الحكم العطائية وشرحها

صفحة 5 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6 ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:25 pm

الحكمة الثالثة والعشرون




لاتترقب فراغ الأغيار، فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة
له، فيما هو مقيمك فيه

ـ شواغل الدنيا لامطمع للتخلص منها، في أي من مراحل العمر

ومهما حاول الإنسان أن ينتقي لنفسه حياة صافية نظيفة من هذه
الشواغل، فلن يعثر عليها، مادام يتقلب في فجاج هذه الحياة
الدنيا.إذ إن هذه الشواغل هي المادة الامتحانية التي شاء الله
تعالى أن يبتلي بها عباده، فإذا ترفعوا فوقها وتغلبوا على
آفاتها، استجابة لأمر الله عز وجل، وفّى لهم وعده، وأجزل لهم
المثوبة والأجر، وأكرمهم بنعيم مقيم وسعادة خالدة، وإن ركنوا
إليها وتركوها تتغلب على الوظيفة التي أقامهم الله عليها،
فنسوا في سبيلها الله ووصاياه وأحكامه، نفذ فيهم وعيده، وقضى
عليهم بشقاء لا نهاية له.إذن فلا مطمع في أن يتخلص الإنسان،
مادام في هذه الحياة الدنيا، من هذه الشواغل التي عبر عنها ابن
عطاء الله بالأغيار، بل المطلوبنه أن يعيش في غمارها، وأن
يصارعها حتى يتغلب عليها، فيسخرها لأوامر الله ومرضاته، ولا
يتركها تسخره للانزلاق في حمأة الشهوات والأهواء. وهذا معنى
قول العلماء الربانيين ((الخلوة في الجلوة)) أي ليست الخلوة
التي يطلبها الله منك أن تفرّ من نظام الحياة الدنيا ومجتمعها
الإنساني، إلى كهف قصي لا يراك فيه أحد ولا تراه، وإنما الخلوة
التي يحبها ويشرعها الله لك، أن تكون داخلاً في معترك هذه
الحياة ومترفعاً في الوقت ذاته فوق أوضارها، تجابه تيارات
متعها ومغرياتها متحكماً بها، لا متحكمة بك.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:26 pm

لاتترقب فراغ الأغيار، فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة
له، فيما هو مقيمك فيه

ـ ولكن شأن كثير من الناس الاستسلام لشواغلها، على أمل أن
يفرغ منها بعد حين، لأوامر الله عز وجل

غير أن في الناس من يجهل هذا القانون الرباني والحكمة منه،
فيستسلم لشواغل الحياة وآفاتها، محدثاً نفسه أنه إنما يستقبل
منها شواغل عابرة، وأنها تمرَّ به وتتجاوزه عما قريب، ولسوف
يفرغ عندئذ لشأنه الذي أمره الله به.فإن كان يمرّ بمرحلة
الشباب، حدث نفسه أن الاستسلام لنزوات الشباب شرّ لا بدّ منه،
ولا محيص عنه، ولكن الشباب سينقضي عما قريب فتفرغ عندئذ حياته
من عقابيله ونزواته، ومن شأن هذا التصور أن يدفعه إلى مزيد من
الاستسلام لها، ومن ثم إلى الغفلة عن مراقبة الله عز وجل.وإن
كان مقيماً في أحد أصقاع أوربا أو أمريكا، لدراسة أو تجارة أو
لشأن ما من شؤونه، حدثته نفسه أن لا مناص من الاستسلام لذلك
الجو الخانق والموبوء الذي هو فيه. وأن ليس أمامه إلا خيار
واحد، هو أن ينتظر مرور هذه الحال وانقضاءها، حيث تزول الشواغل
ويتحررعندئذ من سلطانها.. ومن شأن هذا التصور أن يزداد
استسلاماً لذلك الجو الموبوء، دون أن يشعر بأي حاجة إلى مراقبة
الله عز وجل والاستعانة به.وكذلك شأن كثير من الناس تجاه
الشواغل الأخرى التي قضى الله أن تفور بها هذه الحياة الدنيا.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:27 pm

لاتترقب فراغ الأغيار، فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة
له، فيما هو مقيمك فيه

ـ العلاج اتباع هذه الحكمة التي يذكرنا بها ابن عطاء
الله، مع البيان والتوضيح

فما العلاج؟ العلاج مايقوله ابن عطاء الله!.. يجب أن يعلم
كل منا أن انتظار التخلص من الشواغل الدنيوية جهل بحقيقة
الدنيا وانتظار في غير طائل. إذ الشواغل التي من شأنها أن تقطع
الإنسان عن الله موجودة، وستظل موجودة إلاّ أنها متنوعة حسب
مقتضيات تبدل الأزمنة والأمكنة.. للشباب شواغله وآفاته..
وللكهولة أيضاً شواغلها وآفاتها.. وللشيخوخة أيضاً آفاتها
ونزواتها. وشواغل الإقامة في ديار الغرب، لن تنتهي إلى غير
بديل، بل ستسلمك تلك الشواغل لدى عودتك إلى دار إقامتك، إلى
شواغل أخرى من نوع آخر.وشواغل السوق ليست شراً من شواغل الأهل
والزوجة والدار..إن الدنيا كلها، كيفما تقلبت في جنباتها، وأنى
شرّقت أو غربت منها، مليئة بالشواغل والأغيار الملهية
والمنسية، إذن فكيف الخلاص منها؟إن الخلاص لايكون بالفرار
منها، على أن الفرار منها، مع البقاء في هذه الحياة غير ممكن.
لأن الشواغل التي عبر عنها ابن عطاء اللهبالأغيار، ليست
محصورةً بما تراه عيناك من زينة الحياة الدنيا وزخارفها
ومغرياتها، وفتنة الناس بعضهم ببعض، حتى تقول لنفسك: سأنجو
منها بالابتعاد عنها واللجوء إلى العزلة والخلوات.إن نفسك التي
بين جنبيك مليئة بالشواغل والأغيار، بل إنها لشواغل أسوأ وأخطر
من تلك التي تطوف بك أو تجابهك في الأسواق والملتقيات
والمجتمعات!..إن حديث نفسك لك عن المزايا التي تتمتع بها،
والقربات التي لم يرتفع إلى شأوها غيرك، وأنت قابع في خلوتك من
أخطر الشواغل المهلكة لك، وإن انشغال قلبك بأولئك الذين
ينتقدون حالك، وينتقصون شأنك، وشعورك بالألم منهم أو الحقد
عليهم، من أسوء الأغيار التي تحجبك عن الله عز وجل وتنسيك شأنك
الذي يجب أن تعنى به وتنصرف إليه.وإن انصراف فكرك إلى الدار
الجميلة التي تتمنى لو أبدلها الله بدارك البسيطة الضيقة التي
تقيم فيها، أو إلى الشهوات التي حرمت كيانك منها ظاهراً وشغلت
بها سرّك باطناً، كل ذلك من الشواغل المخيفة التي قد تحجبك عن
الله عز وجل، وعن مهامّك التي أقامك الله فيها وألزمك بها.فقل
لي إذن: هب أنك فررت من شواغل الأسواق والمجتمعات والملتقيات،
فإلى أين تفرّ من هذه الشواغل التي تفيض بها نفسك التي بين
جنبيك؟إن الفرار من الأغيار أياً كانت وأينما وجدت، إنما يكون
بالالتجاء إلى الله عز وجل. وهذا من معاني قول الله تعالى: {
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
} { الذاريات: 51/50 } ومعنى الفرار إليه كثرة الالتجاء إليه
بالدعاء والشكوى من حال النفس وضعف الكيان، مع مراقبته الدائمة
بواسطة كثرة ذكره ودوام تذكره.وما من ريب أن الإنسان إن أخذ
نفسه بهذا الدواء الذي يعبر عنه البيان الإلهي بالفرار إلى
الله وداوم عليه، فإن الله يجعل له من ذلك مايشبه قارب النجاة
لمن تلاطمت من حوله الأمواج.قد تكون الظروف ألجأته إلى الإقامة
في ديار غربة وكفر، أو تكون أعماله التجارية أو الصناعية
اضطرته إلى الاندماج في مجتمعات أو مجموعات من الناس، يبثون من
سلوكهم وأنفسهم وباء مهلكاً في كل ماحولهم، أو تكون ضروراته
الدراسية زجته بين أقران تائهين عن الله منغمسين في الموبقات..
ومع ذلك فإنّ بوسعه أن يرى قوارب النجاة أمامه مهيّأة في
انتظاره، فإن هو فرّ ملتجئاً إلى واحد منها، فلسوف يرى فيها
سلامته وأمنه من كل تلك المهالك والأخطار. وقد علمت أن هذه
القوارب، إنما تتمثل في صدق الالتجاء إلى الله والدوام عليه،
مع كثرة ذكر الله ومراقبته.ولم يكن فرار أصحاب رسول الله ومن
جاء بعدهم من السلف الصالح، إلا إلى هذا الملاذ.إنك لتعلم أن
رسالة الدعوة إلى الله زجتهم في مخاضة الدنيا، بكل مافيها من
ألوان المغريات والعواصف المهلكة، ووباء الفسوق، وفتنة المال
والحضارات.. فما الذي عصمهم من موبقاتها وآفاتها؟.إنهم لم
يتراجعوا، لينكمشوا عنها إلى سابق عزلتهم وخلواتهم داخل أقطار
الجزيرة العربية، بل خاضوا غمار الدنيا التي انفتحت عليهم،
متوكلين على الله توكلاً حقيقياً، لا لفظياً كشأننا اليوم،
مقبلين على زاد دائم من مراقبة الله وذكره وكثرة الالتجاء إليه
والانكسار بين يديه، داعين متضرعين أن يحميهم الله عز وجل من
تلك التيارات المهلكة التي لا قبل لهم بها وأن لا يكلهم إلى
نفوسهم الأمارة وكياناتهم الضعيفة.. فأسعفهم الله عز وجل
واستجاب لهم، وأكرمهم بوقاية كوقايته عز وجل للوليد في
المهد.وليس خبر عبد الرحمن الداخل وأصحابه القلة عنك
ببعيد!..ألم يغامروا في سبيل نشر رسالة الله، ويتجهوا بها إلى
عالم جديد لا علم لهم به، ولاخبر لديهم عنه، لقد كان ذلك
العالم الجديد الذي وفدوا إليه مليئاً بالأخطار المتجهة إلى
معاشهم وحياتهم الدنيوية، وبالأخطار والشواغل المتجهة إلى
دينهم وعلاقتهم بالله عز وجل.فكيف وقاهم الله شر تلك الأخطار
كلها؟ وكيف أخضع الله لهم تلك المجتمعات، وأنار أمامهم ومن
حولهم تلك الليالي الحالكات؟لو أنهم استسلموا للواقع،
وانتظروا، أو ترقبوا، فراغهم من تلك الأغيار، على حد تعبير ابن
عطاء الله، متصورين أنها ستمرّ بهم وتجتازهم، إذن لاختنقوا في
حمأتها، وأصبحوا أثراً بعد عين، وبقيت تلك المجتمعات تخب في
ظلامها.لقد كان سبيلهم إلى تلك الوقاية الإلهية العجيبة،
فرارهم إلى الله.وكان معنى فرارهم إليه شدّة التجائهم إليه..
كانوا إذا دعوه، دعوه دعاء المضطر الواجف، وكانوا يراقبونه في
كل حركاتهم وسكناتهم وأطوارهم، كانت جسومهم وظواهرهم تتقلب في
غمار تلك العواصف والتيارات والمغريات والأخطار، غير أن قلوبهم
وأفكارهم كانت منصرفة بالذكر والرجاء إلى مدبر الكائنات جل
جلاله.ولو اعتبر المسلمون اليوم بهذه الحكمة التي اعتصرها ابن
عطاء الله من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح،
واتخذوها لأنفسهم منهجاً، إذن لكتب الله لهم من التأييد ماكتبه
لعبد الرحمن الداخل وصحبه.وصدق الله القائل: { وَقالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ
أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحَى
إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ،
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ
خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ } { إبراهيم: 14/13ـ14 } * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:29 pm

الحكمة الرابعة والعشرون



لاتستغرب وقوع الأكدار، مادامت في هذه الدار، فإنها ما
أبرزت إلا ماهو مستحَقُّ وصفها وواجب نعتها

ـ لماذا قضى الله أن تكون حياتنا الدنيوية مشوبة
بالأكدار؟

ولكن لماذا قضى الله أن تكون دارنا الدنيوية هذه مشوبة
بالأكدار، وأن يكون نعيمها ممزوجاً بالغصص، وأن تكون ليالي
السرور فيها مهددة بالمصائب التي قد تكمن وراءها؟


ـ الجواب أن لذلك حكمة تتجلى في حقيقتين اثنتين:

والجواب: أن لله تعالى حكمة باهرة في ذلك، تتجلى في تذكرنا
لحقيقتين اثنتين:

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:30 pm

لاتستغرب وقوع الأكدار، مادامت في هذه الدار، فإنها ما
أبرزت إلا ماهو مستحَقُّ وصفها وواجب نعتها

ـ الحقيقة الأولى

الحقيقة الأولى: أن الله عز وجل جعل من هذه الدنيا دار
تكليف، بل جعل منها قاعة امتحان إن جاز التعبير. وقد علمنا في
أكثر من مناسبة مرّت أن المهمة التي كلّف بها الإنسان في حياته
الدنيوية هذه، هي: أن يمارس عبوديته لله بالسلوك الاختياري،
كما قد خلق عبداً له بالواقع الاضطراري، وإنما يمارس الإنسان
عبوديته لله بالسلوك الاختياري، من خلال تنفيذ أوامره،
والانقياد لأحكامه والخضوع الطوعي لسلطانه. وبذلك غدا الإنسان
مكلفاً .فإذا فرضنا أن الحياة التي أقام الله الإنسان فيها،
ليس فيها إلا النعيم الصافي من الأكدار، فيها السرور الذي
لاتشوبه منغّصات، أنى التفت الإنسان لا يجد إلا ما لذّ وطاب،
وكيفما تقلب وجد نفسه فوق مهاد من الرفاهية الصافية من كل شوب،
إذن فمن خلال أي سلوك أو من خلال أي استجابة لأوامر الله تتجلى
عبودية الإنسان هذه، أي عبوديته لله بسلوكه الاختياري؟ممارسة
العبودية ثمرة للتكليف، والتكليف لا يسمى تكليفاً إلا إن كان
ملاحقةً للمكلَّف بما فيه كلفة أي مشقة. وإذا كانت الدنيا كما
قد وصفت نعيماً مقيماً صافياً عن المنغصات، فأنى للمشقة أن
تظهر، وفي أي أحوال هذا النعيم يتجلّى ويبرز؟عندما يرى الإنسان
نفسه معافى في بدنه لا يتهدده مرض، مستقراً في عهد شبابه لا
يعاني من نذير كهولة ولا مشيب، قد حماه الله من أفواه الشامتين
والساخرين، ومن أيدي الظالمين وفجور الطاغين، غارقاً في بحر من
النعيم وأسبابه فلا يتهدده فقر ولا تدنو إليه فاقة ولا عوز،
آماله محققة وأحلامه مزدهرة. ثم إن التكاليف الإلهية لم تنتقص
له شيئاً من رغده ونعيمه هذا، بل جاءت متساوقة مسايرة لتيارات
رغائبه وأحلامه، فكيف يسمى ذلك تكليفاً والكلفة لم توجد، بل
كيف يسمى ذلك ممارسة للعبودية وسط مناخ لا موجب فيه لتذلل ولا
انكسار، لا افتقار فيه لحاجة أو التجاء؟ولقد علمت مما مرّ ذكره
سابقاً أن الدعاء هو العبادة، وقد علمت أيضاً أن الدعاء ثمرة
الحاجة والفاقة والخوف من الآلام والمصائب، فمنلم يكن خائفاً
على نفسه منها، وكان واثقاً من أنه يعيش في كلاءة حياة ليس
فيها إلا مقومات الرغد والنعمة والسرور، فهو أبعد ما يكون عن
أن يمدّ يد فاقة أو ضراعة إلى الله. ولماذا يمدّها وهو لايعاني
من فاقة ولا يخشى على نفسه من ضيم، وليس من حوله ما يهدد نعيمه
بأي مكروه.إذن، فحياة هي الرغد الصافي عن الشوائب، مع الابتلاء
بالتكاليف التي خاطب الله بها عباده، بينهما من التشاكس
والتناقض ما لا يخفى على ذي بصيرة قط.ومن المعلوم أن سَدَى
ولحمة التكاليف الإلهية هما الصبر والشكر. فمن خلالهما تستبين
العبودية الطوعية لله تعالى.وإنما يكون الصبر أمام الشدائد
والمصائب والآلام. في حين أن الشكر يكون باستخدام النعم التي
أسداها الله تعالى للإنسان للمهام والوظائف التي خلق من أجلها.
فمادّة الصبر هي المصائب والشدائد، ومادة الشكر هي النعم
والرغائب، إذن فحياة التكليف هذه ينبغي أن تكون مزيجاً من هذه
وتلك.وقد نبه البيان الإلهي الإنسان إلى ما لابدّ أن يواجهه في
حياته الدنيوية هذه، من هذا المزيج، ولفت نظره إلىالحكمة من
ذلك. كي لايفاجأ منها بما لم يتوقع.من ذلك قوله جل جلاله: {
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ
قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذَىً كَثِيراً
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ
الأُمُورِ } { آل عمران: 3/186 } ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى:
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ
وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ
وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ
مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلَّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ،
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } { البقرة: 2/155ـ157 } ومن
ذلك قوله تعالى: { وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً } { الفرقان: 25/20 }
وفتنة الناس بعضهم ببعض، تتمثل في الخصومات والأذى ينال بعضهم
من بعض، كما تتمثل في ابتلاء الغني منهم بالفقير والفقير
بالغني.والبيان الجامع لأشتات هذه الابتلاءات كلها قول الله
تعالى: { تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْغَفُورُ } { الملك: 67/1ـ2 } وإذا تبين لك أن الحياة الدنيا
هي دار التكليف أو الابتلاء والامتحان، بان وظهر لك أن الحياة
الآخرة هي دار المثوبة والجزاء. انظر إلى هذا الربط بينهما من
خلال قوله عز وجل: { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ } { الأنبياء: 21/35 }

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:31 pm

لاتستغرب وقوع الأكدار، مادامت في هذه الدار، فإنها ما
أبرزت إلا ماهو مستحَقُّ وصفها وواجب نعتها

ـ الحقيقة الثانية

الحقيقة الثانية: أن الشأن في هذه الحياة الدنيا إذن، أن
تكون محدودة بميقات معين، هو ميقات الامتحان الذي قضى به الله
عز وجل لعباده فيها، وبعبارة أخرى: الشأن فيها إذن أن تكون
ممراً امتحانياً إلى مقرّعاقبة وجزاء. وقد قضى الله تعالى أن
تكون البوابة التي يعبر منها الناس، من حياتهم الدنيا هذه، إلى
حياتهم البرزخية التي هي مقدمة لحياتهم الآخرة، بوابة
الموت!..إذن فالموت هو عاقبة كل حيّ في هذه الحياة الدنيا، وقد
علمت أن الموت ليس عدماً كما قد يتوهم بعضهم، وإنما هو انتقال
من حياة إلى حياة أخرى.أفترى إذن أنّ من الحكمة أن يجعل الله
من هذه الحياة الدنيا التي هي ميقات الامتحان، ومن ثم فهي أشبه
ماتكون باستراحة في طريق مسافر، مثابةَ نِعَمٍ صافيةً عن
الشوائب والكدورات، ولذائذَ ومتعاً تتسامى فوق كل الغصص
والمعكرات، وأن لايبتلى منها الإنسان بآفة، ولايتهدد شبابه
كهولة ولاشيخوخة، ولايتهدد عافيته ألم ولامرض؟...تخيل أنك
تتقلب متنعماً في حياة من هذا القبيل، إذن فلسوف تزداد تعلقاً
بها كلما امتدّ عمرك فيها، فكيف تكون حالك إن جاءك الموت
ودُعيت إلى الرحيل من هذه الحياة؟..سيكون فراقك لها وانتقالك
منها، أشبه مايكون بكتلة من الحرير تعلقت من سائر أنحائها
بنبات كثيف ذي رؤوس يابسة شائكة، جاء من اجتذبها بيده جذبة
واحدة بشدة، فتقطع منها في يده ما تقطع، وتناثر منها ماتناثر
بين الشوك.كل شيء في كيانك سيكون متعلقاً بالحياة التي عشقتها
وبالدنيا التي استهوتك الإقامة الدائمة فيها. ولن يكون لديك أي
استعداد لفراقها... وفيم تفارقها، وكل ما رأيته وسمعته وذقته
منها جعلك تركن إليها ركون الماء في العود والروح في الجسد،
والعاشق إلى المعشوق؟!..فكان من عظيم لطف الله بعباده، أن جعل
نعيم الناس في دنياهم بمقدار احتياجهم إليه على طريق تحقيق
المهام التي كلفوا بها، وجعل عافيتهم أداة يسخرونها في هذا
المضمار، وآتاهم من القدرات والإمكانات والأموال مايسخرونه
لإنجاز الوظيفة التي أقامها الله عليها.ثم إنه عز وجل جعل
إقبالهم إلى الدنيا واستشرافهم لنعيمها أشدّ ما يكون في زمن
شبابهم إذ يكونون حديثي عهد بالإقبال إلى الحياة والتعرف
عليها، فإذا دخلوا في مرحلة الكهولة تناقص إقبالهم إلى متع
الدنيا وأهوائها، تحت وطأة القوة المتراجعة والغرائز التي تميل
إلى الملل أو البرود.. فإذا دخلوا في مدارج الشيخوخة، ازداد
ذلك الإقبال تراجعاً، وعادت علاقتهم بأكثر متع الدنيا كمن طال
عهده بالجلوس إلى مائدة عليها ألوان من الطعام، تذوق من كل لون
منها ثم عاد يتذوق ويطعم منه، إلى أن تبرّم به وملّه، واتجهت
منه الرغبة إلى جديد ومستحدث غير منظور.هذا بالإضافة إلى غصص
الآلام والأسقام والمصائب التي تنال منه بين الحين والآخر.كل
ذلك يُهَيِّئُهُ نفسياً لساعة الرحيل التي يوشك أن يحين
ميقاتها، فإذا طرق الموت بابه فعلاً، بعد هذه المقدمات، لم
يأسف على الدنيا التي يرحل منها، ولم يفارقها مفارقة العاشق
معشوقه، بل يفارقها مفارقة ذاك الذي طال عهده بالمائدة التي ظل
جالساً إليها، لاشك أنه قد ملّ منها، قبل أن تملّ هي منه.ولا
تنس أنني أتحدث عمن بدأ حياته فتعرف على هذه الدنيا وعلاقته
بها من خلال معرفته، بل يقينه بالحقيقة الأولى التي شرحتها لك
قبل قليل.إنه يتخذها استراحة في طريق، ومنزلاً موقوتاً يريح
فيه جسمه، ويجدد نشاطه ويتناول ما قد يحتاج إليه من طعام
وشراب، ليواصل سيره بعد ذلك إلى غايته، غير آبه بما قد رآه في
تلك الاستراحة من ملهيات، وغير متأثر بما قد ناله فيها من
موحشات.ذلك لأنه قد تشبع ببيان الله لهوية هذه الحياة الدنيا،
ووقف طويلاً يتدبر أمام قوله تعالى: { إِنَّما هَذِهِ
الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دارُ
الْقَرارِ } { غافر: 40/39 } المهم أن كلاً من المنطق والذوق
يقتضي أن يكون المنزل الذي يقيم فيه النازل لمدة موقوتة،
مطبوعاً بطابع التوقيت، وأن تكون وسائل الراحة فيه بالقدر
المتفق مع طبيعة الإقامة المؤقتة، كي يتاح للراحل عنه أن يتركه
دون أي تعلق به ودون أي أسف على فراقه.على أن هذا النظام الذي
أقامه الله في علاقة الإنسان بالحياة الدنيا فيه قدر كبير من
الرحمة واللطف، حتى لمن عاش حياته ثم رحل عنها دون أن يتعرف
على حقيقتها وعلى واجباته فيها، وعلى علاقته بمولاه وخالقه
الذي استودعه فيها إلى حين، ثم نقله عنها إلى المصير الذي لا
بدّ أن ينتهي إليه هو وأمثاله من أفراد هذه الخليقة.إذ الكهولة
والشيخوخة بعد الشباب.. والآفات والأوجاع التي تتسرب إلى
الجسم.. ومصائب الدنيا وابتلاءاتها، كل ذلك جامعشترك يواجه
المؤمن والملحد والفاسق، ومن ثم فإن من شأن هذه الآفات إذا
تسربت ثم تزايدت، أن تعكر صفو العلاقة بين الإنسان ودنياه التي
كان بالأمس شديد التعلق بها، فإذا حان رحيله عنها لم يكن له
بها من تعلق، أو يكون له بها تعلق من يرى فيها ذكريات أيامه
الجميلة الخوالي. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:32 pm

لاتستغرب وقوع الأكدار، مادامت في هذه الدار، فإنها ما
أبرزت إلا ماهو مستحَقُّ وصفها وواجب نعتها

ـ وانظر إلى فرق مابين المؤمن والكافر في هذا الأمر

فابن عطاء الله يلفت النظر في حكمته هذه إلى ضرورة معرفة
الإنسان لهذا كله، كي يكون على بيّنة من الدار التي أنزله الله
فيها وعلاقتها بالوظيفة التي خلق الإنسان من أجلها، ولكي
لايفاجأ منها بما لم يكن يتوقع. فإنّ ذلك أحرى بأن ينسجم معها،
وبأن لايركن إليها ركون الهائم بها المعتمد بكليته عليها.وانظر
في هذا إلى الفرق مابين المؤمن والكافر. أما المؤمن الذي
فتح عينيه على الدنيا التي أقامه الله فيها، من خلال تعريف
القرآن بها: دار ابتلاء، يتمازج الخير فيها بالشر، يُفتتن فيها
الإنسان بأخيه الإنسان، يُبتلى فيها بالنعمة ليشكرها فلا يطغى
ولا يبطر بها، ويبتلى فيها بالمصيبة ليصبر عليها، ويحتسبها
بأجر من الله، فلا يضجر منها. ثم إن الله سيوفي كل إنسان حقه
لقاء شكره عند النعمة، ولقاء صبره عند المصيبة، يوم الجزاء،
عندما يقوم الناس كلهم لرب العالمين، تماماً كما يؤكد بيان
الله عز وجل القائل: { كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ } { آل
عمران: 3/185 } إذا أقبلت إليه النعمة استقبلها عالماً بواجبه
تجاهها، بل تجاه من أسداها إليه، فاستعملها ونعم بها على الوجه
الذي شرعه الله، دون بغي ولا طغيان.وإذا واجهته المصيبة أياً
كان نوعها، استقبلها متجملاً راضياً صابراً محتسباً أجره على
ذلك عند الله، ملتجئاً إليه عز وجل أن يعينه على الثبات
والصبر، وأن يكرمه بالعفو والعافية.وهو في كلا الحالتين يمارس
عبوديته لله تعالى بصدق. فلا هو يُخدع بالنعم والمتع ومباهج
الدنيا ولذائذها، إذ يعلم أنها ظلال زائلة، ولا هو يجزع من
المصائب ويشقى بسببها، لأنه يعلم أنها ابتلاءات من الله عز وجل
يمتحن العبد بها، ثم إنه يؤجر الأجر الأوفى عليها إن هو نجح في
امتحانه بها فصبر وتجمل وسأل الله العون والتوفيق.ثم إنه ينظر
إلى الدنيا، طال أو قصر أجله فيها، من خلال المنظار الذي يتجلى
له في محكم بيان الله عز وجل، وإذا هي أيام قليلة تافهة،
بالنسبة لما هو مقبل إليه من بعد، فلا خيرها إن غاض أو غاب
مأسوف عليه، ولا شرها إن أقبل أو استفحل مشكلة ذات بال.. ذلك
لأنه قد تشبع بمثل قول الله تعالى:ـ { قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا
قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ
فَتِيلاً } { النساء: 4/77 } ـ { لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ
الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ، مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ
مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادِ } { آل عمران:
3/196-197 } ثم إنه يدرك إلى جانب ذلك أن الله الذي أقامه؟ في
دنيا هذا الابتلاء، أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، فلا يضيع
للإنسان جهداً بذله في سبيل خير، ولا يهمل له حقاً اغتصبه منه
ظالم، ولايترك له أي ظلم اقترفه أو جريرة اكتسبها، بل يقضي بين
عباده في ذلك كله يوم الجزاء الموعود طبق قانونه عز وجل الساري
على عباده جميعاً: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً
يَرَهُ } { الزلزلة: 99/7-8 } فهذا المؤمن الذي استقبل حياته
الدنيا هذه، واستقبل معها بوعي ويقين هذا التقرير الإلهي عنها،
سيعيش حياة هنيئة على كل حال، سواء تنقل في ظلال النعمة
والرخاء، أو تقلب بين أمواج الشدائد والبأساء، إنه سيكون فعلاً
كما قال رسول الله عنه: ((عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له
خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن. إن أصابته سرّاء شكر فكان
خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له))
رواهمسلم_بهذا_اللفظ_من_حديث_صهيب،_ورواه_النسائي_في _عمل_اليوم
_والليلة،_بألفاظ_قريبة. . أما الكافر ، ونقول بعبارة أشمل:
أما غير المؤمن، فهو إنسان وفد إلى هذه الدنيا، وتعرّف على
واقعها وهويتها، من خلال غرائزه ومشتهياته، فهو يريدها كما
يهوى ويتمنى، ويصرّ إصراره على أن يكافح ويناضل في فجاجها،
ليخضعها لما يشتهي ويريد... وهو إذ يصرّ إصراره هذا يرى ويوقن
في قرارة نفسه أن حياته هذه التي يعيشها هي اليوم الذي لا غد
من ورائه، فهي حظه الأوحد من الحياة التي تفتحت عيناه عليها،
ومن ثم فإن عليه أن يغامر جهد استطاعته ليجعل حظه منها سعادة
ورغداً وهناء، وليبعد ظلال المصائب والمآسي عنه بكل ما يملك
إلى ذلك من سبيل.ولكنه، إذ يسعى سعيه هذا، يفاجأ بأن هذه
الدنيا ما كانت ولن تكون كما يريد، بل لابدّ أن يكون هو ـ شاء
أم أبى ـ كما تريد!...غير أنه وقد تجاهل أو جهل التقرير الإلهي
الوارد عن حقيقة هذه الدنيا وشأنها، وعن المهمة التي خلق
الإنسان من أجلها، وعن المستقر الذي ينتظره بعد أن يمرّ في هذا
المستودع القصير، غير مستعدّ لأن يخضع بطواعية منه لنظام
الدنيا ومايفاجأ به من أحداثها معه ومواقفها منه... وإنما
ينساق إلى نظامها هذا قسراً وعلى مضض شديد منه وكره.والسبب،
أنه غير مستعد لأن يقيد نفسه بواجب الشكر عند مجيء النعم، ولا
لأن يلزم نفسه بواجب الصبر عن ورود المصائب والآلام، إذ هو لا
يؤمن بالثمرات التي ينالها على الشكر في الحالة الأولى، ولا
يؤمن بالثمرات التي ينالها على الصبر في الحالة الثانية، لأن
الدنيا فيوهمه هي يومه الوحيد الذي لا يملك أيّ غد من ورائه،
ومن ثم فهي حظه الذي لا بديل له عنه ولا ثاني له من ورائه.
فلمن يشكر؟ وفيم يصبر؟فكيف تكون مشاعر هذا الإنسان الذي جاء
يحمّل الدنيا أوقاراً من أحلامه وآماله الوردية الرائعة،
وعندما يفاجأ منها بالغصص المنكرة، وبالمآسي والمصائب الموحشة؟
ما يكاد يفرح بساعات من لهوه الذي يطوف به ومشتهياته التي ترقص
بين يديه، حتى تغيب عنه إشراقة هذه الساعات، وتتحول الدنيا من
حوله إلى نقيض هذا الذي كان يفرح ويمرح فيه: سلسلة من المصائب
والآلام المتنوعة تأخذه ولاتردّه..ثم كيف تكون مشاعره عندما
يجد أن ليل الشباب قد فارقه بكل ماكان يفيض به من قوة وغرائز
ورغبات وأحلام مقبلة... وقد أقبل إليه من ورائه المشيب
فالشيخوخة بكل ما فيها من ضعف وذبول، وبكل ما تحمله إليه من
بشائر الموت ومقدماته؟..كيف تكون مشاعره آنذاك، وهو لايزال
موقناً بأنه سيرحل من دنياه هذه إلى عدم مطبق، وأنه إنما يمرّ
بالأسطر الأخيرة من قصة وجوده في الحياة؟وما هو معنى الصبر
بالنسبة إليه؟ وماقيمته؟ وماجدواه؟ إن الصبر في حقيقته ليس
أكثر من تعلق الأمل بخير متوقع. فإن لم يكن ثمة أمل يتعلق
بيقين لا ريب فيه بالحياة الآخرة، فلا معنى للصبر في هذه
الحال. وإنما هو الخضوع القسري لعذاب لا ثمرة من ورائه ولا
مناص منه. وجدير بمن كانت هذه حاله أن يختنق أو ينفجر. وإني
لأشبّه حال كلٍّ من المؤمن والكافر في فرق ما بينهما في هذا
الأمر، برجلين قضي عليهما أن يدخلا فيسيرا في نفق مظلم ذي
اتجاه واحد، أحدهما يوقن أن النفق طريق لا بـدّ منه ينتهي إلى
واحة غناء فيها كل ما لذّ وطاب، والآخر يوقن أنه ينتهي إلى سدّ
لا يمكن اختراقه. من الواضح أن الأول منهما كلما أوغل سائراً
في ظلمات ذلك النفق انتعشت نفسه وازدهرت آماله وأحلامه إذ يعلم
أنه غدا على مقربة من الواحة التي تكمن في نهايته.. وأن الثاني
منهما كلما أوغل سائراً فيه أطبق الهم على خناقه وازدادت ظلمات
النفق ضيقاً عليه، وتصور أن عاقبة ذلك النفق أن يتحول إلى قبر
يختنق فيموت فيه.ولعلّ بوسعك الآن أن تعلم السبب فيما يلجأ
إليه جيل الضياع والتطوح في الغرب، من الركون إلى أنواع
المخدرات، والاستسلام لغول المسكرات، والسبب في الأمراض
النفسية المستشرية هناك، وفي الشذوذات المرهقة التي تنقلهم من
شقاء إلى شقاء، ثم في النسبة المرعبة المتزايدة للمقدمين على
الانتحار.لديّ إحصاء يعود إلى ما لا يقل عن عشر سنوات، يقول إن
عدد المنتحرين كل عام من طلاب وطالبات جامعات الولايات المتحدة
الأمريكية وحدها، مابين (12 ـ13)ألف شخص، ولا أدري إلى أي حدّ
ارتفع العدد في هذه الأيام. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:33 pm

لاتستغرب وقوع الأكدار، مادامت في هذه الدار، فإنها ما
أبرزت إلا ماهو مستحَقُّ وصفها وواجب نعتها

ـ بقي أن تعلم أنه لا المتع التي تتسابق إلى الإنسان مصدر
سعادته، ولا المصائب والأسقام مصدر شقائه

بقي أن تعلم أنه لا النعم والمتع التي تتسابق إلى الإنسان
وتغمره بلذائذها هي مصدر السعادة التي تهيمن على النفس وتنعش
القلب،ولا المصائب والأسقام التي قد تتكاثر لديه هي مصدر
الشقاء الذي تصطبغ به النفس ويسيطر على الشعور.رب إنسان لا
تعلم المصائب سبيلاً إليه، تفيض داره بالمتع والنعم، ويفيض
جسده بالصحة والعافية، ولكن قلبه لا يعلم مع ذلك طعم السعادة
والسرور!.. يضيق بالدنيا كلها ذرعاً دون أن يشكو أي ألم،
ويعاني من وحشة متلاحقة وهو في أبهى ساعات مرحه وتراقص الدنيا
من حوله.ورب إنسان غابت عنه متع الدنيا ونسيته مباهجها
وأهواؤها، ابتلي بالفقر في جيبه وبالأسقام في جسده، وتنظر إليه
فإذا البسمة الصادقة لا تفارق وجهه، والسرور الحقيقي يغمر
قلبه.ألا فلتعلم أن الأمر ليس فيه أي مفارقة، وليس فيه ما يدعو
إلى العجب. مصدر الشعور بالسعادة والشقاء هو القلب..والقلب هو
مكان تجليات الله عز وجل الذي أضحك وأبكى، والذي إن شاء شرح من
خلال ذلك صدرك، وإذا الدنيا كلها ترقص على إيقاع سرورك، وإن
شاء بعث من خلال ذلك أيضاً فيه الوحشة والضيق، وإذا بمتع
الدنيا كلها تتحول إلى ظلل داكنة سوداء تنفث في كيانك شعور
التشاؤم، وتملأ قلبك بثقل الهموم.إذن فاستخدم ماتطوله يداك من
الدنيا وأسبابها لأَوَدِ حياتك وإقامة عيشك. ثم اطرق بيد
الإيمان الحقيقي باب الله تعالى لإسعاد قلبك ولشرح صدرك. وابذل
كل ما تملك من جهد في سبيل أن تكون ممنال عنهم رسول الله في
الحديث الذي مرّ ذكره، وأعود فأختم به شرح هذه الحكمة: ((عجباً
لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن.
إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان
خيراً له)) مرّ_الحديث_وتخريجه_في_ص_343. . * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:34 pm

الحكمة الخامسة والعشرون



ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولاتيسر مطلب أنت طالبه
بنفسك

ـ عرض إجمالي لمعنى هذه الحكمة

ولنبدأ بالعرض الإجمالي لمعنى هذه الحكمة:


ـ المستند الذي اعتمد عليه ابن عطاء الله في هذه الحكمة

ولكن فلنتساءل بعد هذا: من أين جاء ابن عطاء الله بهذا الكلام؟
وما هو مستنده في هذا القرار؟مصدر هذا الذي يقول ابن عطاء الله
كتاب الله عز وجل وهدي نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم،
وقراره هذا من أهم مبادئ التوحيد الذي هو لب العقيدة
الإسلامية.


ـ أجمع كلمة دالّة على هذه الحقيقة (( لاحول ولا وقوة إلا
بالله))

أجمع آية دالة على هذه الحقيقة الاعتقادية، قول الله عز وجل:
{ يا أَيُّها النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ
وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } { فاطر: 35/15 }
والفقر الذي يثبته الله تعالى للناس ليس فقراً في المال دون
غيره أو في المدارك والمعارف دون غيرها، وإنما هو الفقر بكل
أشكاله وأنواعه، فالإنسان إذن فقير في طاقته وجهده، وفقير في
علومه ومداركه، وفقير في كل مايحتاج إليه من مال ونحوه... إن
تحرك فبقدرة الله يتحرك، وإن سعى في مناكب الأرض صانعاً زارعاً
بانياً، فبتوفيق وبحول من الله تعالى يفعل ذلك كله.. وإن أدرك
وتعلم واكتشف خفايا المكونات فبمنحة من علم الله ينال ذلك
كله.. ألا ترى إلى قوله عز وجل: { وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ
مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ } { البقرة: 2/255 } وأجمع
كلمة دالة على هذه الحقيقة مما علمنا إياه رسول الله ، قوله:
((لاحول ولاقوة إلاّ بالله)) .إن ((لا)) نافية للجنس، كما
هو مثبت في قواعد اللغة العربية، فهي إذن تنفي جنس الحول
والقوة عن الإنسان، أي فهو لايتمتع من ذلك كله بشيء، إلا أن
يمنحه الله من ذلك مايشاء. فإن تحرك أو سعى الإنسان فبقدرة
الله يسعى ويتحرك.ولأمر ما أوصانا رسول الله أن نكثر من ذكر
هذه الكلمة القدسية الجامعة. روى محمد بن إسحاق أن مالكاً
الأشجعى جاء إلى رسول الله فقال له: أُسِرَ ابني عوف، وشكى
إليه جزع أمّه عليه، فقال له رسول الله : أرسل إليه أن رسول
الله يأمرك أن تكثر من قول ((لاحول ولاقوة إلا بالله)) فأنقذه
الله من الأسى وعاد إلى أبويه بخير وغنائم..وانظر في بيان هذه
الحقيقة إلى الكلمة البليغة الجامعة في الحديث النبوي الشريف:
((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل
خير، احرص على ماينفعك، واستعن بالله ولاتعجز، وإن أصابك شيء
فلاتقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وماشاء
فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان))
رواه_مسلم_من_حديث_أبي_هريرة. .تأمل في قوله: ((استعن بالله،
ولاتعجز)) .. قدم الأمر بالاستعانة بالله، على النهي عن
العجز، لكي يعلم الإنسان أن سبيل تخلصه من العجز إنما هو
الاستعانة بالله عز وجل، إذن فالخطوة الأولى بين يدي كل جهد
ونشاط هي الاستعانة بالله عز وجل، ثم تأتي الخطوة التي تليها
متمثلة بالنهوض إلى العمل وطرد أسباب العجز. فالنشاط السلوكي
ثمرة للاستعانة بالله عز وجل. وهذا هو السبب في تقديمه الأمر
بالاستعانة بالله على التحذير من التكاسل والعجز، إذ السبب في
الترتيب هو الأول، والمسبَّب هو الثاني... ولو قال رسول الله
: لاتعجز، واستعن بالله، لجاءت الجملة مخالفة للترتيب الواقعي
والمنطقي.وقبل أن أنتقل بك إلى التطبيقات والأمثلة العملية
والواقعية لهذه الحكمة، أذكرك بما هو مقرر في مبادئ العقيدة
الإسلامية، وهو أن الله عز وجل يرفد الإنسان بالقدرة عندما
يهبّ لاستعمالها في حركة أو قيام أو قعود أو مشي أو أي عمل
يتجه للنهوض به، أي إنه لاتوجد فيكيان الإنسان قدرة أودعها
الله لديه، ثم تركها وتركه لها، فهو يستعملها في شؤونه عندما
يشاء..ينبغي أن تعلم أن هذا التوهم خطأ منطقي وعلمي، بعد
اليقين بألوهية الله تعالى وقيوميته على كل شيء. بل إن القدرة
تفد إليك عند الحاجة الآنِيَّةِ إلى استعمالها، ثم تظل تسري في
كيانك لحظة فلحظة مع استمرار الحاجة إليها. أي إن رعاية الله
للإنسان موصولة به استمراراً، كاستمرار اتصال الأسلاك
الكهربائية بالمولد، ولله المثل الأعلى.واعلم أنك ـ في حالات
نادرة تمرّ على كل منا ـ عندما تفاجأ بأن قوتك قد خانتك، إذ
حاولت القيام فلم تستطع، أو حاولت أن تبسط يدك فتشنجت ولم
تتمكن، اعلم أن الله قد قطع عنك في تلك اللحظة عونه ومدده.
وليس تفسير ذلك أن في كيانك قوة مستقرة غابت في تلك اللحظات
عنك، ومهما علل الأطباء هذه الظاهرة بأسباب وعوارض عضوية،
فالحقيقة هي هذا الذي أقوله لك. إنهم لايرون المدد الإلهي
الممتدّ إلى كيان الإنسان، لافي إقباله ولا في إدباره، ولكنهم
يرون أثر ذلك في جسمه وأعضائه، فيحسبون الأثر مؤثراً والنتيجة
سبباً.وذلك هو شأن علماء الطبيعة في كل مايرصدونه من ظواهرَ إن
بأعينهم أو بواسطة أجهزتهم، إنهم يدركون ويرصدون النتائج
الخاضعة لتدبير الله، ولكنهم لايرصدون، لابأعينهم ولا
بأجهزتهم، تدبير الله وفاعليته، فيتوهمون النتائج والآثار
أسباباً ومؤثرات ذاتية،وينسبون إليها من الفاعلية والتدبير ما
ينبغي ـ لو اخترقوا الظواهر ـ أن ينسبوه لمصدره وهو الله عز
وجل.إذن فالإنسان أياً كان، وفي أي الظروف والأحوال وجد، إنما
يتحرك وينشط بعون الله وبقدرته. تلك هي الحقيقة العلمية
الثابتة، ومن ثم فهو المعتقد الذي يجب أن يدين به كل من آمن
بالله إلهاً واحداً حقيقياً لاشريك له.وأظن أنني فصلت القول في
بيان هذه الحقيقة، في مناسبة مرّت خلال شرحنا للحكم الفائتة.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:35 pm

ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولاتيسر مطلب أنت طالبه
بنفسك

ـ الثمرة التي نعود بها إلى أنفسنا من معرفة هذه الحقيقة

ولنتساءل الآن عن الثمرة التي نعود بها إلى أنفسنا من معرفة
هذه الحقيقة.إنني إذا عرفت هذه الحقيقة واستيقنها عقلي، فلسوف
أكون دائماً مع الله عز وجل، في سائر حركاتي وسكناتي وأنشطتي
وأعمالي المختلفة التي أقوم بها... أي لن يغيب عن بالي أنني
فقير في كل تحركاتي هذه إلى معونة الله وإمداده. وسيحملني هذا
اليقين على الاستعانة به عز وجل، كلما أقدمت على عمل ما:
وظيفةٍ، تجارةٍ، صناعةٍ، زراعةٍ، عملٍ عسكري، نشاط سياسي..
إلخ. وهذا سيحملني بدوره على دوام ذكر الله ومراقبته، وكيف
لاأذكره، بل كيف لا أداوم على ذكره وقد أيقنت أنني لا أتحرك
إلا بقوته، ولا أنهض إلا بتوفيقه وأنه إن تخلى عني وقعت أسير
عجز مطبق وضعف خانق. مثلهذا الإنسان لابدّ أن يردد دائماً، إن
بلسان قوله أو بلسان شعوره وحاله: يارب!.. يناديه مستعيناً،
مستغيثاً مفتقراً، ولابدّ أن يمزج سائر تحركاته بهذا النداء
المستمر مع استمرار تحركاته وأنشطته وأعماله، ولعمري هذا هو
الفرار الذي أمرنا الله به إذ قال: { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ } { الذاريات: 51/50 }


ـ ماقد يستشكله بعض الناس

وهنا، أفترض أن في القراء من يستشكل قائلاً: هاأنا ذا قمت
بعملي الدراسي في الجامعة معتمداً على نفسي، غير متذكر لشيء من
هذا الذي تقول، ومع ذلك فقد حالفني التوفيق وتيسر مطلبي على
الرغم من أنني طلبته بنفسي، ولم يتعسّر كما يؤكد ابن عطاء
الله. ثمة جوابان عن هذا الإشكال:

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:36 pm

ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولاتيسر مطلب أنت طالبه
بنفسك

ـ الجواب الأول..

الجواب الأول: أن كلمة ((التوقف)) في كلام ابن عطاء هذا
إنما تعني غياب التوفيق، وليست بمعنى انقطاع تيار القدرة عن
صاحب الدراسة أو العمل، فهو يقول: ما من عمل تستعين فيه بالله
عز وجل إلا ويكون توفيق الله حليفك. وما من عمل تستقل فيه
بنفسك معتمداً فيه على ذاتك ناسياً أو منكراً يد الله التي
تحركك إلا ويغيب التوفيق فيه عنك.فما هو التوفيق؟ إنه لايتمثل
في نجاحك الشكلي في دراستك ولا في حصولك على الشهادة الجامعية
التي سعيت إليها.. وإنما يتمثل التوفيق في وصولك إلى الغاية
التي توجهت إلى دراستك من أجلها.. وسعادتك بالهدف الذي
ابتغيته.فمن اعتمد على الله في جهوده، أياً كانت دراسةً أو
غيرها، حقق له الله النتائج التي يسعى إليها، وأسعده بها.ومن
تجاهل عون الله له، واعتقد أنه إنما يصل إلى مايبتغيه بجهوده
الذاتية وقدراته الشخصية، عاكسه التوفيق، وإن هو تحرك في نطاق
الأسباب تحرك القادر الذي يخيل إليه أنه مستقل بأمر نفسه متمكن
من تحقيق رغائبه.


ـ الجواب الثاني..

الجواب الثاني: أن هذه القاعدة التي يذكرها ابن عطاء الله
إنما يخاطبُ بها من سبق أن آمن بالله عز وجل، وبايعه على
الإسلام والالتزام بأوامره وأحكامه. فأما الجاحدون الذين لم
يؤمنوا به فضلاً عن عدم التزامهم بأوامره والاستسلام لشرعته
فينطبق عليهم قول الله تعالى { كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ
وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ
مَحْظُوراً } { الإسراء: 17/20 } إن الكافر أو الملحد لا يقال
له: إنك لن توفق في أعمالك وشؤونك إن لم تستعن بالله عز وجل،
إن هذا القول لو خوطب به يتنافى مع قول الله تعالى: {
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } { الحجر: 15/3 } إن الكافر، لم يسمّ
كافراً إلا لأنه جاحد بألوهية الله عز وجل، ومن ثم فهو غير
ملتزم بأي بيعة لله عز وجل في اتباع أي من شرائعه وأحكامه..
وهذا هو السبب في أنه لايخاطب بشيء من فروع الدينالشريعة
كالصلاة والصيام والفرائض الأخرى، ولا يتوجه إليه النهي عن شيء
من المحرمات التي نهى الله عنها.إن هذا الذي يذكرنا به ابن
عطاء الله أدب من آداب الإسلام، ينبثق من قول رسول الله لعبد
الله بن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن
بالله)) . وهذه الآداب الإسلامية إنما يلزم بها ويخاطب بها
المسلمون. إذ هي متفرعة عن كليات العقيدة الإسلامية، فمن لم
يؤمن إيماناً حقيقياً بها، لامعنى لإلزامه بشيء من الفروع
المنبثقة عنها.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:37 pm

ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولاتيسر مطلب أنت طالبه
بنفسك

ـ هذه القاعدة التي يذكرنا بها ابن عطاء الله تصدق على
الفرد والمجتمع أمثلة من الواقع

إذا تبين هذا، فاعلم أن هذه القاعدة التي يذكرنا بها ابن عطاء
الله، تصدق على كل من الفرد والمجتمع، فما من إنسان مؤمن بالله
عز وجل، يوقن إذ ينشط في القيام بوظائفه وأعماله أن مصدر
توفيقه وسند عونه إنما هو الله عز وجل، إلا كان التوفيق حليفه،
إما بما يناله من ثمرات عمله مباشرة، أو بما قد يعوضه الله عن
ذلك.. إذ إن من شأن هذا الإنسان الموقن بهذه الحقيقة أن لايخطو
خطوة فيما هو مقبل عليه، إلاّ ذاكراً الله، ملتجئاً إليه،
متضرعاً إليه أن يوفقه وأن لايتخلى عنه، وقد ألزم الله ذاته
العلية بأن لايتخلى عمن يلوذ به ويلجأ إليه، ويعود في كل شؤونه
وأعماله إليه.وقد ذكرت طائفة من الأمثلة الواقعية على هذا، في
مناسبات مرت خلال شرحنا للحكم الماضية.كذلكم المجتمع.. إن
المجتمع إذ يتحرك من خلال قادته وموجهيه، شأنه في هذه القاعدة
كشأن الفرد، فما من فئة أو مجموعة أو مجتمع من الناس يتحرك تحت
سلطان اليقين بأن القوة إنما هي قوة الله، وأن التوفيق والسداد
من عنده، إلا توّج الله أعمال هذا المجتمع أو الفئة بالتوفيق
والنصر... والعكس أيضاً صحيح. وإليك طائفة من الأمثلة
العملية.يوم بدر كان طلب المسلمين للنصر بالله عز وجل، فقد
كانوا على يقين بأن قوتهم من حيث الكم والكيف أقل من أن تحقق
لهم نصراً. ولكنهم كانوا يطلبون النصر بالله، ويثقون بوعده،
ويضيفون إلى ذلك كثرة التجائهم إليه، وشدّة تضرعهم على أعتاب
كرمه وجوده، وإنك لتعلم كم استمر رسول الله ليلة الجمعة، يجأر
إلى الله بالشكوى والدعاء ويسأله التوفيق والنصر.. فكان أن
استجاب الله دعاءهم وحقق لهم النصر الذي سألوه، من حيث
لايحتسبون. وصدقت فيهم القاعدة: ((ماتوقف مطلب أنت طالبه
بربك)) وصدق الله القائل: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ
الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ } { الأنفال: 8/9 }

أما في
غزوة حنين، فقد صدق في أوائلها الشطر الثاني من هذه القاعدة،
هو ((ولاتيسر مطلب أنت طالبه بنفسك)) . إذ وُجِدَ آنذاك في
أصحاب رسول الله من أُعْجِبوا بكثرتهم، التي لم يروا مثلها
فيصفوفهم قبل ذلك، فاستبشروا بالنصر اعتماداً عليها... ولكن
البشارة لم تتحقق، والكثرة لم تفدهم شيئاً، فقد كان الغلط الذي
تورطوا فيه أنهم طلبوا النصر بها واستبشروا اعتماداً عليها..
فصدق فيهم قول الله عز وجل: { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ
أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً }
{ التوبة: 9/25 } وإذا تتبعت حال المجتمعات الإسلامية بعد عصر
رسول الله إلى يومنا هذا، لم تعثر على واقع شذ عن هذه
القاعدة.الفتوحات التي تمت في عصر الخلفاء الراشدين، كانت
خاضعة لهذه القاعدة..الانتصارات التي تمت في العصور التي تلت
عصر الخلافة الراشدة إنما كانت من تطبيقات هذه القاعدة..
والانتكاسات التي حدثت، كانت هي الأخرى من تطبيقاتها.الغزوات
الصليبية التي جاءت فهيمنت واحتلت أرضنا المباركة كانت من
نتائج هذه القاعدة.. ولما ارتدت على أعقابها فيما بعد، عندما
هبّ نور الدين زنكي ثم صلاح الدين الأيوبي، كان ذلك أيضاً من
ثمرات هذه القاعدة.والفتح التاريخي العجيب الذي تم على يد
السلطان محمد الفاتح للقسطنطينية، إنما كان مصداقاً دقيقاً
لهذه القاعدة، ومن وقف على الصورة المؤثرة حقاً لكثرة تضرعه
والتجاءاته إلى الله، في خيمته التي كان يدير منها أعماله
القتالية، داخل القلعة التي بناها في أقل من خمسة أشهر، وقف
على ماتقشعر له القلوب، من أعاجيب تَذَلُّلِهِ وبكائهساجداً
يناجي الله عز وجل (انظر ترجمة محمد الفاتح في كتاب العاهل
العثماني أبو الفتح السلطان محمد الثاني، تأليف علي همّت،
ترجمة محمد إحسان). وصدق رسول الله القائل: ((لتفتحن
القسطنطينية. فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش))
رواه_أحمد_والحاكم_في_المستدرك_من_حديث_بشر_الغنوي. .والخذلان
الذي ران على العالم العربي وكثير من بقاع العالم الإسلامي،
منذ أن تهاوت الخلافة الإسلامية، من آثار هذه القاعدة، وصدق
رسول الله القائل: ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى
الأكلة إلى قصعتها، قال قائل: أمن قلّة يارسول الله نحن يومئذ؟
قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل،
وسيَنْزَعَنَّ الله الرهبة منكم من صدور أعدائكم، وسيقذِفَنَّ
في قلوبكم الوهن. قالو: ما الوهن يارسول الله؟ قال حب الدنيا
وكراهية الموت)) رواه_أبو_داود_والإمام_أحمد،_من_حديث_ثوبان.
.ولايتسع المجال في هذا المقام لعرض الأدلة التفصيلية على هذا
كله، إذ لسنا الآن بصدد استعراض الحوادث التاريخية وتحليلها
ودراسة أسبابها، ولكن بوسعك أن تستبين أدلة الطرد والعكس لهذه
القاعدة واضحة بينة من تفاصيل الأحداث التاريخية كلها، الجديد
منها والقديم.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:38 pm

ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولاتيسر مطلب أنت طالبه
بنفسك

ـ ليس معنى هذه القاعدة إهمال الوسائل والأسباب

بقي أن ألفت النظر إلى أن هذه القاعدة التي ينبهنا إليها ابن
عطاء الله، لاتعني أن على المؤمن الواثق بأن التوفيق والعون
كله من عندالله، أن يهمل الحركة والأسباب وأن لايقيم وزناً
للوسائل والمسخَّرات المادية في الطريق إلى الأهداف
والغايات.بل على المسلم الصادق في إسلامه أن يعلم أن يقين
العقل بأن المستعان به في كل جهد وعمل هو الله عز وجل، شيء
مجاله اليقين والاعتقاد، وأن يعلم أن تسخيره للأسباب التي
أقامها الله في طريقه استجابةً لأمر الله وانسجاماً مع نظامه
الكوني، شيء آخر.. وأن لاتعارض بين هذا وذاك، بل بينهما كمال
الانسجام.لقد قال الله تعالى: { وَما النَّصْرُ إِلاّ مِنْ
عِنْدِ اللَّهِ } { آل عمران: 3/126 } فإذا اتخذ العبد المؤمن
بالله الأسباب كلها وسخرها لأعماله ووظائفه كما شرع الله وأمر،
فإن عليه أن يعلم أنه إنما يتحرك بقوة الله ويسير إلى أهدافه
بعونه وتوفيقه. وقد علَّمنا سيدنا رسول الله هذا الجمع
المنسّق بين القاعدة الاعتقادية التي يذكرنا بها ابن عطاء
الله، واستخدام الأسباب كلها في السلوك والأنشطة العملية،
أثناء هجرته إلى المدينة المنورة.وأختم شرح هذه الحكمة، للعبرة
والدرس، بذكر هذه الحادثة:زميل جامعي أودى إلى رحمة الله عز
وجل، نشر ذات يوم مقالاً بعنوان: (عندما تعرف الأمة العربية
أنها سيّد قدرها، تتخلص منالتخلف) ، ضمنه كلاماً يناقض هذه
الحكمة أو القاعدة التي يقررها ابن عطاء الله بشكل حاد.كان هذا
المقال هو السبب الأول في إخراج كتابي: ((من هو سيّد القدر في
حياة الإنسان)) غير أن ردّي النظري عليه لم يكن ذا بال أمام
الرّد العملي الذي أتاه من عند الله عز وجل. وأعتقد أن الله لو
لم يرد به خيراً لما أسرع إليه بذلك الرد:كان يمارس وظيفته ذات
يوم بُعَيد نشره لذلك المقال، مزدهر العافية متضرج الوجه
ممتلىء الصحة، وفجأة غاب عنه ذلك كله ووقع أرضاً!.. حمل إلى
المشفى وعولج فيه أياماً دون أن يستبين سبباً لهذا الذي فوجىء
به.رأيته بعد ذلك بأشهر عرضاً ذاوي الوجه، مُنهَك القوى، سلمت
عليه بتحية حارة، وسألته عن صحته وحاله، فقال لي: ((فضّلها
الله عز وجل، ولطف بي، ولقد أكرمني فوفقني للقيام بعمرة، ولكم
شكرته ودعوته هناك)) .ماذا بقي للإنسان إذن؟بقي أن يستيقظ إلى
هذه الحقيقة التي أفضنا في بيانها وشرحها، قبل أن يصيبه مثل
هذا الخبل الذي تعرض له من كان يحلم بأن يكون سيّد قدره، ثم أن
يلوذ في كل شؤونه وتصرفاته وأعماله بالله عز وجل، موقناً بأنه
وحده السند، وبأن العبد، أياً كان، لايملك من دونه قوة
ولاعلماً ولاتدبيراً، ثم ينهض بكل ما قد أمره الله به من
واجبات، قائلاً بكل مشاعره وأحاسيسه الإدراكية ((لاحول ولاقوة
إلا بالله)) .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:41 pm

الحكمة السادسة والعشرون



من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات

ـ في الناس من يتصور أن العبرة من سلوك الإنسان هي ختام
حياته وحدها

نحن نعلم أن من أهم الأدعية التي ندعو الله بها ونكررها،
الدعاء بحسن الخاتمة.. كما أننا نعلم أن الإنسان إذا آل إلى
الله بخاتمة حسنة، آل إليه مغفوراً مكرماً، والعكس أيضاً صحيح،
وكثيراً ما نستشهد على هذا بآيات من كتاب الله عز وجل من مثل
قوله تعالى: { وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ
بَعِيدٍ ، هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ
خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } {
ق: 50/31ـ33 } ولاريب أن هذا الدعاء مطلوب ومفيد، وأن اعتقادنا
بأهمية حسن الخاتمة اعتقاد صحيح وسليم.ولكن في الناس من
يتصوَّرون أن هذا يعني، أن لاعبرة من سلوك الإنسان وحاله، إلا
بما يكون منه في آوخر حياته. أي فلاحرج في أن يستجيب الشاب
لأهوائه ونزواته، وأن يشرد عن أوامر الله وصراطه، وحسبه أن
يرعوي إلى الله وأحكامه عندما تنزل به الشيخوخة أو يشعر أن
مرضاً خطيراً قد أحدق به.كثيرون هم الذين يتصورون هذا،
يستسلمون لنزواتهم ورغباتهم في مقتبل العمر، وفي مرحلة القوة
والنشاط، معتقدين أن العبرة بما تكونليه حال الإنسان في الأيام
الأخيرة بل ربما الساعات الأخيرة من حياته.


ـ هذا التصور خطأ قتال وخدعة شيطانية ماكرة، إذ إن خاتمة
حياة الإنسان صدى وثمرة لأولها

ولكن فلتعلم أن هذا التصور خطأ قتَّال، وخدعة شيطانية
ماكرة!...إن خاتمة حياة الإنسان لاتكون إلا ثمرة ونتيجة لما
قبلها من البدايات والأحوال السابقة، إنها ليست إلا الصدى لما
كان عليه حال الإنسان من قبل، معتَقَداً وسلوكاً.أرأيت كيف
ينشأ الأصل، ثُمَّ تنبثق عنه فروعه؟.. أرأيت إلى النبات كيف
يخضرّ ثم ينمو، ثم تظهر الثمرة في أعلاه؟ كذلكم خاتمة حياة
الإنسان، إنها فرع وثمرة لما كان عليه حاله من قبل.ألا فلتعلم
أنه بمقدار ماتكون بداءات حياتك سليمة مستقيمة لاعوج فيها،
تضمن لنفسك خاتمة حسنة، إذا حان الرحيل وجاء الموت، وبمقدار ما
تستسلم في البداءات السابقة من حياتك لعواصف الأهواء والشهوات
ومحبة الأغيار، تغيب عنك هذه الخاتمة الحسنة.تلك هي الحقيقة
التي ينبهنا إليها ابن عطاء الله في حكمته هذه: ((من علامات
النجح في النهايات، الرجوع إلى الله في البدايات)) .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:42 pm

من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات

ـ يقول بعضهم: ولكن حديث رسول الله ((فوالذي نفسي بيده إن
أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة..)) يخالف ذلك

قد تقول ولكن الحديث الصحيح الذي يقول رسول الله في أوله:
((إنه ليجمع خلق أحدكم في بطن أمه..)) يؤكد خلاف هذا الذي
تقول في نهايته، إذ يختمه رسول الله قائلاً: ((فوالذي نفسي
بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى مايكون بينه وبينها
إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها،
وإن أحدكمليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا
ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها))
حديث_إن_أحدكم_يجمع_خلقه_في_بطن_أمه_أربعين_يوماً.._ رواه_البخا
ري_ومسلم_وأبو_داود_والترمذي_وابن_ماجه_كلهم_من_حديث _عبد_الله_
بن_مسعود. .أقول: إنك إن فهمت الحديث على الوجه الذي توهمته،
فذلك يعني أن الله عز وجل من شأنه أن يضيّع قربات الطائعين وأن
يبدّدها لهم، ويسقط ما قد يكون فيها من قيمة من حيث هي طاعة
أريد بها وجه الله.وهذا الوهم باطل منفي عن ذات الله عز وجل،
مناقض لصريح بيانه في محكم تبيانه، ألم يقل: { إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ
أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } { الكهف: 18/30 } إذن لابدّ أن
يفهم كلام رسول الله في هذا الحديث الذي يستشكله بعض الناس،
بما يتفق وكلام الله عز وجل.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:43 pm

من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات

ـ الجواب عن هذا على ضوء القرآن والسنة

وسبيل التوفيق هو أن نعود إلى كلام رسول الله ذاته في هذا
الحديث. فقد روى مسلم في صحيحه هذه الفقرة الأخيرة من الحديث
بألفاظ قريبة أخرى من حديث سهل بن سعد الساعدي، جاءت هكذا:
((إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل
النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من
أهل الجنة)) .إن كلمة ((فيما يبدو للناس)) الواردة في
الحالتين في رواية سهل بن سعد هذه، تبرز وجه الانسجام التام
بين الحكمة التي نحن الآن بصدد شرحها وكلام رسول الله في نهاية
الحديث المذكور.وفي ضوء هذه الرواية التي قيدت عمل الإنسان
بكلمة ((فيما يبدو للناس)) ينبغي فهم الرواية الأخرى المطلقة
والتي هي من رواية عبد الله بن مسعود، لأن القاعدة الأصولية
المعروفة تقضي بتفسير اللفظ العام في ضوء الخاص والمطلق في ضوء
المقيد، لا العكس
انظر_مزيداً_من_التفصيل_في_شرح_هذا_الحديث_في_كتابي_ (الإنسان_م
سير_أم_مخير)_ص120_ومابعدها. .إذن فالانفصال الذي قد تراه بين
ختام حياة الإنسان وبداياتها إنما هو فيما يبدو، كما يقول رسول
الله، أما في الحقيقة التي قد لاتبدو لك، فبينهما من الاتصال
والتفاعل مابين السبب والمسبب، والمقدمة والنتيجة، والأصل
والفرع.وبيان ذلك أنك قد ترى الرجل يلازم المساجد، لاتفوته
صلاة الجماعة، لايغيب عن مجالس العلم والذكر، تبدو عليه سيما
الصالحين، ولكنه يرائي الناس في سره.. يجعل من سلوكه والتزامه
هذا سبيلاً لثقة الناس به ومحبتهم له، كي تروج تجارته وتتحقق
مصالحه، فهو يعمل عمل أهل الجنة في الظاهر، أي فيما يبدو
للناس، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك، إذ إن الله طيب لايقبل إلا
طيباً، وقد قال رسول الله : ((إن الله لاينظر إلى أجسادكم
ولا إلى صوركم، ولكن ينظرإلى قلوبكم)) وأشار بإصبعه إلى صدره
رواه_مسلم_وابن_ماجه_وأحمد_من_حديث_أبي_هريرة،_وحديث :_
_((إن_الله_طيب_لايقبل_إلا_طيباً))_
_._رواه_مسلم_والترمذي_والدارمي_وأحمد. . فختام حياته يأتي
منسجماً مع واقع حاله السابق الذي يعلمه الله، وإن لم يكن
منسجماً معه في الظاهر المخادع الذي يبدو لك.وقد ترى الرجل
عاكفاً على الموبقات مبتلى بالمحرمات، فهو فيما يبدو يعمل بعمل
أهل النار ويسير نحو النهاية التي سينتهون إليها، ولكنك لاتطلع
على ماوراء هذا الظاهر من خفايا شأنه، لعله يعود في نهاية كل
يوم أو ليلة إلى داره، كسير القلب أسيف البال، يشكو إلى الله
سوء حاله ويتضرع إليه أن ينتشله من وهدة انحرافه (والدعاء كما
قد علمت لب العبادة، بل هو العبادة) ولعل آلامه الخفية هذه
تدعوه إلى أن يتقرب إلى الله بما يتأمل أن يكون سبباً لتوبته
أو شفيعاً له عند الله عز وجل، فيمعن في البحث عن الفقراء
والضعفاء والمنكسرة قلوبهم لظلم حاق بهم أو لعجز انتابهم،
يرعاهم ويكشف عنهم أسباب بؤسهم ويرفع يد الظلم عنهم، لايبتغي
من وراء ذلك شيئاً إلا أن يكرمه الله، بالهداية وأن يتجلّى
عليه بالمغفرة والصفح.ولعلك لاترى من أعماله الخفية هذه شيئاً،
إذ الغالب أنها إذ تصدر من هؤلاء التائهين تكون خفية، وتكون
الدوافع إليها قلبية لايطلع عليها إلا الله عز وجل.فإذا فوجئت
بتوبة هذا الإنسان إلى الله قبيل وفاته، وبإقباله إليه
بالأعمال الصالحة، يخيل إليك بسبب الظاهر من حاله السابقة التي
لمتكن تعلم غيرها، أن الله قد أكرمه بخاتمة جاءت على غير أساس
وبدون أي مقدمات، وقد تتوهم من جراء جهلك ببواطن الأمور أن هذه
الحكمة غير دقيقة أو غير صحيحة.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:44 pm

من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات

ـ مما ييسر معرفة هذا الجواب أن تعلم أن الرجوع إلى الله
في البدايات ليس محصوراً في الأعمال الظاهرة

ومما ييسر لك فهم هذا الذي نقول، أن تعلم أن الرجوع إلى الله
في البدايات، ليس محصوراً في ظواهر الطاعات والعبادات، بل
لاينطبق دائماً على هذه الظواهر، إن من الرجوع إلى الله عز وجل
كثرة الالتجاء إليه والتضرع بالدعاء بين يديه، ولاشك أن من أحب
الأعمال إلى الله أخفاها وأكثرها خصوصية بين العبد وربه. وهذا
هو شأن الالتجاء إلى الله والانكسار على أعتابه بالدعاء
الواجف.ولعمري لاقيمة لظواهر الطاعات، إن لم يكن لها اتصال
بجذور هذه الأحوال الخفية التي مكانها القلب والتي لايطلع
عليها إلا الله عز وجل. إن ظواهر الطاعات تغدو عندئذ أشباحاً
بدون أرواح، وصوراً مزيفة عن الحقائق، إنها أشبه ماتكون بهذه
الزهور الاصطناعية لها صورة الزهور وليس فيها شيء من عبقها
وأريجها!..وإذا وقفت على مثل قول الله عز وجل: { وَقَدِمْنا
إِلَى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
} { الفرقان: 25/23 } وكيف يهدر الله أعمالهم ويحيلها إلى هباء
منثور، عندما تكون نقية خالصة من الشوائب، وهو الذي يقول في
محكم كتابه { فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ
عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } { آل
عمران: 3/195 } ثم إن إدراك هذه الحقيقة، يكشف لك اللغز الذي
لايستبين تفسيره لكثير من الناس، والذي يتمثل في حال أناس كنت
تراهم في الظاهر ـ أيام نشاطهم وإقبالهم إلى الحياة ـ من ذوي
الطاعات والقربات والمنافسين لغيرهم في الخيرات والمبرات، فلما
كانت خاتمة حياتهم اتجهوا إلى الموبقات وتحللوا من الالتزامات،
ثم ماتوا عاكفين على هذه الحال. إن هذه الظاهرة تعني أنهم لم
يكونوا من خلال طاعاتهم والتزاماتهم السابقة يتعاملون مع الله،
وإنما كانوا يتعاملون مع مصالحهم ورغائبهم الدنيوية التي كانت
تقتضيهم الظهور بمظهر الالتزامات الدينية، والأعمال الصالحة
المبرورة، ولاتنس أن التعامل بالدين أيضاً سلعة تجارية رابحة
لمن ابتغى ذلك، شأنها كشأن السلع التجارية الأخرى، كالأقمشة
والأغذية وأعمال البناء ونحوها.كما قد يتمثل في حال أناس
آخرين، كنت تراهم في حال إقبالهم إلى الحياة، وفي مرحلة نشاطهم
فيها، عاكفين على الغيّ شاردين عن أوامر الله، حتى إذا كانت
الأيام أو الأشهر الأخيرة من حياتهم، تحولوا من حالهم تلك إلى
حال أخرى من التوبة والإنابة إلى الله، وتحرروا من سائر
الموبقات التي كانوا أسيرين لسلطانها، وضبطوا أنفسهم بأوامر
الله وأحكامه، ثم جاءهم الموت وهم على هذه الحال... إن هذه
الظاهرة تعني أنهم في حالهم الأولى، كانت لهم صلة خفية بالله
عز وجل، تتمثل في قربات خفية يبتغون بها وجه الله عزوجل، أو في
كـثير من الدعوات والالتجاءات إليه عز وجل أن يهديهم ويتداركهم
بالعون على التوبة والإنابة إليه، ونحن لانطلع على هذه الأمور
الخفية التي قضى الله تعالى أن تبقى سراً بين الله عز وجل
وعباده هؤلاء.فأما من استوى الظاهر والباطن في حياته من حيث
الاستقامة على دين الله وأوامره، أو من حيث الشرود عنهما
والتفلت عن ضوابطهما، فلابدّ أن تأتي الخاتمة متساوقة ومنسجمة
مع البداية إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وستجد عندئذ مدى دقة
هذه القاعدة القائلة: ((من علامة النجح في النهايات الرجوع
إلى الله في البدايات)) .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:45 pm

من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات

ـ من ثمرات إدراكك لهذه القاعدة أن تكون كثير الأدب مع
عباد الله جميعاً

واعلم أن من ثمرات إدراكك لهذه الحكمة، وتبينك لمستنداتها من
القرآن والسنة، كما أوضحنا، أن تكون كثير الأدب مع عباد الله
جميعاً. شديد الحيطة في أحكامك عليهم كثير التحفظ في قراراتك
بحقهم..إن رأيت من يبدو على ظاهره الإعراض عن أوامر الله،
والاستغراق في الموبقات والمنسيات والملهيات، فتوجه إليه بما
تستطيع من النصح والتذكرة، وأْمُرْهُ ما وسعك الأمر بالمعروف،
وانْهَهُ عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن إياك أن
تحكم عليه في سرّك أو بلسانك بأنه من أهل الشقوة والعذاب، فإنك
لاتعلم شيئاً من خفايا أمره وحاله مع الله عز وجل، ولاتعلم
أَلَهُ خيوط من أعمال صالحية خفية يبتغي بها وجه الله عز وجل.
بل كن على حذر من مثل هذا الحكم الغيابي عليه، بل ضع في
اعتبارك أنه ربما أصبح في عاقبة أمره خيراً منك.وإن رأيت من
تبدو على ظاهره الاستقامة على أوامر الله وتتجلى في تصرفاته
وأحواله سيما الصلاح والتقوى، فحسّن الظن به عملاً بقاعدة
((نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)) ولكن لاتجزم بعاقبة
أمره، ولاتتأل على الله في حكمك له بالخاتمة الحسنة، فإنك
لاتتطلع على خفايا قصده، ولاعلى سرائر أعماله وسلوكه. غير أن
الحيطة في الأمر تقتضي أن تحسن الظن بهذا وذاك.تحسن الظن بهذا،
عملاً بقاعدة ضرورة الحكم بمقتضى الظاهر، وتحسن الظن بذلك
أملاً في أن يكون له من الصلة الخفية بالله مايكون شفيعاً له
بين يدي الله، وما يكون سببا في إكرام الله له بالخاتمة
الحسنة، في دنياه.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:46 pm

من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات

ـ إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب مطلوب، ولكن
الترفع على العاصين والتسامي عليهم أمر خطير ومذموم

إنّ أمر العصاة بالمعروف ونهيهم عن المنكر، أياً كانوا، أمر
حسن ومطلوب، بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن الترفع والاستكبار
عليهم أمر سيّئ ومذموم، وليعلم من لايبالي بذلك أنه من هذا
الشأن على خطر. ويبدو أنه ابتلاء يعاني منه كثير من الناس
الذين يفرحون بأنهم مستقيمون ملتزمون بأوامر الله عز وجل..
يحملهم فرحهم بذلك على الانتقاص من شأن العصاة والتائهين وعلى
ازدرائهم والشعور بالسمو فوقهم والتعالي عليهم.أذكر يوم كنت
ألقي دروس الحكم العطائية هذه في مسجد السنجقدار أن شاباً
مخموراً اقتحم المسجد، أثناء الدرس، وهو يتطوح سكراً. واتخذ
لنفسه مكاناً بين الجالسين، فهب إليه جمع من المصلين الجالسين
وأقبلوا ينتهرونه ويعملون على طرده من المسجد.قلت لهم: فيم
تنتهرونه وتطردونه؟!.. عاص جاء يلوذ من عصيانه ببيت من بيوت
الله عز وجل. أتحولون بينه وبين إلهه الذي جاء يلوذ به؟ وما
أدراكم؟ لعل الله سيتقبل منه إقباله والتجاءه، فيطهره من
عصيانه ويتوب عليه، ويغدو بعد أيام أو شهور خيراً مني
ومنكم؟ووضع أحدهم أمامي، خلال تلك الدروس ذاتها، ورقة حذرني
فيها من أن في المسجد مخبرين جاؤوا للمراقبة وتتبع ما سأقوله
في الدرس، ونعت صاحب الورقة هؤلاء المخبرين بصفات سيئة غير
لائقة.وأذكر أنني علقت على ماجاء في هذه الورقة، مطولاً، ووجهت
السؤال التالي إلى كاتب الورقة: من أين لك أن تجزم وتستيقن أنك
أحسن حالاً عند الله، من هؤلاء الإخوة الذين تحذرني منهم؟ وما
الضمانة التي تجعلك على يقين بأن الشيطان لن يغويك، ولن يتخطفك
عن صراط الله عز وجل، ليزجك في شرٍ من الحال التي عليها هؤلاء
الناس؟ وما القرار الذي اطلعت عليه بأن الله لن يهديهم إلى خير
مما أنت عليه الآن؟ثم لماذا تحتكر قابلية الاستفادة من سماع
الحق، لنفسك؟ ألسنا جميعاً، نحن بني آدم، مفطورين على هذا الحق
الذي نذكره ونتواصى به؟ أولم يجهزنا الله جميعاً بالعقل المدرك
وقابلية الانقياد للحق؟ وهب أن هؤلاء الناس أقبلو فجلسوا في
هذا الملتقى المبارك في بيت الله عز وجل لغاية، ألم يقل رسول
الله في الحديث الصحيح عن مثل هؤلاء الناس الذين تنتقصهم،
نقلاً عن ربه عز وجل: ((..هم القوم، لايشقى بهم جليسهم))
.وصفوة القول أن على المسلم الذي أكرمه الله بالهداية
والالتزام أن يكون متأدباً مع عباد الله، وأن عليه أن يدرك أن
أشدّ الناس غواية وضلالاً، ربما أصبح أكثر منه هداية وأشد منه
التزاماً... على أن لايصدّه ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، كلما اقتضى الأمر ذلك.فإذا آل هذا العبد إلى الله، دون
أن تدري بيقين حاله التي فارق الدنيا عليها، فافترض بل رجح أنه
لم يفارقها إلا تائباً صالحاً مصطلحاً مع الله عز وجل، فإن
خيراً من ظنك السوء به، وظنك المقت من الله له، أن تظن التوبة
والإنابة منه إلى الله، والصفح والغفران من الله عز وجل
له.ولهذا صح عن رسول الله أنه قال: ((اذكروا محاسن موتاكم،
وكفوا عن مساوئهم)) ، وقد ورد هذا الحديث بأكثر من طريق
بألفاظ متقاربة رواه_أبو_داود_والترمذي_والطبراني والحاكم من
حديث
ابن_عمر_مرفوعاً،_قال_الحاكم:_صحيح_الإسناد_ولم_يخرج اه._وروى_ا
لبخاري_عن_عائشة_مرفوعاً:_
_((لاتسبوا_الأموات_فإنهم_قد_أفضوا_إلى_ما_قدّموا))_
_._وروى_أبو_داود_أيضاً_عن_عائشة_مرفوعاً:_
_((إذا_مات_صاحبكم_فدعوه،_لاتقعوا_فيه))_
_._وروى_الطبراني_عن_سهل_بن_سعد_بلفظ:_
_((ارفعوا_ألسنتكم_عن_المسلمين،_وإذا_مات_أحدهم_فقول وا_فيه_خير
اً))_
_.._فاعجب_أيها_القارئ_لمن_يخوض_في_مخاضة_مظلمة_لم_ي ـأذن_بها_ا
لله،_ويناقض_باستخفاف_وترفع،_هدي_رسول_الله،_وهو_يزع م_أنه_إنما
_يغار_بذلك_على_الإسلام!! .وياعجباً لبعض الناس اليوم!.. كيف
يحسنون الظن بالله في حق أنفسهم ويبالغون في الوقوف عند مظاهر
ودلائل إكرامه ورحمته ومغفرته، ويستذكرون الآيات والأحاديث
التي تؤكد سعة عفوه، فإذاذُكّروا بعصاة ومسرفين على أنفسهم
آلوا إلى الله عز وجل، لم يشكّوا في أنهم على موعد مع عذاب
الله ومقته، اعتماداً على ظاهر ما كان يبدو لهم منهم، وتأملاً
في أن يأتي حكم الله في حقهم تبعاً لما تهواه وتتمناه
نفوسهم.ولو سئل أصحاب هذه الأماني: أفكنتم على علم بسرائر
هؤلاء الناس، وعلى اطلاع بأحوالهم الخاصة في بيوتهم، وفيما
بينهم وبين ربهم، فعلمتم أنهم لم يرحلوا من الدنيا إلا مثقلين
بالأوزار والعقائد الباطلة، وأيقنتم من ثَمَّ بأن الله عز وجل
لم يدّخر لهم عنده إلاّ الخزي والعذاب؟ أقول: لو سئل أصحاب هذه
الأماني عن ذلك لتلجلجوا ولخانتهم الإجابة التي
يبتغون!...فياعجباً لأناس يتألون على الله في حق أنفسهم أنهم
المغفورون والمرحومون والمأجورون.. ويتألون على الله في حق
أمثال هؤلاء الآخرين أنهم الممقوتون والمحرومون من صفح الله
ورحمته، مع العلم بأن آدابنا الإسلامية التي نسجها لنا كتاب
الله وسنة رسوله، تأمرنا بعكس ذلك: أن نَوْجَل من مقت الله
وعقابه في حق أنفسنا، وأن نفترض العاقبة الحسنة في حق إخواننا
الذين لانعلم شيئاً من سرائرهم ، ولانعلم كيف آلوا إلى الله عز
وجل، وكيف كانت عاقبة حياتهم. * * * ثم اعلم أن هذه القاعدة
ليست خاصة أو محصورة ببداية الحياة ونهايتها، بل هي تشمل بداية
أي شيء ونهايته في حياة الإنسان، فمن بدأ عمله الدراسي معتمداً
على الله فيما يبذل من جهد، راجعاً إلىالله في معرفة حكم
دراسته ومدى موافقتها لشريعته وأحكامه، حالفه التوفيق في
النهاية وأثمرت جهوده الغاية التي يسعى إليها.ومن بدأ مشروعاً
تجارياً أو صناعياً مستشهداً فيه بميزان الشريعة مستبيناً مدى
مطابقة مشروعه لأحكام الإسلام، ثم سار فيه معتمداً على توفيق
الله عز وجلّ، لابدّ أن يحالفه النجح الذي يتحدث عنه ابن عطاء
الله في النهايات.ومن دخل في معترك سياسي، مدافعاً عن حق لأمته
أو لوطنه أو محافظاً على القيم والمبادئ، راجعاً في ذلك إلى
هدي الدين وميزانه، طالباً العون والتوفيق من الله عز وجل،
لابدّ أن تكون عاقبة أمره النصر والتوفيق.. إلى آخر الأمثلة
المشابهة.كما يدخل في هذه القاعدة، الأعمال والمشاريع الغامضة
التي يقدم أحدنا عليها وهو لايدري أخير هي أم شر، ولايعلم
شيئاً عن النتائج والعواقب التي ستواجهه من ورائها.والرجوع في
مثل هذه الأمور إلى الله عز وجل، يعني أن يستخير الله عز وجل
في شأنها، كما كان يفعل رسول الله ، يصلي ركعتين بنية
الاستخارة، ثم يدعو الله بالدعاء المعروف والمأثور عن رسول
الله في باب صلاة الاستخارة، ثم يباشر الأسباب المشروعة للعمل
الذي هو بصدده، متكلاً على الله ومستعيناً بقوته وتوفيقه. فإنه
إن كان خيراً في علم الله عز وجل وسابق غيبه، يسّره الله له
ونال من ورائه الخير الذي يبتغيه، وإن كان شراً في سابق علمه
عز وجل، صرفه الله عنه من حيث يحتسب أو لايحتسب.ومن المهم أن
تعلم أن نتائج الاستخارة التي علمنا إياها رسول الله لاتتوقف
على منام يراه المستخير صاحب المشروع، كما يظن كثير من الناس،
وصلاة الاستخارة ودعاؤها، لايتضمنان طلباً أو دعاء من الله عز
وجل أن يَرى المستخيرُ في رؤياه مايشير له إلى مشروعه الذي هو
بصدده أينطوي على خير أم شر. وإنما يتضمن كل منهما الدعاء من
الله عز وجل، بتيسير هذا الأمر إن كان خيراً وصرفه عنه إن كان
شراً.نعم، الرؤيا الصادقة ـ بقطع النظر عن الاستخارة ـ جزء من
ثلاث وأربعين جزءاً من النبوة كما قال رسول الله أي إن بوسع
الذي يرى رؤيا أن يستبين تأويلها بواسطة من أوتوا علماً بذلك،
على أن يعلم أن في الرؤى والأحلام ما لاتأويل له، وإنما هي
انعكاسات وآثار لمشاعر نفسية.ولعلك قد عرفت الجواب عن سؤال قد
يطرحه بعض الناس عرضت له وأجبت عنه في شرح الحكمة السابقة التي
جاءت هذه الحكمة تتمة لها. وسؤالهم هو أن المسلم ربما باشر
عملاً التزم فيه بأوامر الله وتعليماته، واستعان فيه بالله عز
وجل، ومع ذلك لم يحالفه النجح في النهاية.لعلك تذكر الجواب
الذي ينبغي أن أعيده الآن، وهو أن النجاح في العمل الذي يقدم
عليه أحدنا، ليس محصوراً في المضيّ في حرفية العملذاته، بل
النجــاح فيه يعني أن يكرم الله صــاحب العمل بالهدف الذي يسعى
إليه من ورائه، بقطع النظر عن الوسـيلة التي يسخرها الله له
إليه.كم من متجه إلى مشروع تجاري يقتضيه بعض الأسفار البعيدة
أملاً في ربح مالي يحصل عليه ابتغاء تحقيق أهداف محددة له،
فحوله الله من ذلك المشروع، إذ أغلق سبيله عليه، ووجهه إلى
سبيل آخر كان أقرب إلى الهدف الذي ابتغاه.وكم من مصرّ على
دراسة لعلوم ومعارف معينة أملاً في الحصول على أهداف اجتماعية
أو ثقافية أو اقتصادية محددة، فلم يحالفه التوفيق في دراسته
على الرغم من تكرار التجربة والحرص عليها، ثم اتضح له أن
الدراسة التي ظنها سبيلاً إلى هدفه المرسوم لم تكن لو نجح فيها
إلا عائقاً عن ذلك الهدف.إنها حقيقة معروفة، يعامل الله بها
عباده، لدى التجائهم إليه، وتوكلهم الدائم عليه.ومن صدق مع
الله في الاستقامة على أمره والاستعانة الصادقة به، والتوكل
الدائم عليه، يعلم هذه المعاملة الكريمة من الله له... وأنا
واحد من الذين تفضل الله عليهم، وعاملهم على هذا المنوال، حقق
لي رغائبي على أحسن ما قد كنت أتخيلها، بأيسر وأفضل من الوسائل
التي كنت قد حصرت نفسي فيها.وانظر إلى كلمة ((في النهاية))
التي عبر بها ابن عطاء الله في هذه الحكمة، وتأمل فيها، تجد
أنها تشير إلى الجواب الذي ذكرته لك.. إن العبرة بعواقب الأمور
ونهاياتها ولن تأتي هذه العواقب إلا بما يتفق والقاعدة التي
تعبر عنها هذه الحكمة. وتصدق هذه القاعدة، كالتي قبلها في حق
كل من الفرد والمجتمع سلباً وإيجاباً.فاتهم نفسك بالعجز عن
إدراك مايسعدك، ولاتتهم مولاك وخالقك بالإعراض عن حمايتك
وتوفيقك، أو بعدم الاستجابة لدعائك في تحقيق رجائك. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:47 pm

الحكمة السابعة والعشرون



من أشرقت بدايته أشرقت نهايته

ـ هذه الحكمة تتمة وتأكيد للتي قبلها

أعتقد أننا لسنا بحاجة إلى الإطالة في شرح هذه الحكمة، إذ هي
تتمة، بل تأكيد للتي قبلها.والمهم أن نعلم أن حسن الخواتيم في
كل الأعمال والأعمار، رهن بحسن البدايات، كما سبق أن أوضحنا.
والبداية المشرقة هنا، تعني التربية التي ينبغي أن يتلقاها
السالك، في صدر حياته، عقيدة يغذي بها عقله، وتزكية يصلح بها
نفسه. وإنها لمرحلة تأسيسية ذات أهمية كبرى.فإن هو أقام هذا
الأساس في صدر حياته، ونجح في ترسيخه، غدا سلوكه إلى الله
عملاً آلياً، لايرهقه بأي جهد، وأصبح تعامله مع الناس دائراً
على محور دائم من مراقبة الله عز وجل، وتلك هي ضمانة الأخلاق
الرشيدة، وهل الحياة المشرقة أكثر من هذا، سير على صراط الله
في اتباع أحكامه، ومراقبة لله في التعامل مع عباده؟‍!..وإذا
أشرقت حياة الإنسان بهذين الضياءين، ضمن لنفسه بذلك سعادة
العاجلة والعقبى. ومن سلك هذا السبيل عرف صدق ما أقول.


ـ هذه القاعدة تنطبق على المجتمع كما تنطبق على الفرد

ومرة أخرى أقول: إن هذه القاعدة كما تنطبق على الفرد تصدق
بالقدر ذاته على المجتمع. إن المجتمع الذي يسمى إسلامياً،
لاتشرق في حياته السعادة بكل ما هو معروف من أركانها ومقوماتها
إن لم تأسس بدايته على تربية عقلية ونفسية تسري في حياة أفراده
طبق منهج رباني يضبطه كتاب الله وهدي رسوله


ـ يقول بعضهم: فهاهي ذي المجتمعات الغربية تتمتع بألوان
من النعم لاحصر لها، دون أن تزدهر بدايتها بأي إشراق

ولعلك تقول مرة أخرى: فهاهي ذي المجتمتعات الغريبة تتمتع
بألوان من النعيم لاحصر لها، ويزدهر فيها التقدم العلمي
والحضاري، دون أن تزدهر بدايتها بأيّ إشراق!وبالإضافة إلى ما
قد ذكرته من قبل جواباً عن هذا السؤال أقول: وهل وصلت هذه
المجتمعات من سيرها إلى نهاية مشرقة، حتى يرد الإشكال؟إنها
اليوم تغامر وتسير... والمصائب التي تتحملها أكثر وأخطر من
المتع التي تتنعم بها. والمستقبل الذي يحمل صورة النهاية،
لايبشر فيما يقرره علماء الاجتماع بأي خير.أنا لاأنكر أن عشرات
الآلاف الذين ينتحرون كل عام في أمريكا وأوربا، إنما ينتحرون
داخل بيوت فارهة، وضمن نظام تقنيات عالية، وتحت أشعة أنوار
ساطعة. ولكني لاأستطيع أن أتذكر رفاهية المنازل وألق النعيم
وفنون الترف، وأن أنسى الانتحار. * * *



خاتمة الجزء الأول


خاتمة الجزء الأول أحمد الله في نهاية الجزء الأول كما قد
حمدته في أوله، إذ منه الفضل كله، ومن ثم فله الحمد كله.ولقد
شاء الله عز وجل أن أكتب خواتيم هذا الجزء الأول من شرح هذه
الحكم الجليلة، وأنا في مدينة فرانكفورت بألمانيا، أدركتني
فيها الحكمتان: السادسة والعشرون والسابعة والعشرون، كتبت
شرحهما خلال لقاءات مباركة فيما أحسب مع أخوة تبادلت معهم الحب
في الله، والتناصح لله، والتواصي على أن لانتخذ من دون الله
وليّاً ولانصيراً، وعلى أن يراقب كل منا قلبه فلايدع أي حظ
للأغيار يسري إلى نفسه أو يهيمن على تصرفاته وسلوكه، حتى تغدو
أفئدتنا أوعية لحب الله والانقياد لأوامر الله، والإخلاص لدين
الله وحده، دون الركون إلى أي شريك من العصبية للذات أو
الانتصار للنفس، أو إلى أيّ من أعراض الدنيا على اختلافها.أما
أنت يا أخي القارئ فادع الله لي أن يوفقني لإتمام سلسلة أجزاء
هذا الشرح على نحو يرضيه قصداً وعملاً.وإلى اللقاء على صفحات
الجزء القادم، إن امتدت بي الحياة وحالفني التوفيق. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:48 pm

الحكمة الثامنة والعشرون



ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- المصدر الذي تعتمد عليه هذه الحكمة من السنة

هذه الحكمة مبنية على قول رسول الله  في الحديث الصحيح ((ألا
وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد
الجسد كله ألا وهي القلب)).(1) والمراد بالقلب هنا ما يستبطنه
الإنسان من المشاعر والمقاصد والتوجهات والوجدانات.

ومعنى
الحديث، أن الذي يقود الإنسان في سلوكه، ويدفعه إلى ما يتخيره
من الأعمال إنما هو تلك المشاعر والوجدانات التي يستبطنها.
ونظراً إلى أن هذه المشاعر والوجدانات، إنما تنعكس على القلب،
كما ينعكس الفكر والإدراك على الدماغ، فقد كان الشأن، على
الأغلب، أن ينسب ذلك كله إلى القلب.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:49 pm

ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- خلاصة معنى هذه الحكمة

إذن، فالظاهر الذي يتجلى من الإنسان في لسانه وأعضائه وحركاته
وسكناته، ليس إلا جنداً يأتمر بأوامر القلب، ويستجيب لتطلعاته
وأحكامه، وليس العكس.

فإذا كان باطن الإنسان سليماً نقياً من
الشوائب عامراً بتقوى الله تعالى، فلابد أن يتجلى ذلك على
ظاهره، من حيث الالتزام بأوامر الله، والتخلق بالأخلاق
الحميدة.

وإذا كان الباطن منه منطوياً على الزغل بعيداً عن
السلامة والنقاء، فالشأن أن تسري ظلال ذلك إلى الظاهر، وأن
تصطبغ أنشطته وأعماله وعلاقاته بالآخرين، بالصفات ذاتها.

غير
أن في هذا الفريق الثاني من الناس، من يحاول أن يستر ظاهره
بغطاء النفاق، محاولاً أن يحجب بذلك سريرته السيئة عن أنظار
الناس ومداركهم.. غير أن هذه المحاولة قلما يكتب لها النجاح.
ذلك لأن الفضائل الظاهرة إن لم تكن موصولة بجذور من العوامل
الباطنة، تفقد رواءها وتغيب عنها جاذبيتها، ويتلقاها الناس
ثقيلة عليهم سمجة في مرآهم. إذ لابدّ أن تمتدّ عليها غاشية مما
يفرزه الباطن من رعونات وآفات. وصدق الشاعر إذ قال:

ومهما تكن
عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تُعلم

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:50 pm

ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- تفصيل لمعناها يتناول بعض النماذج الواقعية:

ولننتقل من هذا البيان أو الشرح النظري الموجز لهذه الحكمة،
إلى تفصيل يتمثل في عرض نماذج من وقائعها التطبيقية:


- الحب وأثره الذي لابدّ أن يظهر في السلوك، ومشكلة تصادم
الحب مع الضعف البشري، والحكمة من هذا التصادم

إن الحب شعور خفي يهيمن على قلب الإنسان وسريرته. ولكنه لابدّ
أن يطفح بآثاره ومقتضياته على ظاهر سلوكه وتصرفاته. فإن رأيت
من يدعي أنه يحب الله ورسوله، فتتبّع دليل ذلك في سلوكه
وأعماله، فإن رأيته ملتزماً، جهد استطاعته، جادة الشرع منضبطاً
بقواعده وأحكامه، مبتعداً جهد استطاعته عن المحرمات، فذلك هو
الدليل على صدقه. وإن رأيته شارداً عن صراط الله تعالى،
متقلباً في تيه المعاصي والآثام، فاعلم أنه كاذب في دعوى
محبته.

ولاحظ أنني أقول: ((جهد استطاعته)) لتعلم أن محبة الله
عز وجل لاتستلزم العصمة ولا الكمال. فلربما اندفع المحب إلى
الانضباط بكل الأوامر والآداب الإلهية الإسلامية، ثم تعثر عن
بلوغ مداه، بسبب ما قد ركب فيه من ضعف، وما قد قضى الله عليه
به من تسلّط آفات الغريزة والأهواء، وبسبب قصور إمكاناته عن
بلوغ سائر آماله وأحلامه.

ولله حكمة باهرة في أن جعل قلب
الإنسان مهيأ لاستيعاب أقدس حب لأعظم محبوب، ألا وهو الله عز
وجل، ثم جعل طاقاته الجسمية والغريزية متقاصرة عن القدرة على
الوفاء بحقوق هذا الحب.

والحكمة هي أن يسير العبد في طريق
الوفاء بحقوق حبه لله عز وجل، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، حتى
إذا اصطدم بجدار ضعفه وعجزه وبسلطان غريزته، لزم جادة
العبودية، فشكى إلى الله عجزه، وقدم بين يدي ماقد كبل به من
الغرائز والنقائص البشرية مشاعر حيائه وخجله من الله عز وجل،
إذ يناجيه منتشياً بلواعج حبه، ثم يستسلم مغلوباً للواعج
غرائزه وضعفه.

فبهذا الذي شاءه الله عز وجل، تمتزج نشوة الحب
مع ذل العبودية لله عز وجل. ولا يصلح حال العبد مع الرب إلا
هذا المزيج.

لو أتيح للإنسان الذي فاض قلبه حباً لله عز وجل،
أن يؤدي حقوق حبه له كاملة بدون نقصان: إذن لتحول شأنه مع الله
عز وجل إلى ما يشبه حال بطل أوتي قدرات خارقة، فهو يتحدى بها
الصعاب. وهذا يتعارض مع حقيقة العبودية التي أقام الله الإنسان
عليها، والتي تتجلى في شدة ضعفه وافتقاره إلى الله.

فتلك هي
الحكمة من أن الله أقدر الإنسان على أن يجعل قلبه وعاء لأقدس
حب لأعظم محبوب، ثم لم يقدره على الوفاء بحقوق هذا الحب…
الحكمة هي أن تنقدح من تلاقي نشوة الحب مع واقع العجز والضعف
البشري، مشاعر العبودية لله عز وجل.

والثمرة السلوكية لهذا
التلاقي أن المحب في هذه الحالة، يظل في جهاد وصراع مع نفسه
وغرائزه، مع الاستعانة الدائمة بالله عز وجل. يبذل كل ما يملك
للانضباط بالأوامر والآداب، والابتعاد عن المنهيات والمكروهات،
فإذا أدركه العجز التجأ إلى الله واستمدّ منه العون.. فإن غُلب
على أمره وتمردت عليه أهواؤه وغرائزه طرق باب التوبة نادماً
متحسراً عازماً على الإقلاع وإصلاح الحال.

فهذا الظاهر
المتمثل في مزيج من السعي إلى الانضباط بأوامر الله، عند
القدرة، والتجلبب بذل العبودية لله توبة وندامة وحياء من الله
والتجاءاً إليه عند العجز، أقول: هذا المزيج من هذا وذاك هو
الحال التي يجب أن يكون الإنسان عليها مع الله، وهو الظاهر
المنسجم مع باطن الحب لله عز وجل والدينونة له بذل العبودية
المطلقة.


* * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:51 pm

ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- الخشوع وأثره الذي لابدّ أن يظهر أثره على الكيان

الخشوع حالة قلبية تعني الخضوع والسكون، يقال خشعت الأرض إذا
سكنت واطمأنت. ويقال خشع في صلاته إذا أقبل بقلبه عليها بعيداً
عن الشواغل الأخرى.

فإذا خشع القلب، لابدّ أن تظهر آثار ذلك
على الظاهر من الكيان، إذ الأحوال الباطنة هي القائد - كما
علمنا - للأحوال الظاهرة. ومن ثم لابدّ أن يسري الخضوع والسكون
القلبي إلى ظاهر الإنسان الخاشع.

فإن رأيت إنساناً يصلّي، وهو
يعبث بيديه وثيابه، ويلتفت ذات اليمين واليسار، فاعلم أن
لانصيب لقلبه من الخشوع، واعلم أن المشاغل التي تتجاذب ظاهر
أعضائه، هي ذاتها المشاغل التي تتجاذب قلبه وتشغل باله. وإنها
لحالة عجيبة يتلبس بها كثير من المصلين في بعض بلادنا العربية.
يكون أحدهم هادئاً ساكناً لايذكره خاطره بأي التفاتة أو حركة
أو بحث، حتى إذا قام إلى الصلاة، وكبّر للدخول فيها تكبيرة
الإحرام، هجمت عليه دواعي الحركات المتنوعة، ورغبة البحث عن
الساعة التي في يده والدراهم التي في جيبه، والطمأنينة إلى
رتابة الثياب التي عليه.

فهل تتصور أن ذلك كله يكون بمعزل عن
القلب الذي هو الدافع إلى ذلك كله، والذي هو الباعث لحركة
الأعضاء عند العبث، والبحث في الساعة عن الزمن، وفي الجيب عن
المحفظة والمال؟

لو كان القلب بمعزل عن ذلك الظاهر كله، إذن
لما صح قول رسول الله – وهو الصادق المصدوق- ((ألا إن في الجسد
مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي
القلب)).

وليت أن هؤلاء الذين يحاربون كل ما لايروق لأمزجتهم
بدعوى البدعة يحكمون بها عليه، يتذكرون هذه البدعة الخطيرة من
نسيان، ويتنبهون إلى أنهم يركنون منها إلى نقيض ما قد دعا إليه
الله عز وجل إذ قال: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ،
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ } { المؤمنون: 23/1-2
} .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:52 pm

ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- الذين يستهينون بضوابط الشرع، ويدعون بأن العبرة بالقلب
وسلامة القصد..

في الناس اليوم من يستهين بضوابط الشرع وأحكامه، محتجاً بأن
العبرة بالقلب وسلامته من الأدران، وبأن استقامة الأخلاق وحسن
المعاملة مع الآخرين هما الأساس.

إن هذا الكلام يتناقض بشكل
حاد مع ماهو ثابت من أن صلاح السرائر لابدّ أن يترك أثره في
صلاح الظواهر. وهي الحقيقة التي استقاها ابن عطاء الله من كلام
رسول الله في الحديث الذي سبق ذكره.

إن القلب الطاهر النقي من
الرعونات والأدران، لابدّ أن يكون وعاء لمحبة الله تعالى،
ومرآة لتجلياته. إذ هو إما أن يتجه بوجداناته إلى الأدنى
والأحط، فتنعكس عليه محبة المال والشهوات والأهواء وتحتله
مشاعر العصبية والرعونات، وإما أن يتجه بوجداناته إلى الأعلى
فيتوهج بمحبة الله وتعظيمه. وقد سبق بيان هذا مفصلاً في شرح
بعض الحكم السابقة.

وفي هذه الحالة الثانية لابدّ أن يندفع
صاحب هذا القلب إلى أداء حقوق الله والتقيد بأوامره، والابتعاد
عن نواهيه… كيف لا والمفروض أن يحبه ويبجله ويعظمه؟!.

فإن
أهمل حقوقه واستهان بأوامره، وعكف على المحرمات التي نهاه
عنها، فذلك دليل قاطع على أن مرآة قلبه منكسة إلى الأدنى، ومن
ثم فهي فارغة من محبة الله وتعظيمه ومهابته، مشغولة بمحبة
المال والشهوات والأهواء والعصبية للذات.

والإنسان الذي فاض
قلبه بهذه الشواغل لابدّ أن يصبح أسير أهوائه ورعوناته، ومن ثم
فإنه لايخون الله وحده في رعاية حقوقه، بل لابدّ أن يخون
إخوانه وأقرانه في ذلك من باب أولى.

كيف يستقيم أن يكون
الإنسان خائناً في تعامله مع الله، مهدراً لحقوقه مستخفاً
بأوامره، ثم يكون أميناً مع عباد الله يرعى حقوقهم ويحفظ
عهودهم؟!.. وهل في الناس من يملك قلبين اثنين يخون الله
بأحدهما لأنه منصرف إلى حب الشهوات والأهواء وحظوظ النفس،
ورعوناتها، ويفي مع الناس بثانيهما لأنه طاهر من الرعونات نقي
عن الشوائب؟ صدق الله القائل: { ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ
مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه } { الأحزاب: 33/4 } .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 5 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6 ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى