الحكم العطائية وشرحها

صفحة 8 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 7, 8, 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 11:58 am

الحكمة الثامنة والثلاثون



لا تتعدّ نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال

- هذه الحكمة تأتي كالنتيجة للحكمة التي قبلها

هذه الحكمة تأتي بعد الحكمة السابقة، كالنتيجة بعد
المقدمة.

إذ قد عرفنا لدى تأملنا في الحكمة السابقة ودراستنا
لها، أن صاحب الوجود الحق، أي واجب الوجود، واحد لاثاني له هو
الله عز وجل. فهو الذي وجوده من ذاته وليس فيضاً من غيره،
ومن ثم فهو صاحب الوجود الأزلي الذي لا أول له. ثم عرفنا
أنه كان ولايزال المتفرد بالوجود الحق أي الوجود الذاتي
الواجب، فمهما رأيت اليوم مكوَّنات من حولك ومن فوقك، فليس لها
أي وجود ذاتي مع الله، وإنما هي موجودة لحظة فلحظة بالله أي
بمدد سارٍ إليها من الله.

وإذ قد عرفنا ذلك، فلابد إذن أن
نعرف بأن سائر المخلوقات التي حولنا، لاتملك بحدّ ذاتها حولاً
ولا قوة، ولا نفعاً ولا ضراً. وكيف تملك ذلك أو شيئاً منه، وهي
لاتملك وجودها الذي هو مصدر كل المزايا والقدرات. فالناس أياً
كانوا بقدرة الله يتحركون، وبسلطانه ينشؤون ويعمرون
ويحكمون..

فإذا اصطبغ عقلك بهذا اليقين، واستقر علماً وحقيقة
في فؤادك، فذلك هو التوحيد الذي ألزمنا الله به، وهو المعنى
المنطوي في الكلمة التي وصفها بيان الله تعالى بالكلمة الطيبة:
{ وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ
مَسْؤُولاً } { الإسراء: 17/36 } .

فكيف يكون سلوك من ترسخت
في عقله حقيقة هذا التوحيد؟

عند الإجابة عن هذا السؤال، يأتي
دور النتيجة أو الثمرة التي لابدّ أن تزدهر بها الحكمة
السابقة، وهي قول ابن عطاء الله: ((لاتتعدَّ نية همتك إلى غيره
فالكريم لاتتخطاه الآمال)).
- إذا علمنا أن ليس مع الله أحد، إذن يجب أن لاتتعلق
آمالنا إلا بصاحب الوجود الحق وحده، وبيان ذلك

إذا علمنا أن ليس مع وجود الله، وليس مع قدرته أي قدرة، وليس
مع كرمه أي كرم أو كريم، وليس مع مالكيته أي مالك، وليس مع
غناه أي غني.. إن بدا لك وجود شيء من ذلك، فهو من الله وبالله
وإليه، أقول: إذا علمنا ذلك، فبمن يجب أن تتعلق آمالنا؟

يجب
أن تتعلق بمن يملك وحده كل المعاني والصفات التي ذكرتها.

وقد
عرفت أن الذي يملك الوجود وثمرات الوجود واحد لا ثاني له هو
الله عز وجل… إذن يجب أن لاتتخطّى الآمال، أياً كان نوعها،
وأياً كانت تطلعاتها، يجب أن لاتتخطى الآمال الواحد الأحد، وهو
الله عز وجل.

وإذا تعلقت منك الآمال بالرزق، فاتجه بها إلى من
بيده وحده خزائن السموات والأرض وهو الله.. وإذا تعلقت منك
الآمال بالصحة والعافية فتوجه بها إلى الله الذي قال عنه خليله
إبراهيم { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي
تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ
اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الأَرْضَ
بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَتَصْرِيفِ
الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ
وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } { البقرة: 2/164 }
.. وإذا تعلقت منك الآمال بالطمأنينة والسعادة والأمن، فاتجه
بها إلى الله القائل: { وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ
كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا
يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها
وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كَالأَنْعامِ
بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ } { الأعراف:
7/179 } .. وإذا تعلقت منك الآمال بمنعة تتحصن بها ضدّ ظالم
أو عدو، فاتجه بها إلى الله الذي خاطب موسى وأخاه هارون
قائلاً: { وَلَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما
تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ
حَبْلِ الْوَرِيدِ } { ق: 50/16 } .

ولعمري إن الذي تتجه
منه الآمال، ابتغاء أي من هذه الحاجات، إلى غير الله وحده،
مشرك وليس موحداً. ومهما ردّد الكلمة الطيبة { وَهُوَ
مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ } { الحديد: 57/4 } فإن ترداد
لسانه لها، مع تعلق آماله بغير الله عز وجل، لايجعله من
الموحدين.

فإن قلت: فما بال موسى وهارون أعلنا الخوف من فرعون
قائِلَيْن: { إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ } {
الفاتحة: 1/5 } أقول لك: إنهما اتجها بآمالهما في التخلص من
طغيان فرعون إلى الله، لا إلى فرعون. إذ كان سؤالهما له
ورجاؤهما منه، وكان الأمل الذي توجّها به إلى الله عز وجل، أن
لايسلط الله فرعون عليهما بأي إساءة أو طغيان. فكان هذا التوجه
منهما بهذا الرجاء منتهى التوحيد لذاته العلية وصفاته السنية،
ولذلك طمأنهما الله عز وجل في الجواب الذي خاطبهما به إذ قال:
{ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ } {
الواقعة: 56/13-14 } .

وإذن، فتوحيد الاعتقاد والقول
اللساني، لابدّ أن ينبني عليهما توحيد التطلعات السلوكية
والعلاقات الاجتماعية. وهو، أي هذا التوحيد الثاني، هو ما أمر
وأوصى به رسول الله  سيدنا عبد الله ابن عباس، إذ قال له -
وكان قد أردفه رسول الله خلفه -: ((ياغلام، إني أعلمك كلمات،
احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله،
وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن
ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك. وإن اجتمعوا
على أن يضروك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت
الأقلام وجفت الصحف))(1).

وهما (أي توحيد الاعتقاد والقول
اللساني) ليسا توحيدين كافيين في الحقيقة، وإنما هي العقيدة
التي يجب أن لاتنفصل عن ثمراتها التطبيقية.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:00 pm

لا تتعدّ نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال

- هل في هذا التوحيد الذي يدعونا إليه ابن عطاء الله ما
يتعارض مع الدعوة إلى الانبعاث في مناكب الأرض للتعامل مع
الأسباب؟ بيان الجواب بتفصيل

والآن.. هل في هذا التوحيد الذي يذكرنا به ابن عطاء الله بل
الذي يأمرنا به الله عز وجل، ويوصينا به رسول الله في مثل هذا
الحديث، ما يتعارض مع الانبعاث في مناكب الأرض للتعامل مع
الأسباب الكثيرة المتنوعة؟

بوسعك أن تعرف الجواب من استعمال
ابن عطاء الله في حكمته هذه لكلمة ((الآمال)).. إن المطلوب منك
أن لاتتجاوز آمالك المشفوعة بالهمة والنية، الكريم الذي هو
الله عز وجل.

فإذا تحقق التوجه بالقصد والأمل إلى الواحد الذي
لاثاني له، فالتعامل بعد ذلك مع الأسباب.. أسباب الرزق
والعافية والقوة والأمن والطمأنينة والعلم والمعرفة، تنفيذ
لأمر الله وجزء لايتجزأ من توحيد الله.

وإذا كان هذا واضحاً،
فينبغي أن تعلم أنه لافرق بين الأسباب المادية المتمثلة في
الكدح للرزق والطعام للشبع والدراسة للعلم.. إلخ وبين أسباب
الرحمة الإلهية ووسائلها، كمكانة الرسل والأنبياء، لاسيما
خاتمهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومكانة الصالحين
المقربين إلى الله من بعدهم.

فإن الله كما أقام من المطر
سبباً للنبات، وأقام من الطعام سبباً للشبع وأقام من الدواء
سبباً للشفاء، أقام من مكانة رسول الله عند ربه ومن حبه له
سبباً لرحمة العباد وشفاعتهم، ألم يقل الله عز وجل: { أَلا
لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ } { الأعراف: 7/54 } ألم يقل:
{ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُوكَ
فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّاباً رَحِيماً } { النساء: 4/64 }
.

إذن، فكما يجوز للمسلم أن يتوسل بالدواء إلى الشفاء،
وبالطعام للشبع، وبالماء للري، وبالكدح للرزق، يجوز أيضاً أن
يتوسل برسول الله لاستنزال رحمة الله، والحصول على آماله من
الله عز وجل.. على أن لايغيب عن باله أن الوجود الحق الذي لا
ثاني له هو وجود الله عز وجل، وأن الخلق له والأمرَ إليه، وأن
لاحول ولا قوة لشيء إلا بالله عز وجل. وأن يعلم أنه إنما
يتعامل مع هذه الأسباب ويقف عندها، لأن الله أمره بذلك فهو في
مشيه في مناكب الأرض باحثاً عن الرزق، وفي إقباله على الطعام
عند الجوع، وإلى الشراب عند الظمأ، وإلى الدواء عند المرض،
إنما ينفذ أمر الله وشرعته، كذلكم الحال عندما يتوسل برسول
الله أن يرحمه الله ويلطف به ويصلح حاله، إنما يتوسل به لأن
الله أقام منه وسيلة لذلك كله تكريماً له، أي فالرحمة واللطف
وصلاح الحال إنما يأتي ذلك كله من عند الله تعالى. وهل في
الخلائق كلها من يملك أن يرحمك أو يصلح حالك أو يرفع عنك الضر،
إلا الواحد الأحد جل جلاله!.. ولكنا تلقينا من الله الأمر بأن
نتعامل مع النظام الذي أقام كونه هذا على أساسه، وأن ننقاد له
طاعة له وتنفيذاً لأمره عز وجل. ولاشك أن هذا الانقياد بهذا
القصد جزء لايتجزأ من توحيد الله تعالى.

والعجيب أن تجد في
الناس من إذا سمع أحدهم مريضاً يقول لطبيبه، وقد أمضّه الألم،
أرجوك أيها الطبيب أن تخلصني من هذه الأوجاع، لايبالي بهذا
الكلام ولايستنكره، ولايرى في هذا الطلب من الطبيب ما يخدش
التوحيد. فإذا اتجه هذا الإنسان ذاته إلى الله قائلاً: اللهم
إني أتوسل إليك بنبيك محمد، ، أن تشفيني من هذه الآلام، قام
في وجه مكفراً ومشرّكاً، وربما أمره أن يجدد إسلامه!...

فما
الفرق بين السببية الجعلية التي قضى الله بها في الدواء
للشفاء، والسببية الجعلية التي قضى الله بها في مكانة رسول
الله والتوسل به للشفاء ذاته؟..

مع العلم، الذي لايجوز أن
يغيب عن بال أحد أنها سببية جعلية هنا وهناك، فالله هو الشافي
والمعافي، ولكنه شاء لحكمة باهرة، أن يشفي المريض عند تناوله
الدواء، أو عند توسله إلى الله للأمر ذاته بحبيبه محمد عليه
الصلاة والسلام، أو عند توسله إلى ذلك بشربه من ماء
زمزم.

وأعجب من هذا وأغرب، أولئك الذين يفرقون بين حياته صلى
الله عليه وسلم ومماته، فيرون التوسل برسول الله مشروعاً في
حياته، وغير مشروع بعد وفاته!!..

ولاريب أن هؤلاء الناس
يفهمون أن التوسل إنما هو بقوة رسول الله الجسدية وسطوته
المادية، ونظراً إلى أن ذلك يزول بوفاته، فإن التوسل به بعد
وفاته يغدو شيئاً لامعنى له ولا فائدة منه.

ولاشك أن الذي
يتصور أن محمداً عليه الصلاة والسلام يملك قوة ذاتية بها يحقق
للناس رغائبهم فهو متورط من ذلك بشرك خطير. إن القوة الذاتية
إنما هي قوة الله وحده وصدق الله القائل: { لَيْسَ لَكَ مِنَ
الأَمْرِ شَيْءٌ } { آل عمران: 3/128 } .

من المعروف
والثابت بداهة أن التوسل المشروع الذي نتحدث عنه إنما هو
بالمكانة التي أولاها الله تعالى لرسوله والمزية التي متعه
بها، إذ جعل منه باباً للدخول على الله في طلب مغفرة أو شفاعة،
أو شفاء من مرض، أو التخلص من غم وهم، أو نحو ذلك من الحاجات
الإنسانية التي ينبغي أن يطرق بها أحدنا باب الله عز
وجل.

والمكانة التي يتمتع بها رسول الله، لاتنطوي ولاتنسخ بعد
وفاته، معاذ الله، من قال هذا؟ إن مقام رسول الله عند ربه باق
مستمر، وهو في علوّ دائم، وما الدعاء الذي ندبنا إليه رسول
الله بعد الأذان إلا دليل ناطق بذلك.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:01 pm

لا تتعدّ نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال

- إياك أن تتوهم أن مانسميه أسباباً، فيه قوة مودعة، بها
تؤثر، بيان بطلان هذا الوهم علمياً وبيان خطره على
التوحيد

ثم إياك أن تتوهم أن ما نسميه أسباباً فيه قوة مودعة بها تؤثر.
فإن هذا الوهم يستلزم أن تكون القوة المودعة المزعومة ذات وجود
ذاتي مستقل في الكون، وتقتضي أن الله عمد إليها فأودعها في بعض
المكونات لتعطيها القدرة والفاعلية!.. فهل هذا إلا الشرك
الصريح الواضح بذاته؟.. ما الفرق بين أن تتخذ الأوثان أو
الأشخاص آلهة مع الله، وبين أن تتخذ ما تسميه بالقوة المودعة
إلهاً معه؟ ألست تزعم بهذا أن الله عز وجل عثر من هذه القوة
النادرة الرائعة، على ما يستعين به لإيجاد الأسباب الكونية
وتمكينها من الفاعلة وتحقيق النتائج المطلوبة فأخذها وبثّها في
كل هذه الأشياء التي شاء أن يجعل منها أسباباً بفضل هذه القوة
الفريدة؟

إما أن هذه القوة هي قوة الله عز وجل، إذن فهي تظل
منسوبة إليه ولاتنفصل عنه لتتحول إلى وديعة فيما يسمى بفضلها
أسباباً. فنقول إننا شبعنا بقدرة الله وحكمه لدى تناول الطعام،
وشفينا بقدرة الله ولطفه لدى أخذ الدواء.. إلخ.

وإما إن هذه
القوة ليست قوة الله عز وجل، فعندئذ يتسنى لك أن تتوهم بأنها
شيء مستقل عن ذات الله عز وجل، مودَع وموضوع فيما نسميه
أسباباً. ولاشك أنك نتخذ عندئذ من هذه القوة الذاتية المأخوذة
من هنا والموضوعة هناك، شريكاً مع الله عز وجل. بل إنك لتجعل
منها عندئذ الشريك الأقوى الذي لاتتأتى ألوهية الله إلاّ
بالاستعانة به، تعالى الله عن هذا الوهم المتهافت الباطل علواً
كبيراً، وصدق الله القائل: { اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ }
{ الرعد: 13/16 } والقائل: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ
السَّماواتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا } { فاطر: 35/41 }
والقائل: { لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ } { محمد: 47/19 }
والقائل: { وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } { الشعراء:
26/80 } .

قل لي.. أين بقي مكان القوة المودعة في هذه
القرارات التي تقرؤها في هذه الآيات؟!..

ألا إن الكون كله
بسائر ما فيه من تحركات وتموجات وأطوار، كبرت أو صغرت، ظهرت أو
خفيت، ينشد بين يدي إلَهـه الحي القيوم تسبيحاً لا يفتر عنه،
وتوحيداً لايسكت عنه، إنه نشيد: لا حول ولاقوة إلا
بالله.

فاللهم أحينا وأمتنا واحشرنا على هذا النشيد يهيمن
يقيناً على عقولنا، ووجداناً في قلوبنا، وذكراً على ألسنتنا،
واجعل من ذلك شفيعاً لنا بين يدي كل إساءة وتقصير.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:02 pm

الحكمة التاسعة والثلاثون



لا ترفعنّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك. فكيف يرفع غيره
ما كان هو له واضعاً؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه
فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً؟

- لاتزال سلسلة هذه الحكم المتلاحقة تتلاقى على تأكيد
وحدانية الله

لاتزال سلسلة هذه الحكم المتلاحقة تتلاقى من جوانب متعددة،
وبأساليب شتى، على بيان وحدانية الله عز وجل في ذاته وصفاته
وأفعاله، وأن الذي يتصرف في الكون كله واحد لاثاني له. ثم ينبه
ابن عطاء الله من خلال ذلك إلى أن على العبد أن لاينصرف بآماله
وآلامه ورغباته إلاّ إلى هذا الإله الواحد، وأن لايشرد عنه إلى
الآخرين الذين هم مثله في العجز والضعف والمملوكية لله عز
وجل.

وهو رحمه الله، لايخرج عن هذا التنبيه وهذه النصيحة، في
حكمته الجديدة هذه. ولكنه ينطلق هنا إليها من حجة منطقية،
وعلمية مجردة، دون أن يلزمك بقرار غيبي أو نصّ ديني.

إنه
يقول: إذا نزلت بك حاجة أو طافت بك مشكلة ما فابدأ قبل كل شيء
بالبحث عن مصدر تلك الحاجة أو المشكلة، من الذي أنزلها بك أو
ابتلاك بها، فإذا علمت الفاعل أو المتسبب فاتجه إليه، واطلب
منه أن يرفع عنك البلاء الذي أنزله بك أو الحاجة التي حمّلك
إياها.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:03 pm

لا ترفعنّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك. فكيف يرفع غيره
ما كان هو له واضعاً؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه
فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً؟

- ينطلق ابن عطاء الله من حجة منطقية على أن المسؤول عن
رفع البلاء ينبغي أن يكون من ابتلاك به، وأن المسؤول عن
تحقيق احتياجاتك هو من أنزلها بك

ويبين رحمه الله الحجة المنطقية في هذه النصيحة، قائلاً: كيف
يتسنى لكائن من كان أن يرفع عنك من الحاجة أو البلاء، ما قد
وضعه فيك أو جرّك إليه غيره؟ يقول المنطق: إن الذي ساق إليك
واقعة ما، أياً كانت، خيراً أم شراً، هو لاغيره الذي يتمكن من
جذبها عنك. إذ إن من بيده قوة الإرسال والدفع، هو الذي يكون
بيده قوة الجذب والرفع.

إن الالتزام بهذه النصيحة المنطقية
العلمية البعيدة عن غيبيات الدين ودوافع التقيد بالنصوص، يقتضي
أن تبدأ فتساءل عقلك.. عقلك المتحرر عن أي أسبقية أو تحيز: ما
هو، أو من هو الذي يسري إليك منه الخير بكل أنواعه، والشر بكل
صنوفه وألوانه؟

ولقد علمت مما تم شرحه وبيانه من خلال دراسة
الحكم السابقة، أن كل ما يتراءى لك من حركة أو فاعلية أو قدرة،
في الكون، فإنما هو سارٍ إليه من عند الله عز وجل. وقد علمت أن
الله لو قطع حوله وقوته عن هذه المكونات لتحولت إلى حطام
وأنكاث. وقد تم بيان ذلك بأدلة منطقية وعلمية، قبل أن نستند
فيها إلى معتقدات غيبية أو نصوص دينية.

كما عرفنا أن ظاهرة
الأسباب المنتثرة والمنتشرة في الكون، ما ينبغي أن تحجبنا عن
إدراك هذه الحقيقة، أو أن تمدّ أي غاشية من الإشكال أو اللبس
عليها. إذ قد علمنا أنها أسباب جعلية أي إن الله جعل منها
أسباباً عندما قضى باقترافها لما يخلقه الله عز وجل مما قد شاء
خلقه بمحض قدرته وتقديره. بل لقد عرفت أنه ليس فيما نسميه
أسباباً أي قوة مودعة فيها لتمارس بها وظيفة السببية، وإنما
يخلق الله ما نسميه مسبباً بمحض قدرته، عند اقترانه بما
اصطلحنا على تسميته سبباً. والمراجع التوحيدية فياضة بعرض
الأدلة التفصيلية العلمية على ذلك.

فإذا استقرت في أذهاننا
هذه الحقيقة، علمنا بيقين أن الحاجات التي تنزل بنا، أو
المشكلات التي تعترضنا، أو النعم التي نتمتع بها، إنما يفد ذلك
كله إلينا من الله عز وجل، بقطع النظر عن البريد الذي قضى الله
أن يسخره لحمل هذه الحاجات أو المشكلات أو النعم إلينا.

إذن،
فأي باب نطرق، عندما نبحث عمن يقضي لنا الحوائج، أو يزيح عنا
المشكلات، أو عندما نبحث عمن نشكره على العطايا والمنح؟

ماذا
يقول المنطق في الإجابة عن هذا السؤال؟

يقول المنطق: يجب أن
تعود بالحاجة التي تلاحقك، إلى من قد أنزلها فيك وأخضعك لها؟
وأن تعود لحلّ المشكلة التي نعاني منها إلى من قد ابتلاك بها،
وأن تعود لشكر النعمة والعطايا إلى الذي متعك بهما. وقد علمت
أنه الله وحده، لايشركه في ذلك أحد، وليس من قبله، ولا من
بعده، ولا معه من ينوب عنه أو يعينه في شيء من ذلك.

ولكي تقوى
على تنفيذ هذا الذي يقضي به المنطق، يجب أن تنسى الوسائط وسعاة
البريد، وأن تخترق بعقلك وإدراكك الصور المتحركة إلى ما
وراءها.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:04 pm

لا ترفعنّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك. فكيف يرفع غيره
ما كان هو له واضعاً؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه
فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً؟

- يا عجباً لمن يتجاوز الوسائط والأسباب في معاملاته
الدنيوية مع الأشخاص، ثم يقف عندها ويدين لها في معاملاته
مع الله!.. بيان وشرح

والعجيب الذي يبعث على التساؤل، أن هذا النسيان للوسائط
والأسباب سهل جداً لدى التعامل مع الوسائط والوسائل الدنيوية
التي تتحرك مابين الفئات والأشخاص. فليس في الناس من إذا أخذ
جائزة مالية من موظف أو ساعي بريد، ينسى الثريّ الذي أرسلها
إليه، أو المؤسسة التي اختصته بها، ويتجه بالشكر والحب وعبارات
الفرح والامتنان إلى المسكين الفقير ساعي البريد.. وقس على هذا
المثال الأمثلة الكثيرة الأخرى.

غير أن هذا النسيان ذاته
للوسائط والأسباب يكون في غاية الصعوبة والعسر، عندما تكون هذه
الوسائط قائمة بين العبد وربه عز وجل.. تفد إليّ النعمة من
الله عز وجل عافيةً، غنىً، ثقافة وعلماً، طمأنينة وأمناً..
إلخ. فيغيب عن فكري المنعم المتفضل، ولا أذكر إلا الوسائط التي
أقام الله منها خادماً لمننه وعطائه. فأذكر تجارتي التي ازدهرت
بالنجاح، والطبابة الجسيمة والرياضة البدنية التي أكسبتني
العافية والنضارة، والانكباب على الدراسة وأسبابها مع نباهتي
التي أعتز بها، والتي أكسبتني عمق المعرفة واتساع العلم. وكلها
لايعدو في الفاعلية والقيمة عن كونها سُعَاةَ بريد، وخدماً
واقفين على تنفيذ أوامر الله.. ولكن يا للعجب!.. إنني مع هذا
أنسى المتفضل الفعال، وأذكر في مكانها هؤلاء الخدم الذين
لايتأتى منهم إلا تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم من المنعم
المتفضل الوهاب.

وهذا الذي أقوله عن النعم والأعطيات الوافدة
إلينا من الله، ينطبق أيضاً على الابتلاءات والمصائب الوافدة
إلينا منه.

تنتقص حقوقنا، وتستلب أوطاننا، فنتذكر الأيدي
المستخدمة، والوسائل المرسَلة، ونحدّق النظر فيها، دون أن
نتذكر الحقيقة الساطعة التي ما ينبغي أن تغيب عن بال عاقل آمن
بالله عز وجل، وهي أن هذه الأيدي المستخدمة والقوى المتحكمة،
ليست إلا جنداً يتحركون تحت قهر الله وسلطانه، إيقاظاً
وتأديباً لنا، بمقتضى سنة ربانية ماضية أخبرنا عنها وألزم ذاته
بها.

تحتبس الأمطار، ويمضي الشتاء أو يكاد، والأرض ما تزال
جافة قاحلة، فنتيه عن الإله المتصرف في الكون الفعال لما يريد،
ولا نتذكر إلا الوسائط التي لاشأن لها ولا قيمة: هي دورة
ثلاثينية تأتي بها الطبيعة في ميقاتها المتكرر على رأس كل
ثلاثين عاماً.. أو هي أثر من آثار الخروق التي أصابت طبقة
الأوزون.. أو هي من نتائج الوهج الحراري الذي ألحق اضطراباً
بالتوازن الطبيعي وعلاقة ما بين الأقاليم.

فهل في العقلاء من
يجهل أن هذه الافتراضات كلها، على تقدير صحتها، ليست أكثر من
خدّام صغار على مسرح الطبيعة، ينفذون الأوامر الصادرة إليهم من
الله؟.. كيف لايغيب عن ذهن العاقل أن محرك السيارة ليس هو الذي
يسيرها، وأن المقود الذي فيها ليس هو الذي يوجهها، وإنما الذي
يسيرها ثم يوجهها، هو السائق الذي يتحكم بها، وليست الأجهزة
التي بين يديه والتي تحت قدميه، إلاّ أدوات تشتغل لحسابه
وتتحرك تحت سلطانه؟ حتى إذا وقف أمام المحركات والأجهزة
الشكلية التي تبدو وكأنها هي التي تسيّر هذا الكون حبس بصره
وبصيرته عندها وغاب عنه مسيّرها الحقيقي الأوحد، وهو الله عز
وجل!..

يا للعجب!.. أليس الكون كله، مهما عظم، كهذه السيارة
مهما صغرت؟ أليست حركة هذا الكون ووظائفه وتسياره عائدة إلى
الإله الذي خلقه ثم نظمه ثم ساسه ودبره، كما أن حركة السيارة
ووظائفها عائدة إلى ذلك الجاثم فيها المتحكم بأجهزتها ومقودها،
ولله تبارك وتعالى المثل الأعلى؟!..

على أن المراد بضرورة
نسيان الوسائط والأسباب الشكلية، ليس الإهمال السلوكي أو
الإعراض عن الالتزامات الأخلاقية والأدبية تجاهها، وإنما
المراد، أو المطلوب، أن يستقر في يقينك الاعتقادي أنها مجرد
وسائط شكلية، لا أثر لها ولا فاعلية فيها.

أما التعامل معها
فمطلوب، لأنها مظهر للنظام الذي أقامه الله وارتضاه، والخضوع
لهذا الذي أقامه الله وارتضاه، جزء لا يتجزأ من الخضوع لسلطان
الله وأمره، وقد سبق بيان ذلك في شرح بعض الحكم
السابقة.

ونعود في بيان المزيد من هذا الأمر إلى مثل ساعي
البريد، فإنك على الرغم من معرفتك لهويته، ومعرفتك بالجهة التي
أرسلت إليك الجائزة المالية، تتجه إلى ساعي البريد بلسان شاكر،
وربما أكرمته بشيء من المال.. إنه بعض ما يقتضيه أدب التعامل
وذوق التواصل الأخلاقي. والإسلام كان ولايزال سبّاقاً إلى
رعاية هذه القيم ألم يقل رسول الله : ((من لم يشكر الناس لم
يشكر الله))(1).

فإذا تبين لك الآن أنه ما من حاجة تنزل بك أو
مشكلة أو مصيبة تحوم (والعياذ بالله) حولك، إلاّ وهي وافدة
إليك من الله عز وجل، فإلى من تعود للعمل على قضاء هذه الحاجة،
أو حلّ المشكلة أو صرف المصيبة؟

يقول لك العقل، أياً كان صاحب
الرأس الذي هو فيه، يجب أن تعود، في ذلك، إلى الله. إذ منه
وفدت إليك الحاجة أو المشكلة، ومن ثم فهو الذي يملك أن يرفعها
عنك.

ومعنى العود في ذلك إلى الله، أن لاتعلق آمالك إلا به،
وأن تعلم مستيقناً أن الوسائط مهما تكاثرت أو تسلسلت، فليس
فيها أي فاعلية أو تأثير مع الله عز وجل، وذلك طبقاً لما تم
بيانه وتأكيده.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:05 pm

لا ترفعنّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك. فكيف يرفع غيره
ما كان هو له واضعاً؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه
فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً؟

- أقبل إلى عالم الوسائط والأسباب، وتعامل معها، على أن
لاتنسى خالقها ومسببها

فإذا علمت ذلك، وذابت من أمام ناظريك حجب الأسباب والوسائط،
وظهرت أمامك جلية واضحة فاعلية الله عز وجل، وتجلى حكمه
وسلطانه لك في كل سكنة وحركة، فأقبل عندئذ إلى عالم الأسباب
وعاملها طبق ما أقامها الله فيه من مظهر السببية الجعلية،
والوساطة الشكلية.. وأشعر نفسك أنك إنما تلبي في ذلك وظيفة
كلفك الله بها، وأدباً أقامك الله فيه، على أن لاتنسى للحظة
واحدة أن قيام الكون كله إنما هو على قراري خلق الله وأمره
فبقرار من خلق الله وجد، وبقرار من الأمر الرباني الصادر إليه
ينشط ويتحرك، وصدق الله القائل: { مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً
طَيِّبَةً } { النحل: 16/97 } .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:05 pm

لا ترفعنّ إلى غيره حاجة هو موردها عليك. فكيف يرفع غيره
ما كان هو له واضعاً؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه
فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعاً؟

- اِجعل من هدي رسول الله في قصة هجرته قدوة ودليلاً لك..
مثال من تجاربي الشخصية في حياتي الخاصة، وهو أمر عجيب
وعبرة لكل معتبر

واجعل من هدي رسول الله  في قصة هجرته قدوة لك، في كلا طرفي
السلوك والاعتقاد. تأمل في الوسائط والأسباب الشكلية المادية
التي استحضرها وسخرها لنجاح هجرته، في باب اللياقة والأدب مع
الله، ثم تأمل في نسيانه لهذه الأسباب ووقوفه بيقينه الجازم
أمام حكم الله وتدبيره، عندما قال لأبي بكر وهما مختفيان في
غار ثور وقد أحدق المشركون بفم الغار: ((يا أبا بكر، ما ظنك
باثنين الله ثالثهما..)) ثم اجعل من هدي رسول الله هذا قدوة لك
في سائر أحوالك وتقلباتك.

واعلم أنك إن تمتعت بهذا اليقين
الذي هو واحد من أهم دعائم توحيد الله عز وجل، فمضيت تطرق باب
الأسباب بيدك، وتطرق باب المسبب القهار الذي لاثاني له بإدراكك
ويقينك، أراك الله عز وجل بين الحين والآخر من مظاهر لطفه بك
وحمايته لك، ما يزيدك توحيداً له وتعلقاً به ونسياناً لحواجز
الوسائط والأسباب.. من هذه المظاهر أنه كثيراً ما يخرق لك
العوائد، ويطوي عنك مقتضيات الأسباب، ويسخر لك ما لاتتوقعه من
البديل عنها. تنفيذاً لحاجتك التي طرقت بها باب مولاك وخالقك،
لا تتأملها إلاّ منه، ولا تمضي بها إلى إليه.

دعني أضعك أمام
مثال يعود إلى خصوصيات حياتي وتعاملي مع الله عز وجل، ليزيدك
يقيناً بهذا الذي أقول، إن كنت من أهل هذا اليقين، وليزيل عن
بصيرتك غبش الأوهام والشكوك، إن كنت ممن لايزالون يتطوحون في
عالم الأوهام ويقبعون في سجون الصور والأشكال.

عدت إلى كلية
الشريعة من جامعة دمشق حاملاً شهادة الدكتوراه التي أوفدت
للحصول عليها، على نفقة الجامعة، عام 1965م، وعينت في ذلك
العام مدرّساً فيها.

كنت أحمل ثانوية شرعية قبل أن تصبح
معادلة، دون أن تتبين الجامعة ذلك، ودون أن يخطر في بالي أي
مشكلة قد تنشأ عنها. وبعد خمس سنوات من تعييني علمت إدارة
الجامعة بطريقة ما أن الثانوية التي بنيت شهادتي الجامعية
عليها، ومن ثم بني إيفادي عليها للحصول على الدكتوراه غير
معادلة.. كان المصير الذي لامحيد عنه هو إلغاء تعييني مع
تحميلي سائر التكاليف التي أنفقتها الجامعة على إيفادي.. وكانت
الفرصة الزمنية التي أعطيت لي لتدبير أمري المدة الباقية إلى
نهاية ذلك العام الدراسي.

عدت إلى نفسي وتأملت في العامل
الذي نقلني من عملي أستاذاً في وزارة التربية إلى معيد فمدرس
في جامعة دمشق، فتذكرت أنني لم أتكلف لذلك شيئاً، ولم أوسّط
لذلك أحداً، ولم يكن الأمر حلماً يراودني أو يؤرقني، وإنما هو
الله عز وجل ألهم القائمين على كلية الشريعة آنذاك أن
يستقدموني إليها معيداً طبق النظم المرعية.

قلت في نفسي: فإذا
كان في قضاء الله الذي شاء أن أعمل في كلية الشريعة هذه
السنوات التي خلت، أن أعود إلى ما كنت عليه من عملي في
الثانويات العامة، فمرحباً بقضاء الله وحكمه، ولاشك أن له في
ذلك حكمة باهرة وإن خفيت عن العقول.

وفي تلك الأيام أخبرني
والدي رحمه الله ذات صباح أنه رآني في الرؤيا، أقبلت إليه
قائلاً: لقد سُرِّحت من الجامعة.. ثم غبت عنه، قال رحمه الله:
فما هو إلا أن رأيت أمامي الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله
روحه، في بزة عسكرية يمتطي صهوة جواد، يلوح على وجهه الغضب
قائلاً: لن أتركه!..

تلقيت هذا النبأ الغريب من والدي، من
خلال رؤياه، دون أن أحرك ساكناً أو أن أنهض إلى أي وسيلة أو
سبب، إذ كانت الأبواب كلها موصدة والأسباب غائبة، ولكني تركت
الأمر موضوعاً بين يدي الله عز وجل مسبب الأسباب.

وبعد أيام…
جاء من يخبرني أن إعلاناً قد علّق عند مدخل وزارة التربية،
يتضمن قراراً وزارياً بعقد امتحان خاص للحصول على ما يعادل
شهادة الثانوية العامة، بوسع كل من يحمل ثانوية غير معادلة أن
يتقدم للاشتراك في هذا الامتحان.

قرار فريد من نوعه، يولد
لأول مرة في تاريخ وزارة التربية، على حدّ علمي!.. أقبلت
فقدّمت هذا الامتحان الخاص في ميقاته، ورأيت من حولي ثلة قليلة
قد اشتركوا معي فيه.. دون أن أرى أمامي إلا المدبّر الأوحد
الذي يسخر كل ما يشاء لما يريد.. كنت أذهب وأجيء.. أقدم
الأوراق.. أتابع المعاملة.. أجلس في قاعة الامتحان.. أكتب
الإجابات، وأنا غائب بذهني وفكري عن هذه الأحوال والتقلبات
كلها، وكيف لا أغيب عنها وقد أبصرت يد الله عز وجل كيف تسخر
خلقه لتنفيذ حكمه وقضاء أمره.

وكان في قضاء الله أن أنجح في
الحصول على شهادة الثانوية العامة المعادلة، وأنا دكتور في
الجامعة مهدد بالطرد منها!.. ثم كان في قضاء الله أن تكون
المعلومة التي وصلت إلى إدارة الجامعة سبباً في ترسيخ تعييني
وإزالة الإشكال القائم في مستنده وأساسه.

فما الذي تبصره
عيناك من هذا الحدث الذي سمعت، الصورة الشكلية التي سخرها
الله، أم القرار الغيبي الذي قضاه الله؟..

أما إنه لايتيه عن
الجواب إلا من كان منكراً لوجود الله وقيوميته على هذا الكون،
أو ممن يداخله الريب في ذلك. والله هو المسؤول والمستعان أن
يكشف عن بصائرنا جميعاً غشاوة الجهالة والريب، وأن يرينا من
باهر خلقه وتدبيره، ما يحررنا من سجون الصور والأسباب.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:06 pm

الحكمة الأربعون



إن لم تحسن ظنك به لأجل جميل وصفه، حسّن ظنّك به لوجود
معاملته معك. فهل عوّدك إلاّ حَسَنا وهل أسدى إليك إلاّ
مننا؟

- المؤمنون بالله في تعاملهم معه فريقان.. فريق يحسن الظن
بالله غيباً، وفريق توقف ذلك منه على التعامل معه

المؤمنون بالله عز وجل، في تعاملهم معه فريقان، فريق عرف الله
إذ آمن بوجوده، ثم أيقن تبعاً لذلك بجميل صفاته، فعلم أن
ألوهية الله عز وجل تستلزم اتصافه بسائر صفات الكمال، وسمّوه
عن سائر صفات النقصان. ثم وافق النقلُ الذي وضَعَه أمام أسماء
الله الحسنى وصفاته الأسنى، العقلَ الذي بصّره بكل ما ينبغي أن
يتصف به من صفات الكمال، فعلم أن الله رحمن رحيم، وأنه لطيف
ودود، وأنه حكيم عليم، سميع مجيب، كريم رزاق محسن غفور، وهاب
شكور.. إلى آخر ما تعلم من صفات الكمال في ذاته العلية عز وجل،
وازداد يقيناً بذلك كله.

وفريق آخر لم تستقر في يقينه هذه
الصفات حتى رأى آثارها ومصداقها في حياته، فرأى دلائل لطف الله
به ورحمته له، ورأى واسع كرمه وعظيم صفحه، رأى كل ذلك في
معاملة الله له.

أما الفريق الأول، ويمثل أفراده الصفوة
الممتازة من عباد الله الصالحين، فالشأن فيهم أن يحسنوا الظن
بالله عز وجل، غيباً، دون حاجة إلى بينة من المعاملة، أو إلى
برهان من الوقائع والأحداث. ثم إن المعاملة الربانية لهم
تزيدهم يقيناً، وتزيدهم طمأنينة وتأثراً وشكراً.

وأما الفريق
الثاني، فالشأن في أفراده أنهم يحفظون أسماء الله الحسنى
ويكررونها ربما، ويدركون ما تدلّ عليه هذه الأسماء من جميل
الصفات ومعاني الكمال. ولكنها لاتستطيع أن تستقل وحدها (أي
بمجرد الإيمان الغيبي بها والإدراك العقلي لها) بالتأثير على
نفوسهم، بأن تتجه نفوسهم إلى الله بالحب له، وحسن الظن به،
وصدق التوكل عليه والتفويض إليه، اعتماداً على مجرد ذلك إلا
الإدراك الغيبي. بل لابدّ لتحقق ذلك من أن يتجلّى مصداق تلك
الصفات في معاملة الله لهم وفي الوقائع والأحداث التي تتوالى
وتترى من حولهم.

فابن عطاء الله يخاطب المؤمن بالله، أياً
كان، قائلاً: إن عجزت أن تكون من الفريق الأول، فلم تر ما
يحملك على حسن الظن بالله، لما تعلم من جميل صفاته، فيما حفظته
ووعيته من أسمائه الحسنى، فإن بوسعك أن تجد ما يحملك على حسن
الظن به من واقع معاملته لك، فهل عوّدك إلا على الإحسان، وهل
وصلتك منه إلا جلائل النعم، وهل عاملك إلا بمنتهى الرحمة
والحنان؟…

تلك هي خلاصة ما تنطق به هذه الحكمة.

ولكن
فلنتجاوز هذا الملخّص إلى شيء من التفصيل الذي يجيب على ما قد
يخطر في البال من بعض التساؤلات، أو يحّل ما قد يعرض للذهن من
بعض المشكلات:

إننا لانطمع أن نكون من تلك الصفوة التي استغنت
بما عرفته من صفات الله تعالى، طمأنينةً ويقيناً غيبيّاً، عن
الحاجة إلى برهان المعاملة والتطبيق. ولقد عامل الله عباده في
كتابه المبين الذي خاطبهم به، بوصفهم من الفريق الثاني، ضعفاء،
يحتاجون لدعم يقينهم الغيبي بالله عز وجل، إلى ما يؤيده من
الواقع المشاهد والمعاملة الجارية. فهو لايذكرهم فقط بأسماءه
الحسنى وصفاته الأسنى، بل يضعهم أمام براهين إنعامه ومننه
ومظاهر لطفه بهم ورحمته لهم.. ألا ترى إلى ما تقرؤه في سورة
النحل مثلاً من الحديث عن سلسلة النعم التي يغمر الله بها
عباده، إلى جانب الحديث عن بالغ حكمته في الخلق والإبداع، وما
سخر لهم من مكنونات الأرض الخفية، ومستولداتها ومعطياتها
الظاهرة، وما استخدمه لمعاشهم من أنظمة النجوم والأفلاك، وما
أداره لأرزاقهم من الرياح والسحب والأمطار والنبات؟!

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:07 pm

إن لم تحسن ظنك به لأجل جميل وصفه، حسّن ظنّك به لوجود
معاملته معك. فهل عوّدك إلاّ حَسَنا وهل أسدى إليك إلاّ
مننا؟

- إن بيان الله كأنه في التذكير بنعمه يقول: أنا لا
أكلفكم بأن تستيقنوا ألطافي بكم غيباً، وإنما أطلب منكم
أن تستيقنوا ذلك من خلال واقع معاملتي معكم وألطافي
بكم... عرض نماذج من منن الله وألطافه

فكأن الله عز وجل يقول لعباده: أنا لا أكلفكم بأن تستيقنوا من
معاملتي لكم ما تدلّ عليه صفاتي التي تجدونها وتقرؤونها، دون
مصداق من الواقع، ولكني أريد منكم أن تعلموا ذلك كله، وأن
تستيقنوه من خلال واقع ما أعاملكم به، ومن خلال ما يصل مني
إليكم من مظاهر الحماية والرعاية والرحمة والألطاف، في دنياكم
هذه التي تتقلبون فيها.

وأنت عندما تستجيب لهذا الذي يلفت
البيان الإلهي نظرك إليه من لطف المعاملة ودقة الرعاية ودوام
الحماية واستخدامه كل ما حولك من المكونات لما فيه صلاح عيشك،
فتنظر إلى هذا الذي أحاطك الله به، من ذلك كله، تجد شيئاً
عجباً لايكاد ينتهي الحديث عنه.

ينشّئك الله منذ يوم ولادتك،
داخل حماية عجيبة مما يسميه الأطباء ((المناعة)) ضد كل الأخطار
والجراثيم والأوبئة المحدقة، يملأ قلب أمك رحمة بك وحنّواً
عليك، فترعاك وتسهر عليك بهذه الرحمة، وتفديك بنفسها، إن اقتضى
الأمر، بهذه الرحمة، وإنما هي رحمة الله لك أو دعها في صدر
أمك.

يستحضر الله لك (إن جاز التعبير) الغذاء الذي يناسب جسمك
ويلبي حاجتك، ويلذّ في فمك، من سماء يأمرها أن تمطر، وأرض
يأمرها أن تنبت، وأنعام يسخر لك لحومها وألبانها، ويخضع القويّ
منها لتنقلاتك وحاجاتك.

ولكي لاتغرق في بحر متلاطم من الزمن
الذي لاشطآن له، سخر لك من حركة الكواكب والأفلاك ما قسم لك
هذا الزمن المتشابه المتلاطم إلى سنوات، ثم قسم السنة إلى
أشهر، ثم الأشهر إلى ليال وأيام، { قالَ لا تَخافا إِنَّنِي
مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرَى } { طه: 20/46 } يا أيها الإنسان
المدلل على الله..

ثم أطال لك ليل الشتاء على حساب نهاره،
وأطال لك نهار الصيف على حساب ليله، ليكون كل من الشتاء والصيف
أصدق خادم لك ولمصالحك بأمر من إلهك الفاطر الحكيم جل جلاله.


متّعك من الأرض بقرار يجذبك إليها بحنين وودّ، دون التصاق
يعوق حركتك عليها، ولا ارتداد يحرمك من ساعات سكونك فيها، ثم
ثبتها تحت قدميك، بانياً، زارعاً، حافراً، منقباً، بأوتاد من
الجبال الراسية والمَرْسِية، ثم فجرّ لك ينابيعها وأجرى لك
أنهارها، لتحيلها كما تحب إلى جنان وارفة الظلال. وصدق الله
القائل: { لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ } { محمد: 47/19 } (1)؟.
أجل.. إنه يخاطبك أنت يا أيها الإنسان المدلل على الله. بذلك
كله، مذكراً متحبباً.

هل أتابع الحديث عن نعم الله من حولك
وفي داخل بدنك؟..

هل أخوض بك غمار حديث لا نهاية له عن
المسخَّرات الكونية التي أدارها الله منذ فجر وجودك على
خدمتك؟

إنها كلمات الفضل والمنن الإلهية التي غمر الله بها
عباده.. غمر بها هذا الإنسان المكرَّم والمصنوع على عينه..
وهيهات للدفاتر والكتب أن تحصي مضمون هذه الكلمات وصدق الله
القائل: { رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا
أَوْ أَنْ يَطْغَى } { طه: 20/45 } .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:08 pm

إن لم تحسن ظنك به لأجل جميل وصفه، حسّن ظنّك به لوجود
معاملته معك. فهل عوّدك إلاّ حَسَنا وهل أسدى إليك إلاّ
مننا؟

- ما النتيجة التي ينتهي إليها الإنسان من إدراك هذه
الحقيقة؟.. إنها دوام حسن الظن بالله

والآن.. ما هي النتيجة التي ينتهي إليها الإنسان، إذ يتأمل في
هذا كله، ويرى سابغ نعم الله عليه، وعظيم رعايته له، وكيفية
دوران المكونات والأفلاك التي حوله، كلها، على خدمته وتحقيق
مصالحه؟

النتيجة التي لامناص منها، أن يدرك جازماً أن الله
لايعامله إذن إلا بما هو خير له، ولايوصيه آمراً أو ناهياً إلا
بما فيه مصلحته وسعادته.

ومن ثم لابدّ أن يحسن الظن به في كل
تقلباته وأحواله معه عز وجل. سواء علم وجه المصلحة والخير في
ذلك أو لم يعلم. لأن الله عز وجل لم يعوّده إلا الإحسان ولم
يصل منه إليه إلا المنائح والمنن، فمن أين ولماذا يصدر سوء
الظن به بعد ذلك؟

وإليك هذا المثال المقرب، والمخجل: إن الطفل
إذ يرى كيف يتلقى من أبويه الرعاية والمحبة والحنان، ويتلقى
دائماً منهما ما يسرّه ويبهجه ويحميه من أنواع الأذية
والأضرار، يستقر في روعه وفي عقله الغض أنهما لايريدان به إلا
خيراً، فمهما نصحاه أو حذراه، يعلم بمقتضى هذا اليقين الذي
استقر في روعه، أنهما لا يأمرانه إلا بما فيه خير له
ولايحذرانه إلا عما فيه شرٌّ له، عرف وجه الخير والشر في ذلك
أم لم يعرف، وحتى عندما يتبرم بأوامرهما ويحجم عن طاعتهما أو
طاعة أحدهما، يعلم أنهما لايلاحقانه بهذا الأمر إلا حباً وغيرة
عليه.

أليس هذا المثل صورة مصغرة عن نصائح ووصايا الرب عز وجل
لعباده؟ أي أفليس مما يقتضيه المنطق البيّن أن يتمتع الإنسان
الرشيد الكبير تجاه مولاه وخالقه بمثل الثقة التي يتمتع بها
الطفل الصغير تجاه أبويه؟..

إذن أليس مخجلاً حقاً، أن نكون مع
فرق ما بيننا وبين الأطفال الصغار في قصور الدراية والعقل
عندهم، وكمال كل منهما عندنا، أن نكون غير مدركين من عظيم لطف
الله ورحمته بنا، ما يدركه أولئك الأطفال من ذلك في آبائهم
وأمهاتهم؟..

دعني أشرح لك هذا المعنى الذي يوقفنا عنده ابن
عطاء الله بمزيد من التفصيل، فلعل ذلك يزيد الأمر وضوحاً، ومن
ثم يزيدنا خجلاً من الله عز وجل.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:09 pm

إن لم تحسن ظنك به لأجل جميل وصفه، حسّن ظنّك به لوجود
معاملته معك. فهل عوّدك إلاّ حَسَنا وهل أسدى إليك إلاّ
مننا؟

- إن الله يسوس عباده بلونين من الأوامر: الأوامر
التكوينية، والأوامر التشريعية

بلونين من التوجيهات والأوامر. أحدهما ما يسمى بالأوامر
التكوينية، والثاني ما يسمى بالأوامر التشريعية. وهما المرادان
بقوله عز وجل: { أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ
اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ } { الأعراف: 7/54 } .

فأماّ
الأوامر التكوينية، فتتمثل فيما وجهه الله من الأمر المتمثل
بقوله عز وجل ((كن)) إلى المكوّنات كلها بأن توجد من عدم، ثم
بأن يوزع عليها وظائفها ومهامّها، ويُجبِرَها بأمره التكويني
هذا على النهوض بها على أحسن وجه. وقد عبّر عن ذلك البيان
الإلهي بقوله: { إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ } {
القمر: 54/49 } وبقوله عز وجل على لسان موسى يخاطب فرعون:
{ قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرَى } { طه:
20/46 } ، وبقوله سبحانه، وهو يتحدث عن الأشياء كلها {
وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ } { الأنبياء:
21/107 } فبهذا الأمر التكويني الصادر من الله عز وجل
لمخلوقاته، يتحرك كل شيء منها، صغر أو كبر، طبق المهمة التي
كلف بها.. ينطبق هذا الذي أقوله لك على أصغر الجزيئات التي
لاتُرى إلا بالمجهر، وعلى أكبر الأجرام المتمثلة في المجرات
والأفلاك ونحوها، كما ينطبق على الوظائف العضوية الداخلية
والخارجية التي يفيض بها جسم الإنسان، وعلى الغرائز المثبته في
طبائع الأحياء على اختلافها.

وأما الأوامر التشريعية فهي
مجموعة الوصايا التي خاطب الله بها عقل الإنسان آمراً...
ناهياً.. معلّما.. ثم وكلها إلى جهده وقدرته التنفيذية لها،
بعد أن جهزه، إلى جانب الإدراك، بالاختيار والقدرة على اتخاذ
القرار. وأكد له في بيانه الذي خاطبه به أنها ليست إلا الضمانة
التي لابدّ منها لخيره وسعادته في عاجل أمره وآجله، فقال له:
{ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُوكَ
فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّاباً رَحِيماً } { النساء: 4/64 }
وقال له مؤكداً هذا المعنى: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ
شَيْءٌ } { آل عمران: 3/128 } .

وقد كان من اليسير أن
يجعلها الله عز وجل هي الأخرى جزءاً من أوامره التكوينية فيغرس
أحكامه ووصاياه التشريعية هذه طبعاً في نفوس عباده، فتصبح
غريزة ينقادون لها بالطبع والجبلّة دون اختيار، فيكونون في ذلك
كسائر الحيوانات الأخرى. ولكنه عز وجل سما بالإنسان عن هذا
المستوى الذي قضى به للحيوانات العجماوات، وارتقى به صعداً إلى
المرتبة التي أهّله فيها لمخاطبته ونجواه، فخاطب بهذه الشرائع
والتكاليف عقله، وحاوره في بيان فائدتها وأهميتها، وبيّن له
نتائج تنفيذها، ومغبّة الإعراض عنها. بل زاد فبيّن له مدى
علاقة أوامره التشريعية هذه بنظامه التكويني، موضحاً أن
استفادة الإنسان من النظام الكوني الذي سخره الله للإنسان
متوقف على اتباعه للنظام التشريعي الذي عرّفه به ودلّه
عليه.

وإن البيان الإلهي إذ يلفت أنظارنا إلى أن وصاياه
التشريعية ليست إلا تنبيهاً إلى السبيل الذي لابدّ منه لصيانة
النظام الكوني والمحافظة على جدواه وخدمته الدائبة للإنسان على
الوجه الأمثل، يضعنا من ذلك أمام المثال المكرر المعروف لكلٍ
منا.. إنه مثال الجهاز الذي تتلقاه من المعمل الذي أنتجه من
خلال إبداع تكويني لاعلاقة لك بإيجاده ولا بمقومات إبداعه،
ولكن إدارة المعمل تقرن به إليك كتيباً يتضمن أهمية هذا الجهاز
وطرق استعماله، ثم توصيك بمجموعة تعليمات ينبغي التزامها
لحماية الجهاز من العطب، ولصيانته، ولضمانة قيامه بالمهمة التي
صنع من أجلها على أحسن حال.

إن الجهاز في موضوعنا الذي نتحدث
فيه، هو هذا الكون الذي أبدعه الله بأمره التكويني خادماً لنا
محققا لمصالحنا.

وإن الكتيب الذي يتضمن التعليمات المتعلقة به
(ولله المثل الأعلى) هو هذا التشريع الرباني المنزل في محكم
تبيانه. فمنذا الذي يقبل على الجهاز الذي تلقاه هدية ثمينة من
صانعه دون أن يقبل على كتاب التعليمات المقرون به، ليرعى من
خلال اتباعها جهازه هذا ويحميه من العطب والفساد؟‍

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:11 pm

إن لم تحسن ظنك به لأجل جميل وصفه، حسّن ظنّك به لوجود
معاملته معك. فهل عوّدك إلاّ حَسَنا وهل أسدى إليك إلاّ
مننا؟

- يا عجباً ممن يتقلب في نظام الله التكويني مخدوماً
مدللاً، ثم يسيء الظن بنظامه التشريعي ويتأفف منه

ياللعجب… بل يا للخجل، ممن يتقلب في أرجاء هذا النظام الكوني
مخدوماً مدللاً من قبل كل ما فيه.. بدءاً من وظائفه البدنية
إلى قوانين الأرض التي يمشي عليها والهواء الذي يحيا ويتنفس
به، والأفلاك التي تدور على خدمته، والأنواء التي كلفت بتقديم
رزقه.. ويرى بأم عينيه وبثاقب بصيرته مظهر لطف الله به ومحبته
وتكريمه له في ذلك كله، ثم إنه يسيء الظن بعد ذلك بالنصائح
التي يقدمها له والوصايا التي يأمره بها‍!... فيتأفف، ويجادل،
ويستثقل، ويرى أن الله إنما حمّله من ذلك إصراً لا لزوم له،
وابتلاه من تلك الوصايا بأعباء يسعد العالم الغربي التائه
بالابتعاد عنها والتحرر منها.

يا ابن آدم: كيف تجعل من ألطاف
الله التي أنت غريق في بحارها، شجرة تثمر في يقينك سوء الظن
به؟.. كيف تجهل، وأنت العاقل الرشيد، ما لايفوت الطفل الصغير
علمه؟ حقاً إن الإنسان لظلوم جهول!…

أرأيت إلى الأمانة التي
يتحدث البيان الإلهي عن تشريف الله الإنسان بها، والارتقاء به
إلى مكانتها، دون سائر الأحياء والمخلوقات الأخرى؟.. إنها هذه
الأوامر التشريعية التي حاوره بها، بعد أوامره التكوينية التي
متعه بها.. ولكنه - إلا من رحم ربك - ظلم نفسه وجهل قيمة
المرتبة السامية التي اختصه الله بها، فأساء الظن بربه من حيث
رضي الله له ما به سعادته وخيره!

وصدق الله القائل: {
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ
} { الروم: 30/25 } .

فلا تكونن، أيها الإنسان، جهولاً
بربك، ظلوماً لنفسك، توردها موارد الهلاك من خلال شرودك عن
وصاياه، وإعراضك عن أحكامه وأوامره. تتأفف من ثقلها آناً،
وترتاب في جدواها آناً آخر، وتملّ من استمرارها وتقادمها آناً
ثالثاً.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:12 pm

إن لم تحسن ظنك به لأجل جميل وصفه، حسّن ظنّك به لوجود
معاملته معك. فهل عوّدك إلاّ حَسَنا وهل أسدى إليك إلاّ
مننا؟

- كيف تتصور أن يكون الله حفياً بك في أوامره التكوينية،
ثم ظالماً لك في أحكامه التشريعية؟!

كيف تتصور أن يكون الله عز وجل حفياً بك في أوامره التكوينية
التي تسعى مجتمعة في خدمتك، ثم ظالماً لك في أوامره التشريعية
التي لم يشرعها إلا إتماماً لسعادتك؟!..

وإذا طافت بك هذه
الريبة لسبب ما، أفلا يمحوها ويذيبها هذا التحبب الذي تراه
واضحاً جلياً، في قوله عز وجل لك: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ
السَّماواتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ
أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ } { فاطر: 35/41 }
.

{ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } { يس: 36/41 } !! انظر، كم في هذا
الخطاب الذي يتنزل من علياء الربوبية إليك، من معنى التحبب
والرعاية والإكرام!..

يقول لك مولاك: ياعبدي، لقد أحببت لك
هذه الشرعة، فالزمها.. ثم تسيئ الظن به وتشيح بوجهك عنه،
وتناقشه في الفائدة والجدوى، وتتبرم بقديمه الذي شرفك به،
لتشقي نفسك بجديدك الذي تتقممه من هنا وهناك!!..

آه من لؤم
الإنسان، تجاه مولاه الخالق له، المتفضل عليه، المتحبب إليه،
المتودد إليه بقوله: { وَحَمَلْناهُ عَلَى ذاتِ أَلْواحٍ
وَدُسُرٍ } { القمر: 54/13 } إذ يقابل ذلك كله بالجحود أو
الريب، أو التبرم وسوء الظن.

أما أنت أيها القارئ، فتعال ندخل
معاً إلى رحاب مولانا الواحد الجليل، تائبين آيبين، مستعينين
به أن يملأ قلوبنا حباً له وثقة بشرعته وحكمه، واستقامة على
نظامه وهديه. إنه نعم المولى ونعم النصير.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:13 pm

الحكمة الحادية والأربعون



العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما
لا بقاء له معه {فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ
وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحج: 22/46]

- ما الشيء الذي لا انفكاك لك عنه؟ إنه الله عز وجل. بيان
ذلك

ما الشيء الذي لا انفكاك للإنسان عنه، منذ فجر وجوده، إلى
قراره الأخير إن في جنان الخلد، أو في العذاب المقيم؟

إنه
الله سبحانه وتعالى، لا انفكاك للإنسان عنه، أياً كان، ملحداً
أو مؤمناً أو فاسقاً، وأينما كان في أرض الله الواسعة، مشرقاً
أو مغرّبا. وفي أي الأحوال والظروف تقلب وتنقل.. سواء في ذلك
حياته التي يعيشها فوق الأرض، وموته الذي ينقله إلى باطنها ،
وحياته الثانية إذ يحشر ليوم الحساب.

لا انفكاك لك عن الله في
حياتك التي تعيشها اليوم، إذ هو معك أينما كنت، أياً كانت
القارّة التي تعيش فيها، وأياً كانت الساعة التي تمرّ بك، وصدق
الله القائل: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ } {
الحديد: 57/4 } .

ومعنى هذه المعيّة أن الله معك بعلمه، معك
برعايته، ومعك بتدبيره، ومعك بالمعنى المطلق للمعية، دون أن
تفهم منها قيود التحيز في مكان، أو الانتقال من جهة إلى أخرى..
إنها معية بكل ما تحمله هذه الكلمة من المعاني، ولكن دون أي
تكييف يستلزم التشبيه ويتنافى مع قول الله تعالى: { لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } { الشورى: 42/11 } .

أما الشيء الذي لابقاء له مع الإنسان، فهو كل ما عدا
الله، بيان ذلك مفصلاً

أما الشيء الذي لا بقاء له مع الإنسان، فهو كل ما عدا الله عز
وجل. كل ما يركن إليه الإنسان مما عدا الله عز وجل، فمآله إلى
الانفكاك عنه. إما أن يهلك الإنسان فيتركه، أو أن يهلك الشيء
الذي كان يركن إليه، ويبقى الإنسان بعيداً، بل غائباً
عنه.

يركن الإنسان إلى الدار التي بناها، وإلى الأثاث الذي
زيّنها به، يركن إلى الزوجة والأولاد، يتعلق بالمال الذي جمعه
وادخره، بالمركز الذي تبوأه، والشهرة التي نسجت له.

يتعلق
بعالم الأسباب وظواهرها، منصرفاً عن المسبب الذي يحركها. يرى
المطر الهاطل من السماء، فيناجي السماء ويشكرها، ويمضي يحدث
الناس عن رحمة السماء؛ يبعث بصره في الأرض المخضرة والينابيع
الثرة فيناجي في ذلك الطبيعة ويشكرها، ويمضي يحدث أصحابه عن
فنون الطبيعة وإبداعاتها..

يستطيل بقاءه في الدنيا بغير طائل،
يجمع إلى الثروة الطائلة مثلها، ويرهق ذهنه ويتعب نفسه بحثاً
عن المزيد.. يبني مع الآخرين صداقات وعلاقات يضحي معها وفي
سبيلها بالمبادئ وربما الأخلاق والأوامر الإلهية، يستطيل أمدها
ويغيب عن نهاياتها، ركوناً منه إلى شهوات لايريد أن يفارقها،
ومتع لايتخيل نهايتها.

ولكن هل تتجاوب أشياء الطبيعة (على حدّ
تعبيرهم) مع هذه الأمانيّ في استبقائها له، وفي أن يبقى هو
لها؟

لقد أنطق الله (الطبيعة)، وبالتعبير الأدق: أشياء الكون
كلها، بالجواب العلمي الواقعي عن هذا السؤال، عندما أقامها على
سنة كونية لاتتبدل. إذ قضي بأن تكون مدارج الوجود لكل شيء
مؤلفة من بداءة ضعف، ثم من تنقّلٍ في درجات القوة، إلى أن تصل
منها إلى الأوج، ثم من تدرج في العود إلى الضعف فالذبول
فالانمحاق.

كل شيء في الكون مطبوع بهذا القانون، بدءاً من
الإنسان إلى النباتات والزهور والورود والرياحين، إلى الكواكب
والأفلاك، إلى الأرض التي نعيش فوقها.. لقد وضعك الله من هذا
القانون الكوني العام أمام مثاله المصغر الذي يتجلى في الشجرة
وقصة وجودها، تبدأ نواة فشتلاً أو نبتاً صغيراً، ثم يتدرج
الشتل في مراحل النمو والقوة. ثم يقف هذا التدرج عند حدّ، ثم
ما هو إلا أن تعود متدرجة إلى الضعف فالذبول فالموت، وتعيد لك
الحكمة الإلهية هذه القصة بل الحقيقة في الزهرة أو الوردة التي
تراها وفي الفصول الزمنية السنوية التي تولد ثم تتنامى ثم تذوي
وتغيب، وفي الشمس التي تشرق ضعيفة في مظهرها وفي أشعتها، ثم
تتجه إلى القوة والحرارة وإلى مزيد من الضياء والتألق، ثم إنها
تعود فتتراجع إلى الضعف، وإلى مثل اصفرارها وذبولها ساعة
الشروق.. وتريك الحكمة الربانية القانون ذاته في صورة القمر إذ
يولد قوساً دقيقاً لايكاد يُرى، ثم تمتد فيه القوة ويتجه إلى
النمو والتكامل، حتى يصل إلى أوج ذلك بدراً يتألق في جوّ
السماء، ثم إن السنة الإلهية تعود به شيئاً فشيئاً إلى مثل
الحالة التي بدأ منها، وصدق الله القائل: { وَالْقَمَرَ
قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ }
{ يس: 36/39 } أي كأصل العذق من النخل، إذ ينقطع العذق منه
فيتقوس ويدّق.

فماذا يقول هذا الواقع المتشابه الذي تنطق به
أشياء الكون كلها؟ أنه يقصّ عليك قصة النهاية التي سيختفى في
مغربها كل هذه المكونات التي تتألق في عينيك ويأخذ الكثير منها
بمجامع نفسك، كي لاتغتر بها فتتعلق بها وتركن إليها، تنشد
سعادتك وراء اللحاق بها.

وانظر كم يجسد لك البيان الإلهي هذه
الحقيقة، ويحذرك من خديعة العين، وغياب البصيرة، عندما يشبه
حياتك الدنيوية كلها بالنبات الذي يتفجر غضاً، ثم يخضر زاهياً،
ثم يعود ذاوياً، ثم يصبح هشيماً.. تأمل في قوله لك:

{
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ
أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْضِ
فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً } { الكهف: 18/45 } .

وانظر في
هذا البلاغ الذي يتجه به الله إليك قائلاً: { اعْلَمُوا
أَنَّما الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ
وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوالِ وَالأَوْلادِ
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ
فَتَراهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الآخِرَةِ
عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَما
الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ } { الحديد:
57/20 } .

فهذا الذي يجمل مرآه - من أشياء الكون - في العين
ابتداء، ثم يذوي ويتراجع نحو الضعف فالأفول، ينطبق على سائر
متع الدنيا ومبتغياتها، وينطبق على مايراه الإنسان أسباباً
لرغائب، ووسائط لغايات، ومفاتيح لمبتغيات.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:15 pm

العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما
لا بقاء له معه {فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ
وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحج: 22/46]

- ما الذي يتطلبه منك المنطق أمام هذه الحقيقة التي تم
بيانها؟.. يقول لك المنطق: شدّ صلتك بمن لا انفكاك لك
عنه... إلخ

فما الذي يتطلبه المنطق، وما الذي يقرره ميزان العقل، فيما يجب
على الإنسان أن يفعله، أمام هذه الحقيقة التي تم بيانها، ولم
يبق مجال لأي لبس فيها؟

يقول كل من العقل والمنطق الذي هو
ميزانه: شدّ صلتك ومتّن آصرتك بذاك الذي يملك وجوده الذاتي،
دون حاجة إلى موجد. ودون تسلِّط من معدم، ذاك الذي صدر منه،
بالإرادة والخلق، وجود كل الموجودات، وبإمداده المتجدد استمر
بقاؤها، وبقدره المحتوم خمدت جذوتها، وانتهى أو ينتهي وجودها.
وتعامَلْ مع ما قد تحتاج إليه من هذه الموجودات، على أنها
عواري مردودة، ومنح ربانية مستهلكة.

تكن عندئذ مقبلاً إلى هذه
الموجودات في الظاهر، ومتعلقاً بموجدها في الحقيقة والباطن..
فإذا وافاها ميقات الانقضاء والزوال، فلن تكون كمن كان مستنداً
إلى ركام من ثلج، فلما أشرقت عليه الشمس وذاب من حيث لايشعر،
تهاوى إلى الأرض، بل ستجد نفسك عندئذ مع الموجد الذي لا انقضاء
لوجوده.. يعوضك عن المتعة التي مرّت بك وتلبثت عندك قليلاً ثم
غابت عنك، ويمتعك بما يغنيك عنها... ويخلق لك في مكان السبب
الذي سخره لك ردحاً من الزمن، سبباً آخر يؤدي لك النتيجة
ذاتها.. كيف لا وهو خالق الأسباب والمسببات، وهو الذي خلق
المتع والرغائب، ثم وجه هواك إليها.. لن يضيرك غياب الجنود
وابتعادهم عنك، مادمت قد وثقت الصلة ومتنت العلاقة بقائدهم
الأعلى.

كذلك الحال تماماً، إذا وافاك أنت ميقات الانفصال
فالابتعاد، عن الموجودات التي كنت تتعامل معها وتستفيد منها،
وذلك عندما يدعوك داعي الموت إلى الرحيل من الدنيا، والتوجه
إلى الحياة البرزخية التي تفصل، بتنظيم أقامه الله عز وجل، ما
بين الحياة الدنيا واليوم الآخر.. فإنك لن تأسى ولن تحزن على
فراق شيء منها. إذا كان إقبالك إليها أيام حياتك تعاملا مع
الله، وتمتعك بها استلاماً - مع الثناء والشكر - من يد الله.
فما الذي فاتك، وما الذي غاب عنك في هذه الحال إلاّ الواسطة أو
البريد الذي كان بينك وبين الله. ولاريب أنك ستغدو عندئذ أسعد
حالاً من ذي قبل، إذ ترتفع الوسائط ويغيب حاجز البريد لترى يد
المنعم المتفضل تغدق عليك ألوان المتع والنعيم ذاتها دون سُتُر
من الوسائط والأسباب.

إن الحيّ الذي ظلّ مشدوداً إلى الله في
آماله وآلامه، ويقينه بأنه هو الفعال لا العلل والأسباب، لن
يختلف الأمر عليه قط، عندما يوافيه الأجل، وينقله الموت إلى
عالم البرزخ، إذ كان وهو يتقلب ويتحرك على ظاهر الأرض، مع
الله، وهو إذ يتمدد الآن في قبره من باطن الأرض أيضاً - بل من
باب أولى - مع الله(1).

فإذا انقضى ميقات الحياة البرزخية،
وحان ميقات قيام الساعة وعودة الأرواح إلى أجسادها، وقام الناس
كلهم لرب العالمين، سيظل الأنس بالله مصاحباً له، بل لابدّ أن
يزداد شعوراً وسعادة به. فقد كان هذا الإنسان متعلقاً بالله
مستأنساً به، يوم كانت صور الملهيات والمنسيات العارضة تتراقص
من حوله، ثم أصبح أكثر أنساً به وتوجهاً إليه يوم فارقته
وابتعدت عنه تلك السحب كلها متجهاً إلى حياته البرزخية بعد
الموت. وهاهو اليوم، وقد حشر مع الناس كلهم إلى الله في ميقات
اليوم المعلوم، قد أصبح أقرب إلى الله وأكثر أنساً به وأشد
توجهاً إليه وتعلقاً به.

إذن، من الذي صاحب هذا الإنسان في
رحلته كلها ذات المراحل أو الفصول الثلاثة المترابطة؟ لم
يصاحبه خلال ذلك كله إلا الله عز وجل، وكل ما عداه من متع
ورغائب وأموال ومساكن وأقارب وأحباب تخلوا وغابوا عنه، كلٌ في
حينه وميقاته الذي قضاه الله عز وجل.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:17 pm

العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما
لا بقاء له معه {فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ
وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحج: 22/46]

- إذا تبين هذا فلابد أن نعجب مع ابن عطاء الله ممن يهرب
من إلهه الذي انفكاك له عنه، ويتعلق بما لابقاء له معه

إذا تبين لك أن هذا ما يقوله العقل، ويقرره المنطق الذي هو
ميزانه، فلامناص من أن نعجب مع ابن عطاء الله من ذاك الذي يهرب
من إلهه الذي لا انفكاك له عنه، متعلقاً بما لابقاء له
معه.

وإنما يكون الهروب من الله بإنكاره وجحوده، أو بنسيانه
والإعراض عنه، والتعامل مع مسخَّراته وجنوده فقط، أو بالتعلق
بالنعم والسكر بها والذهول عن المنعم. ومصدر العجب في هذا، أنه
يرى بمقتضى بصيرته وعقله أن كل هذه المظاهر التي يتعامل معها
ويتعلق بها ويعلق مصيره بها، صور زائلة لا استقرار لها، ويرى
بملء قدراته الفكرية أنها مطبوعة بطابع الزوال، كما أوضحنا
وفصلنا. ومع ذلك فهو يغيب بفكره وإدراكه عن موجدها والإله
المتصرف بها والمسخر لها، ويواصل رحلته في فجاج هذا الدنيا
متشبثاً بها، ويسلم مصيره إليها شأن من يأمل منها الاستقرار
والخلود.

ثم إن الذي يزيد الأمر عجباً، أنه يرى كل يوم ظاهرة
انقطاع هذه المتع وغيابها عن الناس المتعلقين بها واللاهثين
وراءها، أو ظاهرة انقطاع الناس وابتعادهم عنها، إذ يتخطفهم
الموت، ويمضي بهم مجردين عرايا عن كل شيء.. قد تخلى عنهم، بل
تخلوا هم عن كل شيء، اللهم إلا مولاهم الذي لاانفكاك لهم عنه،
مهما تقلبت بهم الرحلة ومهما طالت بهم الحياة، ويعلمون أن
المصير ذاته ينتظرهم، وأنهم يقفون من ميعادهم مع الموت في
((الطابور)) ومع ذلك فهم يظلون متشبثين بما لابدّ من مفارقتهم
له، ويفرون من مولاهم الذي لاانفكاك لهم عنه!..

ويزداد الأمر
عجباً، إذ يسمع التحذير تلو التحذير، ويأتيه النذير بعد
النذير، فيظل معرضاً عن هذا وذاك، ويبقى مستمراً في الاستناد
إلى ركام الثلج وهو ماض في الانحلال والذوبان، غير مبال بأنه
سيهوي عما قريب في عمق أعماق الوادي الذي لايفصله عنه إلا ذلك
الركام!.. يسمع قول الله عز وجل: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا
أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً
حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ
عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ } {
النور: 24/39 } .

ويسمع قوله عز وجل: { الْمالُ
وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ
الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً }
{ الكهف: 18/46 } .

ويسمع قول الله تعالى: { وَما
أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا
تَعْقِلُونَ } { القصص: 28/60 } .

يسمع هذا كله، فلا يوقظه
من سكره، ويظل يعانق الوهم، ويتقلب مع الوهم، ويجعل منه مستند
استقراره الذي لامحيد عنه. فإذا وافته المنية رأى عندئذ بأمّ
عينيه ما ولّى وأدبر عنه، مما كان يظنه مستند نعيمه وبقائه،
ورأى ما بقي ماثلاً أمامه مما ظل غائباً بل محجوباً عنه بوهمه
القتال!..

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:18 pm

العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما
لا بقاء له معه {فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ
وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحج: 22/46]

- ثم اعلم أن التعلق بالله من دون سائر الأغراض الزائلة،
لايستدعي الإعراض عن التعامل معها والصوم عن التمتع بها..
وإنما المطلوب أن يعلم أنه هو وحده مصدر كل فضل وعطاء

ثم اعلم أن التعلق بالله عز وجل، من دون سائر الأعراض الزائلة،
لايستدعي الإعراض عن التعامل معها والصوم عن التمتع بها، فإن
الكريم الذي بسط للناس مائدة عطائه وإكرامه، لايرضيه منهم
إعراضهم عنها، ولامعنى لاستغنائهم به عنها. إذن لما كان للكرم
معنى يميزه عن الإمساك والشح. ألا تتأمل في قوله عز وجل: {
كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ
طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } { سبأ: 34/15 } وفي قوله
سبحانه وتعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي
أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ
الْقِيامَةِ } { الأعراف: 7/32 } .

ولكن المطلوب من العبد
المملوك تجاه ربه الذي لاشريك له في ربوبيته ومالكيتّه له، أن
يعلم مستيقناً أنه هو لاغيره مصدر كل فضل وعطاء، فلايبتغي رزقه
إلا منه، وأنه هو لاغيره مسبب الأسباب كلها، فلا يشرد به الوهم
إلى العلل والأسباب الوهمية يتعلق بها ويجعل منها شريكاً مع
الله أو مؤثراً من دون الله، وأن يعلم أن كل شيء مما يحلو
لعينيه مرآه، أو مما تتمتع به نفسه، أو مما يشعر بالأنس به
والحب له والركون إليه، سيتخلّى عنه عما قريب، بل سيؤول إلى
الزوال. ولن يبقى من صاحب ولا أنيس ولا سمير ولا أهل ولا حبيب
معه إلا الله عز وجل.

والشأن فيمن يعلم كل ذلك أن لايركن إلى
ماقد علم أن مآله إلى الهلاك والزوال، بل أن يتعلق بإلَهه الذي
لايتخلّى عنه، فيتخذه مصدر أنسه وموئل آماله، ومعين سعادته
ونعيمه، وملاذه الوحيد من كل المخاوف والأخطار.

وذلك هو حال
المؤمن حقاً بربه والموقن بوحدانيته: يجلس على مائدة الرحمن،
ويتناول منها ما لذّ وطاب، وكلما تمتع منها بمزيد ازداد بالله
تعلقاً، وازداد له حباً وشكراً. ذلك لأنه يتعامل مع النعم
ويتمتع بها، ولكنه لايرى إلاّ المنعم، إذ هو - كما قلنا -
المتفضل والمعطي والمسبب والمسخّر.. وإذا ما طاف به كرب أو
داهمه سوء أو ألمت به مصيبة، لم يطرق بها إلا باب الله عز وجل.
أي إنه إن استخدم الوسائل والأسباب فإنما يطرق بها، في يقينه
ومعتقده، باب الله عز وجل.

هذا الإنسان، لن يكون هوى قلبه إلا
لله، ولن يكون مذكوره، كلما طمع في مغنم أو توجس خيفة من مغرم
أو تطلع إلى كسب، إلا الذات العلية جلّ جلاله. ولسوف يكون هذا
الوضع الملازم له أول مصدر لراحة باله وسكينة نفسه وغياب همه
وحزنه، ولعله ينشد مع ذاك الذي كان يتمتع بهذه الحال ذاتها،
قوله:

كانت لنفسي أهواء مغرقة فاستجمعت مذ رأتك
العين أهوائي

فصار يحسدني من كنت أحسده وصرت مولى الورى مذ
صرت مولائي

تركت للناس دنياهم وشأنهم شغلاً بذكرك
يا ديني ودنيائي



والعجب كل العجب، أن يدرك أحدنا هذه
الحقيقة بعقله وأن يتمثلها بيقينه، ثم ينسى - على الرغم من ذلك
- إلَهه الباقي الخالق الرازق المعطي المانع المتصرف بملكوته
كما يشاء، ولايتذكر إلا حجارة الشطرنج التي لاتتحرك إلا بتحريك
الله، ثم إن مآلها إلى الزوال والاندثار.

أنبأني والدي رحمه
الله، أن رجلاً من الصالحين، هاجر من بلده لأمر ديني اقتضاه
ذلك، وانتهى به المقام إلى إحدى القرى. فتعرف عليه إمام المسجد
الذي كان الرجل الصالح يختلف إليه ويصلي فيه. وسأله فيما سأله
عن مورد رزقه، فأجابه مطمئناً: إن الله لاينساه!.. وبعد أيام
عاد الشيخ إمام المسجد يسأله عن حاله، ويستوضح منه مصدر رزقه،
فأكد له أن الله يكرمه وأنه لايعاني من أي مشكلة في رزقه..
ولكن الإمام لم يطمئن بالاً وعاد يسأله في لقاء ثالث: ولكن من
أين تأتيك أسباب معيشتك؟ فقال له: إن في هذه القرية يهودياً
عرفني واطلع على وضعي، فأجرى لي جراية من المال تكفيني وتسدّ
حاجاتي. فقال له الشيخ: حسناً، لقد زال القلق الذي كان يساورني
عليك!.. قال له الرجل الصالح: ياهذا، لأقضينّ الصلوات التي
صليتها وراءك!.. لقد أكدت لك مراراً أن الله قد تكفل برزقي ولن
ينساني، فلم يقع ذلك منك موقع الطمأنينة والقول، ولما أخبرتك
بأن الذي تكفل برزقي يهودي من الناس، وثقت بكفالته
وإكرامه!!..

تلك هي حال كثير من المسلمين اليوم.. تعظم
الأسباب الشكلية والوهمية أمام أبصارهم، ثم لاتزال تعظم، حتى
تنسيهم خالقها ومسببها، فيعيشون مع الوهم ويذهلون عن الحقيقة.
يتعلقون بالسراب الذي لاوجود له، ويعرضون عن المعين الذي هو
ملء الكون كله! يعرضون عن خالق السماء وقيومها، ثم يتحدثون عن
رحمة السماء!.. يعرضون عن اليد التي تضع ملعقة الطعام بمنتهى
العطف في أفواههم، ويتغزلون بالملعقة التي تكرمهم وتفرغ الطعام
في أشداقهم!..

إن لم يكن هذا هو الكفران في أحط مظاهره، فقل
لي: كيف يكون؟

* * *

وينهي ابن عطاء الله هذه الحكمة
مستشهداً بقول الله تعالى: { فَإِنَّها لا تَعْمَى
الأَبْصارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور
} { الحج: 22/46 } . ومؤكداً بأن كل من كان يعاني من هذا
التيه العجيب، فإنما هو واحد ممن أصيب بعمى القلب. وهو العمى
الذي إذا وقع لايمكن أن يستعاض عن ظلامه بأي نور. إذ القلب هو
مصدر النور أينما كان تجليه وظهوره، فإذا طمس الله عليه وأفقده
نوره، فهيهات لبقية الأعضاء أو الكيان، أن يسري أو يتجلّى فيه
قبس أو بصيص منه.. ومهما بقيت العينان مبصريتن، فإنهما تبصران
بدون نور، أي بدون إدراك للحقائق مهما كانت جلية ساطعة. وهذا
هو مرمى قول الله عز وجل: { وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ
كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا
يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها } {
الأعراف: 7/179 } أي إن لها رؤية غبيّة غير ذات جدوى.

إذن
فالعمى الحقيقي الخطير هو ذاك الذي يبتلى به القلب. ولا جدوى
معه لرؤية العين. والإبصار الحقيقي، ذلك الذي يتمتع به القلب،
ولاضير معه من عدم الرؤية بالعين.

أجل.. وصدق الله القائل:
{ فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ وَلَكِنْ تَعْمَى
الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } { الحج: 22/46 } .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:18 pm

الحكمة الثانية والأربعون



لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان
الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه. ولكن ارحل من الأكوان
إلى المكون {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم:
53/42] وانظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهج

- ما الأكوان؟ وما المكوِّن؟ وما المعنى الإجمالي لهذه
الحكمة؟

الكون كل ماعدا الله، والمكوِّن هو الله. والكون، أو الأكوان
وسائط وأسباب، والمكوِّن الذي هو الله غاية الغايات، ومنتهى
الآمال.

هل يرتاب في هذه الحقيقة أحد، ممن عرف الله وآمن
به؟!..

إذن فالمطلوب من كل من عرف الله وآمن، حقاً، به، أن
يجعل من كل مظاهر الحياة الدنيا وأسبابها ومقوماتها، وسائط
يسخرها لبلوغ مرضاة الله، وأداء حقوق الربوبية عليه، وأن
لايبتغي بالأنشطة والأعمال التي أقامه الله عليها، إلاّ أداء
الوظيفة التي كلفه الله بها، تقرباً وتحبباً إليه.

فإن هو فعل
ذلك، وابتغى في كل تحركاته وشؤونه هذا القصد، فقد نسق بين
الوسائط، والغاية الكبرى التي هي غاية الغابات، وأعطى كلاً
منهما حقه في العمل والاهتمام.

وإن هو تعامل مع الأكوان
للأكوان، واستخدم الوسائط للوسائط، وسخر الأسباب لمزيد من
الأسباب، دون أن يخرج من هذه الدائرة إلى ما وراءها، حيث الهدف
الكلي الذي خلق من أجله، ثم أمضى حياته كلها على هذه الحال،
فالشأن فيه كشأن حمار الرحى (أي الطاحون) يمشي دائباً في حركة
دائرية ضمن مساحة مغلقة؛ يسير، والمكان الذي ارتحل منه سرعان
ما يعود إليه، يكرر ذلك المرة تلو المرة، دون انقطاع.

أجل..
التشبيه دقيق، والمثال ينطبق على الواقع الممثل له دون
اختلاف.

بيد أن شأن الدواب من البشر، إذ يجنحون إلى دائرتهم
المغلقة هذه، أشنع وأسوأ حالاً، من شأن الدابة التي تؤدي من
خلال دورانها هذا عملاً كلّفها به صاحبها لصالح الرحى التي
تطوف من حولها.. فهذا الإنسان الذي ينشط في الدوران المغلق ضمن
عالم المكونات وأسباب العيش والطعام والشراب، ثم لا يتجاوزه،
لايتجه نشاطه المغلق ذاك إلى أي هدف كالذي يتجه إليه نشاط تلك
الدابة، بتوجيه من صاحبها وآمرها... وإنما هو السير إلى المتعة
والعيش، ثم عود إلى المتعة والعيش، وهكذا دواليك إلى أن ينتهي
قسطه منهما، ويأتي ميقات انتقاله من ساحة هذه الحياة.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:19 pm

لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان
الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه. ولكن ارحل من الأكوان
إلى المكون {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم:
53/42] وانظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهج

- لايصح في المنطق أن يقال: إن غاية وجود الإنسان في
الدنيا أن يتقلب فيما طاب له من الملذات. وبيان البرهان
المنطقي على ذلك

ولايصح في العقل والمنطق، أن يقال: إن غاية وجود الإنسان في
الدنيا، أن يتقلب في ألوان النعيم، وأن يتناول الطيبات من
الطعام، ويسكن في القصور الباذخة، ثم ينفض يديه من ذلك كله،
ويتخلّى عنه إلى حيث لايدري، وهو يجترّ من فراقه لكل تلك المتع
غصصاً وآلاماً لايقوى على وصفها البيان. ولاتنس أننا إنما
نخاطب من كان مؤمناً إيماناً حقيقياً بالله عز وجل. فأما من
لايزال يعاني من جحوده بالخالق، ويتوهم أن الإنسان إنما يعيش
ليأكل ثم يعيش ليأكل.. بأمر من الطبيعة التي لاتناقَشُ
ولاتجادَل ولاتُسأل، ثم تنهي الطبيعة قصة الحياة كلها على هذا
المنوال، فليس لنا من سبيل إلى هذا الحديث معهم قط، إنما هو
سبيل واحد نسلكه إليهم، هو الدعاء من الله عز وجل لهم أن
يوقظهم إلى حقيقة هذا الكون وأن يريهم الحق حقاً ويرزقهم
اتباعه والباطل باطلاً وأن يرزقهم اجتنابه.

إذن أعود فأقول:
إن كلاً من العقل والمنطق يأبى أن يقال إن الله إنما أودع في
هذه الحياة الدنيا مقومات العيش الإنساني وأسباب الرغد فيها،
ليجد الناس أسباب سعادتهم ولذائذ عيشهم في جنباتها، دون أي
غاية أخرى وراءها.

ذلك لأن حاجة الناس إلى تلك الأسباب إنما
تتجلى بعد وجودهم وخلق الله لهم؛ وإذا افترضنا أن ليس لإيجاد
الله الإنسان من حكمة وموجب سوى أن يتمتع بما يحفظ حياته وعقله
وبنعيم المتع العضوية المختلفة. فمقتضى ذلك أن تنتهي مقاصد
الخلق بطيّ هذه الحياة الدنيا وانقضائها، ومن المعلوم أن حاجة
الإنسان إلى متع العيش وأطايبه، إنما تتحقق بعد وجوده؟ ولكن
لماذا وُجِد حتى اقتضى وجوده أن توفر له تلك المتطلبات؟ ليس من
جواب على هذا السؤال الذي لابدّ أن ينبثق عن هذا التوهم
الباطل، إلا أن يقال: إنه قد وجد عبثاً. وهذا ما نفاه الله عن
ذاته العلية، إذ قال: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ
عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ، فَتَعالَى
اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ
الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } { المؤمنون: 23/115 } .

ولاريب أن
ألوهية الله عز وجل ذاتها، هي الدليل الذي لايقبل الريب، على
أن الإله الحق أجلّ من أن يعبث.

إذن فالمنطق يقرر أن مقومات
العيش التي جهز الله بها مكان الإنسان في حياته الدنيا هذه،
إنما هي أسباب لتدبير عيشه وتنظيم حياته.. وليست هي السبب أو
الحكمة لأصل حياته ووجوده.

أصل حياته وإيجاده يعتمد على حكمة
أخرى، تتلخص في أن الله عز وجل قضت مشيئته أن يقيم خليفة له في
الأرض يعمرها على النهج الذي يرتضيه وطبق الشرعة التي أوحى بها
إليه، بموجب عقد واختيار، لا بسائق قهر واضطرار. فيكون ذلك
العمران القائم على النهج الذي أمره به والمنضبط بالشرعة التي
علّمها له، مظهراً آخر من مظاهر ربوبية الله وحكمته وعدله
وعظيم تدبيره، ثم ليجزيه بعد ذلك الجزاء الأوفى، إن هو أحسن
الخلافة ووفىّ العهد ونفذ الأمر، وإنما الجزاء الأوفى أن يكرمه
الله بالخلود الدائم بعد أن يقوم الناس لرب العالمين، في مقعد
صدق عند مليك مقتدر مكرّما بكل أصناف السعادة
والتكريم.

فالحكمة من إيجاد الله الإنسان، هي هذه، ألم تقرأ
قوله تعالى: { وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي
جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً } { البقرة: 2/30 }
الآيات.

أما الأقوات والأرزاق ومتع الحياة الدنيا ومصالحها،
فإنما هي خدّام للإنسان وحاجاته على الطريق، إذ يباشر واجباته
وينهض بأداء حقوق هذه الخلافة التي كلفه وشرفه الله عز وجل
بها.

إذن فتوجه الإنسان بالحياة إلى رضا الله، بأداء رسالته
وتنفيذ شرعته هو الهدف الكلي الأقدس، أما تعامله مع مقومات
العيش وأسباب الرزق والمتع التي تزخر بها المكونات، فخدم وحشم
أقامهم الله في الطريق إلى تحقيق رسالته وتنفيذ أوامره والنهوض
بأعباء الخلافة عنه.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:20 pm

بيان المعنى الأقدس الذي يرمي إليه ابن عطاء الله من
هذه الحكمة

والآن، بعد هذا الذي تبين لك، تدرك مدى أهمية نصيحة ابن عطاء
الله في هذه الحكمة، وتدرك مدى خطورة الشرود عنها. إنه يقول
لك: ألا فلتعلم أن المكونات المسخرة لك، إنما هي سبل ووسائط
سخرها الله لك، لتستعين بها في التوجه إلى الله، فإياك ثم إياك
أن تركن إليها وتحبس نفسك في أقطارها، وتنسى في غمار ذلك رحلتك
التي أنت بصددها إلى الله.

والحق أن الداء الوبيل الذي يعاني
منه أكثر المسلمين اليوم، متمثلين في أفراد أو هيئات أو
مجتمعات أو قيادات ورئاسات، أنهم عن هذه الوصية الكبرى غافلون،
وعن الهدف الأقدس الذي خلقهم الله لأجله معرضون. وداخل أقطار
الوسائط والأسباب والمتع الكونية قابعون. فهم كما قال ابن عطاء
الله يتحركون (بحثاً عن أهوائهم ومتعهم) من كون إلى كون إلى
كون، يراوحون في أماكنهم، وينسجون من ذلك خيوطاً عنكبوتية تلتف
عليهم من حيث لايشعرون، وعاقبة ذلك، الاختناق الذي لامحيص
عنه.

ودعني أضعك أمام نماذج من الحياة التي يتقلب فيها اليوم
كثير من المسلمين، والتي تشكل مصداقاً دقيقاً لهذا الذي يحذر
منه ابن عطاء الله، بل الذي يحذر الله منه مراراً وبأساليب شتى
في قرآنه المبين:

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:21 pm

- نماذج من الحياة الواقعية التي تشكل مصداق هذا الذي
يحذر منه ابن عطاء الله:

هذه النماذج تنقسم إلى قسمين: اعتقادية، وسلوكية.



أولاً: نماذج اعتقادية تتمثل في سجن الأسباب الطبيعية إذ
يحبس أنفسهم فيها أولئك الذين يؤلهونها من دون الله

إليك أولاً هذه النماذج الاعتقادية: ينظر أحدهم إلى الكون
فيراه مليئاً بعالم الأسباب والمسببات التي أقامها الله تعالى
وقرن بينهما بمحض سلطانه وتدبيره وخلقه، فتزيغ عيناه وتتيه
بصيرته داخل هذا العالم ثم لايتعداه ولايتجاوزه إلى المسبب
الخالق قط..

يرى السماء وقد تكاثفت فيها الغيوم، فيحلل ذلك
ويعلله، ويعيده إلى فاعلية الأكوان وما يسميه الطبيعة، من
الأبخرة التي تصاعدت من البحار فتجمعت وتكاثفت.. ثم يعيد هذه
الظاهرة الكونية إلى مثلها من عوامل الكون وأسبابه.. فإذا رأى
أن الشتاء قد أقبل وحطّ برحاله، وكاد أن ينقضي دون أن يرى
الناس أمطاراً هطلت ولا غيوماً تكاثفت، بحث لذلك عن عوامل
كونية أخرى كالاحتباس الحراري، أو كخلل في طبقات الأوزون...
فإن سئل عن سبب هذه العوامل ذاتها، تلمس لها سبباً كونياً آخر،
كفساد البيئة، واختلال التوازن في غازات الغلاف الجوي، وهكذا
دواليك، لايبحث عن علّة لظاهرة كونية إلا في ظاهرة كونية
مثلها، ويظل يتيه بين هذه الأغصان الفرعية الكونية، دون أن
يرحل منها أخيراً إلى المكون جل جلاله.

يرى أمراضاً تتسرب إلى
أجسام، ثم تتفاقم الأمراض، فيعقبها الموت وأحياناً الشفاء،
فيبحث لذلك كله عن أسباب كونية طبيعية، ثم يتلمس لتلك الأسباب
أسباباً وعوامل كونية مثلها، ثم ينشد مصدر ذلك كله، فلا يعود
به التيه إلا إلى العوامل الكونية ذاتها، دون أن يتنبه، خلال
بحثه هذا إلى أن هذه السلسلة تبدأ من لدن الفاطر الحكيم جل
جلاله، الذي خلق كل شيء ثم ربط هذا بذاك فجعل من الأول سبباً
ومن الثاني مسبباً، وأخضع الكل لسلطانه وتدبيره.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:22 pm

ثانياً: نماذج من الحياة السلوكية تتمثل في تعامل بعض
الناس مع سلسلة من المتع والنعم يغلقونها بشكل دائري على
أنفسهم، دون أن يخرجوا من أقطارها لرؤية المنعم والتعرف
عليه

وإليك هذه الصور من النماذج السلوكية:

يفتح أحدهم عينيه على
الحياة التي أمدّه الله بها والنعم التي متعه بها، فيرى
العاقبة التي تسري في كيانه، والمال الذي أغدقه الله عليه،
والدار التي أسكنه وآواه فيها.. فيبحث لعافيته عن المتع
والمشتهيات التي يحكم بها، ويبحث للمال المتراكم عنده عن
الحفلات والسهرات التي ينتشي في أجوائها، ويملأ الدار التي
آواه الله فيها بأنواع التحف والرياش التي يفاخر ويباهي بها..
فإذا اهتزت أو اضطربت منه العافية لمبالغته في العكوف على
المشتهيات هرع إلى الأطباء والعلاجات والمصحات والتحاليل،
ليستعيد عافيته وليطمئن إلى أنه سوي الجسم والدخائل العضوية،
فيعود إلى التمتع بمشتهياته.. وإذا قلّ المال وتراجع الكمّ
الحسابي لديه من جراء الليالي الساهرة والحفلات العامرة، أسرع
يغامر ابتغاء مزيد من المشاريع التجارية، ومدّ يده لاهثاً إلى
ما يمكن أن تصل إليه من أموال الآخرين وحقوقهم بشتى الطرق
الملتوية الممكنة.. وينظر ليجد أن أثاث منزله قد تقادم عليه
العهد، وأن النمط الذي كان قد أعجبه منه قد نسخ، فيضطره الحال
إلى أن يعود فيجدد أو يضاعف من نشاطه المالي.

وهكذا، فإن كل
جانب من جوانب مبتغياته المعيشية أو الكونية، يسلمه إلى جانب
آخر، وما يلبث هذا الجانب الثاني أن يسلمه إلى جانب ثالث، وقد
تحولت حاجاته المعيشية كلها إلى هدف كلي، بعد أن جعلها الله له
وسائل إلى الوظيفة القدسية التي خلق من أجلها.

فانظر كيف يرحل
هذا الإنسان وأمثاله من كون إلى كون إلى كون، ليعود إلى النقطة
التي بدأ منها.. ثم يواصل الدوران مرة أخرى، فثالثة فرابعة،
حتى توافيه المنية وهو على هذه الحال.

وتأمل في حال هذا
الإنسان، كيف حول نفسه من عبد لله موظف لديه، مكلف بإنجاز
المهمة التي خلق من أجلها، إلى عبد للإمكانات التي سخرها الله
له، يعيش في غمارها، ويحبس نفسه في أقطارها، وقد أصمّ أذنيه
وأعمى قلبه عن نداء الله القائل له: { وَابْتَغِ فِي ما
آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ } { القصص: 28/77 } وعن
قوله عز وجل: { يا أَيُّها الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلَى
رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ } { الانشقاق: 84/6 } وعن
قوله: { إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى } { العلق: 96/8 }
.

وفي قول ابن عطاء الله ((ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون))
ما يدلك على أن الإنسان ليس مكلفاً بالإعراض عن المكونات التي
سخرت له، بل ينبغي أن يلتفت إليها ويهتم بها ويستخدمها، ولكن
على أنها مطية ذلول، تنقله إلى رحاب المكوِّن جل جلاله من خلال
استخدامه لها واستفادته منها وارتحاله إلى الله منها. العافية
مطلوبة، والمال لابدّ منه، والمسكن الفاره نعمة وأي نعمة،
وبناء الأسرة عن طريق الزواج ومتعته خير وأي خير.. والصناعات
والتجارات والعلوم والمعارف مفاتيح لابدّ من استعمالها. ولكنها
جميعاً يجب أن توضع في خدمة المهمة التي خلق الإنسان من أجلها،
وفي عون الأمانة التي حمّله الله إياها.. إنها سلّم ذو درجات
من المكونات، يجب أن تستعمل مرقاة لبلوغ مرضاة المكون وتنفيذ
أوامره، لا أن تتخذ أداة لصدّ صاحبها عن السير إلى الله وتلمس
السبيل إلى مرضاته.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:23 pm

إن الذي هو أسوأ من أن يرحل الإنسان بشكل دائري من كون
إلى كون، أن يرحل من المكوِّن إلى الأكوان!.. أي أن يسخر
دينه لدنياه. وعرض نماذج مؤسفة لهذا الواقع

غير أن الذي هو أسوأ وأخطر من هذا، أن يرحل الإنسان من
المكوِّن إلى الأكوان!.. وإنما يكون ذلك بأن يؤدي الوظائف
والواجبات الدينية المختلفة من عبادات وقربات مختلفة، ولكنه
يتخذ منها مطايا وأدوات لنيل مبتغياته الدنيوية، من جاه أو
مال، أو حظوة، أو شهرة، أو غير ذلك من حظوظ النفس.

والنماذج
الحية الواقعية لهذا النهج كثيرة:

إن هذه الفصول التي أكتبها
في الدعوة إلى الله، والتعريف بآداب السلوك إليه، واحد من هذه
النماذج إن أنا ابتغيت منها مالاً أناله، أو شهرة أتمتع بها،
أو ثناء أطرب له. والله هو المستعان أن يجعلني في حصنه الواقي
من شرّ نفسي وشرّ ما جبلت عليه.

وإن الفتاوى التي تحبك حبكاً
مصلحياً، ثم تصدّر أملاً في مغانم أو فراراً من مغارم أو
مصانعة لفئات أو جماعات، واحدة من هذه النماذج، يغيب عنها
سلطان الإله المكوّن، ليهيمن عليها سلطان المكوَّنات ذات
الألوان والجاذبيات المتنوعة.

وإن الانتصار للرأي الاجتهادي
في الدين، واحد من هذه النماذج، عندما تكون العصبية للذات هي
العامل الكامن وراء هذا الانتصار، وما أكثر ما تستعمل
الاجتهادات الدينية غذاء خفياً للأنانية الفردية أو الجماعية،
وأداة سباق في حلبة الصراع بين الفئات أو الأقران.

وإن التجمل
بألقاب الدين ومظاهره في الكيان والملبس، وشغل اللسان بأحاديثه
وبما يدّل على مشاعر الاهتمام به والغيرة عليه، هو الآخر من
هذه النماذج، عندما يبتغى منه ترويج تجارة، أو جذب مزيد من
الزبائن، أو إخفاء ما تتم ممارسته من غش المعاملة.

إن الصورة
في هذه النماذج كلها، صورة تعامل مع الله، وإقبال على الخالق
المكون، ولكن الحقيقة الخفية الكامنة، أنها رحلة من الله إلى
الدنيا، وخوض في غمار المكوّنات.

وهذا ما نبه إليه ابن عطاء
الله وحذر منه عندما وضعنا من هذا الخطر أمام قول رسول الله :
((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن
كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما
هاجر إليه)) إذ الهجرة في شكلها تعامل مع المكون وتقرب إلى
الله بعمل هو من أجلّ القربات والمبرات.. ولكن عندما يغيب
القصد الرباني وتختفي الغاية القدسية المتمثلة في بلوغ مرضاة
الله تعالى، يهبط هذا العمل بصاحبه إلى ساحة التعامل مع
المكونات والسير وراءها والتقوقع داخل أقطارها.

بقي أن كلاّ
منا، لابدّ أن يتساءل - بعد هذا الذي تم بيانه - عن العلاج..
العلاج الذي إذا أخذ به المؤمن نفسه تحرر من أسر الأكوان
وانتقل منها إلى المكون: يدين له، ويتعامل معه، ويستخدم الدنيا
كلها لبلوغ مرضاته؟.. أجل، ما العلاج؟

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:24 pm

- بيان العلاج الذي إذا أخذ به المؤمن نفسه تحرر من سجن
الدوران داخل الأكوان، وانتقل منها إلى المكون

العلاج، أن نعود إلى الحكمة التي قبل هذه مباشرة والتي يقول
فيها ابن عطاء الله ((العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك
له عنه، ويطلب ما لابقاء له معه))، فنتذكر أن الإنسان مهما عاش
وطال به الأمد فوق هذه الأرض، لابدّ أن يوافيه الأجل الذي
سيواجهه في ميقاته المحدد، دون تقدم ولا تأخر، والذي سيحمله
على أن ينفض يديه من المكوّنات كلها، وعلى أن يتخلّى عنها،
متجهاً في أعقاب ذلك إلى المكوِّن جل جلاله.

فإذا استقر في
ذهني وذهنك أننا من الدنيا كلها في مستودع، وأننا مشدودون خلال
كل لحظة من وجودنا فيها إلى المقرّ، حيث وقفة الحساب بين يدي
الناقد البصير جل جلاله، وحيث يطرح على كل منا السؤال القائل:
لقد متعتك بعُمُرٍ بماذا ملأته؟ ومتعتك بعافية، فيم صرفتها؟
ومتعتك بمال فيم أنفقته؟ ومتعتك بعلم ماذا صنعت به؟.. فلسوف
نحرص اليوم كل الحرص، على أن لايكون جوابنا آنذاك: لقد اتخذت
من ذلك كله سجناً قبعت في أرجائه، ومعبوداً اتخذته من دونك،
وغاية أنستني لقاءك في هذا اليوم الموعود..

ولسوف نعلم أن
سبيلنا إلى ذلك، أن نبدأ فنشدّ صلتنا بالله عز وجل عن طريق
الذكر والفكر، نذكر دائماً معيته لنا ومراقبته إيانا، ونصائحه
ووصاياه التي يلاحقنا بها.. ثم نذكر الميقات المحدد الخفي
لمفارقة هذه الحياة الدنيا بكل ما فيها، وضجعة الموت التي
ستسلمنا إلى الحياة البرزخية، فالحياة الآخرة التي هي دار
الخلود والقرار.. ثم نذكر أن الذي يصحبنا خلال هذه المراحل
والتقلبات كلها هو الله.. هو أنيسنا، وهو نجيّنا، وإليه وحده
مفتاح سعادتنا أو شقائنا.

فأي عاقل، يبقى بعد معرفته لهذا
كله، قابعاً متطوحاً في سجن المكوّنات، يراوح في مكانه، ينتظر
قضاء الله أن يقذف به إلى الغاية التي تناساها ولم تنسه، وفرّ
منها إلى هذا السجن فتابعته ولحقته؟!..

اللهم أيقظنا قبل فوات
الأوان، وألهمنا الخروج من سجن المكونات إليك آمنين مطمئنين،
قبل أن يخرجنا منه أذلاء نادمين، قضاؤك المبرم في يومك
الموعود، إنك الحكيم اللطيف الودود، والسميع المجيب.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 8 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 7, 8, 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى