب للرزق وينهى عن الركون إلى البطالة..
ذلك لأن الذي يأمره الشرع بأن يغدو إلى السوق فيبحث عن مصدر
لرزقه، هو الذي ليس له من يتكفل برزقه واحتياجاته، كوالد
ونحوه. أما من قيض الله له متكفلاً لاحتياجاته، كهذا الإنسان
فلا يخاطب من قبل الشارع بهذا الأمر، ولأن الشرع يأمر بالتسبب
للرزق كي لا يجنح الإنسان عن ذلك إلى البطالة. أما هذا فلم
يركن إلى البطالة، بل تحول من السعي في سبيل الرزق الذي تكفل
له به والده إلى السعي من أجل معرفة الشرع والتفقه في الدين.
وقد قال رسول الله : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»
رواه_البخاري_ومسلم،_وأحمد،_من_حديث_معاوية_وحديث_عب د_الله_بن_
عباس_ورواه_ابن_ماجه_من_حديث_أبي_هريرة. .

وينطبق هذا المثال
عليّ في أول عهدي بالدراسة، فقد صرفني والدي عما كان من
المفروض أن أتجه إليه كسائر أندادي، من البحث عن وسائل الرزق
وجمع المال، وألزم نفسه بكل احتياجاتي المالية والدنيوية، وقال
لي - ولم أكن قد تجاوزت الخامسة عشر بعد -: لو علمت أن الطريق
إلى الله يكمن في كسح القمامة لجعلت منك زبالاً، ولكني نظرت
فوجدت أن الطريق الموصل إلى الله إنما يكون في دراسة دينه
وتعلم شرعه، فاسلك إذن هذا الطريق.

وهكذا فقد وضعني الله
تعالى من قرار والدي والتزامه، في حالة التجريد بمقتضى الشرع
وحكمه.

وقد أقبل إليّ جمع من الرفاق آنذاك، يدعونني إلى السير
معهم في طريق الكدح والكفاح من أجل الرزق وجمع المال،
ويحذرونني من أن الاسترسال في النهج الذي دفعني والدي إليه،
سيجعلني عالة على المجتمع، ويزجني في طريق الاستجداء!..

ولكن
الله سلّم ولطف.. فصبرت على النهج الذي سلكني فيه والدي بعد أن
التزم بكل احتياجاتي، وأعرضت عن التحذير والإغراءات اللذين
لاحقني بهما الرفاق.. فهل كنت بذلك متنكباً عن الشرع أم مطبقاً
لحكم الشرع؟.. لم أكن أدري أي جواب عن هذا السؤال آنذاك، ولكني
كنت أعلم أنني أنقاد لأمر والدي وتوجهه، وهذا ما يأمر به
الله.

أما اليوم فأنا على يقين بأنني بالإضافة إلى الاستجابة
لأمر والدي، كنت منسجماً في تلك الاستجابة لشرع الله وحكمه.
وهيهات أن

يرضى والدي بهذا الذي اختاره لي ووجهني إليه، لو
علم أنه مخالف لشرع الله عز وجل.

ولا شك أنني لم أتعرض لشيء
من المخاوف التي حذرني منها بعض الرفاق، بل الذي تعرضت له
وانتهيت إليه هو نقيض تلك المخاوف.. سلسلة من المكرمات الإلهية
والمنح الربانية لاحقتني من حيث لا أحتسب، وغمرني الله منها
بنعم ومنن لا تحصى.

المثال الثالث: رجل أقامه الله من
عمله الدنيوي في حانوت أو محل تجاري، يكدح فيه من أجل الرزق
يعود به إلى أسرته التي جعله الله مسؤولاً عنها. وهو يعلم أنه
إن تعهد متجره هذا كل يوم من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء،
فلسوف يكرمه الله برزق وفير ونعمة كافية. إذن فالشرع يقول
له:

إن الله قد أقامك من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء في
عالم الأسباب، وإنما واجبك التعامل والانسجام معه خلال هذه
المدة من كل يوم. وأقامك فيما قبل ذلك من الصباح وما بعد ذلك
من المساء في عالم التجريد، وإنما واجبك خلال هاتين الحاشيتين
من عملك اليومي، أن تتعامل مع مقتضى هذا التجرد الذي أقامك
الله فيه، فتقبل إلى معارفك الإسلامية تنميها وتتعهدها، وتقبل
إلى الطاعات والعبادات والقربات تستزيد منها.

إذن فميزان
الشرع هو الذي يرسم حدود الزمن الذي يخضع فيه هذا التاجر لعالم
الأسباب، وحدود الزمن الذي يخضع فيه لعالم

التجريد. والمطلوب
منه أن يتبين هذه الحدود ولا يفتئت على أي من المناخين أو
الزمانين لمراعاة الآخر.

وإني لأذكر عهداً مضى، كان أكثر
الذين يَصْفِقُونَ في الأسواق من تجار هذه البلدة، يطبقون هذه
الحكمة التي يقولها ابن عطاء الله، بل يقضي بها الشرع والدين،
كأدق ما يكون التطبيق، ولأضرب مثلاً بسوق مدحت باشا الذي كان
الملتقى الأول لكبار تجار دمشق.

لم يكن هذا السوق يستيقظ
للحركة التجارية قبل العاشرة صباحاً، ولم يكن يستمر إلاّ إلى
ما قبل أذان المغرب بساعة.

في هذه الساعات من النهار كان
السوق يشهد نشاطاً تجارياً عالياً.. فإذا دنت ساعة الغروب،
أظلم السوق، وأغلقت الحوانيت، وغابت عنه الحركة ودبت فيه
الوحشة، وتحول أقطاب تلك السوق من التجار وأرباب المال ورجال
الأعمال، إلى طلاب لعلوم الشريعة تتوازعهم المساجد أو بيوت
العلماء. وقد تأبط كل منهم كتابه في الفقه أو التفسير أو
العقيدة، معرضاً عن مشكلات التجارة والمال، متجهاً باهتمام
ودقة إلى دراسة أكثر من علم من علوم الإسلام.

فإذا أقبل
الصباح بدأ كل منهم نهاره طالب علم مرة أخرى، وحضر عدة دروس
متتابعة أخرى على أحد الشيوخ الأجلاء في ذلك العصر. ثم عاد كل
منهم إلى داره يباسط أهله وأولاده ويتناول إفطار الصباح معهم،
ويأخذ قسطه اللازم من الراحة، ليعود في العاشرة تقريباً إلى
سوقه التجارية.

إذن، فقد كانت ساعات الليل والنهار في حياة
أولئك التجار، مقسومة ما بين عالم التجرد وعالم الأسباب.
وكانوا يعطون كل منهما حقه كاملاً غير منقوص. فلم يكن يطغى
جانب منهما على جانب.

ولعلّ القارئ الكريم يتبيّن من كلامي
هذا صورة غريبة عن واقع أكثر التجار ورجال الأعمال اليوم، أجل،
هي فعلاً صورة غريبة، فلقد خلف من بعد أولئك الرجال خلْفٌ
أغرقوا أنفسهم في حمأة الدنيا واستسلموا بشكل كلي ودائميّ
لعالم الأسباب، غدوّهم ورواحهم حركة دائبة وراء التجارة
والمال، ولياليهم وسهراتهم مناقشات ومشاورات حول مشكلات
التجارة وعثراتها وسبل التغلب عليها، فإن فاض لديهم عن ذلك
وقت، صرفوه إلى الحفلات والمآدب وسهرات الأنس الدنيوي ومتاعب
القيل والقال!.. والله هو المأمول والمستعان أن يجذبهم بتوفيق
منه إلى ما كان عليه سلفهم قبل أربعين عاماً لا أكثر، من تقسيم
أوقاتهم بين عالمي التجريد والأسباب على النحو الذي وصفت والذي
لا تزال ذكراه الفواحة العطرة ماثلة في أخيلة الشيوخ بل الكهول
من أهل هذه البلدة.

مثال رابع: رجل اتجه إلى إحدى الولايات
الأمريكية بقصد الدراسة. ولما انتهى من الدراسة طمع بالمال
الوفير، والحياة الرغيدة، فاستمرأ مع زوجته وأولاده العيش
هناك، واستجاب لمغريات الوظائف ذات المردود المالي الكبير،
ومرت عليه السنوات سعيداً مبتهجاً بعيشه الدنيوي هناك.. أي إنه
استجاب لمتطلبات الأسباب القائمة من حوله.

ترى أهو في ميزان
الشرع وحكمه قائم في عالم التجريد أم في عالم الأسباب؟.. إن
الواقع الذي يواجه هذا الرجل وأهله، هو الذي يحدد
الجواب.

وإذا عدنا نتأمل الواقع الذي يتقلب هذا الرجل مع أهله
في غماره، نجد أن أولاده ينشَّؤون هناك تنشئة أمريكية تامة،
ربما كان الأبوان مشدودين إلى ماضيهما الإسلامي الملتزم، غير
أن من الواضح جداً أن الأولاد مشدودون إلى التيار الأمريكي
المتجرد عن أي التزام، كما قد لاحظت لدى زيارتي الأولى
للولايات المتحدة واحتكاكي بكثير من الأسر الإسلامية
هناك.

إذن فشرع الله يقول لهذا الرجل: ويحك إن الأسباب التي
تتعامل معها هنا، غير معترف بها في هدي الله وحكمه؛ فأنت إنما
تتقلب هنا في عالم التجريد، وأسبابك الشرعية التي تدعوك
للتعامل معها، ليست هذه التي تركن إليها هنا، بل هي تلك التي
تنتظرك في بلدك الإسلامي هناك.

وآية ذلك أولادك الذين يبتعدون
عن نهجك وبقايا التزاماتك رويداً رويداً، متجهين سراعاً إلى
الأفكار والحياة غيرالإسلامية، متعاملين بشغف مع تقاليد الحياة
الأمريكية وفلسفتها.

ومثل هذا الرجل لا بدَّ أن تصكّ أذنه ثم
تسري بالتأثير إلى قلبه حكمة ابن عطاء الله: «.. وإرادتك
الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة
العلية» إن كانت لديه بقايا من جذوة الإيمان وهديه.

والطريقة
الوحيدة لتنفيذه مقتضى هذه الحكمة، هي أن يرحل إلى عالم
الأسباب الشرعية التي تنتظره في بلدته الإسلامية التي رحل منها
لسبب الدراسة، ثم استمرأ العيش هناك للأسباب المعيشية التي كنت
قد ذكرتها.

فإن قال الرجل: ولكني لن أعثر في بلدي على شيء من
هذه الأسباب التي تتاح لي هنا، والتي غمرتني بكل ألوان الرخاء،
أجبناه بأن قرار الله تعالى يقضي بأن تضحي بأسباب رزقك من أجل
سلامة دينك، لا بأن تضحي بسلامة دينك من أجل الحصول على أسباب
رزقك.

على أن الله أكرم من أن يتركك لعواقب الحرمان، إن أنت
آثرت المحافظة على أوامره والالتزام بشرعه، على حظوظك المالية
والدنيوية. ألم تقرأ قوله تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي
مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ
فاطِرَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا
وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي
بِالصّالِحِينَ } { يوسف: 12/101 }

ودعني أحدثك بقصة شاب كان
يغشى دروس الحكم العطائية هذه في مسجد السنجقدار بدمشق، كانت
أسباب الدنيا مدبرة عنه وكان يتقلّب من ذلك في حالة شديدة من
الضنك، أي فكان يمرّ بهذا الذي يســـميه ابن عطاء الله حـــال
التجريد.. وزيادةً في الابتلاء من الله عز وجل، كانت تواجهه
فرص سانحة، الواحدة منها تلو الأخرى، لمزاولة أعمال من شأنها
أن تفيده برزق وفير، غير أنها لم تكن أعمالاً

مقبولة في ميزان
الشرع. فكان كلما لاحت له منها فرصة جاء يسألني عن حكم الشرع
في التعامل مع تلك الفرصة. ولقد كنت أقف من استفتائه بين
الإشفاق الشديد على حاله من الضنك الذي يعانيه، وبين ضرورة
الأمانة مع أوامر الله وأحكامه.. ولكن صدقه مع الله كان يشجعني
على أن أقول له: إنك تستشيرني والمستشار مؤتمن، فلا يجوز أن
أخونك من حيث أخون دينك الذي أراه غالياً عليك، إن هذا العمل
الذي عرض عليك غير شرعي.. فكان يعرض عن تلك الفرصة السانحة
ويواصل الصبر على بؤسه وفقره.

وتمرّ به بعد حين فرصة أخرى،
ويعود فيسألني عن حكم الشرع فيها، وأنظر فأراها هي الأخرى
ملغومة ومحرمة، فأعيد له الجواب ذاته، ويعود هو إلى الصبر
ذاته، راضياً بحالة التجريد التي أقامه الله فيها بمقتضى ميزان
شرعه.

فماذا كانت عاقبة صبره على تلك الحال؟

فتح الله أمامه
نافذة إلى سبب نقي طاهر لرزق وافر كريم، من حيث لا يحتسب،
انتقل بحكم ذلك إلى المدينة المنورة، وتزوج، ورزقه الله
الأولاد وعاد فاشترى بيتاً فسيحاً في مسقط رأسه دمشق، ومن خلال
تعامله الشرعي مع الأسباب أصبح يتردد بين مركز عمله في
المدينة، وموطنه وملتقى أهله في دمشق.

استسلم للتجريد طوال
المدة التي ابتلاه الله بها، ثم تقبل كرم الله له، عندما نقله
من خلال شرعه إلى عالم التعامل مع الأسباب.

* * *

ألا،
فلنعاهد الله أن يكون سلوكنا خاضعاً لقانون هذه الحكمة
الربانية التي اعتصرها لنا ابن عطاء الله من بيان الله وهدي
نبيه: «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من
الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية».

* * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 1:52 am

يتبع الحكمة الثانية :

إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة
الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد
انحطاط عن الهمة العلية

ـ عرض طائفة من التطبيقات المبصّرة بهذا القانون الشرعي
الهام.

المثال الأول: مجموعة من الناس توجهوا حجاجاً إلى بيت الله
الحرام. أما البعض منهم فمتحررون من سائر القيود والتبعات
والمسؤوليات، متفرغون لأداء هذه الشعيرة، مقبلون إلى مزيد من
العبادات والقربات. وأما بعض منهم فأطباء أنيطت بهم مسؤولية
الرعاية الجسمية للحجيج ومعالجة من يتعرضون منهم للآلام أو
الأسقام، أو متعهدون أنيطت بهم مسؤولية توفير عوامل الراحة
والحاجات التي لا بدّ منها لهم.أما الطائفة الأولى فهي تمرّ
من الوضع الذي هي فيه بما سماه ابن عطاء الله حال التجرد أو
التجريد، فالمطلوب منها أن تقبل إلى ما قد فرغها الله له من
كثرة العبادات والقربات والأذكار والاستزادة من النوافل.وأما
الطائفة الثانية ، فهي تمرّ من الوضع الذي هي فيه بما سماه
ابن عطاء الله مرحلة الإقامة في الأسباب. فالمطلوب من أفراد
هذه الطائفة التعامل مع الأسباب التي أقامهم الله فيها وألزمهم
بها. فالطبيب منهم مكلف برعاية الكتلة التي كلف بالسهر على
صحتها ومعالجة المرضى وأولي الأسقام فيها. ومتعهدو الخدمات
الأخرى مكلفون بالقيام بما قد تعهدوا به على خير وجه.فلو أن
أحدهم تناسى المسؤولية التي أنيطت به، إذ أقامه الله سبباً
لإحدى الخدمات الكثيرة للحجيج، وأمضى أوقاته كلها أو جلّها في
البيت الحرام طائفاً ساعياً راكعاً ساجداً يتلو القرآن ويكرر
الأذكار والأوراد، مهملاً سببيته التي أقامه الله عليها في
خدمة المحتاجين وتطبيب المرضى، فهو مفتئت على شرع الله عابث
بنظام هديه، ذلك لأن الله أقامه من الوضع الذي هو فيه، في عالم
الأسباب، فتجاهلهتناساه مصطنعاً لنفسه حالة التجرد التي هو،
بحكم الشرع الإسلامي، بعيد عنها.وكم في الناس من يتورط في هذا
العبث، لدى توجههم حجاجاً إلى بيت الله الحرام، يتعاملون مع
عناوين الإسلام وألفاظه المضيئة، ويتجاهلون مضامينه ومبادئه
الإنسانية القويمة!!.. المثال الثاني: شاب قال له والده:
سأقدم لك كل ما تحتاج إليه من أسباب المعيشة على اختلافها، ولن
أكلفك بأي نفقة مما تريد أن تعود به إلى نفسك، على أن تتفرغ
لدراسة كتاب الله وتعلم شريعته. إذن فقد أقام الله هذا الإنسان
في مناخ التجريد بمقتضى ميزان الشرع وحكمه، والمطلوب منه إذن
أن يتعامل مع هذا الذي أقامه الله فيه، فينصرف إلى دراسة كتاب
الله وتعلم شرعه والتفقه في دينه.ولا يقال لمثل هذا الإنسان:
إن الشرع يأمرك بالتسبب للرزق وينهى عن الركون إلى البطالة..
ذلك لأن الذي يأمره الشرع بأن يغدو إلى السوق فيبحث عن مصدر
لرزقه، هو الذي ليس له من يتكفل برزقه واحتياجاته، كوالد
ونحوه. أما من قيض الله له متكفلاً لاحتياجاته، كهذا الإنسان
فلا يخاطب من قبل الشارع بهذا الأمر، ولأن الشرع يأمر بالتسبب
للرزق كي لا يجنح الإنسان عن ذلك إلى البطالة. أما هذا فلم
يركن إلى البطالة، بل تحول من السعي في سبيل الرزق الذي تكفل
له به والده إلى السعي من أجل معرفة الشرع والتفقه في الدين.
وقد قال رسول الله : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»
رواه_البخاري_ومسلم،_وأحمد،_من_حديث_معاوية_وحديث_عب د_الله_بن_
عباس_ورواه_ابن_ماجه_من_حديث_أبي_هريرة. .وينطبق هذا المثال
عليّ في أول عهدي بالدراسة، فقد صرفني والدي عما كان من
المفروض أن أتجه إليه كسائر أندادي، من البحث عن وسائل الرزق
وجمع المال، وألزم نفسه بكل احتياجاتي المالية والدنيوية، وقال
لي - ولم أكن قد تجاوزت الخامسة عشر بعد -: لو علمت أن الطريق
إلى الله يكمن في كسح القمامة لجعلت منك زبالاً، ولكني نظرت
فوجدت أن الطريق الموصل إلى الله إنما يكون في دراسة دينه
وتعلم شرعه، فاسلك إذن هذا الطريق.وهكذا فقد وضعني الله تعالى
من قرار والدي والتزامه، في حالة التجريد بمقتضى الشرع
وحكمه.وقد أقبل إليّ جمع من الرفاق آنذاك، يدعونني إلى السير
معهم في طريق الكدح والكفاح من أجل الرزق وجمع المال،
ويحذرونني من أن الاسترسال في النهج الذي دفعني والدي إليه،
سيجعلني عالة على المجتمع، ويزجني في طريق الاستجداء!..ولكن
الله سلّم ولطف.. فصبرت على النهج الذي سلكني فيه والدي بعد أن
التزم بكل احتياجاتي، وأعرضت عن التحذير والإغراءات اللذين
لاحقني بهما الرفاق.. فهل كنت بذلك متنكباً عن الشرع أم مطبقاً
لحكم الشرع؟.. لم أكن أدري أي جواب عن هذا السؤال آنذاك، ولكني
كنت أعلم أنني أنقاد لأمر والدي وتوجهه، وهذا ما يأمر به
الله.أما اليوم فأنا على يقين بأنني بالإضافة إلى الاستجابة
لأمر والدي، كنت منسجماً في تلك الاستجابة لشرع الله وحكمه.
وهيهات أنيرضى والدي بهذا الذي اختاره لي ووجهني إليه، لو علم
أنه مخالف لشرع الله عز وجل.ولا شك أنني لم أتعرض لشيء من
المخاوف التي حذرني منها بعض الرفاق، بل الذي تعرضت له وانتهيت
إليه هو نقيض تلك المخاوف.. سلسلة من المكرمات الإلهية والمنح
الربانية لاحقتني من حيث لا أحتسب، وغمرني الله منها بنعم ومنن
لا تحصى. المثال الثالث: رجل أقامه الله من عمله الدنيوي
في حانوت أو محل تجاري، يكدح فيه من أجل الرزق يعود به إلى
أسرته التي جعله الله مسؤولاً عنها. وهو يعلم أنه إن تعهد
متجره هذا كل يوم من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء، فلسوف
يكرمه الله برزق وفير ونعمة كافية. إذن فالشرع يقول له:إن الله
قد أقامك من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء في عالم الأسباب،
وإنما واجبك التعامل والانسجام معه خلال هذه المدة من كل يوم.
وأقامك فيما قبل ذلك من الصباح وما بعد ذلك من المساء في عالم
التجريد، وإنما واجبك خلال هاتين الحاشيتين من عملك اليومي، أن
تتعامل مع مقتضى هذا التجرد الذي أقامك الله فيه، فتقبل إلى
معارفك الإسلامية تنميها وتتعهدها، وتقبل إلى الطاعات
والعبادات والقربات تستزيد منها.إذن فميزان الشرع هو الذي يرسم
حدود الزمن الذي يخضع فيه هذا التاجر لعالم الأسباب، وحدود
الزمن الذي يخضع فيه لعالمالتجريد. والمطلوب منه أن يتبين هذه
الحدود ولا يفتئت على أي من المناخين أو الزمانين لمراعاة
الآخر.وإني لأذكر عهداً مضى، كان أكثر الذين يَصْفِقُونَ في
الأسواق من تجار هذه البلدة، يطبقون هذه الحكمة التي يقولها
ابن عطاء الله، بل يقضي بها الشرع والدين، كأدق ما يكون
التطبيق، ولأضرب مثلاً بسوق مدحت باشا الذي كان الملتقى الأول
لكبار تجار دمشق.لم يكن هذا السوق يستيقظ للحركة التجارية قبل
العاشرة صباحاً، ولم يكن يستمر إلاّ إلى ما قبل أذان المغرب
بساعة.في هذه الساعات من النهار كان السوق يشهد نشاطاً تجارياً
عالياً.. فإذا دنت ساعة الغروب، أظلم السوق، وأغلقت الحوانيت،
وغابت عنه الحركة ودبت فيه الوحشة، وتحول أقطاب تلك السوق من
التجار وأرباب المال ورجال الأعمال، إلى طلاب لعلوم الشريعة
تتوازعهم المساجد أو بيوت العلماء. وقد تأبط كل منهم كتابه في
الفقه أو التفسير أو العقيدة، معرضاً عن مشكلات التجارة
والمال، متجهاً باهتمام ودقة إلى دراسة أكثر من علم من علوم
الإسلام.فإذا أقبل الصباح بدأ كل منهم نهاره طالب علم مرة
أخرى، وحضر عدة دروس متتابعة أخرى على أحد الشيوخ الأجلاء في
ذلك العصر. ثم عاد كل منهم إلى داره يباسط أهله وأولاده
ويتناول إفطار الصباح معهم، ويأخذ قسطه اللازم من الراحة،
ليعود في العاشرة تقريباً إلى سوقه التجارية.إذن، فقد كانت
ساعات الليل والنهار في حياة أولئك التجار، مقسومة ما بين عالم
التجرد وعالم الأسباب. وكانوا يعطون كل منهما حقه كاملاً غير
منقوص. فلم يكن يطغى جانب منهما على جانب.ولعلّ القارئ الكريم
يتبيّن من كلامي هذا صورة غريبة عن واقع أكثر التجار ورجال
الأعمال اليوم، أجل، هي فعلاً صورة غريبة، فلقد خلف من بعد
أولئك الرجال خلْفٌ أغرقوا أنفسهم في حمأة الدنيا واستسلموا
بشكل كلي ودائميّ لعالم الأسباب، غدوّهم ورواحهم حركة دائبة
وراء التجارة والمال، ولياليهم وسهراتهم مناقشات ومشاورات حول
مشكلات التجارة وعثراتها وسبل التغلب عليها، فإن فاض لديهم عن
ذلك وقت، صرفوه إلى الحفلات والمآدب وسهرات الأنس الدنيوي
ومتاعب القيل والقال!.. والله هو المأمول والمستعان أن يجذبهم
بتوفيق منه إلى ما كان عليه سلفهم قبل أربعين عاماً لا أكثر،
من تقسيم أوقاتهم بين عالمي التجريد والأسباب على النحو الذي
وصفت والذي لا تزال ذكراه الفواحة العطرة ماثلة في أخيلة
الشيوخ بل الكهول من أهل هذه البلدة. مثال رابع: رجل اتجه إلى
إحدى الولايات الأمريكية بقصد الدراسة. ولما انتهى من الدراسة
طمع بالمال الوفير، والحياة الرغيدة، فاستمرأ مع زوجته وأولاده
العيش هناك، واستجاب لمغريات الوظائف ذات المردود المالي
الكبير، ومرت عليه السنوات سعيداً مبتهجاً بعيشه الدنيوي
هناك.. أي إنه استجاب لمتطلبات الأسباب القائمة من حوله.ترى
أهو في ميزان الشرع وحكمه قائم في عالم التجريد أم في عالم
الأسباب؟.. إن الواقع الذي يواجه هذا الرجل وأهله، هو الذي
يحدد الجواب.وإذا عدنا نتأمل الواقع الذي يتقلب هذا الرجل مع
أهله في غماره، نجد أن أولاده ينشَّؤون هناك تنشئة أمريكية
تامة، ربما كان الأبوان مشدودين إلى ماضيهما الإسلامي الملتزم،
غير أن من الواضح جداً أن الأولاد مشدودون إلى التيار الأمريكي
المتجرد عن أي التزام، كما قد لاحظت لدى زيارتي الأولى
للولايات المتحدة واحتكاكي بكثير من الأسر الإسلامية هناك.إذن
فشرع الله يقول لهذا الرجل: ويحك إن الأسباب التي تتعامل معها
هنا، غير معترف بها في هدي الله وحكمه؛ فأنت إنما تتقلب هنا في
عالم التجريد، وأسبابك الشرعية التي تدعوك للتعامل معها، ليست
هذه التي تركن إليها هنا، بل هي تلك التي تنتظرك في بلدك
الإسلامي هناك.وآية ذلك أولادك الذين يبتعدون عن نهجك وبقايا
التزاماتك رويداً رويداً، متجهين سراعاً إلى الأفكار والحياة
غيرالإسلامية، متعاملين بشغف مع تقاليد الحياة الأمريكية
وفلسفتها.ومثل هذا الرجل لا بدَّ أن تصكّ أذنه ثم تسري
بالتأثير إلى قلبه حكمة ابن عطاء الله: «.. وإرادتك الأسباب
مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية» إن
كانت لديه بقايا من جذوة الإيمان وهديه.والطريقة الوحيدة
لتنفيذه مقتضى هذه الحكمة، هي أن يرحل إلى عالم الأسباب
الشرعية التي تنتظره في بلدته الإسلامية التي رحل منها لسبب
الدراسة، ثم استمرأ العيش هناك للأسباب المعيشية التي كنت قد
ذكرتها.فإن قال الرجل: ولكني لن أعثر في بلدي على شيء من هذه
الأسباب التي تتاح لي هنا، والتي غمرتني بكل ألوان الرخاء،
أجبناه بأن قرار الله تعالى يقضي بأن تضحي بأسباب رزقك من أجل
سلامة دينك، لا بأن تضحي بسلامة دينك من أجل الحصول على أسباب
رزقك.على أن الله أكرم من أن يتركك لعواقب الحرمان، إن أنت
آثرت المحافظة على أوامره والالتزام بشرعه، على حظوظك المالية
والدنيوية. ألم تقرأ قوله تعالى: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي
مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ
فاطِرَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا
وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي
بِالصّالِحِينَ } { يوسف: 12/101 } ودعني أحدثك بقصة شاب كان
يغشى دروس الحكم العطائية هذه في مسجد السنجقدار بدمشق، كانت
أسباب الدنيا مدبرة عنه وكان يتقلّب من ذلك في حالة شديدة من
الضنك، أي فكان يمرّ بهذا الذي يســـميه ابن عطاء الله حـــال
التجريد.. وزيادةً في الابتلاء من الله عز وجل، كانت تواجهه
فرص سانحة، الواحدة منها تلو الأخرى، لمزاولة أعمال من شأنها
أن تفيده برزق وفير، غير أنها لم تكن أعمالاًمقبولة في ميزان
الشرع. فكان كلما لاحت له منها فرصة جاء يسألني عن حكم الشرع
في التعامل مع تلك الفرصة. ولقد كنت أقف من استفتائه بين
الإشفاق الشديد على حاله من الضنك الذي يعانيه، وبين ضرورة
الأمانة مع أوامر الله وأحكامه.. ولكن صدقه مع الله كان يشجعني
على أن أقول له: إنك تستشيرني والمستشار مؤتمن، فلا يجوز أن
أخونك من حيث أخون دينك الذي أراه غالياً عليك، إن هذا العمل
الذي عرض عليك غير شرعي.. فكان يعرض عن تلك الفرصة السانحة
ويواصل الصبر على بؤسه وفقره.وتمرّ به بعد حين فرصة أخرى،
ويعود فيسألني عن حكم الشرع فيها، وأنظر فأراها هي الأخرى
ملغومة ومحرمة، فأعيد له الجواب ذاته، ويعود هو إلى الصبر
ذاته، راضياً بحالة التجريد التي أقامه الله فيها بمقتضى ميزان
شرعه. فماذا كانت عاقبة صبره على تلك الحال؟فتح الله أمامه
نافذة إلى سبب نقي طاهر لرزق وافر كريم، من حيث لا يحتسب،
انتقل بحكم ذلك إلى المدينة المنورة، وتزوج، ورزقه الله
الأولاد وعاد فاشترى بيتاً فسيحاً في مسقط رأسه دمشق، ومن خلال
تعامله الشرعي مع الأسباب أصبح يتردد بين مركز عمله في
المدينة، وموطنه وملتقى أهله في دمشق.استسلم للتجريد طوال
المدة التي ابتلاه الله بها، ثم تقبل كرم الله له، عندما نقله
من خلال شرعه إلى عالم التعامل مع الأسباب. * * * ألا، فلنعاهد
الله أن يكون سلوكنا خاضعاً لقانون هذه الحكمة الربانية التي
اعتصرها لنا ابن عطاء الله من بيان الله وهدي نبيه: «إرادتك
التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية،
وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن
الهمة العلية». * * *

يتبع الحكمة الثالثة وشرحها ان شاء الله تعالى .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد فتحي في الثلاثاء يونيو 10, 2008 6:47 am

جزاكم الله خيرا أخي الحبيب محمد الحسيني

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:02 am

الحكمة الثالثة


سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ هذه الحكمة ذيل وتتمة للحكمة التي قبلها

هذه الحكمة ذيل وتتمة للحكمة التي قبلها وفيها أجوبة عن أسئلة
تثيرها الحكمة التي قبلها في الذهن. ودعونا نفسر أولاً هذه
الحكمة تفسيراً مجملاً في حدود المعنى المتبادر منها. «سوابق
الهمم لا تخرق أسوار القدر» الهمم هي العزائم التي يمتع الله
بها الناس في مجال الإقبال على شؤونهم، من تجارة وصناعة ودراسة
ونحوها.. هذه الهمم أو العزائم، مهما اشتدت وقويت، في نفوس
أصحابها، فإنها لا تستطيع أن تخترق أسوار الأقدار. والأسوار
جمع سور، وهو السور المعروف الذي يحيط بالبلدة. شبّه ابن عطاء
الله القَدر الذي قدّره الله في غيبه عليك وعليّ، بسور محكم
عالٍ غليظ يحيط بالبلدة، فمهما أراد الأعداء أن يخترقوه من هنا
أو هناك لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً. أي فأنت لا تستطيع أن
تلغي أو تقفز فوق أقدار الله تعالى بهممك ومحاولاتك مهما أوتيت
من براعة الحيلة وخوارق القوة.والمعنى الذي يرمي إليه ابن عطاء
الله هو التالي: يا ابن آدم اكدح كما تحب وابحث عن النتائج كما
تشاء ومارس الأسباب في عالمها الذي أقامك الله فيه، جهد
استطاعتك، ولكن فلتعلم أن الأسباب التي تتعامل معها، مهما كانت
ذات مضاء وفاعلية فيما يبدو لك، تتحول إلى ظواهر ميتة، إن هي
عارضت قضاء الله وحكمه المبرمين في سابق غيبه.وبادئ ذي بدء يجب
أن نتبين بدقة معنى كل من القضاء والقدر وما أكثر الذين فهموا
كلاً منهما فهماً باطلاً بل منكساً. ولقد حملني الجهل الذريع
بحقيقتهما على أن أخرج كتابي الذي أصدرته قبل عدة أعوام:
(الإنسان مسير أم مخير) إذ بسطت فيه هذا الموضوع وأخرجته من
دائرة التعقيد جهد استطاعتي، وأرجو أن يكون قد لعب دوره
المتوقع في إزالة الغموض الذي تطاول أمده على هذا الموضوع.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:03 am

يتبع الحكمة الثالثة :

سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ عود إلى بيان معنى القضاء والقدر

وها أنا، بهذه المناسبة، أعود إلى بيان معنى كل من القضاء
والقدر، بالقدر الذي يزيل عنهما اللبس والغموض، ويقطع دابر
المشكلات الوهمية التي يقوم ويقعد كثير من الناس بها.قضاء الله
عز وجل: علمه الأزلي بكل ما سيجري في المستقبل. أما القدر فهو:
وقوع الأشياء وجريانها، طبقاً لعلم الله الأزلي بها. إذن فعلم
الله بالأحداث الكونية قبل وقوعها هو (القضاء) فإذا وقعت
(ولن تقع إلا مطابقة لعلم الله) فذلك هو القدر.ثم إن القضاء
الذي يتحول اسمه لدى الوقوع إلى (قدر) منه ما يقع بخلق الله
دون أن يكون للإرادة البشرية مدخل أو أثر في وجوده، مثل
المصائب وأنواعها من موت ومرض وعاهات، ومثل الحوادث الكونية من
زلازل وخسف وإعصار وفياضانات.. ومنه ما يتم ظهوره بخلق الله
ولكن على إثر إرادة وقصد من الإنسان إلى ذلك، كالتصرفات
الاختيارية التي تصدر من الإنسان والمتمثلة في أنشطته التجارية
والزراعية والاجتماعية على اختلافها، وفي طاعاته وقرباته
الدينية من صلاة وصيام وحج ونحو ذلك.والمهم أن تعلم أن كلا
هذين النوعين داخل في معنى قضاء الله وقدره إذ كل ذلك إنما
يجري بعلم الله وخلقه، وأن تعلم أن خضوع كل شيء لسلطان قضاء
الله وقدره، لا علاقة له باختيار الإنسان وجبره. ولسنا الآن
بصدد بسط القول في هذا الموضوع الذي له مجاله الخاص به.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:04 am

يتبع الحكمة الثالثة :

سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ علاقة كلام ابن عطاء الله هنا بالحكمة السابقة

والآن، ما علاقة كلام ابن عطاء الله هنا بالحكمة التي فرغنا
الآن من شرحها؟ إليك الجواب:ربّ شخص يعكف على سبب من أسباب
الرزق مثلاً، ينصرف إليه ويتعامل معه. ويتبين لدى النظر أنه
سبب غير مشروع، فإن جاء مَنْ نَصَحَهُ بالابتعاد عنه وبعدم
التعامل معه لعدم شرعيته، ناقشه قائلاً: إن التسبب للرزق مشروع
ومطلوب، وإن الله يكره العبد البطال. وربما قال: إنني ملتزم
بحكمة ابن عطاء الله. فقد أقامني الله في عالم الأسباب، ومن ثم
فلا بدّ أن أتعامل معها.والجواب يتمثل في هذا الاستدراك الذي
يأتي ذيلاً للحكمة الثانية: «سوابق الهمم لا تخرق أسوار
الأقدار».أي عندما تجد أنك تتعامل مع أسباب غير مشروعة، كأن
تجد نفسك في بلدٍ يفور بالمحرمات، ونظرت، فإذا أنت منساق فيه
إلى ارتكاب الموبقات، فإن عليك أن تنفض يدك عن تجاراتك وأنشطتك
المالية كلها على اختلافها، وأن ترحل إلى مكان لا تلاحقك فيه
المعاصي والآثام. فإذا قال لك الشيطان: وهذا السبب الذي قيضه
الله لرزقك، أنّى لك البديل عنه إن أنت أغلقت السبيل إليه على
نفسك؟ل له: ومن أين لك أن تجارتي أو وظيفتي في تلك البلدة هي
مصدر رزقي وهي السبب الحقيقي لنعيمي وعيشي؟!.. أنّى لهذا الوهم
أن يسيطر عليّ وأنا ما زلت أعيش مع قول الله عز وجل: {
فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ } { العنكبوت: 29/17 }
إذن الرزق الذي سيأتيك مسطّر في علم الله، فهو داخل في قضائه،
ولن يأتيك منه إلا ما هو مسطّر لك في علمه وغيبه المكنون، وهذا
هو قدر الله المتفق مع قضائه.أما جهودك ونشاطاتك التجارية،
فإنما هي خادم لما هو مسطور في قضاء الله وحكمه، وللقدر الذي
سيقع مطابقاً لعلمه.قل لشيطانك الذي يوسوس إليك: إذا كان الله
قد كتب لي الغنى والرزق الوفير، فلسوف يتبعني هذا الذي كتبه
الله لي أنى ذهبت وأينما وجدت. وإن كان الله قد كتب لي في سابق
علمه رزقاً قليلاً ومالاً محدوداً، فلسوف يبقى قليلاً كما قضى
الله عز وجل، مهما عشت وتقلبت بين المشاريع التجارية، ومهما
رحلت أنتجع الرزق والغنى في غرب العالم وشرقه. ذلك لأن «سوابق
الهمم لا تخرق أسوار الأقدار» ولعلك أدركت الآن علاقة هذه
الحكمة بالتي قبلها.غير أن هذه الحقيقة قد تثير لدى بعض الناس
السؤال التالي: إذن فيمَ التعامل مع الأسباب، ما دام أنها لا
تخرق أسوار الأقدار؟.. فيمَ المشي في مناكب الأرض والسعي من
أجل الكدح والرزق؟والجواب أنك من الأسباب الكونية المختلفة في
إحدى حالتين: الحالة الأولى أن تكون الأسباب المشروعة كلها
بعيدة عنك غير خاضعة لنشاطك وجهودك، إذن فأنت في عالم التجريد
والمطلوب منك الاستسلام والانتظار.. وتكاثر الأسباب غير
المشروعة في حكم العدم كما ذكرنا، فالمطلوب منك تجاهلها
والابتعاد عنها.الحالة الثانية: أن تكون الأسباب المشروعة
موفورة أمامك ومن حولك، إذن فينبغي أن تقبل إليها وأن تتعامل
معها، لا لأنها ذات فاعلية أو مقاومة لقضاء الله وقدره، معاذ
الله!!.. بل لأن الله لما أقامك في خضمّها فقد أمرك بالتعامل
معها، مع اليقين الذي يجب أن لا يبارح عقلك، من أن الفاعلية
إنما هي لإرادة الله وحكمه، لا لتلك الأسباب التي تتعامل معها
وكأنك تعتمد عليها. أي فالإقبال على الأسباب المشروعة بالتعامل
معها والتقيد بها، إنما هو وظيفة أقامنا الله عليها وأمرنا
بها، فالتعامل في الحقيقة معه، لا معها، والآثار المترتبة،
إنما هي منه عز وجل، لا منها. وهذا يعني أن الأسباب خدم لقضاء
الله وقدره، وليس القضاء والقدر خادمين للأسباب. وهذا هو
المعنى الذي يرمي إليه ابن عطاء الله في حكمته الثالثة
هذه. ***ولنقف عند هذه الحقيقة التي أعلم أن كثيراً من
المسلمين لم يستيقنوها بعد، بل ربما تفاجأ باعتقاد أو تصور
مخالف، لدى بعض علماء المسلمين أو المشتغلين بأعمال الدعوة
الإسلامية؛ يلحّ أحدهم على أن الأسباب الكونية التي نتعامل
معها، كالنار والماء والسم والدواء والطعام.. إلخ تحتوي على
فاعلية كامنة في داخلها، فإن تذكر عقيدته الإيمانية وأراد أن
يتجاوب معها، استدرك وقال: ولكن الله هو الذي أودع فيها تلك
القوة أو الفاعلية!..وأنا لا أريد أن أحاكم هؤلاء الناس إلى
منطق علماء العقيدة والكلام لأن في هؤلاء الناس من لا يقيمون
وزناً لمنطقهم ولكثير من أقوالهم.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:05 am

يتبع الحكمة الثالثة :

سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ هل في الأسباب الكونية فاعلية أودعها الله فيها؟ جواب
مفصل ودقيق عن هذا السؤال

2 ولكني أذكرهم بقواطع النصوص القرآنية، ثم بما تقتضيه عقيدة
التوحيد، أي الاعتقاد بوحدانية الله من حيث الذات والصفات.أما
قواطع النصوص، فأذكّرُ منها بما يلي:1 ً - قول الله تعالى: {
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } {
البقرة: 2/255 } وصف الله عز وجل ذاته بالقيوم، أي القائم بأمر
الكون كله على الدوام والاستمرار. أي فما من شيء يتحرك أو يؤثر
أو يتأثر إلا بفاعلية مباشرة منه في سائر الآنات واللحظات. فأي
فاعلية إذن بقيت بعد هذا للأسباب؟ 6 2 ً - قول الله تعالى: {
وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ، أَلاّ تَطْغَوْا
فِي الْمِيزانِ ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا
تُخْسِرُوا الْمِيزانَ } { الرحمن: 55/7ـ9 } أي أن تتحرك
الأفلاك والأرض وما بينهما وما قد أودع فيها، وأن تؤدي وظائفها
التي أناطها الله بها، بتوجيه وأمرمنه عز وجل. ولا تنس أن كلمة
{ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } {
الفرقان: 25/20 } في الآية، وهي فعل مضارع، تدل على الدوام
والاستمرار. أي فكل ما تراه من الحركات والتبدلات الكونية،
صغرت أم كبرت، إنما يتم لحظة فلحظة بقدرة وأمر من الله عز وجل.
وإذا تأملت في هذا الكلام الرباني أدركت أن ما يتراءى لنا أنه
أسباب ليس إلا جنوداً محكومة بسلطان الله وأمره، تتلقى القدرة
والفاعلية من الله عز وجل لحظة فلحظة، فهل بقيت فيها - مع هذا
التقرير الإلهي - فاعلية كامنة منفصلة عن الفاعل الأوحد وهو
الله عز وجل؟..3 ً - قول الله عزل وجل: { وَمَنْ يُهاجِرْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً
وَسَعَةً } { النساء: 4/100 } تأمل مرة أخرى في كلمة { إِنَّ
اللَّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينِ } {
الذاريات: 51/58 } التي تدل على الدوام والاستمرار. ثم انظر
إلى القرار الرباني الذي تنطق به الآية. إنها تقول بصريح
البيان:كل ما تراه وما لا تراه عينك من القوانين والأنظمة
الكونية التي تقيم السماوات والأرض على نسقها ونظامها المعروف
أو المدروس، إنما يكتسب الدوام والاستقرار لحظة فلحظة بتدبير
الله وحكمه. ولو تخلى الله عنها لحظة واحدة لتهاوى واندثر كل
شيء، وهيهات عندئذ لكائن أو لسبب ما أن يحلّ محل الله في
الفاعلية والتدبير. إذن فالذي يضم كل لاحق مع سابق بسلك ما
نسميه السببية هو الله عز وجل، وإنما يتم ذلك، كما عرفنا الآن،
لحظة فلحظة. فكيف تكون، والحالة هذه، في مخلوقات الكون أياً
كانت فاعلية مستقرة كامنة؟4 ً - قول الله عز وجل: {
فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ } { العنكبوت: 29/17 }
إذا كانت في الفلك المشحون الذي يمخر عباب البحر، فاعلية كامنة
مستقرة، فلماذا نسب الله حمل الناس المحتشدين على ظهرها وفي
داخلها إلى ذاته العلية، ولم ينسبه إلى السفينة التي فيها قوة
مستقرة مودعة؟إن الآية تعلن أن الحامل للسفينة ومن فيها إنما
هو الله. إذن فقد انمحى وهم السببية الحقيقية فيها، وآلت
فاعلية الحمل والرعاية على الدوام والاستمرار إلى الله عز
وجل.5 ً - ومثله، بل أوضح منه، في الدلالة على الحقيقة ذاتها
قول الله عز وجل عن سيدنا نوح: { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ
هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } { البقرة: 2/255 } 6 ً - وتتجسد
هذه الحقيقة التي تلتقي هذه الآيات على تقريرها وتأكيدها، في
الكلمة القدسية التي علمنا إياها رسول الله وأمرنا بتكرار
النطق بها والتشبع بمعناها، وهي: «لا حول ولا قوة إلا
بالله».فانظر إلى هذه الجملة الجامعة، كيف نفت جنس الحول كله
والقوة كلها، عن كل شــيء، وفي كــل لحظــة، لتحصرهــما في ذات
الله عز وجل. والمراد بالحول الحركة التي تنبعث من وجود
القدرة، فهي مبالغة في نفي القوة التي تبعث على الحركة
والتبدل، عن كل المخلوقات أياً كانت، وإثباتها لله وحده؛ فإن
رأيت انتشار حركة دائبة في المكونات كلها، فإنما انبعثت فيها
الحركة بقوة مرسلة إليها من الله عز وجل لحظة فلحظة. تماماً
كانتشار الضوء الذي يسري نهاراً في كل ما تراه من حولك، إنما
هو من سريان الأشعة التي تتجه إليها من الشمس لحظة فلحظة، فلو
تقلصت عنها هذه الأشعة لاكتست من ذلك ظلاماً دامساً.بقي أن
ألفت النظر إلى المنطق العلمي الذي تقتضيه عقيدة توحيد الله عز
وجل من حيث ذاته وصفاته وأفعاله. وهي العقيدة التي يجب أن يدين
بها كل مسلم.. ينبغي أن يعلم أن الله واحد في ذاته فليس في
الكون إله من دونه، وأن يعلم أنه واحد في صفاته فلا يشاركه
مشاركة حقيقية في شيء من صفاته أحد، وأن يعلم أنه واحد في
أفعاله، أي فهو وحده الخالق والصانع فلا يشاركه في الخلق
والصنع أحد.فإذا جاء من يعتقد أن في النار مثلاً قوة محرقة
أودعها الله فيها، ثم تركها، فهي بهذه القوة الكامنة في داخلها
تحرق، فذلك يعني أن في الكون قوة محرقة مستقلة بذاتها، كل ما
في الأمر أن الله جاء بها ووضعها في النار لتمارس بها وظيفة
الإحراق. إذن فقد أثبتت هذه العقيدة أن في الكون قوة غير قوة
الله تشاركه في إقامة نظام الكونحكمه وهي قوة الإحراق. وتصبح
النار عندئذ كالعقل الأليكتروني الذي يلقَّم المعلومات ليعود
فينطق أو يذكِّر بها. ويصبح عندئذ القول في الدواء وفاعليته،
والقول في السم وفاعليته، والقول في الطعام وفاعليته، كهذا
الذي قلناه عن النار والإحراق، في وهم هؤلاء الناس.. وتصبح
سائر القوى والقدر عندئذ مستقلة في وجودها وتأثيرها عن الله عز
وجل. وإنما يكون عمل الله تجاهها مجرد الاستعانة بها إذ يوزعها
بين الأشياء ويودع كلاً منها في المكان الذي يراه مناسباً
له!.. وهل هذا إلاّ شرك صارخ وصريح؟وهل تقف النصوص القرآنية
التي أتينا عليها من هذا التصور، إلا موقف النقيض من
النقيض؟!.. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:06 am

يتبع الحكمة الثالثة :

سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ الجواب عن السؤال القائل: ففيم التعامل مع الأسباب إذن

وقد علمت الجواب عن سؤال من قد يقول: ففيمَ التعامل مع الأسباب
إذن؟ ولماذا لا نخترقها جميعاً لنتعامل بدلاً منها مع الله،
وننتظر حكمه وسلطانه في كل ما نحتاج إليه من غذاء ودواء، ونجاة
مما نتوهمه سبباً للمصائب أو الآلام؟إن الجواب يتلخص في أن
التعامل مع الله إنما يكون بالانسجام مع أوامره والتعامل مع
نظامه الذي أقام هذا الكون على أساسه.وقد أمرنا إذا جعنا أن
نأكل، وإذا ظمئنا أن نشرب، وإذا مرضنا أن نبحث عن الدواء، وأن
نأخذ حذرنا مما يبدو أنه سبب للآلام أو الهلاك أو الأسقام. ثم
أمرنا أن نعلم علم اليقين أن لا فاعلية إلا لله،وأن لا تأثير
إلا بحكم الله، وأن نعلم أن الله هو الخالق لكل شيء والآمر له
بأداء الوظيفة التي وكلت إليه: { وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ
السَّماءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِه } { الروم: 30/25 } أمرنا أن
نتعامل مع ما يبدو لنا أنه سبب وعلة، وأمرنا في الوقت ذاته أن
نعلم أن «سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار».وكم يتجلى
انسجام هذه الشريعة التي كلفنا الله بها، مع الحقيقة
الاعتقادية التي علمنا الله إياها، في خطاب الله لمريم عندما
ألجأها المخاض إلى جذع النخلة: { تقوم } { الروم: 30/25 }
***

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:08 am

يتبع الحكمة الثالثة :

سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار

ـ بيان الأثر التربوي الذي يتركه التعامل مع الأسباب مع
الاعتقاد الجازم بأن لافاعلية فيها

وانظر إلى الأثر التربوي الذي يتركه التعامل الشرعي مع
الأسباب، مع الاعتقاد الجازم بأن لا فاعلية فيها وبأنها خادم
لقضاء الله وقدره،إنه أثر تربوي رائع يحققه هذا الانسجام على
مستوى كل من النفس والصحة الجسمية، وراحة الفكر والبال.إن كان
في قضاء الله وقدره أن يثمر تعاملك مع الأسباب، وأن تصل من
ورائه إلى ما تبتغيه، فاض فؤادك يقيناً بأن المتفضل هو الله،
ومن ثم لا بدّ أن يلهج لسانك بشكره وحمده والثناء عليه.وإن كان
في قضائه عز وجل أن لا تصل من وراء تعاملك مع الأسباب إلى ما
تبتغيه، فلسوف تعلم أن المسألة عائدة إلى قضاء الله وحكمه، ومن
ثم فلن تحيل الأمر إلى جهل منك باستخدام الأسباب على نحو أدق،
أو إلى عجز منك في التحايل على الموانع والمشكلات التي واجهتك،
أو إلى افتراضات بأنك لو فعلت كذا.. لما كان كذا.. وأنك لو
تداركت الأمر على النحو الذي فعله فلان لنجحت كما نجح، ولما
وقعت في مغبة العجلة التي داهمتك.وكم في هذه الأوهام التي
تهيمن على أفكار كثير من الناس، ما يزجهم في أمراض جسدية، أو
كآبة نفسية، أو إرهاق فكري.ولكن المؤمن الذي جمع بين الانقياد
السلوكي لأحكام الشرع واليقين الاعتقادي بحقيقة القضاء الإلهي،
يبقى في نجوة وسلامة من هذه المصائب والآلام. إذ يعلم أن هذا
الذي وقع إنما هو نتيجة لقضاء الله وحكمه الذي لا بدّ أن يلحقه
ويقع به أينما ذهب وبأي حيلة أو سبب تمسك. فإذا كان ذا ثقة
بالله ورضا عنه؛ ازداد راحة وطمأنينة ويقيناً بأن ما انتهى
إليه هو الخير.ولسوف يكون عندئذ مظهر انقياد لوصية رسول الله
التي يقول فيها: «.. استعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا
تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان. ولكن
قل قدّر الله وما شاء فعل»
رواه_مسلم_من_حديث_أبي_هريرة._وأوله:_«المؤمن_القوي_ خير_وأحب_إ
لى_الله_من_المؤمن_الضعيف». .أخيراً يجب أن تعلم أن خضوع
الأسباب لقضاء الله وقدره، لا يعني أن الإنسان لا يملك إذن أي
اختيار أمام قضاء الله عز وجل، بل إن مسألة القضاء والقدر لا
علاقة لها باختيار الإنسان ولا بعدم اختياره.ولعلك تبينت هذا
من فاتحة حديثنا عن هذه الحكمة، عندما عرّفنا كلاً من القضاء
والقدر، ونبهنا إلى الوهم الذي يقع فيه كثير من الناس في فهم
معنى كل منهما.ومع ذلك فإن الأمر يحتاج إلى بيان أكثر تفصيلاً.
غير أن المجال هنا لا يتسع لأكثر مما ذكرنا. فإن كنت لم تصل
إلى قناعة تامة في هذه المسألة بعد، فارجع في الوقوف على تفصيل
وافٍ لها، وابتغاء الوصول إلى فهمٍ ثم قناعة تامة بالحق الذي
أوجزت بيانه بشأنها، إلى كتابي (الإنسان مسير أم مخير). ***

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:12 am

الحكمة الرابعة


أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به
لنفسك

ـ قد يرى بعض الناس تعارضاً بين هذه الحكمة والتي قبلها

قد يرى بعض الناس في هذه الحكمة ما يعارض، قول ابن عطاء الله
في الحكمة السابقة: «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في
الأسباب من الشهوة الخفية» إذ هو هناك يدعو إلى التعامل مع
الأسباب التي تواجه الإنسان في حياته، والتي يكون التعامل معها
بشكل شرعي.. ولكنه هنا يحذره منها ويدعوه إلى أن يريح نفسه من
عناء الإقبال إليها، وينصحه بأن لا يتعب نفسه بجهد قد أراحه
الله منه.والواقع أنه لا تعارض في كلام ابن عطاء الله. بل بين
ما ذكره في الحكمة السابقة وكلامه هنا منتهى التوافق
والانسجام.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:13 am

يتبع الحكمة الرابعة :

أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به
لنفسك

ـ بيان مفصل للفرق بين اتخاذ الأسباب، والتدبير الإلهي
الذي تجند له الأسباب

هنالك فرق كبير بين التعامل مع الأسباب، وتدبير الإنسان أمور
نفسه من خلال الأسباب..التعامل مع الأسباب جهد عضلي مادي يبذله
المتعامل معها، يذهب إلى السوق ليتاجر.. يذهب إلى الجامعة
ليتعلم.. يتجه إلى الطبيب ليتداوى.. يبتعد عن أسباب الضر التي
حذر الله منها..أما التدبير فعمل فكري، وقرار عقلي، معناه أن
يحدث الإنسان نفسه بأنه بتعامله مع الأسباب قد رتب لنفسه خطة
الربح والنجاح وضمن لنفسه النتائج، فالأسباب في نظره خدم تحت
سلطانه وأدواتتدبيره، وعقله هو مفتاح نجاحه ومصدر تدبيره. ألا
تراه يقول: أرح نفسك، بدلاً من أن يقول: أرح جسمك أو أبعد
جسمك.فالتعامل مصدره الجسم والأعضاء، وهو مطلوب
ومرغوب.والتدبير مصدره النفس والفكر، وهو مرفوض ومكروه.ومن
تلاقي هاتين النصيحتين: الإيجابية والسلبية يتكوّن النهج
الإسلامي في حياة المسلم. يخرج إلى السوق فيعمل كما يعمل
الآخرون، ويقبل على الأسباب التي تنتصب في طريقه فيقدرها
ويتعامل معها طبق التعاليم الشرعية.. فإذا جاء من يسأله: ماذا
تتوقع من وراء أنشطتك وأعمالك هذه، قال له: واجبات كلفني الله
بها، أديتها كما طلب. ما الذي سيخلقه الله من وراء ذلك؟ إنه
عائد إلى تدبير الله وحكمه. وأنا مستسلم لقضائه راض بحكمه.هذا
هو النهج الإسلامي الذي يذكّر به ابن عطاء الله. تعاملٌ مع
الأسباب القائمة، بما يتفق مع الشرع، وتسليم لحكم الله وتدبيره
مع ذلك وبعد ذلك.وبوسعك أن تتبين هذا النهج في حياة قدوتنا
المصطفى .. انظر إلى شأنه يوم هاجر إلى المدينة المنورة
مصطحباً معه صاحبه أبا بكر رضي الله عنه.. تعامل في هجرته هذه
مع الأسباب كلها، حتى لكأنه يوقن بأنها الشرط الذي لا بدّ منه
لنجاح هجرته. خرج متخفياً، ترك علياً رضي الله عنه ينام في
فراشه حتى يظن المشركون أنه رسول الله فلا يتعقبونه ويبحثون
عنه، ترك راعي أبي بكر يسير بأغنامه وراءهما لتعفي الأغنام على
آثار مشي رسول الله وصاحبه، أقاماثلاثة أيام في غار ثور،
ريثما ينقطع الطلب في الطرقات عنهما، عهدا إلى رجل من المشركين
مأمون الجانب أن يلقاهما في ميقات معين عند غار ثور، وهو (عبد
الله بن أرقط) ليدلّهما على الطرق الخلفية إلى المدينة.. فهذا
هو التعامل التام مع الأسباب.وفي أثناء اختفائهما في الغار،
وصل جمع من المشركين في أثناء بحثهم عن رسول الله إلى الغار،
وأصبحت فتحة الغار تحت أبصارهم، واضطرب أبو بكر، وهمس في أذن
رسول الله قائلاً له: لو أن أحدهم نظر عند قدمه لرآنا، فقال
له: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ )).. ولما خرجا من الغار
وواصلا سيرهما متجهين إلى المدينة، أدركهما سراقة على فرسه
قاصداً بهما الشر، كما ورد في الصحيح، وأخذ يتلفت أبو بكر إليه
وقد داخله من ذلك الخوف على رسول الله ، ورسول الله ماض في
سيره لا يلتفت يسرة ولا يمنة، يواصل قراءته، معتمداً على حماية
الله وتدبيره.. وهذا هو إسقاط التدبير والاعتماد على تدبير
الله.مارس الأسباب وتعامل معها خضوعاً لأمر الله وانسجاماً مع
النظام الكوني الذي أقامه الله عز وجل، ثم نسي الأسباب
وقيمتها، وربط النتائج، في يقينه الاعتقادي، بحكم الله ولطفه،
مع ثقته التامة بحكمته ورحمته وتوفيقه.إذن، فهذا المشهد النبوي
يشرح لك قول ابن عطاء الله: «أرح نفسك من التدبير، فما قام به
غيرك عنك لا تقم به لنفسك» ويوضح مدى الانسجام بينه وبين
قوله: «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من
الشهوة الخفية».ورد أن عليّ بن الحسين رضي الله عنهما كان له
متجر في السوق، وكان ذا تجارة واسعة، وكان إذا حان وقت الصلاة
ترك متجره واتجه إلى المسجد للصلاة. وذات يوم، وبينما هو في
المسجد يصلي إذ جاءه من يخبره أن النيران اشتعلت في السوق،
وأنها بدأت تلتهم متجره!..لم يكترث عليّ رضي الله عنه بالخبر
وظل مقبلاً على صلاته فرضاً ونافلة وذكراً وتسبيحاً، كعادته
دائماً. ثم أقبل عائداً إلى السوق آمناً مطمئن البال.فانظر إلى
تعامله مع الأسباب كيف يتجلى في نشاطه التجاري في متجره وسوقه
التجارية. وهي الوظيفة التي أقام الله عباده عليها.ثم انظر،
كيف جرّد نفسه من التدبير وإمكاناته، وأحال ذلك، بقناعة تامة
مطلقة إلى تدبير الله وحكمه، عندما أدى وظيفته التي كلفه الله
بها، ثم اتجه إلى الوظيفة الكبرى التي خلق الله الإنسان من
أجلها، وهي الصلاة والعبادة.لم يلتفت عندئذ إلى الأسباب، ولم
يكترث بها، لأنه كان قد انتقل آنذاك من مجال الأسباب والتعامل
معها إلى ساحة التجريد. فأعطى كلاً من الحالين حقه، ولم يخلط
واحداً منهما بالآخر، ووكل في سائر الأحوال التدبير - أي خلق
النتائج - إلى الله عز وجل.أراح رضي الله عنه نفسه من التدبير،
بعد أن اطمأنّ إلى أنه لم يدّخر وسعاً في التعامل مع الأسباب،
موقناً بأنه لن يجري في السوق كله، بما فيه محله، إلا ما قد
قضاه الله. ولن تخترق محاولاته التي قد يُدْعَى إليها على أمرٍ
قد أبرم الله فيه حكمه وبتّ فيه قضاءه، ومطمئناًلى أن الخير
فيما قد قضاه الله، ففيم الجزع والاضطراب والانصراف عن الإقبال
على الخالق الرازق المدبر لأداء العبادة التي خلق من أجلها،
إلى جهد من الأسباب لن تعود إليه بأي طائل؟!..ربّ مجادل يقول:
ألم يكن عليه وقد جاءه الخبر بالنار التي أخذت تسري إلى محله،
أن يختصر صلاته، ويكتفي بالفريضة دون النوافل وذيولها، ليحاول
بما يمكن، حجز متجره عن النيران؟والجواب أنه لو كان آنذاك
منصرفاً إلى بعض شؤونه الدنيوية، إذن لكان عليه فعلاً أن يبذل
جهده في استخدام الأسباب التي تصون متجره، لأنه يتحرك في عالم
الأسباب ومن ثم فإن عليه أن يتعامل معها.ولكنه كان -كما علمنا-
منصرفاً إلى أداء حق الله، متجهاً إلى الوظيفة العظمى التي خلق
من أجلها، إنه إذن مع الله في عالم التجريد. وقد انتهى من
وظيفة التعامل مع الأسباب، إلى وظيفة الواجبات التي كلفه الله
بأدائها، وما قد يتبعها من سنن ومندوبات. وقد علم أن التدبير
ليس عائداً إليه ولا إلى شيء من جهوده ولكنه عائد إلى الله عز
وجل.. إذن فليس ثمة أي مبرر (وقد أقبل يباشر وظائف عباداته)
أن يعرض عنها بعد إقبال، وأن يتجه إلى دنياه ومتجره بعد
إعراض. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:14 am

يتبع الحكمة الرابعة :

أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به
لنفسك

ـ هل من اليسير أن يتبرأ الإنسان من مزاعم التدبير مع
واجب اتخاذه الأسباب وما العلاج؟

ولكن هل من اليسير أن يخضع أحدنا شعوره وسلوكه لهذه الحكمة؟هل
من اليسير أن تستجيب مشاعري وأعصابي، بعد اقتناعي، لنصيحته
هذه: «أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك، لا تقم به
لنفسك»؟!..قد يقتنع عقلي نظرياً بهذا النصح، بعد الذي شرحناه
وبيناه. ولكن استجابة المشاعر والأعصاب والوجدان له، عسير
جداً. إذ الإنسان نزَّاع دائماً إلى وضع ذاته، من شؤونه كلها،
في موضع المدبر والمحقق للنتائج والأهداف. فإذا لاحت له بوادر
لا ترضي ولا تتفق مع طموحاته وأهدافه، أخذ القلق بمجامع نفسه،
وأخذت المشاعر والأفكار تطوف برأسه، باحثاً في نفسه عن كل ما
يملك وما لا يملك من السبل والأسباب، فلا تصفو له في هذه الحال
عبادة، ولا يذوق لذّةً لذكر أو طاعة أو قراءة قرآن. هذا إن كان
لديه ما يشده إلى القربات والعبادات في مثل هذه الحال. بل لا
يصفو له، والحالة هذه، عيش مع أهله، ولا يهنأ له رقاد في
عينيه.فما العلاج الذي ييسر هذا العسير؟ ما العلاج الذي يجعل
المشاعر والوجدان تتشرب هذه الحكمة تفاعلاً معها، كما خضع لها
العقل إيماناً بها؟

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:15 am

يتبع الحكمة الرابعة :

أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به
لنفسك

ـ علاج ذلك الإكثار من ذكر الله ومراقبته

علاج ذلك يتمثل في الإكثار من ذكر الله، أي تذكره ومراقبته،
وخير سبيل لذلك ربط النعم بالمنعم جلّ جلاله، والتزام ورد دائم
منتظم من قراءة القرآن بتدبر وتأمل.. هذا العلاج ينمي محبة
الله في القلب، ويزيد الإنسان ثقة بحكمة الله ورحمته ولطفه.
فإذا داوم المسلم على هذا العلاج وأخذ نفسه به، وابتعد جهد
استطاعته عن الفواحشالآثام، فإن مشاعره الوجدانية تتشرب نصيحة
ابن عطاء الله هذه ويتذوقها ويركن إليها.إذن فالمسافة الفاصلة
بين الإيمان النظري بهذه الحكمة، والتفاعل السلوكي معها، تتمثل
في العكوف على هذا العلاج والمداومة عليه.فإذا قطعت هذه
المسافة، ذقت حلاوة هذه الحكمة، وتعاملت معها بسعادة وطمأنينة
بال!.. إذا طرق بابك طارق يخبرك بمشكلة وقعت في متجرك أو
بمشروعك، فلسوف تعود بذاكرتك إلى ماضي علاقتك مع متجرك أو
مشروعك، متسائلاً: هل قصرت في النهوض بالوسائل والأسباب التي
كان عليّ أن أنهض بها؟.. وتتبين أنك بحمد الله وتوفيقه لم تقصر
في شيء من ذلك، وأنك نفذت أوامر الله في التعامل مع الأسباب
واستخدامها إلى النهاية، إذن فلسوف تنام قرير العين هادئ
البال، مطمئناً إلى أن المشكلة ليست مسؤوليتك، وإلى أن حلها
ليس بيدك، وإنما الأمر كله بيد الله. أما وقد قمت بواجبك ونهضت
بالاحتياطات التي هداك الله إليها، فلسوف تحملك الثقة بحكمة
الله ورحمته، مع الحب الذي تنامى بين جوانحك لذاته العلية، على
الاستسلام لحكمه وقضائه موقناً أنه لن يختار لك إلاّ الخير، إن
لم يكن كذلك في ظاهره، فهو بلا شك خير في باطنه ومآله.. وبذلك
توفر لنفسك سكينة القلب وراحة الأعصاب وسرور القلب وبشاشة
الوجه... واستمرار العافية رهن بهذه الأسباب.ولست أنسى يوماً
كنت عائداً فيه إلى دمشق، وأدركتني صلاة المغرب في مشارف حمص،
فصليت المغرب في جامع سيدنا خالد بنالوليد، ولما انتهيت من
الصلاة، واتجهت للخروج من المسجد، واجهني داخلاً إليه رجل أسمر
اللون ذو ثياب رثة، واحد من هؤلاء (الدراويش) الذين لا يؤبه
بهم.. أقبل إليّ بابتسامة تغمر وجهه، وقد بدت الفرحة على
أساريره، قائلاً: ما لك؟.. ما لك لا ترقص فرحاً؟ ألا تعلم أن
الله مولانا؟ ألا تعلم؟.. إننا لسنا يتامى في جنبات هذا
الكون!.. ثم تركني وهو يتمتم منتشياً بهذا الكلام!.. ووقفت
أتأمل، وتذكرت قول الله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلَى
لَهُمْ } { محمد: 47/11 } لقد اتخذت من كلام ذلك الرجل، ومظهره
الذي كان كتلة فرح وطرب وابتهاج، واستسلام لعذوبة ولاية الله
له - اتخذت من لقياه عبرة ودرساً لي، وآمل أن يكون درساً
لأمثالي وإخواني جميعاً، نحن الذين يشملنا شرف التلاقي تحت
مظلة الولاية الربانية، والمثول تحت جناح رحماته وألطافه
العلوية.أجل.. ما الذي يخيفك ويقلقك، من تقلبات الدنيا
وأحوالها - بعد أن تؤدي وظيفتك في التعامل مع الوسائل والأسباب
المشروعة - إنكنت قد وقفت وقفة المستيقن بقول الله عز وجل: {
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا
وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ
} { فاطر: 35/41 } عندما تتمتع بهذا اليقين، ستغمرك النشوة
بهذا التحبب الرباني إليك، ولسوف يقيمك الطرب ثم لا يقعدكَ،
عندما تسمع هذه الأبيات التي كثيراً ما يتغنى بها المنشدون،
دون أن تحدث أي أثر في نفوس أكثر المستمعين: كُنْ مع اللهِ
تَرَ الله مَعَكْ

واتركِ الكُلَّ وحاذِرْ طَمَعَكْ
لا
تُعَلِّقْ بسواهُ أَمَلاً

إنما يَسْقيكَ من قد
زَرَعَكْ

فإذا أعطاكَ؛ مَنْ يَمْنَعُهُ؟

ثُمَّ مَنْ
يُعْطي إذا ما مَنَعَكْ؟ * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 11 1, 2, 3 ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى