الحكم العطائية وشرحها

صفحة 6 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 5, 6, 7 ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:53 pm

ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- الذين يخبطون في تفسير القرآن وأحكام الله خبط عشواء،
بدعوى الغيرة على الإسلام والسعي إلى تجديده، مع السلوك
الشائن الذي يكذب دعواهم ويفضح نفاقهم

تتكاثر اليوم، في ظل الصحوة الإسلامية، فئة أخرى، يظهر أفرادها
من الغيرة على الإسلام وشرائعه ما يجعلك تتخيل أن الله ابتعثهم
في هذا العصر لتصحيح أخطاء الرسل والأنبياء، وللتحذير من
ضلالات السلف الصالح وسقيم تفسيراتهم وآرائهم.

يخوضون في
تفسير كتاب الله خوضاً لم يسبقهم إليه رسول ولا صحابي ولا
تابعي ولا ذو بصيرة بكتاب الله معظم لحرمات الله!. ويخبطون في
أحكام الله عز وجل خبطاً لم يجرؤ عليه من قبلُ خادع ولا متقول.


يقدمون على ذلك كله باسم الغيرة على دين الله، والسهر على
حماية شرعه والعمل على إغنائه وتجديده!..

فما الذي يبصرك
بهوية هؤلاء الغيارى، والمصلحين المتحمسين؟

إن الذي يبصرك
بهوياتهم وحقيقة أمرهم، أن تراقب سلوكهم وأن تتبين مدى موافقته
أو مخالفته لما هو متفق عليه من مبادئ الدين وأحكامه. ولسوف
تجد أن شرائع الله وأحكامه في واد، وسلوكهم في واد آخر.

حرم
الله الخمرة، يشربونها!.. أمرهم بالصلاة، يعرضون عنها!.. نهاهم
عن الفواحش، يمارسونها، فإذا استنكرت وذكرت، قالوا لك: العبرة
بالباطن. وربما استهشد أحدهم بحديث رسول الله: ((إن الله
لاينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))(1)
فقرأه محرفاً دَأبَ كثير من الناس، إذ يحفظونه هكذا ((إن الله
لاينظر إلى صوركم وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم)).

إن هذه
الحكمة التي نحن بصدد شرحها، والتي استقاها ابن عطاء الله من
حديث رسول الله الذي سبق ذكره، تضع الحيارى من الناس العوام
أمام الميزان الذي يكشف عن زغل هؤلاء المفتئتين على كتاب الله
والعابثين بأحكامه.

تتبع حال هؤلاء الناس وتأمل في سلوكهم،
فإن علمت أنهم خاضعون لتعاليم الله منفذون لشرائعه وأحكامه،
وفي مقدمتها الصلاة، وأنهم رقباء على أنفسهم أن لايرتكبوا
محرماً ولا يركنوا إلى فسوق، فاحمل ما قد ترى من أفكارهم
وآرائهم على محمل الخير وسلامة القصد، حتى وإن خالفت آراؤهم
الثابت من أحكام الله وشرعه، فربّ صاحب قصد حسن تخونه المعرفة
ويتنكب عن معرفة الحق.

وإن رأيت عكوفهم على المعاصي والآثام،
وتهاونهم في الواجبات والعبادات، فكن منهم على حذر، واعلم أنهم
يعبثون بشرع الله ويدجّلون على عباد الله، تحت أقنعة من مظهر
الغيرة على الإسلام والعمل على تجلية أحكامه ومبادئه.

إذ
لوصفت بواطن هؤلاء الناس، لتجلت آثار هذا الصفاء على سلوكاتهم،
ولدفعهم ذلك الصفاء إلى الالتزام بأوامر الله والابتعاد عن
نواهيه.. قل لي كيف تنسجم الغيرة على دين الله مع العكوف على
الخمرة التي هي أم الخبائث ومع الإعراض عن الصلاة التي هي أول
ما يحاسَبُ به العبد يوم القيامة(1) ؟!.

رحم الله مالكاً إمام
دار الهجرة فقد كان يظل يقول: ((إن هذا العلم دين فانظروا عمن
تأخذون دينكم)).

والمقياس الذي يجب أن يتم النظر على أساسه،
هو هذا الذي قلناه، فهو الذي يعرّي الدجال من أردية ختله
ونفاقه، ويكشف عن صدق المستقيم على صراط الله وأوامره.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:54 pm

ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر

- لعلك تستشكل فتقول: في الناس من تنحرف سرائرهم ويتقلبون
في المعاصي الخفية دون أن يبدو أثر ذلك على ظواهرهم...
والجواب

لعلك تستشكل فتقول: ولكن في الناس من تنحرف سرائرهم وينحرفون
في منـزلقات المعاصي الخفية، فلايبدو شيء من ذلك على ظواهرهم،
بل يظلون في كنف من ستر الله عز وجل، أليس في هذا ما يناقض
كلام ابن عطاء الله؟

والجواب أن المراد بالسرائر أحوال القلوب
وما استكنّ فيها من القصود والمشاعر والرغائب. فذلك هو الذي
لابدّ أن يطفو على ظواهر أصحابها.

أما المعاصي التي يجترحها
الإنسان في الخفاء، ويتوارى بها عن الناس، فليست هي المعنية
بالسرائر هنا، بل هي من الظواهر التي سترها الله على صاحبها.
ومن أجلّ مظاهر ألطاف الله بعباده، أنه ينشر الجميل من أفعالهم
ويبعث لها عبقاً بين الناس مهما قلّ ذلك الجميل أو خفي عن
أنظارهم، ويستر القبيح منها مهما كثر أو تكرر.

وما دامت
المعاصي التي يقترفها الإنسان في الخفاء، ليست لها جذور متصلة
بالقلب متمثلة بالقصد والإصرار، والتبرير أو العناد
والاستكبار، فهي تعدّ من الظواهر التي ابتلي بها بعامل الضعف
وتغلب الغريزة عليه، ومن عادة الله عز وجل أن يبقيها سراً بين
العبد وربه، وأغلب الظن أنه جل جلاله سيغفرها له يوم القيامة،
ولسوف تدركه التوبة منها قبل الموت.

فأما إن كانت تلك المعاصي
أثراً لقصود سيئة جاثمة في النفس أو ثمرة استكبار وعناد،
فلابدّ أن تفوح رائحتها الخبيثة بين الناس، إذ هي دخان لنيران
تلك السريرة، ولابدّ أن يتصاعد الدخان عند شبوب
النيران.

والكلام، على الوزان ذاته يجري في الطاعات والقربات.
فمن أقبل على الطاعات والقربات، دون أن تكون لها جذور من
الإخلاص لله وسلامة القلب عن التوجه إلى ما سوى الله، فهي في
الحقيقة وواقع الأمر ليست من الطاعات في شيء، ومن ثم فلن يكون
فيها شيء من نور الطاعات وعبقها، إذ هي مُنْبَتَّةٌ عن معين
القلب مفصولة عن جذور القصد المتجه إلى الاستجابة لأمر الله
والتطلع إلى مرضاته، فلايسري فيها شيء من روح الطاعات
ومعناها.

والشأن في صور الطاعات هذه أن تكون مكشوفة الحقيقة
واضحة الهوية للناظرين، وقلّ أن تجد من يغتر بها ويؤخذ منها
بمجرد الصورة والمظهر، إلا إن كان من الغفلة بحيث لايفرّق بين
حقيقة الإنسان وتمثاله.

وهكذا فكما أنّ المعصية التي ليست لها
جذور من القصد والعتوّ والاستكبار، تذوب على الأرجح في وهج من
عفو الله وغفرانه، كذلك الطاعة التي ليست لها جذور من الإخلاص
لوجه الله والبحث عن مرضاته والتقرب إليه، تذوب في ضرام من
رقابة الله وإطلاعه على كل خفي في سرائر عباده.

إذن، فالقاعدة
التي يقررها ابن عطاء الله في هذه الحكمة ثابتة ومطردة، ولا
يوجد فيها إشكال أو شذوذ.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:54 pm

الحكمة التاسعة والعشرون



شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- في علاقة المخلوقات ببعضها، قد يدلّ الأصل على الفرع،
وقد يدل الفرع على الأصل

أيهما يدلّ على الآخر: الأصل على الفرع، أم الفرع على الأصل؟
النبع على الجدول والساقية، أم الساقية والجدول على النبع؟..
الشجرة على الثمرة أم الثمرة على الشجرة؟

في الناس من يبدأ
فيتعرف على الأصل، ثم إن الأصل يهديه إلى الفروع والنتائج،
وفيهم من يبدأ من النتائج والفروع، ثم إنه يستهدي بها إلى
الأصل الذي انبثقت منه. والذي يتحكم بالأمر في هذا التقسيم، هو
الخفاء والظهور، فالظاهر هو الذي يدلّ دائماً على الغائب أو
الخفي.

ربما كانت الشجرة غائبة عنك، ولم يظهر أمامك إلا
ثمارها. إذن فالثمرة التي هي الفرع تدلّ على الشجرة التي هي
الأصل.. وربما كانت الثمرة غائبة عنك، وكانت الشجرة هي الماثلة
أمامك، إذن فالشجرة التي هي الأصل تدل على الثمرة التي هي
الفرع.

والاحتمالان في المخلوقات والمصنوعات وارد. ولكن هل
يرد الاحتمالان في المخلوق مع الخالق، في موجد الكون مع
الكائنات؟

ولاحظ أننا عندما نقول: الخالق أو الموجد، نعنى
موجد كل شيء والخالق لكل شيء، ومن جملة الأشياء العقل الذي به
تدرك والنور الذي به تبصر. ألا وإن هذا الخالق هو الله عز وجل.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:55 pm

شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- أما في الدليل على وجود الله، فالأصل هو الذي يدلّ
دائماً على الفرع

إذن فهل يرد الاحتمالان هنا أيضاً على السواء، كما وردا في
دلالة الأصل على الفرع والفرع على الأصل ضمن حدود
المخلوقات؟

إذا تأملت، ستعلم أن الاحتمالين هنا غير
متساويين.

ذلك لأنك عندما تبعث ببصرك في المكونات والمخلوقات
لتتعرف عليها، إنما تدركها وتتعرف عليها بنور من الهداية
الربانية، فبه تدركها وبه تراها وبه تسبر غورها.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:56 pm

شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- لأن دليلك على المخلوقات ونظامها وقوانينها إنما هو
نور من الهداية الربانية

إذن فدليلك الهادي إلى وجود المخلوقات وحقيقتها هو الله. فكيف
ينقلب الدليل، وهو الله، ليصبح مدلولاً عليه، وينقلب المدلول
عليه وهو هذه المصنوعات، ليصبح دالاً؟!

دعني أضعك من هذه
الحقيقة أمام مثال.


- مثال على ذلك: دلالة المصباح في ظلام الليل على أمتعة
الدار

رجل أقبل في ظلام ليل دامس إلى مصباح، فحمله ودخل به داراً
مظلمة، فرأى على ضوء المصباح أمتعة شتى، وأثاثاً، وأطعمة
ونقوداً.. ترى أيهما كان الهادي الدالّ، وأيهما كان المهديَّ
إليه والمدلول عليه؟ هل في العقلاء من يجهل أن المصباح المضيء
هو الدليل الهادي، وأن كل ما كشفته أشعة المصباح هو المهدي
إليه وهو المدلول عليه؟

إنك بالله ترى الدنيا التي من حولك،
وبالله تعقلها وتدرك ما تدرك من أسرارها، وهذا بعض من معنى قول
الله عز وجل: { اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ } {
النور: 24/35 } إذن فالله هو دليلك على كل ما سواه.

وقد
مرّ بك شرح الحكمة التي يقول فيها ابن عطاء الله: ((الكون كله
ظلمة، وإنما أناره وجود الحقّ فيه)).

فأما المقربون أصحاب
الشهود، فقد رأوا المصباح أولاً.. رأوا الله نور السماوات
والأرض أولاً، ثم إن رؤيتهم له بصّرتهم بالآثار، بصّرتهم
بمخلوقاته ومصنوعاته، بصّرتهم بآثاره، وقد أيقنوا أنه لولا
المؤثر لما وجدت الآثار.. لولا الصانع لما وجدت المصنوعات،
لولا النور الهادي لما انكشف لك شيء من ظلمات
المكوّنات.

ولاداعي لتكرار ما قد أوضحته لك من قبل، من أن
الله لايحجبه شيء، وإن غاب عنك بعض ما أطلت في بيانه آنذاك،
فعد إليه بقراءة متدبرة ثانية، تنجلى لك كل خافية في هذا
الموضوع.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:57 pm

شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- أما الغارقون بين غيوم الآثار، فهم يبحثون عن المصباح
بالأشياء التي كشفها لهم ضياء المصباح

أما الذين غرقوا بين سحب الآثار، وحجبوا أنفسهم بالصور عن
المصور، فقد راحوا يبحثون عن المصباح بالأشياء التي كشفها لهم
ضياء المصباح، وإنه كما ترى لشيءٌ مضحك.. ولكن تلك هي حال
أولئك الذين نسوا الله الذي هو صاحب الوجود المطلق، وأقول:
نسوا الله، ولا أقول: حُجِبَ الله عنهم، إذ ليس في الكون كله
ما يحجب الله عن الإنسان، وكم هو دقيق التعبير القرآني القائل
{ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ } { الحشر: 59/19
} .

على أن البحث عن المصباح سعي مبرور على كل حال، إذ هو
خير من الإعراض عنه ونسيانه، ومن ثم إنكار وجوده.

وهذا شأن
عامة التائهين عن الله ببوارق الملهيات والمنسيات ورغائب
الأهواء والشهوات. ويبدو أننا من هذا الفريق الثاني. فشأننا
عندما نذكّر بوجود الله ونعرض الأدلة الناطقة بوجوده، أن نجعل
مما عرفناه بنور الله وهدايته دليلاً على وجوده.. نقول: إن
المكونات مغموسة بظاهرة العلة الغائية التي تدلّ على التدبير
والقصد، والتدبير لابدّ فيه من مدّبر، ومدبر الكون هو الله.
وننسى في غمار هذا الاستدلال أننا إنما أدركنا معنى العلة
الغائية ودلالتها بنور من الهداية الربانية، أي فنحن بالله
عرفنا ما نعتبره دليلاً عليه.

وما أكثر ما يتيه أحدنا عن وجود
الله، في غمرة البحث عن أدلة وجوده، والاهتمام بترتبيها،
وطريقة عرضها، وسبك الصياغة الدالة عليها، إذ تغيب الغاية
وتحلّ الواسطة، وهي البحث والنظر، محلّها. وتكثر هذه الحال في
غمار المجادلات الكلامية والبحث عن أقوى الدلائل وأوضحها على
وجود الله عز وجل، إذ توظف النفس البشرية هذه المجادلات
والأدلة التي تعرض، لرغائبها وحظوظها.

وتنظر إلى من أشرق وجود
الله عز وجل على بصيرته، ممن تحرروا من شواغل الأهواء
والشهوات، وأعرضوا عن المنسيات والملهيات، فتراه دائم الحضور
مع الله، والتذكر له، دون حاجة إلى رصف أيّ من تلك الأدلة
والبراهين، فهو مشغول عنها بحضوره مع الله، ذاهل عنها بل عن
وجودها بشهوده القلبي لله.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:58 pm

شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- إن في الصالحين من عباد الله من لم يحتاجوا لمعرفة الله
إلى أي من دليل المخلوقات

إن في الصالحين وأولياء الله تعالى من السلف الصالح، من لم
يجتازوا إلى معرفة الله وشهوده أياً من طرق الاستدلال عليه
بالمكونات وظواهر الموجودات والآثار، بل عرفوا الله واستغرقوا
في شهوده وتجلياته دونما حاجة إلى شيء من ذلك.. نظروا إلى
المخلوقات المحيطة بهم، فلم يجدوا فيها إلا مظهر وحدانية الله
عز وجل وعظيم صفاته، فلم ينتقلوا خلال التأمل فيها من دليل إلى
مدلول، بل غاب عنهم الدليل وتجلّى لهم المدلول. غابت عنهم
الوساطة والطريق ورأوا أنفسهم مباشرة أمام الغاية والمطلوب، إذ
لم يكن ما نراه نحن واسطة وسبيلاً أقرب إليهم من الغاية
والمطلوب ألا وهو الله عز وجل.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:58 pm

شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- قد يبدو عسيراً علينا فهم هذا الكلام.. وبيان سبب ذلك

وقد يبدو عسيراً علينا فهم هذا الكلام، نظراً إلى أننا تعودنا
الانتقال من رؤية الوجود الظلّي أو التبعي إلى وجود الله،
واليقين به. بل نظراً إلى أننا نعيش بأبصارنا وأفكارنا سجناء
في أقطار هذا الوجود الظلي الذي ليس له وجود حقيقي وذاتي
قط.

ولكن الذين تحرروا من هذا السجن، لم يقيموا لهذه الظلال
الكونية أي وزن، ومتى كان الظل أكثر من امتداد لأصله؟.. ومن ثم
فإنهم رأوا الوجود الحق، أي الوجود الذاتي أولاً، ثم استدلوا
به على الموجودات الظلية المتفرعة عنه. فهم، كما قال ابن عطاء
الله: ((…عرفوا الحق لأهله، وأثبتوا الأمر من وجود
أصله)).

أما نحن العوام، بالنسبة إلى أولئك الربانيين، فقد
بدأنا فنظرنا إلى المكونات أولاً، ثم إننا توهمنا لها وجوداً
حقيقياً وذاتياً ثانياً، ثم استشكل الأمر علينا عندما تساءلت
عقولنا بمقتضى قوانين المنطق: فمن الذي أوجد هذه الموجودات،
ومن الذي أقامها متناسقة على هذا النظام الهادف؟.. ثم انتهينا،
بعد طول نظر ومحاكمات عقلية ومنطقية، إلى أنها، كأي بناء ذي
نسق مقام للاستمتاع والسكنى، لابدّ أن له صانعاً ومنسقاً،
واكتشفنا بعد طول هذه الرحلة الفكرية العقلية والمنطقية إلى
أنه الله عز وجل، بديع السماوات والأرض.. ثم إنه أتيح لنا، في
نهاية المطاف، أن نستبين الخطأ الذي توهمناه من قبل، إذ كنا قد
ظننا أن هذه المكونات ذات وجود حقيقي ذاتي، وأن نشطب عليها
أخيراً بيد التمحيص والتصحيح، ونعلم أنها إنما تتمتع بوجود
ظليّ تبعي للوجود الذاتي الحق ألا وهو وجود الله وحده.

ومعنى
قولنا: الوجود الذاتي، الوجود الصادر من ذاته، والذي لم يأت
بفيض أو بتأثير من غيره. وصاحب هذا الوجود واحد، لاثاني له، هو
الله عز وجل، فهو وحده الذي أضغى صفة الوجود على كل ما قد قضى
بإيجاده، فدخل بهذا القضاء تحت اسم المكوّنات أي
المخلوقات.

وهذه الطبقة الثانية، هي الأخرى على خير ورشد،
مادامت قد انتهت من رحلتها الفكرية والتأملية هذه إلى اليقين
الذي أكرم الله به الطبقة الأولى منذ البداية، ودون حاجة إلى
هذه المخاضة ولا إلى تصحيح أخطاء، مع فارق الرتبة كما قال ابن
عطاء الله.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:59 pm

شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- إن المصيبة تحيق بأولئك الذين لم يستدلوا بالله على
صنعه، ولابصنعه على ذاته فتقلبوا في سجن خانق من الضلال

ولكن المصيبة تحيق بأولئك الذين لم يعرفوا الله من أول الطريق،
ولم يهتدوا إليه في نهاية النظر والبحث!..

يمرّ بهم دهر طويل
دون أن يسائلوا أنفسهم: من خلق هذه المكونات وأقامها على هذا
النظام الهادف، حتى إذا واجههم من يحدثهم عن الله ودلائل
وجوده، تذكروا هذا السؤال الذي ظل غائباً عن فكرهم إلى ذلك
الحين، وقالوا لهم: فمن خلق الله؟

هذه المكونات العجيبة في
وظائفها، الدقيقة في تكوينها، والتي لاتملك من أمر نفسها
شيئاً، ليس من المشكل منطقياً وعلمياً أن لايكون لها خالق..
أما الإله الذي ثبتت له صفة الألوهية، والذي بيده الخلق
والأمر، فمشكلة كبرى عندهم أن لايكون له خالق!!.. أفيبلغ
الاستهتار بالعقل إلى أذلّ وأحطّ من هذا الدون؟!..

والأعجب من
هذا، أنّ أحدهم يصوغ سؤاله بهذا التعبير: ((من خلق الله)) فهو
ينعته بالألوهية ويسأل في الوقت ذاته عمن خلقه، دون أن يدرك أن
الكلمة الأولى من سؤاله، وهي ((خلق)) تناقض الكلمة الثانية فيه
وهي ((الله))!.. المخلوقية شأن الكائن الضعيف الذي لايملك من
أمر نفسه شيئاً، و((الله)) اسم للإله الذي بيده كل شيء وإليه
كل شيء، وجوده من ذاته وليس فيضاً من غيره، وإلا لم يكن إلها،
ومن ثم لم يكن أهلاً ليقال عنه: الله.

ولو أن أحدنا جارى هذا
الملحد المغفل، في سؤاله، فقال: إن الذي خلق الله هو فلان،
فالشأن في جهالته الحمقاء، أن يسكت وتحلّ المشكلة التي في
رأسه.. ولكنه إذا صحا إلى شيء من المحاكمة العقلية في ذهنه،
فمن المفروض أن يقول: وفلان هذا من خلقه؟ ولابدّ أن يمتدّ
السؤال عن خالق الخالق الثالث فالرابع وهكذا.. إلى ما لانهاية.
وعندئذ لامناص للعاقل من الأخذ بإحدى نتيجتين: إما أن ينكر
وجود هذا العالم كله ويجزم بأن عينيه لاتريه إلا الأوهام بل هو
أيضاً غير موجود، لأنه جزء من العالم الوهمي الذي لاوجود له،
وإما أن يجزم بأن وراء سلسلة الموجودات التي يحتاج كل منها إلى
من يوجدها من العدم، كائناً يتمتع بوجود ذاتي ومن ثم فهو
لايحتاج إلى أي موجد له. ولابدّ أن يتمتع هذا الكائن عندئذ بكل
صفات الكمال من القوة والحكمة والتدبير والعلم والإحاطة…
إلخ.

ونظراً إلى أنه ليس في العقلاء من ينكر عقله لينكر وجود
ذاته ووجود العالم الذي من حوله، إذ هو موجود فعلاً بدليل
الحسّ والمشاهدة، فليس ثمة مناص - في قرار العقل وحكمه - من
اليقين بوجود مَعِينٍ لهذا الوجود الكوني. والـمَعِينُ (إن جاز
التعبير) هو الله عز وجل.

والذين يفرّون من هذا القرار
العقلي الذي لامناص منه، يلزمون أنفسهم بدعوى أن الموجودات
العاجزة التي لاتملك من أمر نفسها شيئاً لاتحتاج إلى موجد، في
حين أن الإله الخالق المدبر هو الذي يحتاج إلى من يوجده ويدبر
أمره!!.. فهل بوسعك أن تحترم ذرة من عقلك ثم تجنح إلى هذا
التخبط والخلط؟.. هل بوسعك أن تحترم عقلك وتعتدّ بوجوده ثم
تسأل قائلاً: هذا الغنيّ المترف من أين يأكل ويشرب؟!..

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:01 pm

شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه. المستدل به عرف الحق
لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله. والاستدلال عليه من عدم
الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدلَّ عليه، ومتى بعد
حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه؟

- إذا لم يتسن لك الرقي إلى مستوى معرفة الله بدون شواهد
من المكونات، فلاحرج في أن تكون من الاستدلاليين الذين
استدلوا على الله ببديع صنعه.. ولكن لاتكن من الفئة
الثالثة

نعود فنؤكد ما قلناه من أن الله لايكلف نفساً إلا وسعها.
فالذين لم يتسّن لهم الرقيّ إلى مستوى الخلّص من عباد الله،
أولئك الذين عرفوا الله بل شاهدوه ببصيرتهم دونما حاجة إلى
برهان، لاحرج عليهم في أن يسلكوا مسالك الاستدلال على وجود
الصانع عز وجل وعلى أنه المدبر لشؤون هذا الكون كله، ليس على
الأعرج حرج في أن يستعين بالعصا.. والمأمول أن يشفيه الله
ويستقيم في السير على قدميه. وعندئذ يتخلّى عنها، إذ تنتهي
حاجته إليها.

ولكن المصيبة التي لايستبين لها علاج، تتمثل في
حال أولئك الذين لم يعرفوا الله من أول الطريق، ولايريدون أن
يصلوا إلى معرفته والإيمان به في نهاية الطريق، ولايريدون أن
يستعينوا بعصيّ الدلائل والبراهين. لمعرفة الحق ثم التعامل معه
خلال رحلتهم المعيشية في هذه الحياة كلها.

والآن، نعود إلى نص
هذه الحكمة لنستبين معناها المباشر أو القريب، ثم لنعلم مدى
انطباق هذا الذي قلناه عليها.

يقول ابن عطاء الله: شتان بين
من يستدل به، أي بالله عز وجل على ما دونه من المكوّنات،
ويستدلّ عليه، أي يستدّل على الله تعالى بما دونه من المكونات.
ثم يوضح الفرق بينهما فيقول: المستدل به عرف الحق لأهله، وأثبت
الأمر من وجود أصله، أي فهو يتبع في ذلك مقتضى المنطق والعلم
إذ ينطلق من الأصل إلى الفرع، ويستدلّ بالنبع على الجداول
والسواقي المتفرعة منه. ثم يقول: والاستدلال عليه، من عدم
الوصول إليه. أي إنما يحتاج إلى الأدلة على وجود الله من كان
غائباً عنه، غير واصل بالمعرفة والهداية إليه، فهو يحتاج إلى
ما يوصله إليه ويعرّفه به من البراهين والأدلة الكونية
المتفرعة عن وجوده. ثم يتابع فيقول: وإلاّ فمتى غاب حتى
يُستدَلَّ عليه، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه.
أجل، فالبحث إنما يكون عن الغائب، وتلمّس الدلائل والآثار إنما
يكون لمعرفة المجهول وتقريب البعيد. وجلّ الله عز وجل عن أن
يكون غائباً أو بعيداً. الفطرة الإنسانية شاهدة على قرية،
وحنين الروح إليه شاهدة على وجوده. وليس لأي منهما: الفطرة
والروح، من حاجة إلى وساطة دليل أو قبس برهان.

ولكن لا حيلة
لمن غمست حياته في الملهيات والمنسيات واستغرق في حمأة الشهوات
والأهواء، من أمثالنا، إلاّ أن يستعين، للتخلص من حجاب بعده،
بالبراهين والأدلة الكونية المتناثرة أمامه على الطريق. وإنه
لجهاد مبرور ومأجور. وصدق الله القائل { وَالَّذِينَ
جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا } { العنكبوت:
29/69 } .

وإذا اجتمع الصديقون السابقون، مع هؤلاء
المجاهدين اللاحقين، فأنعم بها من نهاية يفوز فيها الجميع
برضوان الله وبما أعدّ لهم من منازل النعيم والقرب، على
اختلافها وتفاوت درجاتها.

وهذا ما يشير إليه ابن عطاء الله إذ
ينقلنا إلى الحكمة التالية.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:02 pm

الحكمة الثلاثون



{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 65/7]
الواصلون إليه، {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 65/7]
السائرون إليه

- بيان العلاقة بين هذه الحكمة والتي قبلها

عندما فرق ابن عطاء الله بين من يستدل بالله على ما سواه، وبين
من يستدل بما سوى الله من المكونات عليه، وبيّن مدى سموّ
الدرجة الأولى على الثانية، على نحو ما قد تم بيانه، أراد في
هذه الحكمة أن يستدرك وأن يبيّن أن في كل منهما خيراً. فقال ما
معناه:

الواصلون الذين عرفوا الله، دون احتياج منهم إلى دليل
من مخلوقاته يبصرهم به ويعرّفهم عليه، ينطبق عليهم قول الله
تعالى: { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ } { الطلاق:
65/7 } شكراً لله تعالى وعرفاناً منهم بمدى تفضله عليهم،
والإنفاق المأمور به هنا يتمثل في الشكر الذي يترجمه القيام
الدائم بكامل حقوق الله، ومن أبرز هذه الحقوق وأهمها الدعوة
إلى الله والعمل الدائب على غرس محبة الله في القلوب. وصدق
الله القائل:

{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا
إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ } { فصلت: 41/33 } .

وأما السائرون إليه،
وهم الذين يسعون إلى إزالة ما تكاثف عليهم من غبار الأهواء
ومشاغل الدنيا وحظوظ النفس، ذلك الغبار الذي أبعدهم عن الله
وأحوجهم إلى قطع مسافات واجتياز عقبات للسير إليه، وأنهضهم إلى
تجميع الأدلة الكونية عليه، فينطبق عليهم قول الله عز وجل: {
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ
اللَّهُ } { الطلاق: 65/7 } .

وهذا الإنفاق يترجمه أيضاً
شكر الله عز وجل على التوفيق الذي متعهم به لمجاهدة أنفسهم
ونفض غبار الدنيا ومشاغلها عن كواهلهم، والسعي جهد الاستطاعة
إلى حرق المسافات الوهمية بينهم وبين الله تعالى، بالوقوف على
الآيات الكونية التي تنطق بوجوده وتشهد على وجدانيته، وتتحدث
عن باهر صفاته وآلائه.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:03 pm

{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 65/7]
الواصلون إليه، {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 65/7]
السائرون إليه

- عود إلى بيان أن لاحرج في أن يستعين الإنسان لمعرفة
الله بآثاره ومخلوقاته،

ومهما اختلف هذان الفريقان في أول الطريق، فإنهما يلتقيان عند
نعيم معرفة الله، وإن كان أحدهما متأخراً في الوصول عن الآخر،
كما يلتقيان في الخطاب المتجه إليهما معاً من الله تعالى
والآمر لهما بالإنفاق أي الآمر لهما بالشكر على النعمة الغالية
التي أسداها الله عز وجل إليهما، نعمة تعريفهما على ذاته
وتبصيرهما بربوبيته وعظيم سلطانه.

وهل في نعم الدنيا كلها
نعمة أجلّ وأبقى، من أن يكرمك الله بمعرفة ذاته، ومن أن يذيقك
لذة القرب منه والتحبب إليه؟

وسواء أعرّفك الله على ذاته
العلية، بادئ ذي بدء، مخترقاً بك محطات الدلائل والبراهين
وموازين المنطق والحجاج، أم سار بك إلى النهاية القدسية ذاتها
من خلال شواهد الآيات وموازين الحجج‌ والبينات الكونية
والعلمية المتنوعة، ففضله عليك ثابت ومننه في عنقك راسخة،
والشكر الحقيقي على ذلك واجب.

تذكرني هذه الحكمة بكلمة تنقل
عن العالم الغربي ((باسكال)) يقول: السعداء من الناس فريقان
اثنان، فريق عرف الله فهو يبحث جهد استطاعته عن سبيل مرضاته،
وفريق جادّ في البحث عن الله، أما الأشقياء فهم أولئك الذين لم
يعرفوا الله، ولم يجدّوا في البحث عنه.

وإنه ليخيل إليّ أن
هذا كلام إنسان مسلم ربما يخفي إيمانه وإسلامه.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:03 pm

{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 65/7]
الواصلون إليه، {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 65/7]
السائرون إليه

- ولكن علينا إذا وصلنا إلى معرفة الله بدلائل الآثار، أن
نتجاوز الآثار ونقلع عن التقيد بها لتصفو لنا مشاهدة
المطلوب

بقي أن علينا أن ننبه أنفسنا، نحن الذين نعتمد في إيماننا
بالله ومعرفتنا له، على الأدلة والبراهين الكونية وعلى منطق
الحجاج والأقيسة العلمية، إلى أن علينا إذا وصلنا إلى المطلوب
من وراء البحث والاستدلال فآمنا بالله واهتدينا إلى وجوده
ووحدانيته، أن نتجاوز الأدلة والبراهين ونقلع عن الاشتغال بها
والوقوف عندها، وأن نفرغ عقولنا وأفكارنا للمدلول والمبرهن
عليه، ألا وهو الله عز وجل.

لقد صحبك الحادي أو دليل الركب
طوال الطريق، ليدلك على النهج ويبعدك عن المتاهات والمنعرجات..
والآن وقد وصلت إلى مبتغاك بسلام، عليك أن تشكر الدليل ثم
تتركه وتتجاوزه لتتجه بكليتك إلى مبتغاك الذي طال ارتقابك له
واشتياقك إليه.

طالما وقفت تحدّق في الجدران تتأمل النور
المنعكس إليها، لتستبين منها الدليل على الضياء الهابط إليها
من الشمس.. والآن وقد هداك نور الجدران إلى الشمس وضيائها، فقد
آن أن تتناسى الجدران وتدير ظهرك إليها، لتتعرف على الشمس
الساطعة في كبد السماء ولتدرك أنها مصدر كل ضياء، ولتتعامل
معها لا مع الأشباح التي تستنير بضيائها وتلتمع تحت شعاعها.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:04 pm

{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 65/7]
الواصلون إليه، {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 65/7]
السائرون إليه

- لقد ساعدتك عصيّ البراهين وأنت تعاني من عرج الجهالة.
أما الآن وقد تحررت من العرج فقد آن لك أن تستغني عن
العصيّ والمتكآت

لقد ساعدتك الأدلة العلمية التي تعاملت معها، إلى أن أوصلتك
إلى ساحة اليقين، فعش الآن مع هذه الساحة ولا تعكر صفاء يقينك
فيها بعودٍ إلى الأدلة والأقيسة المنطقية تجترها دونما حاجة
إليها. فإنك لاتدري متى يفجؤك الموت.. وإذا داهمك الموت وأنت
تشتغل بالأدلة وتبحث عن مزيد منها، فلسوف يكون ذلك شاغلاً لك
عن الهدف الذي أنفقت حياتك كلها ابتغاء الوصول إليه، وابتغاء
معانقته في هذه اللحظات التي تنفض فيها يديك عن الدنيا مقبلاً
على الله عز وجل.

ألا، قدّس الله روح العالم الرباني الشيخ
عبد القادر الجيلاني، فقد قيل في ترجمته أنه صاح في إحدى
خلواته صيحة أفزعت من كان حوله، خاطب فيها الشيطان قائلاً:
أغرب عني أيها الملعون فأنا أعرف الله بدون دليل.

إنني لأقول،
مستعيناً بالله أن لا أقولها إلا بصدق:

اللهم إني أعرفك اليوم
دون أي وساطة من دليل، فثبتنـي اللهم على هذه المعرفة الصافية
عن شواغل الأقيسة والبراهين، ساعة ارتحالي من دنياي هذه إلى
رحابك، وأكرم بمثلك ذلك كل من يلتجئ إليك بمثل هذا الدعاء.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:05 pm

الحكمة الحادية والثلاثون



اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه والواصلون لهم أنوار
المواجهة. فالأولون للأنوار. وهؤلاء الأنوار لهم لأنهم
لله لا لشيء دونه، {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي
خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 6/91]

بيان صلة هذه الحكمة باللتين قبلها، ثم تفسيرها، وإحالة
تفصيل القول فيها إلى ما تم بيانه في الحكمتين السابقتين

هذه الحكمة، واللتان قبلها، تدور على محور واحد، والمراد
بالراحلين إليه السالكين الذين هم في طور النظر والبحث، فهم من
الذين يبحثون عن الدليل على الله.. والمراد بالواصلين الذين
تجاوزوا مرحلة البحث والنظر، فهم من الذين يستدلّون بالله على
ما سواه.

والمراد بأنوار التوجه، وسائل البحث وموازين العلم
والمنطق، وهي الأدوات التي لابدّ منها للسالكين
والباحثين.

أما المراد بأنوار المواجهة، فالتجليات الوافدة
إليهم من الله عز وجل. والمؤمن في هذه المرحلة من شأنه أن يغيب
عما سوى الله عز وجل بالشعور والاهتمام، وأن كان يتعامل معه في
حدود الاستجابة لما قد أمر الله به من التعامل مع
الأسباب.

وأعتقد أن فيما قلناه، عند شرح الحكمتين السابقتين،
ما يغني عن الإطالة والتكرير، في نطاق الموضوع ذاته.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:06 pm

الحكمة الثانية والثلاثون



تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- اختلاف مداخل الشيطان إلى نفوس الناس

للشيطان إلى قلوب الناس وسلوكاتهم وسائل متنوعة شتى. فله إلى
التائهين الضالين البعيدين عن محجة الهداية، السبيل الذي يناسب
حالهم، ويغلب أن يكون سبيله إليهم دفعهم إلى مزيد من المحرمات
والموبقات، وإبعادهم عن جواذب الهداية وعن فرص اليقظة
والانتباه.

وله إلى الملتزمين جهد استطاعتهم بأوامر الله، من
عامة الناس، سبيل آخر يناسب وضعهم الذي هم فيه، فهو لايطمع
منهم بالذي يطمعه من أولئك الضالين والتائهين. وإنما يضع
أمامهم منزلقات أخرى لاتستبين لهم خطورتها، قد توصلهم في
النهاية إلى حال الضالين من الفئة الأولى.

وله إلى من كان
مثلي (ممن يرون أنفسهم، يتبوؤن سدّة التوجيه والإرشاد، وقد
أقامهم الله على ثغور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أسلحته
ووسائله الأخرى التي تختلف عن وسائله في الحالين
السابقين.

ويغلب أن تكون وسيلته إلى هذه الفئة الثالثة، لفتَ
النظر إلى ماله من مكانة وأهمية بين الناس، وينسج الشيطان لذلك
أسباباً كثيرة متنوعة يضعها أمامه ويوحي بها إلى نفسه. من
أهمها وأخطرها إبراز كل ما يمكن أن يكون دليلاً على مكانته
وقربه من الله عز وجل، أمام المريدين وعامة الناظرين. كدعوى
الكرامات والخوارق والأمور العجيبة التي يمكن أن تجري على
يديه.

وربما استقر في ذهن واحد من هؤلاء أن ذلك هو السبيل
الأمثل إلى جذب التائهين وهداية الضالين، إذ يخيل إليه الشيطان
مستعيناً بنوازع النفس والهوى أن ظهور العجائب والخوارق على يد
المرشد هو الذي يغرس الثقة به في نفس المريد والتلميذ، ومن ثم
يزداد تعلقاً به وانقياداً له.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:07 pm

تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- مدخل الشيطان إلى نفوس من يشتغلون بالتوجيه والإرشاد
دفعهم إلى أن يبرزوا للناس مظاهر صلاحهم وقربهم من الله

وسرعان ما يحمله هذا التصور على أن يجعل معظم مجالسه التي
يجلسها للتعليم والإرشاد، مدبجة بالحديث عن كراماته والعجائب
التي يجريها الله على يديه. وربما ساقه ذلك إلى الحديث عن
مناماته التي يرى فيها رسول الله، وربما بالغ فأكد أنه يراه
بين الفينة والأخرى يقظة.


- من آثار ذلك ما استقر في أذهان كثير من المريدين أن
علامة الولاية والقرب من الله ظهور الخوارق والكرامات

ومن آثار هذا المنهج الذي يسلكه بعض الذين يمارسون وظيفة
التوجيه والإرشاد، على تلامذتهم ومريديهم، أنهم إذ يتشبعون
بهذا التصور الذي يتلقونه، يحسبون أن مقياس قرب أحدهم من الله،
وارتفاعه إلى درجة العارفين والربانيين، إنما يتمثل في خوارق
تجري على أيديهم وكرامات يمتعهم الله بها بين الحين والآخر.
ومهما وفق للانضباط بأوامر الله والابتعاد عن نواهيه، فلايرى
لشيء من ذلك قيمة ما لم يشعر أنه قد أوتي كشفاً لايتمتع به
الآخرون، أو قدرات خارقة ميزه الله بها عن غيره.

والشأن في
حال كثير من هؤلاء أنهم يلازمون أورادهم ووظائفهم اليومية من
العبادات والأذكار، ولكن لا ابتغاء أداء ما افترضه الله عليهم
وأداء حقوق العبودية في أعناقهم، وإنما ابتغاء أن يصلوا من
وراء ذلك إلى مرحلة ((الكشف)) وظهور الخوراق، فإن داوموا على
وظائفهم تلك دون أن يصلوا إلى هذا الذي ابتغوه، أيقنوا في
أنفسهم أنهم لم يصلوا إلى مرحلة العرفان بعد.

ألا فلنعلم
جميعاً أن هذا التصور المخالف لموازين الإسلام وهديه، من أخطر
رقى الشيطان ووساوسه. إن أوامر الله لنا بالطاعات والأذكار
والترفع على المحرمات لم تكن الغاية منها في يوم ما رؤية
الأنوار، أو كشف الغيوب أو تحول الحصى في قبضة اليد إلى قطع من
السكر، وإنما الغاية منها أن تتطهر القلوب من غوائلها وأمراضها
التي تقصي العبد عن الرب، كالكبر والعصبية للذات والمذهب
والحسد والتكالب على الدنيا وحب الرئاسة والشهرة.. إلخ.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:08 pm

تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- إن العلماء الربانيين كالجنيد البغدادي والمحاسبي كانوا
يحذرون من الافتتان بعوارض الخوارق والوقوف عندها

إن أئمة التصوف المنضبطين بكتاب الله وسنة رسوله من أمثال
الجنيد البغدادي والإمام المحاسبي، ثم الإمام القشيري صاحب
الرسالة المشهورة، عندما يذكروننا بضرورة الإكثار من تلاوة
القرآن وأوراد الصباح والمساء، والإكثار من نوافل الطاعات بعد
فرائضها، يحذروننا في الوقت نفسه من الافتتان بعوارض الخوارق
والوقوف عندها بأي غبطة أو اهتمام، مؤكدين أن الاستقامة على
أوامر الله وطاعته هي الكرامة الحقيقية.

وهكذا، فإن علينا
عندما نلزم أنفسنا بما يوفقنا الله له من الطاعات والأوراد
والمبرات أن نتذكر الداء ونعلم الدواء.. إن الداء هو هذا الذي
يتراكم مع الزمان على نفوسنا من الأمراض التي ذكرت طائفة منها،
والدواء هذه الطاعات والأذكار والالتجاءات إلى الله عز وجل.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:09 pm

تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- المطلوب من المسلم أياً كان ملاحقة ما خفي من باطنه
بالتزكية والإصلاح، لاتزويق ظاهره بدعوى الخوارق وكشف
الغيوب

والمطلوب مني ومنك يا أخي القارئ إذا التجأنا إلى الدواء أن
نتشوف إلى أن يشفينا الله به، من هذه العيوب الخفية المتراكمة
على قاع نفوسنا، لا أن نتشوف من خلال استعماله إلى كشف ما قد
أخفاه الله عنا من أسرار الغيوب.

وهذا ما ينصحنا به ابن عطاء
الله إذ يقول: ((تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك
إلى ما حجب عنك من الغيوب)).

إن الله عز وجل يهيب بنا في كثير
من آي كتابه أن نزكيّ أنفسنا، يقول: { وَمَنْ أَحْسَنُ
قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ
إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } { فصلت: 41/33 } ، ويقول:
{ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ
اللَّهُ } { الطلاق: 65/7 } ، ويقول: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } { الأعلى:
78/14-15 } .

فهل التزكية أن أتمتع بالكرامات وأن تجرى على
يدي الخوارق، فأبتلع الزجاج وأمسح الحجر فيتحول إلى
سكّر؟

ليست هذه هي التزكية، ولم تشرع الطاعات والقربات من أجل
شيء من هذا، وإنما شرعت ليداوي بها العبد أمراضه القلبية
الخفية التي سماها الله ((باطن الإثم)) فإن رأى أنه قد عوفي
منها، أو استطاع أن يتغلب عليها، فليستبشر بأنه قد وصل إلى
مرتبة الصديقين، حتى ولو لم تجر على يديه أي خارقة، ولو لم
تسطع أمامه الأنوار، ولو لم ير رسول الله في يقظة ولا
منام.

أما إن رأيت أنك ما تزال معجباً بنفسك متسامياً على
الآخرين تحسد ذوي النعمة، وتنقم على من سبقك في الرئاسة أو
الشهرة، تتكالب على المال وتتصيّده من أي سبيل تأتىّ لك، فاعلم
أنك بعيد عن الله محجوب عن ألطافه ورحمته، حتى ولو كانت
الخوارق كلها طوع يدك، إنها استدراج وليست كرامة، إذا نظرت إلى
المريدين وهم يتكاثرون من حولي (أنا ليس لي مريدون، ولكني أضرب
المثل) وأجدهم يبالغون في تقديري ويتسابقون إلى يدي ليقبلوها،
فشعرت بالنشوة تطوف بنفسي والاعتزاز يسري في كياني، فلأعلم
أنني قد غدوت بذلك شراً من الفسقة والتائهين عن صراط الله عز
وجل، ذلك لأنهم ينقلبون فيما سماه الله ((ظاهر الإثم)) أما أنا
فأتمرغ من هذه المشاعر المهيمنة على كياني فيما سماه الله
((باطن الإثم)) وفرق كبير بين ذلك الظاهر الذي يمحوه لسان
التوبة وهذا الباطن الذي لايقوى اللسان ولا العزم على امتلاخه،
وإنما يمتلخه ويزيله منهاج مستمر وطويل من الأخذ بعلاج
التزكية، وإنه لعلاج يحتاج إلى ممارسة طويلة وجهاد دائب.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:09 pm

تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- لابدّ من لفت النظر إلى خطأ كبير يتورط فيه بعض
المرشدات

لابدّ أن ألفت النظر هنا إلى خطأ كبير يتورط فيه بعض المرشدات
إذ يقعن في نقيض ما يوصي به ابن عطاء الله، خلال وظائفهن
الإرشادية أو التوجيهية التي يؤدينها، سعياً إلى تربية
مريداتهن.

كثيراً ما يحلو للواحدة منهن أن تفاجئ طالباتها أو
مريداتها، خلال الدقائق الأولى من جلوسها إليهن، بأنها تشم
رائحة معصية تسود المجلس، ونظراً إلى أنها لاتستطيع الركون إلى
ظلمات هذا الجو الذي قد يسري بالظلام إلى قلبها، فإنّ عليها أن
تغادر المجلس، ريثما تتوب صاحبة المعصية من معصيتها.

دعك من
الأثر النفسي الذي يهيمن، من جراء هذا التصرف، على التلميذات
أو المريدات، إذ تقع كل واحدة منهن تحت ضغط شديد من القلق
النفسي والتخيلات الجامحة، بحثاً عن المعصية التي ارتكبتها
وأطلع الله هذه الوليّة الصدّيقة عليها.. لعلها النظرة التي
بدرت منها إلى شاب صادفته في طريقها، أم لعلها المسلسل الماجن
الذي تابعت جزءاً منه في سهرتها مع الأسرة بالأمس، أم يبدو أن
الأمر يتمثل في نومها الذي امتدّ على خلاف العادة، فحرمها من
قيام الليل!.. وكم من فتيات هيمن عليهن هذا الاضطراب المرهق ثم
تحول إلى وسواس نفسي، ثم تحول الوسواس إلى مرض نفسي
عضال!..

أقول: دعك من هذا الأثر النفسي ونتائجه، ولكن انظر
إلى المعنى الذي يوحي به هذا التصرف، إنه يوحي إلى المريدات
بأن المرشدة بصيرة بسرائرهن، خبيرة بالخفي من أوضاعهن، إذ إنها
تتمتع بصفاء روحي ونوراني، يمتعها بالكشف ويرفع عنها الحجب،
ويعرّي أمامها الحقائق.

فمتى كان المرشدون الربانيون، بدءاً
من الرسل والأنبياء، يوحون إلى أتباعهم هذه الدعوى، ويزجونهم
في هذا القلق المهلك.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:10 pm

تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- إن المرشد كلما ازداد معرفة لله وقرباً منه، ازداد
تهاماً لنفسه وشعوراً بتقصيره

إن المرشد كلما ازداد معرفة لله وتقرباً منه، ازداد اتهاماً
لنفسه وشعوراً بتقصيره وخوفاً من عواقب هذا التقصير ومن ثم
فإنه يوقن بأن الفتح الذي يكرمه الله به إذ يجلس إلى مريديه
إنما هو ببركتهم، وأن الضيق أو الانغلاق الذي ينتابه، إنما
مردّه إلى سوء حاله، وهو لايرى في عمله الإرشادي إلا وظيفة
أقامه الله عليها.

إنني أقول لكم بحق: كثيراً ما آتي إلى هذا
المجلس فأشعر أنني أجرّ الكلام جراً، وأن المعاني الحاضرة تغيب
عن ذهني فلاأشك في أن السبب في ذلك سوء حالي، والإنسان كما قال
الله عز وجل بصير بحاله { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها،
وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها } { الشمس: 91/9-10 } . وقد آتي
فأجلس إليكم للحديث، دون تحضير للمعاني التي ينبغي أن أقولها،
فما هي إلا لحظات وإذا بمعان تلقى على جناني ويخف في التعبير
بها لساني، فما أشك في أن هذا الفتح المفاجئ إنما ورد إليّ
ببركة بعض الصالحين الذين يفيض بهم هذا المسجد.

ومصدر الخطأ
الذي يقع فيه بعضنا أننا نظن بأن مهمة الإرشاد والتوجيه إذ
ينهض بها أحدنا، دليل على أنه يتبوأ مكانة متميزة عن الآخرين
عند الله عز وجل.

وإنه لظن باطل، بل إنه لخطأ قتال.

النهوض
بمهام الدعوة والإرشاد، ليس أكثر من وظيفة يسخر الله للقيام
بها من يشاء، وللحكمة التي يشاؤها.. ربما كانت ابتلاء، وربما
كانت تربية وتهذيباً للمرشد الداعي أكثر من أن تكون نصيحة
للناس الذين يرشدهم، وكم من مرشد ضلّ من خلال فتنة الإرشاد،
واهتدى مريدوه بمعرفة الحق الذي تفتحت قلوبهم لإدراكه.. ولاأشك
أن في المرشدين من سيدخلهم الله يوم القيامة في شفاعة بعض
مريديهم.

وقد حدثني والدي رحمه الله عن واحد ممن كان يعرفه من
العلماء المرشدين الصالحين، أنه كان يخدم مريديه، ويغسل، دون
أن يعلموا، ثيابهم، وكان إذا اتخذ مجلسه معهم للتوجه، حسب أصول
الطريقة النقشبندية، حذرهم من المبالغة في احترامه، ومن
الانخداع بظاهر حاله، وأقسم بالله أنه لايرى نفسه خيراً من أي
واحد منهم، ثم يقول متأثراً: ولكنها وظيفة أقامني الله عليها،
ولايسعني إلا أن أنهض بها.

هذا هو المرشد، يؤدي وظيفته التي
أقامه الله فيها، ثم يعود إلى نفسه فيندب حاله ويبكى على
خطيئته.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:11 pm

تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- هنا تبرز حكمة الله في أنه لم يجعل لغير الرسل
والأنبياء حظاً من العصمة من الآثام

واعلم أن من أعاجيب حكمة الله تعالى أنه لم يجعل لغير الرسل
والأنبياء حظّاً في العصمة من المعاصي والآثام، ليكون ذلك
بمثابة عصا التأديب، تلوح أمام كل من أعجبته نفسه، ثم تهوي على
ظهره إن هو استمرأ مشاعر هذا الإعجاب، ورأى نفسه، وهو في موقع
التوجيه والإرشاد خيراً من بقية عباد الله.

اللهم لاتجعل من
احترام الناس لي وحسن ظنهم بي سَكَراً ينسيني سوء حالي وعظيم
تقصيري في القيام بحقوقك.. اللهم لاتجعل نعمة سترك لي سبباً
لغرور ينتابني، أو سبباً لنسيان سوئي الذي أثبتّه في علمك
وأخفيته عن عبادك..

أما إنه لطريق وعر مخيف، أن يُزج بأحدنا
في مهمة التوجيه والدعوة والإرشاد، فيحدق به الناس حباً
وتقديراً وإعجاباً، ويتسابقون إلى يده يقبلونها، وإلى ثيابه
يتمسحون بها، ثم يكون مع ذلك بصيراً بشأنه عالماً بتقصيره وسوء
حاله، دائم الالتجاء إلى الله أن يغفر له ذنبه ويصلح له حاله،
وأن لايجعل من حسن ظن الناس به فتنة له في دينه.. ولكنه يغدو
يسيراً وقصيراً في حق من عالج نفسه بدوام الالتجاء إلى الله
والتذلل على أعتابه، يسأله أن يقيه شر نفسه وأن لايبعده عن جنى
رحمته وأن يذيقه برد إحسانه ولطفه. فلسوف يجد نفسه بين يدي رب
كريم يجيب السائلين ويكشف السوء عنهم ويقيهم عن غوائل نفوسهم
مع سترهم في الدنيا والمغفرة لهم يوم القيامة.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:12 pm

تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- بقي أن فينا من يقول: أليس الربانيون من عباد الله من
عالجوا أمراض أنفسهم حتى شفاهم الله منها؟ فلماذا تضيقون
سبيلاً فتحه الله؟ الجواب عن ذلك

بقي أن فينا من قد يقول: أليس الربانيون من عباد الله عز وجل،
أولئك الذين عالجوا أمراض نفوسهم حتى شفاهم الله منها،
واجتازوا مراحل السعي إلى الله حتى تقبلهم الله في عداد
الواصلين، فلماذا تستبعدون أن نكون منهم؟ ولماذا تضيقون سبيلاً
أو تغلقون باباً فتحه الله؟

والجواب أن الربانيين هم أكثر
الناس خوفاً على أنفسهم من الغوائل، وهم أشد الناس اتهاماً
لها. ألم تسمع حديث الله عنهم إذ يقول: { فَقُلْ هَلْ لَكَ
إِلَى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى }
{ النازعات: 79/18-19 } .

وسبب ما يلازمهم من التخوف واتهام
النفس، أمران اثنان:

أولهما: أن الصالحين من الناس، مهما
ساروا ثم تجاوزوا مدارج السالكين، فإن نفوسهم تظل نفوساً
بشرية، وتظل الشهوات محببة إليها مزينة عندها، كما أخبر الله
عز وجل، ولكن ذخر الطاعات والعبادات وملازمة المراقبة والأذكار
يلجمها بضوابط الحب والحياء والخوف، فهم في كل أحوالهم وجلون،
إذ يعلمون أنهم من أنفسهم على خطر، إذ لايبعد أن تجمح بهم إلى
أي من الأهواء المحرمة إذا ما غابت عنهم حماية الله ورعايته.
وذلك أمر ممكن لايستطيعون أن يكونوا في مأمن منه، وكيف يأمنونه
على أنفسهم وهم يرددون قول الله عز وجل: { بَلِ الإِنْسانُ
عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } { القيامة: 75/14 } .

ثانيهما:
أن الإنسان كلما ازداد قرباً من الله ومعرفة له ازداد تبصراً
بعظيم حق الله عليه، ومن ثم ازداد شعوراً بتقصيره في جنب الله
عز وجل، وتنبهاً إلى ما يراه من سوء حاله. ومن ثم فقد كان
الربانيون من عباده سبحانه وتعالى هم أشد الناس خوفاً منه
وتعظيماً له واتهاماً لأنفسهم. فمتى وأنى يستبشرون ويطمئنون
بأنهم قد تطهروا من غوائل النفس واستقروا في شاطئ الأمان؟ ألا
ترى إلى عمر، وهو من المبشرين بالجنة، كيف كان شديد الخوف على
نفسه عظيم الاضطراب من مآله، يخيل إليه إذ يمشي بين الناس أنه
يحمل على ظهره أوقاراً من الذنوب؟ ألا ترى إلى عليّ وهو ابن عم
رسول الله وواحد من أخصّ أصفيائه، كيف كان يتأوه في جنح الله
تأوه الملدوغ، ويخاطب الدنيا قائلاً: ((إليك عني غرّي غيري،
طلقتك ثلاثاً بنتك ثلاثاً.. )) ثم يتحسر قائلاً: ((آه من قلّة
الزاد وبعد الشقّة ووحشة الطريق)). وقد كان هذا شأن جلّ أصحاب
رسول الله ، وأنت تعلم أنهم الصفوة من عباد الله بعد الرسل
والأنبياء.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:13 pm

تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب
عنك من الغيوب

- إن المحجوب عن الله هو الذي أمن مكر الله وعدّ نفسه من
الواصلين إليه

إلا فلنعلم جميعاً أن المحجوب عن الله، هو الذي يأمن مكر الله،
ويطمئن إلى أنه من الواصلين الذين زكيت نفوسهم وسلمت قلوبهم،
فغدا همه الواصب وشغله الشاغل، أن ينال حظوته من الخوارق
والكرامات، وأن يحدث الناس بها، يرفع لنفسه بها شأنا ويتخذ
منها أداة نصحه ومادة توجيهاته وموعظته.

إذن فلنجعل همنا في
كل التقلبات والأحوال، التشوف إلى ما بطن فينا من العيوب،
لنسعى سعينا للتخلص منها، بدلاً من أن نتشوف إلى ما حجب عنا من
الغيوب، لنتباهى بمعرفتها ومزية الإطلاع عليها. والله هو
الموفق.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 1:14 pm

الحكمة الثالثة والثلاثون



أصل كل معصية وغفلة وشهوة، الرضا عن النفس. وأصل كل طاعة
ويقظة وعفة، عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلاً لا
يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه. فأي
علم لعالم يرضى عن نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه

- بيان الفرق بين قولك: الشمس محجوبة عني وقولك: أنا
محجوب عن الشمس

ثمة فرق كبير بين قولك: الشمس محجوبة عني، وقولك أنا محجوب عن
الشمس. فالقول الأول يصدق بما لو كان على صفحة الشمس سحاب يحول
دون رؤيتك لها، والقول الثاني يصدق بما لو كانت على عينيك
غشاوة حالت هي الأخرى دون رؤيتك لها.

في الحالة الأولى الشمس
محجوبة عنك، إذ لادخل لك في الحجاب الذي أخفاها عنك، وفي
الحالة الثانية أنت محجوب عنها، إذ الحجاب عائد إليك ولعله جزء
منك.

فهل في الكون حالة أو زمان أو مكان يصدق أن يقال فيه:
الله محجوب عن الإنسان أو عن كائن ما من المخلوقات؟

إذا تأملت
في الفرق الذي بدأت به شرح هذه الحكمة، علمت أنه لايتأتى في أي
حال أو زمان أو مكان أن يكون الحق جل جلاله محجوباً بشيء ما
عنك أو عن غيرك.

ذلك لأنه لو حُجب عنك بشيء ما لكان الحاجب له
متسلطاً عليه بحكم الحجب والستر، إذ هو الفاعل المحذوف للفعل
المبني للمجهول، ويصبح المفعول الذي يسمى في الإعراب نائباً عن
الفاعل، هو الله عز وجل، تنزه الله وتعالى عن ذلك علواً
كبيراً.

وهذا هو المعنى ذاته الذي عبر عنه ابن عطاء بقوله:
((إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده
حاصراً)).

أي إن الساتر لشيء ما، يرسم حدود وجود ذلك الشيء
ويحصره داخل دائرته أو نطاقه، وإلا لما غاب وجوده عن أنظار
الذين هم خارج ذلك النطاق. ولاشك أن الساتر لايكون له هذا
الشأن في الحصر والتحديد، إلا وهو قاهر للمستور.

ثم إن الشأن
فيما يحصره الساتر أو يحيط به أن يكون وجوده في جهة دون غيرها،
وعندئذ يكون الساتر فاصلاً بين الجهة التي يوجد فيها المستور
والجهات الأخرى التي لايوجد فيها. وكل ذلك مستحيل في حق الله
عز وجل.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 6 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 5, 6, 7 ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى