الحكم العطائية وشرحها

صفحة 9 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 8, 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:25 pm

الحكمة الثالثة والأربعون



لاتصحب من لاينهضك حاله، ولايدلّك على الله مقاله

- هذه الحكمة جواب عمن يسأل قائلاً: لقد أكرمني الله
بالهداية بعد الضلال، فكيف أحافظ عليها وأتقي الرجوع إلى
الضلالة التي عوفيت منها

كثيراً ما يطرح أحدهم السؤال التالي متلهفاً:

لقد أكرمني الله
بالهداية بعد الضلال، والتزمت أوامره بعد طول إعراض وشرود،
ولقد عزمت على الابتعاد عن نواهيه، ولكن الغريزة البشرية ما
تزال تهتاج بي، وتسوّل إلّي المحرمات، وتدفعني للرجوع إليها،
وأجد نفسي ضعيفاً أمام هذا الصراع. فما الملاذ وكيف
الخلاص؟

أعتقد أن الجواب عن هذا السؤال، في أكثر الأحيان،
واحد، هو هذا الذي يقوله ابن عطاء الله!..

إن المناخ الذي
يحيط بالإنسان الذي هداه الله (لاسيما إن كان شاباً) يلعب
دوراً كبيراً في تثبيت هدايته أو في بعث عوامل الاضطراب والضعف
فيها.

فإن كان الناس الذين من حوله، والذين يشكلون المناخ
الذي يتحرك وينشط فيه، من الصالحين المستقيمين على أوامر الله،
ومن الذين فاضت قلوبهم بمشاعر العبودية لله، فلسوف يزداد هداية
وحباً للاستقامة، وتقرباً إلى الله عز وجل، وكراهية للحال التي
كان عليها من قبل.

وإن كانوا من أصحابه التائهين الذين كان
يلقاهم ويسامرهم على موائد اللهو والعصيان، وكانوا لايزالون
يتيهون في انحرافاتهم وغيهم، فلسوف يلقى من صحبتهم عنتاً
كبيراً، ولسوف يثور بين جوانحه الحنين إلى ماضي فسوقه معهم،
ولابدّ أن تمتد من ذلك ظلل من الضيق إلى قلبه وأن تهتاج عاصفة
من الرغبات داخل غرائزه، فيقوم من ذلك بين جوانحه صراع، الله
أعلم بنتائجه.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:26 pm

- المشكل أن في الناس أن من وراء المادة المرئية أسراراً
وتجليات إلهية، تفعل أفعالها الهامة في كيان الإنسان، شرح
وبيان لهذه الأسرار

والمشكل أن في الناس من لا يعلمون، أن من وراء المادة المرئية
أسراراً تدق عن الرؤية والرصد، تفعل أفعالها الهامة والخطيرة
في الكيان، وأن لكل من الفسوق الذي يتراكم ويهيمن على النفس،
وللتقوى ومشاعر العبودية الواجفة لله إذ تهيمن هي الأخرى على
النفس، جاذباً خفياً عجيباً، أشبه ما يكون بالجاذب الذي أودعه
الله في هذا المعدن الذي نسميه ((المغناطيس)).

إن لله تجليات
على عباده.. له تجليات رحمة يقبل بها على المتحققين بمعاني
العبودية له عز وجل، التزاماً وذكراً وتعظيماً ومهابة وحباً،
واستغفاراً وتوبة عند كل إساءة وتقصير.. وله تجليات مقت يقبل
بها على السادرين في غيهم، العاكفين على فسقهم، المستخفين
بشرائع ربهم…

أفتظن أن الرحمة التي يتجلى الله بها على الصنف
الأول من عباده، تبقى خفية داخل سرائرهم وفي عمق كياناتهم؟..
إن الأمر ليس كذلك، لابدّ أن تطفح آثار هذا التجلي، أو التوجه،
على ظواهرهم وأشكالهم، ولابدّ أن تسري منه أشعة تمتد من نفوسهم
إلى أبصارهم، فتخترقها لتسري إلى طوايا نفوس الأقربين منهم
والجالسين إليهم، دون أن تدركها الأبصار، إذ هي ليست من نوع
الأشعة المحسوسة التي تعكس أنوارها على الجدران والأرض
والبقاع، وإنما هي أشبه بتلك الألوان التي تسمى فوق
البنفسجية.. وسرعان ما يظهر أثر ذلك على أولئك الذين يجالسونهم
ويقبلون إليهم، رقةً في القلب، وانشراحاً في الصدر، وحنيناً
إلى الحق جل جلاله.

كذلكم الحال عندما يكون الأمر على النقيض
من ذلك: فإذا تجلى الله تجلّي مقت على الفريق الثاني من عباده،
فلابدّ أن تطفح آثار ذلك المقت والغضب الإلهي على ظواهرهم،
تمتدّ من ذلك قترة على وجوههم وقسماتهم، وتخترق من ذلك المقت
أشعةٌ غير مرئية، نفوسهم فأبْصارهم، لتسري إلى نفوس الأقربين
منهم والجالسين إليهم، قسّوةً في القلب، وضيقاً في الصدر،
وضعفاً واستخذاء أمام الغرائز والأهواء.

إن لتجليات الله قصة
وأي قصة، يضيق عن ذكرها البيان، تبرز الصورة الباهرة الأخاذة
منها، في تجلّي الله عز وجل لجبل الطور إذ كان يناجي كليمه
موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فانعكس من آثار ذلك
التجلي على موسى الذي لم يكن يرى إلا الجبل، ما جعله يقع أرضاً
ويخر‍ّ صعقاً.

وتبرز الصور الملطفة والمصغرة عنها في تجليات
الله على قلوب عباده، فما كان منها تجلي تحبب وجذب وألطاف،
تنسي صاحب ذلك القلب ذاته والدنيا التي من حوله، وتقذف به في
يم من النشوة والنعيم لا ساحل له، وتملأ كيانه رضا، أياً كانت
الحال التي هو فيها… وما كان منها تجلي مقت وغضب، يغلّف قلب
صاحبه بغلاف من القسوة التي تتجاوز قسوة الحجارة، كما قال الله
عز وجل، ويستثير في كيانه أسوأ الغرائز والطباع، ويحجبه عن
بوارق الحقيقة اللامعة، وعن آيات الله الباهرة.

والمهم أن
تعلم أن لكل من هذين التجليين آثاراً تمتد إلى الآخرين من
المجالسين والأقربين، فتجليات الحب والرحمة تسري أنوارها
وأشعتها غير المرئية إلى نفوسهم بسائق الرشاش والعدوى، وتجليات
المقت والقهر، يمتدّ دخانها وفيح ظلماتها إليهم أيضاً بالسبب
ذاته.

وصدق رسول الله القائل: ((مثل الجليس الصالح والجليس
السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك
وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير
إما أن يحرق ثيابك أو أن تجد ريحاً خبيثة))(1).

إنك لتلاحظ أن
رسول الله ، ينقل آثار التجليات الإلهية بنوعيها، وهي معنوية
شعورية، إلى ساحة التجليات المادية والحسية، ليؤكد لك أن آثار
الأولى بالنسبة للجليس، ليست أقل أهمية وفاعلية من الثانية..
ولتعلم أن الحقائق العلمية اليوم لم تعد كما كانت في وهم
الناس، أيام ديكارت وغاليله، محصورة في المادة التي تراها
العين أو تخضع للحواس.. إنها اليوم تجاوزت دائرة المادة إلى
ماوراءها من دنيا الروح وسلطان العلاقات الشعورية والمعنوية..
إن الأشعة الخفية المنبثقة من النفس من شأنها أن تخترق عيني
صاحبها متجهة إلى نفسية الجليس المقابل، دون رؤية منه لها. أما
سلطان هذه الأشعة فعائد إلى الله عز وجل، إذ هي في أصلها آتية
من عنده منبثقة، كما أوضحنا، من تجلياته..

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:28 pm

لاتصحب من لاينهضك حاله، ولايدلّك على الله مقاله

- هما حال، ومقال، ينبغي أن يتحققا فيمن تصاحبه. بيان
مفصل لكل من الحال والمقال

فإذا استيقنت هذا الذي قلته لك، وعلمت أنها حقيقة علمية ثابتة،
قبل أن تكون خبراً دينياً مجرداً، تجلت لك عندئذ أهمية النصيحة
التي يتوجه إليك بها ابن عطاء الله. إذ يقول لك: ((لاتصحب من
لاينهضك حاله، ولايدلك على الله مقاله)).

هما حال ومقال،
ينبغي أن يجتمعا ويتحققا فيمن تصاحبه وتجالسه.

أما الحال،
فوضع يتلبس كيان الإنسان من جراء ما انتهى إليه باطنه من تزكية
النفس، وطهارة القلب، وتحوّله إلى وعاء يفيض بمراقبة الله
وتعظيمه والخوف منه والحبّ له. وبالجملة فالحال المعنيّ بها
هنا هي تخلُّص الإنسان مما سماه الله باطن الإثم.

صاحب هذه
الحال، ينبعث تأثير من كيانه، من نظراته، من قسمات وجهه، من
سرّ ينبعث من عموم وضعه، إلى جليسه القريب منه والمقابل له،
دون حاجة إلى أن يتكلم وينصح ويناقش.. إذ إن هذا السرّ الذي
سبق أن حدثتك عنه، والذي تنبعث آثاره من باطن الكيان إلى
ظاهره، يترك في نفس الجليس من النتائج ما لاتستطيع المواعظ
الكلامية أن تحققه. وما أكثر الأعراب الذين انتقلوا خلال دقائق
معدودة، من أقصى أودية التيه إلى أعلى درجات الهداية، عندما
ضمهم مجلس فيه رسول الله ، وصافحت أعينهم قسمات وجهه، فسرى من
حاله القلبية مع الله عز وجل، إلى نفوسهم، ما أيقظ فيها كوامن
الفطرة، وألهب فيها مشاعر الحنين إلى الحق واسقط منها ركام
الأهواء والعصبيات.

وكم في أصحاب رسول الله، ثم في التابعين
الذين جاؤوا من بعدهم، فالذين جاؤوا من بعدهم، من هدى الله في
مجالسهم ضالين وزائغين عن محجة الإسلام، دون أن يتجهوا إليهم
بأي موعظة أو يحدثوهم بكلمة. إنما هو الحال التي شعت من داخل
نفوسهم إلى أعينهم ووجوههم، فسرى منها تأثير رباني إلى أفئدة
أولئك التائهين والزائغين، فكان ذلك منطلق اصطلاحهم مع الله،
وانقيادهم لسلطانه وأمره.

تلك هي الحال، ذكرتها لك باختصار،
وأما المقال فيتمثل في أن يكون هذا الذي تصحبه وتجالسه، ممن
لايألو جهداً في نصيحتك، يأمرك بالمعروف إن نسيته أو أعرضت
عنه، وينهاك عن المنكر أن تلبست به، يشدّ همتك إلى مزيد من
الإقبال على الله بكل ما يملك من أساليب الإرشاد والتوجيه،
يتجه إليك بذلك كله بدافع من الإخلاص لوجه الله عز وجل،
متقيداً بالحكمة الحسنة، وبالآداب المعروفة التي يجب أن يتقيد
بها المرشد والناصح.

والشأن في هذا الناصح، إن كان متقيداً
بهذه الضوابط والآداب، أن يذكّرك بالله ولا يجاملك إن رآك على
حالة لاترضي الله عز وجل، ولكن تحت مظلة من الستر، كما قد أمر
الله عز وجل، وبطريقة محببة حكيمة، كما هو شأن الرسل والأنبياء
والربانيين.

ولايكفي في الصاحب الذي تركن إليه أن يكون ذا حال
صامتة، لايذكرك بأخطائك ولاينهاك عن عثراتك. إن مثل هذا
الإنسان إن كان صاحب حال حقاً، فلابدّ أن يكون من أهل الجذب
الذين شغلهم حالهم عن النظر في أمر الآخرين والاهتمام
بشؤونهم.. وعندئذ فإن اقتصارك على صحبة من كانوا على هذه
الشاكلة خطأ لامبرر له.

كما لايكفي أن يكون هذا الصاحب، ذا
منطق متوهج بالنصح والموعظة والإرشاد، إن لم يكن قبل ذلك أو مع
ذلك ذا حال مما قد وصفت لك. إن مثل هذا الناصح سيتخذ من نصحه
إذن سلّم علوّ في الأرض.. فإن كان دونك في الرتبة بنى لنفسه من
نصحه لك أمجاداً أمام الناس، وإن كان فوقك في الرتبة أغلظ لك
في النصح وتسامى عليك بما ينصحك به ويدلّك عليه، ودرّبك على
كيفية توقيره وتعظيمه ومعرفة كبير حقه عليك. وبالجملة: الناصح
الذي لايتمتع بالحال القلبية التي وصفتها لك، سيجعل من أنشطة
نصحه ومواعظه وإرشاداته حرفة دنيوية يبتغي من ورائها حظوظ
النفس وأهواءها.. وهيهات لمثل هذا الناصح أن تسري نصائحه من
الآذان إلى القلوب.

فمن هنا يطلب منك ابن عطاء الله، أن
تستعين للاستقامة على الرشد بمجالسة الصالحين دون غيرهم، ثم
يصف الصالحين بأنهم أولئك الذين اجتمعت فيهم صفتان اثنتان:
الحال القلبية مع الله، والنصيحة اللسانية مع عباد الله.
فبحاله الصامتة يستنهضك إلى تقويم الاعوجاج والمبادرة إلى
التوبة، وبنصحه اللساني، يعرّفك على الطريق ويبصّرك بالأحكام
ويبعدك عن الشبهات ومطارح اللبس. ولاتغني واحدة من هاتين
الصفتين عن الأخرى.

ولاأشك في أن الذين يتاح لهم الالتزام
بهذا النصح، سيجدون منه الحصن الذي يقيهم من وساوس نفوسهم، ومن
كيد شياطين الإنس والجن. والصعوبة لاتكمن في صعوبة العثور على
الإخوة الصالحين والناصحين، فلايزال في مجتمعاتنا من هذه
النخبة كثير بحمد الله عز وجل. وإنما تكمن الصعوبة في أن يظلّ
أحدنا - مهما تقلب وقام بأنشطته الدنيوية التي لامناص منها -
داخل المناخ الإسلامي الصالح والناصح!.. لابدّ أن تدفعه مصالحه
الدنيوية وتحركاته المعيشية إلى الاحتكاك بالآخرين، وأعني
بالآخرين، الذين لاينهضك حالهم ولايدلّك على الله
مقالهم.

فكيف السبيل للتغلب على هذه الصعوبة؟

السبيل أن تفرق
بين الصحبة التي يتحدث عنها ابن عطاء الله، التي ما ينبغي أن
يفوز بها منك إلا أولئك الصالحون في أحوالهم الصامتة ونصائحهم
الناطقة، واللقاءات العابرة التي تأتي وتمضي بها المصالح
العارضة. اجعل صحبتك المقصودة لذاتها مع الذين وصفهم لك ابن
عطاء الله، واجعل علاقتك بالآخرين بالقدر الذي تضطرك إليها
ضرورات معايشك وواجبات وظائفك.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:29 pm

لاتصحب من لاينهضك حاله، ولايدلّك على الله مقاله

- بقي أن في الناس من يسأل: فكيف السبيل إلى تنفيذ هذه
النصيحة، بالنسبة لمن زجت بهم ظروفهم للعيش في المجتمعات
الغربية

بقي أن في الناس من يسأل: فكيف السبيل إلى هذه النصيحة الهامة،
لمن زجت بهم ظروفهم إلى العيش دواماً أو مؤقتاً، في المجتمعات
الغربية، الأوربية أو الأمريكية؟


- بيان الجواب مفصلاً: مع التنويه بمشكلة الفتاوى الشرعية
الجاهزة، استجابة لما يسمى اليوم بفقه الأقليات

وأقول: إن مناط الحلّ والحرمة في عمل هؤلاء الناس، يتمثل في
المناخ الذي يعيشون ويتقلبون فيه. فإن أتيح لهم أن ينسجوا
لأنفسهم مجتمعاً صغيراً يحيط بهم، يتألف من أفراد صالحين
ناصحين، لهم حال إسلامية تهيمن على بواطنهم، والتزام إسلامي
يضبط أعمالهم وسلوكاتهم، بحيث تتوفر لهم ولأولادهم في ذلك
المناخ أو المجتمع الصغير، النشأة الإسلامية والتربية
الإيمانية، بعيداً عن المؤثرات التي تعكر عليهم صفو حياتهم
الإسلامية، فلاحرج عليهم في أن يقيموا حيثما نحقق لهم فيه هذا
المناخ أو المجتمع الصغير.

أما إن لم يتمكنوا من أن ينسجوا
لأنفسهم هذا المناخ الذي وصفت، وكان شأنهم هذا الذي نراه
غالباً، من أنهم كلما أرادوا إيجاد هذا المناخ لأنفسهم تغلبت
عليهم واهتاجت من حولهم التيارات الضالة الفاسدة، فبددت لهم
المناخ وفتتّت نسيجه، واقتحمت عليهم دُورَهم ومؤسساتهم،
وملتقياتهم الأسرية والعائلية، لتلون حياتهم وأفكارهم شيئاً
فشيئاً بلون المجتمع الذي يقيمون فيه، ريباً في العقائد
الإيمانية، أو إعراضاً عن الالتزامات السلوكية، أو استئناساً
وتقبلاً لما يرونه حولهم من مظاهر الفسوق والعصيان، فليعلموا
أنهم إذن يخسرون، شيئاً فشيئاً، أثمن وأجلّ ما قد خلقهم الله
من أجله.. وليعلموا أن كل ما تسوله لهم نفوسهم من مبررات
بقائهم على هذه الحال، كالضرورات واقتضاء المصالح، ومستلزمات
الدعوة، أوهام باطلة لاتقرها موازين الشرع وأحكامه.

أما
الفتاوى التي تتوالى بتبرير ذلك كله وإعطائه السمة الشرعية
المقبولة عند الله عز وجل، فلاأشك في أنها فتاوى حِرَفية يبتغى
من ورائها مغنم دنيوي أو تجاوب مع سياسة مرسومة رعاية لمصلحة
فئة أو جماعة.. إن سائر تلك الفتاوى تحبك ثم تدار على محور أو
أساس ما يسمونه ((الضرورة)) وأشهد أن الضرورة الشرعية بمعزل عن
ضرورتهم التي يفترضونها أو يتخيلونها. الضرورة الشرعية
المعروفة هي تلك التي إن لم يراعها صاحبها، تعرّض هو أو أي من
زوجه وأولاده (يقيناً أو ظناً) لهلاك، من جراء جوع أو عري أو
شرود في العراء..

ولقد زرناهم في بلدانهم ومناطقهم التي
يقيمون فيها، وتعرفنا على أحوالهم وأوضاعهم، فلم نجد أي ضرورة
تطبق على أحد منهم أو تتابعه وتتهدده، إنما هي الرغبة في مزيد
من المتعة والتوسع. ويأتي ذلك كله - مع الأسف - على حساب
الأوامر الإلهية والأحكام الشرعية، نظراً لمقتضيات انسجامهم مع
الأنظمة السائدة والتيارات المهيمنة. وهي كلها مناقضة لدين
الله وهديه في المنطلق الأساسي وفي السلوكيات الجزئية
العملية.

وصفوة القول: أن المناخ أو المجتمع الصغير الذي يحيط
بالمسلم، والذي لاينهضه حاله إلى الانقياد لأوامر الله، بل
الشأن فيه أن يتخبطه كما يتخبطه الشيطان من المسّ وأن يهوّن
عليه سبيل الشرود عن أوامر الله ويبعث في نفسه مشاعر الاستخفاف
بمبادئه وأحكامه، ثم لايجد فيه مقالاً يدله على شرائع الله
وأوامره ويحذره من نواهيه، فهو مجتمع سيء آس يجب الإسراع، جهد
الاستطاعة، في الابتعاد عنه والتخلص منه سواء كان مجتمعه ذاك
جزءاً من دار كفر أو دار إسلام، كي لايقع يوم القيامة تحت
طائلة قول الله له { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً
فَتُهاجِرُوا فِيها } { النساء: 4/97 } .

أما إن كان المناخ
أو المجتمع الذي ينشط ويتحرك فيه، له حال ينهضه إلى الانقياد
لسلطان الله وأداء حق العبودية له، وفيه من التذكرة القولية ما
يبصره بأحكام الله وحدوده، وأمامه ومن حوله متسع يمكنه من
تنفيذ شرائعه وأحكامه وآدابه، فهو مجتمع إنساني مفيد، ولاحرج
في الركون إليه والإقامة فيه، سواء كان هو الآخر جزءاً من دار
كفر أو دار إسلام. وصدق الله القائل: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا
مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } { الملك: 67/15 }
.

فالأصل إذن، كما يقول الله عز وجل، الإباحة.. إباحة التنقل
والإقامة في بلاد الله الواسعة. ولكن حكم الإباحة يبقى أو
يتبدل، حسب الأسباب الطارئة والعوارض المتبدّلة، والمقياس، أو
الميزان ليس إلا هذا الذي ذكرته لك.

وإنما يقدر هذا المقياس
حق قدره ويعلم مدى أهميته، من عرف نفسه عبداً مملوكاً لله،
ودان لما بعد الموت، واتخذ دنياه التي يسعى إليها مطية لدينه
الذي خلق من أجله، وبوسعي أن أقول لمثل هذا الإنسان، مطمئناً:
استفت نفسك، وإن أفتاك المفتون.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:29 pm

الحكمة الرابعة والأربعون



ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسانَ منك صحبتُك إلى من هو
أسوأ حالاً منك

- بيان معنى الحكمة بمثال

هذه الحكمة مرتبطة بالتي قبلها ومتممة لها.

زيد من الناس مؤمن
بالله، يمارس إسلامه إجمالاً: يؤدي فرائضه الخمس، وينهض
بالواجبات الأساسية من الدين، ولكنه مقصر في جنب الله عز وجل،
منصرف إلى دنياه، منغمس في متعه وأهوائه، يصرف جلّ وقته
لمصالحه الدنيوية العاجلة... وهو في الوقت ذاته يركن إلى صحبة
أناس هم أسوأ حالاً منه، فاسقون، مارقون، لا يؤدون حتى الفروض
الأساسية التي يؤديها هذا الإنسان.

إن من شأن هذه الصحبة أن
تخيل إلى زيد هذا أنه نموذج للمسلم المستقيم على أوامر ربه،
وأنه من النخبة الممتازة في المسلمين، وأنه يؤدي حقوق الله
عليه، كاملة غير منقوصة!.. ولاريب أن هذا الخيال، إذ يستحوذ
على صاحبه يجرّه إلى أخطر النتائج وإلى أسوأ الأحوال، إذ ينسيه
مظاهر عيوبه وتقصيره في جنب الله.

إن المطلوب من الإنسان
المسلم أياً كان في واقعه ومستواه، أن يتيقظ إلى نقائصه
وعيوبه، وأن يتلمس في الناس الذين يريد أن يصطفيهم لصحبته، من
يكون عوناً له في الكشف عن عيوبه ومظاهر انحرافه وتقصيره.
وإنما يتيسر له العثور على هذه النخبة، عندما يحرص على أن
لايصاحب إلاّ من هو أسبق منه في الاصطلاح مع الله، وأكثر
التزاماً بأوامر الله. فإن هو تورط فوقع في نقيض ذلك، أعجبته
نفسه بحكم النسبية التي تفرض ذاتها عليه، من خلال صحبته
لأقرانه الذين هم أسوأ حالاً منه، فلم يجد ما يحفزه إلى النهوض
بنفسه نحو أي إصلاح، بل الشأن فيه أن يتراجع شيئاً فشيئاً إلى
التغلب وأن تجنح به النفس إلى حال من اللامبالاة!..

إن ثمة
عوامل كثيرة من شأنها أن تدفع مسلماً ما، على غرار زيد هذا
الذي وصفته لك، إلى مصاحبة من هم أسوأ حالاً منه. ولكن من أهم
وأخطر هذه العوامل، ما يحدّث به هذا المسلم نفسه، من أنه
سيتسرب إلى صفوف هؤلاء التائهين، فيصاحبهم، ويخلط نفسه بهم،
ويلقاهم على موائد عصيانهم، وفي تقلبات لهوهم، ريثما يستأنسون
به ويركنون إليه، وعندئذ يوظف استئناسهم به وركونهم إليه، في
توجيههم إلى الله، وإبعادهم عن الآثام والموبقات.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:30 pm

ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسانَ منك صحبتُك إلى من هو
أسوأ حالاً منك

- يندفع زيد من الناس إلى مصاحبة من هو أسوأ حالاً منه،
ليهديهم. ولكن الذي يحدث أنه يبتلى بأمراضهم وينجذب إلى
نقائصهم

ولكن الذي يحدث أنه يبتلى بأمراضهم، ويصيبه من رشاش
انحرافاتهم، وأول هذه الابتلاءات أنه يزداد زهواً بنفسه
وإعجاباً بها، كلما اختلط بهم ووقع على المزيد من انحرافاتهم
وسوء أحوالهم، إذ يرى نفسه يصلّي ولايصلون، ويصوم ولايصومون،
ويترفع عن الموبقات ولايترفعون.

وعندئذ بدلاً من أن يستأنسوا
به، يستأنس هو بسوء أحوالهم، وبدلاً من أن يركنوا إليه يركن هو
إلى فسوقهم، وإنما يتم ذلك كله في غمار صحبته لهم، وفي ظل
إعجابه بنفسه إذ يرى نفسه المتفوق عليهم والمتميز عنهم.

فهذا
ما يقوله ابن عطاء الله من خلال حكمته هذه، إنه يقول: ربما
خيلت صحبتك لمن هم أسوأ حالاً منك، أنك محسن في الالتزام
بأوامر الله، مستقيم في السير على صراط الله، وحجبتك عن شهود
نقائصك وعيوبك، وعن تقصيرك في جنب الله عز وجل.. وكلمة
((ربما)) هنا للتكثير، وليست للتقليل، فهي في الدلالة كقول
الله تعالى: { رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ
كانُوا مُسْلِمِينَ } { الحجر: 15/2 } .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:32 pm

ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسانَ منك صحبتُك إلى من هو
أسوأ حالاً منك

- قد تقول: فإن صح هذا، فلامجال إذن لتوجه المسلم إلى
دعوة التائهين والمنحرفين، وبيان الجواب عن ذلك مفصلاً

ولعلك تقول: فإن صح هذا الذي يقوله ابن عطاء الله، فلامجال إذن
لتوجه المسلم إلى دعوة التائهين والمنحرفين إلى الله ونصحهم
بالاستقامة على أوامر الله.

والجواب أن دعوة الضالين
والتائهين إلى الله، لاتستدعي أن يركن إليهم بالصحبة التي يحذر
منها ابن عطاء الله، إنها تستدعي الوقوف معهم، والحديث إليهم،
ومحاورتهم في أمور الدعوة ومستلزماتها.. وكل هذا يمكن أن يتم
دون حاجة إلى أن يمدّ الداعي إلى الله معهم علاقات صحبة.

إذن
من شأن هذه العلاقات إغماض العين عن المنكرات، والسكوت على
الموبقات، وفاء بحق الصحبة، وحماية لخيوطها أن تتقطع أو تهتز..
أما التوجه إلى التائهين بالدعوة والنصح، فإنما تستدعي نقيض
ذلك، من مفارقة المنكر بعد التنبيه إليه والتحذير منه، وفاء
بحق الغيرة على حرمات الله، والشفقة على عباد الله.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:33 pm

ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسانَ منك صحبتُك إلى من هو
أسوأ حالاً منك

- بيان الفرق بين اللقاء المحمود للنصح والدعوة، والصحبة
المذمومة التي يحذر منها ابن عطاء الله

وانظر إلى فرق ما بين الحالتين:

إن الشفقة على عباد الله
تقتضي ملاحقتهم بالتنبيه والتحذير والنصح، حتى إلى أوكار
معاصيهم، وملتقى لياليهم ومجونهم.. أما الغيرة على حرمات الله
فتستدعي عدم الاجتماع معهم على منكر، والافتراق عنهم لدى ظهور
المحرم.. وانسجاماً مع هذين المطلبين: مطلب الشفقة على عباد
الله، ومطلب الغيرة على حرمات الله، لايرى الربانيون والدعاة
المخلصون لله في دعوتهم، أي مانع من أن يقتحموا نادياً ليلياً
من نوادي المجون واللهو، للتوجه إلى من فيه بالتذكرة والنصح
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على أن يتوجهوا أولاً إلى
مدير إدارته أو المشرف على سير برامجه، فيطلبوا منه إعطاءهم
فرصة لدقائق محدودة، يتوجهون فيها إلى إخوانهم بشيء من التذكرة
والنصح، فيستجيب لهم، وعندئذ يدخلون إلى ذلك الوكر المظلم، غير
مبالين بظلامه، ولامبالين بمراكزهم التي تعلو عن الوجود في مثل
ذلك المكان، شفقة على إخوانهم من عباد الله.. ولكنهم لايجلسون
مع منكر ولايجتمعون معه دون إنكار له وتحذير منه، غيرة على
حرمات الله... فذلك هو شأن الدعوة إلى الله، وتقديم النصح
لعباد الله.

أما الصحبة التي يحذر منها ابن عطاء الله، فهي
فارغة عن كلا القصدين، لاهي منطوية على دافع من الشفقة على
الإخوة التائهين، ولا هي مصحوبة بالغيرة الصادقة على حرمات
الله عز وجل.

وإنما هي حال من أحوال الصداقة، يُبتغى منها حظ
النفس، وإزجاء الوقت، والاستئناس بالغير. وهي أبعد ما تكون عن
أداء رسالة أو تنفيذ مهمة، فضلاً عن أن تكون رسالة تقربٍ إلى
الله، وتنفيذاً لمهمة التعريف بدينه والاستجابة لأمره.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:34 pm

ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسانَ منك صحبتُك إلى من هو
أسوأ حالاً منك

- بيان سبيل التوفيق بين واجب صلة الأرحام، وهذه الصحبة
التي يحذر منها ابن عطاء الله

وربما استشكل بعضهم سبيل التوفيق بين هذا الذي ينبه إليه ويحذر
منه ابن عطاء الله، مما أوضحت معناه ملخصاً، وما قد افترضه
الله على عباده من مواصلة الأرحام والأقارب، حتى عندما يكونون
أو يكون فيهم التائهون أو الفاسقون الذين هم أسوأ حالاً من
قريبهم الذي أمره الله بمواصلتهم.

وسبيل التوفيق مقرر ومعروف.
على المسلم أن يصل أرحامه، كما قد أمر الله عز وجل، مهما كان
من علوّ المرتبة تمسكاً بأوامر الله واستقامة على نهجه
وشريعته، ومهما كانوا من سقوط المرتبة، شروداً عن أوامر الله
وعكوفاً على المحرمات.

غير أن صلته الواجبة بهم يجب أن لاترقى
إلى درجة الصحبة التي حدثتك عن معناها، وذكرت لك أنها حال من
أحوال الصداقة، بل يجب أن تقف عند حدود ما يسمى في مصطلح الشرع
((صلة الرحم)). وهي أن يلقاهم في المناسبات التي تستدعي
التزاور واللقاء، كالأعياد والأفراح والأتراح وأن يقدم لهم
العون الممكن عند طروء الحاجات وعوارض الضيق.

فإن وافاهم في
أي من هذه المناسبات، وهم عاكفون على معصية متلبسون بإثم، أدى
بلقائه إياهم واجب التواصل، ونصحهم بالإقلاع عن المعصية
والرجوع إلى جادة الشرع، فإن هم استجابوا فذاك، وإلاّ كرر
النصيحة والتذكرة لهم ثم فارقهم، معتذراً بأن الشرع لايخوّ له
البقاء معهم على تلك الحال... فإذا جدّت مناسبة أخرى، عاد إلى
مواصلتهم وزيارتهم تنفيذاً لأمر الله عز وجل.. فإن رأى في
مجلسهم منكراً كالمرة الأولى، عاد إلى نصحهم وتذكيرهم وتحذيرهم
من التعرض لسخط الله، فإن لم يجد آذاناً صاغية وبقي المنكر
موجوداً، فارقهم معتذراً كالمرة الأولى.

وهكذا دواليك، يكرر
المواصلة استجابة لأمر الله في صلة الرحم، ويكرر المفارقة، إن
رأى منكراً ولم يتمكن من إزالته، استجابة لأمر الله أيضاً، في
مفارقة المنكر وأهله.. وهو في كل ذلك مأجور ومثاب.

وليس هذا
من الصحبة التي يحذّر منها ابن عطاء الله في شيء... الصحبة
التي يحذر منها أن يتلاقى الأقارب في سهرات عائلية يتجاذبون
فيها أسباب المتعة، ويركنون فيها إلى اللهو والأنس المتبادل..
وتلك هي التي يجب أن تنضبط بالآداب التي ينبه إليها ابن عطاءا
لله في هذه الحكمة والتي قبلها.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:35 pm

الحكمة الخامسة والأربعون



ما قلّ عملٌ برز من قلب زاهد، ولا كثر عملٌ برز من قلب
راغب

- أجمع كلمة في تعريف الزهد..

لعل أجمع كلمة في بيان معنى الزهد أن يقال: إنه الإعراض عن كل
ما عدا الله عز وجل.. والمراد بالإعراض عزوف النفس، فمن عزفت
نفسه عن كل شيء سوى الله، من مال وجاه وأهل وولد، وشهرة، ومتع
بأنواعها، فهو الزاهد حقيقة. وتلك هي الحال التي وصفها الحارث
رضي الله عنه في نفسه لرسول الله ، عندما قال له: ((عزفت نفسي
عن الدنيا)) والدنيا كل ما سوى الله مما شغل عن الله.

وعزوف
النفس عن الشيء، لايستلزم الابتعاد عنه ونفض اليد منه،
فالمنديل الذي تتخلص به من الأقذار، تعافه نفسك وتعزف عنه،
بدون ريب، ولكنك تلجأ إليه في الوقت ذاته، كلما رأيت حاجتك
إليه.

كذلكم الدنيا، إذ تعزف نفس المؤمن عنها.. تبتعد عن مكان
الحب والاهتمام من نفسه، ولكنه يظل يستخدمها فيما قضى الله أن
تستخدم فيه. يبني الدار، ويضع فيها الأثاث، ويمشي في مناكب
الأرض بحثاً عن الرزق، له ولأهله وأولاده. يتعب فيأوي إلى
أسباب الراحة، وينعس فيوفر لنفسه ما ييسر له طيب الرقاد..
ولكنه لايكون مشدوداً برغائبه وعواطفه واهتماماته وثقته، خلال
ذلك كله، إلا إلى الله، فلاتكون دنياه التي يتعامل معها عندئذ
إلا كالحذاء إذ ينتعله الإنسان، يتقي به وحل الطريق وأشواكه
وأقذاره.

فهذا هو الزاهد، وكذلك يكون الإنسان الزاهد. وعلى
هذا المعنى ربى رسول الله  أصحابه: أن تكون أفئدتهم مطهرة من
حب الدنيا بكل مظاهرها المتنوعة، ولا عليهم بعد ذلك أن
يمارسوها ويستخدموها لكل من مصالح الدنيا والآخرة.

انظر إلى
قوله ومسلكه التربوي هذا، وقد دخل السوق مرة، والناس مكتنفون
به يميناً وشمالاً، فمرّ بجدي ميت، فتناوله بأذنه ثم قال: أيكم
يحبّ أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع
به؟ فقال: والله للدنيا أهون على الله عز وجل من هذا
عليكم(1).

وانظر إلى قوله، وهو يركز على توجه القلب إلى
الدنيا بالحرص والحب: ((ما ذئبان ضاريان جائعان باتا في زريبة
غنم أغفلها أهلها، يفترسان ويأكلان بأسرع فيها فساداً من حب
المال والشرف، في دين المرء المسلم))(2) .

ولقد فعلت هذه
التربية فعلها الكبير في نفوس الصحابة والرعيل الأول من
المسلمين فطهرت أفئدتهم من التعلق بما سوى الله عز وجل. ولما
اندلقت عليهم الدنيا بعد ذلك من شتى الجهات وعلى أعقاب
الفتوحات، سخروها لإقامة المجتمع الإسلامي كما يسخَّر الخادم
المهين، متحررين من سلطانها، مترفعين فوق ألقها وإغراءاتها.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:36 pm

ما قلّ عملٌ برز من قلب زاهد، ولا كثر عملٌ برز من قلب
راغب

- إذا أقبل الزاهد إلى الله بعبادة ما، فإنها مهما كانت
صغيرة، لاترتفع إلى الله إلاّ وهي كبيرة، تفصيل القول في
ذلك

فإذا أقبل هذا الزاهد إلى الله بعبادة أو طاعة ما، فإنها مهما
كانت قليلة وصغيرة، لاترتفع إلى الله إلا وهي كثيرة وكبيرة..
إن ركعتين يركعهما هذا الذي صفا قلبه من الانشغال بما سوى
الله، تنقلانه من دنيا الناس إلى شهود الله عز وجل. فهو إذ
يقرأ فاتحة الكتاب، يكون منصرفاً بكل مشاعره وفكره ووجدانه،
إلى ما يخاطب به رب العزة من آيات هذه السورة، وهو إذ يتلو
بعدها ما قد تيسّر له، يستغرق من ذلك في جوّ من النشوة
المنبعثة من شعور قربه إلى الله إذ يناجيه ببليغ بيانه وقديم
كلامه.. فإذا ركع ثم سجد، تاه عن الشعور بحركة أعضائه وانحناء
جذعه، وتمثل نفسه كتلة عبودية متذللة تترامى على أعتاب مولاها
العليّ الأعلى الجليل. وكم يلذّ لهذا العبد، وهو يتمرغ في
جنبات هذا الحال، أن يرسل حديث ذله وانكساره وضراعته، من تراب
الأرض التي نكّس رأسه ساجداً عليها، إلى علياء ربوبيته وسدّة
وحدانيته، مثنياً، شاكراً، معظماً، سائلاً ومستجدياً.

ذلك
كله، لأن القلب الذي هو مكمن المشاعر والأهواء والرغبات
والمخاوف، سائر معه، بل هو القائد له في الحضور الذي يعمر
كيانه، والخشية التي تنتابه، والتفاعل الذي يسري في مشاعره مع
مناجاته لله تعالى إذ يخاطبه في قراءته ودعائه وثنائه.

ولماذا
لايكون معه، بل القائدَ له في كل ذلك، وهو فارغ عن كل الشواغل
الدنيوية المختلفة، زاهد في كل ما سوى الله عز وجل (وقد عرفت
معنى الزهد) وإنما القلب مرآة لابدّ أن تنعكس عليها صُوَرٌ
مّا.

وإنما يتجلى على القلب الإنساني، بادئ ذي بدء، حنينه
الفطري إلى الله، واستئناسه بمشاعر عبوديته الصافية عن الشوائب
لله.. فإذا نشأ محصّناً ضد التوجه إلى مطامع الدنيا بكل ما
فيها من زخارف ورغائب، ازدادت مرآته صفاء، وازدادت التجليات
الفطرية عليها وضوحاً وتألقا ولم يعد فيه متّسع إلا لمشاعر حبه
لله وتعظيمه له ومخافته منه، وحنينه إليه.

وتغدو العبادات
والقربات التي يوفق إليها - عندئذ - صاحب هذا القلب، لامجرد
غذاء له يقوى ويترعرع عليه، بل مصدر سكره ومبعث نشوته، إذ
يزداد بذلك إقبالاً على الله عز وجل.

وقيمة هذه الطاعة،
لاتكمن - والحالة هذه - في كميّتها العددية، بل في كيفيتها هذه
التي وصفت. فقد تبدو هذه الطاعة؛ إذ يوفق إليها صاحبها، صغيرة
من حيث الكم الذي ترصده العين، ولكن الله لاينظر إليها بهذا
الاعتبار الذي هو مقياس الموازين البشرية، وإنما ينظر إليها من
خلال مدى يقظة القلب لها وتفاعله معها، وتأثره بها. ومن ثم فإن
هذه الطاعة التي تبرز صغيرة في أعين الناس واعتباراتهم لاتصل
إلى الله عز وجل إلاّ وهي كبيرة كبر القلب الذي قاد إليها،
واندمج بمشاعره العلوية معها. فركعتاه التي وفق هذا العبد
إليهما على النحو الذي وصفت، تعدل كنوز الدنيا كلها، وتعدل
قيام ليال كثيرة متوالية، عندما تكون الصلاة فيها حظاً من حظوظ
الجسد والأعضاء ويكون القلب بمعزل عنها، مثقلاً برغائبه
وأحلامه وأمانيه الدنيوية المسيطرة. فكيف إذا أصبح هذا القليل،
بتوفيق الله كثيراً، قبل أن يصعد إلى سدّة القبول الرباني؟!.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:37 pm

ما قلّ عملٌ برز من قلب زاهد، ولا كثر عملٌ برز من قلب
راغب

- أما صاحب القلب الراغب أو الطامع في الدنيا، فمها كانت
عباداته كثيرة وكبيرة، لاترتفع إلى الله إلا وهي قليلة
وصغيرة.. بيان ذلك

أما القلب الراغب، على حدّ تعبير ابن عطاء الله، فهو ذاك الذي
استهوته الدنيا، فاثّاقل من ذلك إلى الأرض، وتحول حبه الفطري
السابق لله إلى حب الشهوات والأهواء، وتعلق بالمال وجمعه، أو
بالرناسة والمجد، أو بالزخارف والمبتغيات الأرضية التي يتنافس
عليها المولعون بكل ماعدا الله، من المتع العاجلة التي تهفو
إليها النفس..

وصاحب هذا القلب، لابدّ أن يخضع لسلطانه،
ويتحرك تحت قيادته فيكدّ ويتعب، ويذهب ويجيئ، وينشط ليلاً
ونهاراً، في سبيل تحصيل ما يهفو إليه الفؤاد، وفي سبيل تحقيق
الأحلام التي يظل ينسجها لنفسه... فإن تحققت، انصرف إليها
القلب مبتهجاً ومنتشياً بها، بل متقلباً في سكره بها، وإن لم
تتحقق، أو تحقق منها البعض دون الآخر، اضطرب القلب ووقع من
جراء ذلك في همّ واصب.. فهو في كلا الحالين منصرف إلى دنياه
متطوح منها في مشاعر من سكر التنعم بها، أو ألم اللحاق ورائها
والأسف عليها. إنه حقاً كما قال الله عنه: { فَمَثَلُهُ
كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ
تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } { الأعراف: 7/176 } .

فما قيمة
الطاعات التي يقبل بها صاحب هذا القلب، إلى الله عز وجل؟

إنها
ليست، والحالة هذه، إلا شأناً من شؤون الجسم والأعضاء، تتم
بمعزل عن القلب الذي يفترض أن يكون هو الدافع والقائد.

وسواء
تمثلت هذه الطاعة في صلاة أو نسك حج، أو ذكر، أو قراءة قرآن،
أو ابتهال ودعاء، أو غير ذلك، فإن الذي يستقبل هذه الأعمال على
اختلافها إنما هو الكيان البدني، من جسم يتحرك، أو لسان ينطق،
أو أعضاء تؤدي وظيفة حركية اعتادت عليها، وكثيراً ما يصرفها
بعض رجال هذا الفريق، أصحاب هذه القلوب المثقلة بهذه الأعباء،
إلى فوائد ونتائج رياضية تقوم الجذع وتفيد الجسم!!.

أما القلب
فمعزول عن ذلك كله، ومشغول عنه بما قد حشي فيه وتعلق به من
الآمال والأحلام والآلام الدنيوية المتنوعة التي علمت نماذج
منها. والشأن في صاحب هذا القلب، أن يعيش، في أحسن أحواله،
مزدوج الشخصية والكيان، يؤدي حركات الصلاة بجسده وأعضاءه،
وقلبُه متطوّح في هم مشكلاته الدنيوية، أو منصرف إلى تخطيط
السبل الموصلة لآماله التوسعية. كذلكم العبادات والقربات
الأخرى. لايمكن أن ينعكس شيء من ذلك على مرآة قلبه حضوراً أو
خشية أو تفاعلاً ما بين البدن والشعور، وكيف ينعكس ذلك على
مرآته، وقد سبقته إليها كل الرغائب الدنيوية بسائر فروعها
الكثيرة المتنوعة، فاحتلت مساحة المرآة القلبية أجمع، ولم تبق
منها بقيةٌ لوافد جديد؟!..

فهذه الطاعة، مهما كبرت في حجمها،
أو زادت وكثرت في كمّها، لاتصل إلى الله إلا متضائلة صغيرة،
ولعلها لاتصل إليه، بل تذوب وتنتهي في مرقاة الصعود إليه، إذ
يذيبها أو يمزقها قانون: ((إن الله طيب لايقبل إلا طيباً))(1).

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 12:38 pm

ما قلّ عملٌ برز من قلب زاهد، ولا كثر عملٌ برز من قلب
راغب

- أخي القارئ: فلنتواثق أن نطهر قلوبنا من شوائب التعلق
بما سوى الله

أخي القارئ: فلنتواثق أن نطهر قلوبنا جهد الاستطاعة من شوائب
التعلق بما سوى الله، مستعينين على ذلك باستلهام المزيد من
معاني وحدانية الله عز وجل، وغرس المزيد من حقائقها
ومستلزماتها في عقولنا.. إذن سنعلم أن الله وحده هو مصدر كل
سعادة وخير، دنيا الناس خاضعة لأمره، لاتتحرك مقبلة أو مدبرة
إلا بتدبيره وسلطانه، والنعيم كلّه، العاجل منه والآجل، إليه
مردّه وبيده صنعه وبحكم منه وحده ظهوره واختفاؤه.

وفي هذا
اليقين - إذا استقر في العقل وسرى إلى القلب - ما يجعل آمال
الفؤاد وآلامه ورغباته متجهة إلى الله وحده، إذ إن مفاتيح
الخير كلها بيده، ومغاليق الشر كلها إليه.

هذا، فضلاً عن أن
قلب الإنسان، كان ولايزال وعاء مهيأ لحب الله وحده، بهذا نطقت
الفطرة، وبذلك شهدت قصة بدء الخلق، فلنكن رقباء على أوعية
قلوبنا هذه أن لاتدنسها محبة الأغيار، أياً كانت، ولنضع كل شيء
من المكونات التي حولنا في مكانها المناسب. إن فيها مبتغيات
لاتصلح حياتنا الدنيوية بدونها، فلنضعها من حياتنا في المكان
أو المركز الذي هيئ لها، دون أن تتجاوزه وتتعداه، ولقد يسّر
الله إلى ذلك سبيلاً سهلة، عندما سخرها لنا، وأخضعها
لاحتياجاتنا.. ففيم نرقى بها إلى مستوى القيادة والحكم، ثم
نبلغ بها من حياتنا إلى سدة التعلق والحب؟..

إننا إن فعلنا
ذلك (ولن يتأتى إلا بجهاد ولون من الصبر والمصابرة عليه) عظمت
طاعاتنا عند مولانا عز وجل، وإن بدت في أعيننا أو في ميزان
قدراتنا حقيرة صغيرة، أياً كانت هذه الطاعات، وإلى أي الأعمال
الصالحة كان انتماؤها.

ولكنا إن أعرضنا عن هذا الواجب الجهادي
الكبير، واستسلمنا للأهواء التي تتسرب إلى مكمن الحب من
قلوبنا، واكتفينا من حقائق التوحيد، بشهادتها التي يكررها
اللسان، ويغيب عن معناها الجنان، فلنعلم أن حب العاجلة
الدنيوية، بكل أنواعها وأشكالها، لابد أن يحتلّ قلوبنا، التي
كان ينبغي أن تكون وقفاً على محبة الله وتعظيم الله والخوف من
الله وحده.

وعندئذ مهما برزت الطاعات والقربات لله تعالى
عظيمة جليلة في أبصارنا، فلن تصل إلى الله عز وجل إلاّ حطاماً
زائفاً.

وصدق رسول الله  إذ قال: ((إن الله لاينظر إلى صوركم
وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))(1).

يتبع باذن الله الحكمة السادسة والاربعون .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:17 pm

الحكمة السادسة والأربعون



حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من نتائج
التحقق في مقامات الإِنزال

- بيان معنى هذه الحكمة إجمالاً

هذه الحكمة تأتي كالتتمة أو التوضيح لما تم بيانه في الحكمة
التي قبلها.

والمقصود بالأعمال القربات والطاعات الظاهرة التي
يؤديها المسلم ببدنه، كالصلاة والصوم والحج، والصدقات وأعمال
الدعوة إلى الله.

والمراد بالأحوال التوجهات القلبية إلى الله
عز وجل، من حب وتعظيم وخوف ومهابة..

والمراد بمقامات الإنزال،
الرتب التي يتدرج فيها العبد، إذ يعزم على السير إلى الله،
والتخلص من آفاته النفسية التي تصدّه عن ذلك.

معنى هذه الحكمة
إذن أن القربات والطاعات الظاهرة التي يؤديها المسلم إنما
تتحقق فيها صفة الحسن والصلاح، بحيث تكون مقبولة عند الله عز
وجل، بتوفر الإخلاص له في أدائها، وصفائها من شوائب العجب
والرياء والغفلة عن الله تعالى.

غير أن هذه الصفة لاتتوفر في
الأعمال إلا بنقاء الأحوال، أي بأن يكون القلب خالياً عن
التعلق بالأغيار، على نحو ما تم بيانه في الحكمة السابقة..
ولكن كيف السبيل إلى أن يتطهر القلب من التعلق بالأغيار، حتى
يتكوّن له من ذلك حسن الحال، الذي به تحسن وتصلح
الأعمال؟

سبيل ذلك أن يأخذ المسلم نفسه متدرجاً بالمقامات أو
الرتب التي تنزله أخيراً منزلة الأبرار الذين حسنت أحوالهم،
فصفت وصلحت أعمالهم.

وسأضعك من هذه المقامات أو الرتب، أمام
الظواهر السطحية التي تتناسب مع حالي وحالك. إذ لسنا من هذه
المقامات إلا أمام شاطئ رقراق طويل، لابدّ من اجتيازه بسلامة
وفهم، قبل بلوغ عمقه المتلاطم.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:19 pm

- بيان المعنى المراد بمقامات الإنزال، والبدء ببيان
المقام الأول، وهو مقام التوبة

المقام الأول الذي لابدّ منه لاكتساب الحال القلبية السليمة مع
الله عز وجل، هو التوبة. ولايقولن قائل: إنني لم أرتكب ما
يقتضي التوبة من الموبقات أو الآثام، فليس في الناس من لم يقصر
في جنب الله عز وجل واستطاع أن يوفيه كامل حق الربوبية عليه.
حتى الرسل والأنبياء - وقد ثبتت لهم صفة العصمة - لم يتسنّ لأي
منهم أن يؤديه هذا الحق الذي يتمثل في منن ونعم كثيرة لاحصر
لها، ولاتستطيع القوى الإنسانية أن توفيه حقها. هذا بالإضافة
إلى أن الناس كلهم - حاشا الرسل والأنبياء - كانوا ولايزالون
خطائين، وخير الخطائين التوابون. ولله عز وجل حكمة باهرة في
الضعف الذي ابتلى الله عباده به، والذي تسبب عنه تعرّضهم بين
الحين والآخر لآفات المعاصي والانحرافات، ولكن لامجال هنا لبسط
الحديث عنها. فلذلك يقول الله تعالى خطاباً لعباده المؤمنين
جميعاً { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } { النور: 24/31 }
.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:20 pm

- المقام الثاني مقام الصبر

المقام الثاني من مقامات الإنزال التي يتحدث عنها ابن عطاء
الله، مقام الصبر، وهو من مستلزمات التوبة، ولا وجود ولا معنى
له إلا على أعقابها. إذ الإنسان قبل التوبة يتبع نفسه هواها
بشكل كلي أو جزئي، ومن ثم فلاحاجة له إلى الصبر. ولكن إذا تاب
توبة صادقة وعزم على الابتعاد عن الآثام والموبقات، فقد بدأت
رحلته إلى الله على طريق الصبر. وهو لون عزيز وغالٍ من الجهاد،
يمتاز بالشدة في مجال التحمل، وبالثمرات العالية في نهاية
التسيار.. وهو صبر عن الاستجابة للأهواء الجامحة، وصبر على
أداء الواجبات والنهوض بالقربات، وصبر على الغيبوبة عن كل ما
سوى الله، بأن لايقيم بعد الله وزناً لمدح المادحين ولا لقدح
القادحين، ولا لدنيا ازدهرت أمامه بإقبالها أو اكتأبت أمامه
بإدبارها.

ومعنى الصبر في هذا الطريق، أن يأخذ السالك نفسه
شيئاً فشيئاً بأداء هذه المهام، مستعيناً في ذلك بدوام
الالتجاء إلى الله وطلب العون منه، موقناً أن لاحول له ولا قوة
في تحمل شيء من هذا الجهد، إلا بالله عز وجل، واضعاً نصب عينيه
قوله عز وجل: { وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللَّهِ } {
النحل: 16/127 } .

واعلم أن للصابر حالتين قد تبدوان
متناقضتين:

الحالة الأولى: الشعور بالشدة التي لاقبل له
بتحملها والصمود أمامها، ومآل هذه الحال أن ينصرف عن تجربة
الصبر وقد فشل في السير على طريقها، بدءاً من الخطوات الأولى،
وإنما تكون هذه الحال عندما يعتمد الصابر في ذلك على نفسه،
ناسياً أن لاقبل له بذلك إلا بعون من الله عز وجل.

الحالة
الثانية: الشعور بالتوفيق إذ يغالب الشدة فيغلبها، ويكابد
المشقة فيتحملها. وإنما يكون ذلك عندما يستعين الصابر على صبره
بالله، موقناً أنه لايملك لنفسه حولاً ولاقوة، وأن العون
والتوفيق والقدرة على الصبر، إنما يأتي ذلك كله من عند الله عز
وجل، فيجعل من التجائه الدائم إلى الله داعياً متضرعاً
منكسراً، أن يمدّه بالتوفيق والثبات وأن يكسبه القدرة على
الصبر الذي أمره به، ترجمان ثباته وصبره، ومآل هذه الحالة
الثانية أن يزدهر الصبر بالوصول إلى غايته ومآله، وأن يفوز
الصابر بما قصد إليه وابتغاه، وإن طالت المدة وكثرت المعاناة..
فتتحول صعوبات الصبر، بلطف الله وتوفيقه، إلى اعتياد ويسر،
وتنقلب مرارته في النفس إلى حلاوة وأنس.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:21 pm

- المقام الثالث مقام الرضا

المقام الثالث في مدارج السالكين على هذا ا لطريق، مقام الرضا.
وهو من أهم ثمرات الصبر ونتائجه، إذا ثابر عليه المؤمن
وصبر...

والسبيل إلى بلوغ الصابر المثابر على صبره، منزلة
الرضا، يتمثل في أن يعلم أنه ينال الأجر الذي ادّخره الله
للصابرين، وهو أجر عظيم عبّر البيان الإلهي عن أهميته وعظمته
بقوله: { إِنَّما يُوفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ
حِسابٍ } { الزمر: 39/10 } .

وهو من أهم أسباب محبة الله
للعبد، كيف لا وهو القائل: { فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَما اسْتَكانُوا وَاللَّهُ
يُحِبُّ الصّابِرِينَ } { آل عمران: 3/146 } .

فإذا أحب
الله عبده، توهج، من ذلك، قلب العبد بالحب له عز وجل، كما قال
سبحانه: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } { المائدة: 5/54 }
وتَرتُّبُ الفعل الثاني على الأول في الآية ملاحظ ومقصود..
وإذا هيمن حب الرب عز وجل على قلب العبد، حلّ الرضا فيه بكل ما
يأتيه من قبل الله عز وجل، محلّ الصبر على الضيق والضجر من
المصائب والنوائب التي تنتابه فيغيب الصبر على البلاء ويحلّ
محله الرضا بالقضاء.

وفي الناس، كما روى حجة الإسلام الإمام
الغزالي، من يرى أن الإنسان لايملك، أمام المصائب والأحداث
التي تخالف الرغبة والهوى، إلا الصبر، ويقول لو رضي الإنسان
بالمصيبة كما يرضى بالنعمة، إذن لسقط الفرق بينهما، ولاجتمعا
تحت اسم النعمة والمتعة، فلم يعد في حياة هذا الإنسان وشعوره
ما يسمى مصيبته قط!(1)..

وإنما يدخل هذا الوهم على أصحابه، من
جراء جهلهم بحب العبد لله عز وجل أو من جراء إنكارهم له.. فأما
من عرف أن قلب الإنسان إذا صفا عن الأغيار، توجه، بالضرورة،
بسائق الحب إلى الله، فلابدّ أن يوقن بأن الحب ينقله من منزلة
الصبر إلى منزلة الرضا بكل مايأتيه من عند الله عز وجل.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:22 pm

- بيان العوامل التي ترقى بالسالك إلى مقام الرضا صافياً
عن منغصات الصبر

ويتحقق الرضا، ويصفو عن منغصات الصبر، بعاملين اثنين ذكرهما
الإمام الغزالي، أذكرهما لك بإيجاز، وأضيف إليهما عاملاً
ثالثاً أحسب أنه من الأهمية بمكان.

العامل الأول: ما يفعله
الحب عادة في كيان المحب إذا تفاقم أمره وهيمن سلطانه، من حجز
مكامن الشعور ومصادر الإحساس فيه، لحسابه. فتمرّ به الآلام
وتنوشه الأوجاع، دون أن يلقي لها بالاً، أو أن يشعر لها بالوقع
الطبيعي الذي يشعر به سائر الناس، فيحدث الحب في كيانه ما
يفعله المخدّر، وإنما ينكر هذا أو يرتاب فيه من لم يجرفهم
سلطان هذا الحب، فلم يتذوقوه ولم يعرفوه.. وإنكارهم لذلك يستند
إلى برهان صحيح لامطمع في نقضه، ولكن ضمن حدود تجاربهم الذاتية
الخاصة بهم، ومن ثم فمن الخطأ أن يقيسوا الآخرين، في ذلك، على
أنفسهم.

والحب الرباني إذا هيمن على قلب الإنسان، سرى منه
تأثير (لاترى مثله في مشاعر حب الإنسان للإنسان) إلى كيانه
الشعوري أجمع، وتسربت منه نشوة بالغة إلى مكامن الإحساس
وجذوره، قد تتمثل في أنس وشوق، وقد تتمثل في إجلال وتعظيم، من
شأنها أن تصادر إحساس المحب لحسابها، وأن تصرفه عن الشعور
بالأغيار إلى الذات الإلهية التي هيمن حبها على مجامع
القلب.

العامل الثاني: ما يحدث كثيراً من تلذذ المحب بالألم
الذي يفد إليه من محبوبه فالمحب في هذه الحالة يشعر بوقع
المصيبة وآلامها، ولكن الحب المهيمن على قلبه، لمن جاء هذا
الألم من عنده أو بسببه، يجعله يتلذذ بالألم مع شعوره
به(1).

وإنا لنعلم أن في الحب الأرضي الذي يسري ما بين الناس،
بعضهم مع بعض، ما يزج المحب في هذه الحال، فيعرِّض نفسه لأذى
محبوبه بل يرجوه أن يذيقه بيده الرائعة الجميلة من أذاه، وإنه
ليتأوه إذ يشعر بالألم، ولكنك لاتدري كم يلذّ له هذا التأوه،
إذ يطلقه على سمع محبوبه. فكيف إذا استحكمت محبة العبد لمالكه
وخالقه عز وجل؟ لاريب أن كل آلامه التي قد تفد إليه منه جل
جلاله لاتأتيه إلاّ وهي مكسوّة بأردية الرضا بالله عز
وجل.

أما العامل الثالث الذي أضيفه إلى هذين العاملين اللذين
ذكرهما الإمام الغزالي، فهو ثقة العبد بالله عز وجل، والمفروض
أن جذور هذه الثقة ملازمة لإيمان العبد بالله عز وجل في كل
المنازل والأحوال، إذ إن الإيمان بألوهية الله عز وجل، تستلزم
الإيمان بحكمته. والإيمان بحكمة الله يستلزم الثقة بعدله
ورحمته وفضله في كل ما قد يفد منه، حتى وإن لم يتبين له وجه
ذلك.

إلاّ أن هذه الجذور تنمو وتزدهر وتقوى في مشاعر الإنسان
ويقينه، في ظلال حبه لله عز وجل. فثقة العبد الذي فاض قلبه
حباً لله عز وجل، أضعاف الثقة التي يشعر بها المؤمن الذي ليس
بينه وبين الله عز وجل إلا عقد الإيمان العقلي به، مع انصراف
قلبه إلى ما هو مشدود إليه من الرغائب والأهواء. إذن فمحبة
الله عز وجل تنمي الثقة به وترسخ اليقين التام بلطفه ورحمته
وعدله في كل ما يقضي به، مهما كان في ظاهره مبعث شدة
وآلام.

ومن شأن هذه الثقة إذ تتنامى في كيان المسلم وتبلغ حدّ
الكمال، أن تكسبه الرضا التام بكل ما يقضي به الله تعالى
ويختاره له.

وليس دقيقاً أن نضرب مثلاً له، ثقة المريض بطبيبه
الجراح إذ يستسلم لمبضعه ساكتاً على ما يشعر به من آلام. ذلك
لأن مبعث الثقة بالطبيب في نفس المريض حديث الناس عن عميق
خبرته وعن واسع نجاحه في عملياته الجراحية، ومن شأن هذه الثقة
أن تحمل المريض على الصبر لا أكثر. وهي منزلة دون منزلة الرضا
التي نتحدث عنها، كما قد مرّ بيانه.. أما مبعث الثقة بالله في
حديثنا هذا، فهو بعد الإيمان العقلي به عز وجل، عظيم محبته له.
فإذ استسلم هذا المحب لما يأتيه من عند الله عز وجل، من
المنغصات والآلام، فإنما يستسلم له بسائق من الرضا بحكمه، وذلك
هو شأن الحب فيما يفعله في كيان المحب تجاه المحبوب، وقد ترجم
هذه الحقيقة على خير وجه المثل الدارج القائل: ((ضرب الحبيب
زبيب)). والألم الذي يجده المحب يترجمه صاحبه إلى لذة من نوع
فريد لايعرفه إلاّ هو، ومن كان على شاكلته.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:23 pm

- لايقولن قائل: إن هذا التكلف في تشقيق القول عن الصبر
والرضا لم يكن مألوفاً في عصر الصحابة

ولايقولن قائل: إن هذا التكلف في تشفيق القول عن الصبر والرضا
والفرق بينهما، لم يكن مألوفاً ولا معروفاً في عصر الصحابة..
فإنا نقول: بل إن هذا الإنكار الذي يأتي قفزاً فوق الأدلة، هو
التكلف الممجوج الذي تنزه عنه أصحاب رسول الله  والرعيل الأول
من المسلمين.. لقد صح أن سيدنا عمران بن الحصين أثبته المرض
العضال على سرير من خوص النخل ثلاثين عاماً دون أن تفارق
البسمة شفته، ولما دخل عليه مرة مطرّفٌ وأخوه العلاء، ورأى
العلاء أخاه على هذه الحال، أخذ يبكي. فقال له: عمران لم تبكي؟
قال له: لهذه الحال التي أنت فيها. فقال له عمران: مه، فإن
أحبه إلى الله أحبّه إليّ.. فانظر كيف غاض الصبر في ضرام هذا
الحب وتجلّى في محلّه الرضا(1).

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:24 pm

-بقي أن في الناس من يقول لو جاز الرضا عن كل شيء لأنه آت
من عند الله، لجاز الرضا إذن بكفر الكافر وبيان الجواب عن
ذلك مفصلاً

بقي أن في الناس من قد يقول: لو جاز الرضا عن كل شيء لأنه يأتي
من عند الله عز وجل، لجاز الرضا بكفر الكافر ومعاصيه!!.. بل إن
في الناس من لم يفهموا معنى هذا الذي تم بيانه، فأدركوه على
نحو غير صحيح، وراحوا يقولون بضرورة الرضا بالفجور والفسوق،
وضرورة ترك الاعتراض، لوجوب الرضا والتسليم بقضاء الله عز
وجل.

ولقد أجبت عن هذا الوهم بتفصيل وبسط في أواخر كتابي
(الإنسان مسيّر أو مخير). وهاأنا أذكره هنا ملخصاً بالقدر الذي
يتناسب مع شرح هذه الحكمة:

هنالك فرق كبير بين القضاء
والمقْضِيّ. القضاء معنى مصدري كما هو واضح، أما (المقضيّ)
فاسم مفعول ينطبق على الوقائع الكونية والتصرفات الإنسانية
التي تعلق بها المعنى المصدري، وهو قضاء الله عز وجل.

فعلم
الله المصحوب بإرادته المتعلقة بإيجاد مادة الخير والشر مثلاً
(أي ما به يحصل فعل كل من الخير والشر) قضاء الله وحكمه.. وأما
إقدام الإنسان على تسخير مادة الخير أو الشر لكسبه وإيجاده،
فهو المقضيُّ الذي جاء نتيجة للقضاء الإلهي بإيجاد مادة الخير
والشر، وإقدار الإنسان على فعل كل منهما.

فإذا تبين لك الفرق
بينهما، فاعلم أن رضا العبد عن الرب يستلزم الرضا بالقضاء دون
المقضي. ذلك لأن قضاء الله تابع لعدله وحكمته، فبينهما لزوم
دائم لا انفكاك له. ومن ثم فإن رضا العبد بقضاء الله ضروري ما
دام موقناً بأنه عز وجل عادل وحكيم. ثم إن هذا الرضا يزداد
رسوخاً وقوة بالعوامل التي ذكرتها لك.

ولكن - وقد عرفت الفرق
بين القضاء والمقضي - هل يستلزم الرضا بقضاء الله الرضا بالأمر
المقضي؟ أي هل يستلزم الرضا بقضاء الله بجعل الناس أحراراً
مختارين يختارون لأنفسهم الإيمان أو الكفر، الرضا بالمقضيّ
المتمثل في كفر كثير منهم وممارستهم للفسوق والعصيان؟

يجب أن
نعلم أنه لايوجد بين هذين الأمرين أي لزوم، ذلك لأن رضاك بقضاء
الله هو رضاك بما يتمتع به زيد من حرية الاختيار ومن القدرة
على اتخاذ القرار، ولاريب أن لله في ذلك حكمة باهرة، أما رضاك
بالمقضيّ فهو يعني انضمامك إلى زيد في اختيار ما اختاره من
الكفر ورضاك به. وهذا ما لايرضى به الله تعالى، ولايرضاه لك،
كيف وهو القائل: ((ولايرضى لعباده الكفر)).

وإن رضاك بقضاء
الله في دفعه الناس بعضهم ببعض، كما نص في محكم بيانه، يعني
رضاك بأن يبتلي الله الناس بنوازع الأثرة والاستبداد وحب
الذات، بالإضافة إلى ما متعهم به من حوافز الإيثار والمسامحة
ونكران الذات، وإلى ما علمه وأراده لهم من التفاوت في القدرات
والملكات والممتلكات (وهذه كلها مواد جاهزة لاستصناع كل من
الخير والشرّ منها) وهذا الرضا من أوليات الدين ومن أهم نتائج
محبة الله والثقة بعدله وحكمته.

أما رضاك بالشر الذي يصنعه
كثير من الناس من مجموع تلك المواد التي قضى الله بإيجادها
وتجهيز الإنسان بها، عن طريق العدوان وإزهاق الأرواح البريئة،
فهو رضاً بالمقضيّ!.. وليس بينه وبين الأمر الأول أي ترابط أو
لزوم. ولاشك أن رضاك بهذا المقضيّ هو رضاً بالشرور الذي استوقد
أولئك الناس نيرانه، ومن ثم فإن الرضا به في حكم الاشتراك في
صنعه، وهو محرم بدون ريب.

وربما استشكلت هذا الذي أقوله، بما
يخيل إليك من أنه كلما وجد القضاء وجد المقضيّ، وكلما فقد
الأول فقد الثاني، ومن ثم فإن الرضا بالقضاء يجرّ إلى الرضا
بالمقضي، وهو يعني ضرورة الرضا بكفر الكافر وجحوده، وهو ما
لايتفق مع أوليات الدين وبدهياته.

والجواب أن قضاء الله ينقسم
إلى قسمين، كما هو معروف في بابه، أما القسم الأول منه فيتعلق
بالأمور التكوينية القهرية، التي لا دخل لإرادة الإنسان وحريته
فيها. كتقلب الليل والنهار واختلاف الأزمنة، وهطول الأمطار
وهبوب الرياح واخضرار العشب والنبات والزلازل والأعاصير.

وأما
القسم الثاني منه، فمردّه إلى اختيار الإنسان وتصرفاته
التكليفية وقضاء الله في هذا القسم يعني كما ذكرنا علمه
وإرادته بخلق عناصر الخير والشر في طريق الإنسان مع إقداره على
أن يستجيب لأوامره فيستخدمها في الخير وعلى أن لايستجيب لها،
فيستخدمها في الشر الذي نهى عنه.

إذا تبين هذا فاعلم أن بين
القضاء والمقضي في القسم الأول تلازماً مضطرداً. فقضاء الله
باختلاف الليل والنهار هو المصدر الذي إليه مردّ وقوع هذا
الاختلاف، والاختلاف الفعلي هو النتيجة التي لابدّ منها والتي
لاتصدر إلا من قضاء الله بذلك، ومن ثم فإن الرضا بقضاء الله في
هذا القسم لابدّ أن يسري إلى الرضا بالمقضي.. وهذا يقتضي أن
نقول: إن الرضا بقضاء الله بوقوع كارثة في مكان ما، كزلزال
وخسف، يستلزم الرضا بالمقضي الذي هو وقوع تلك الكارثة فعلاً في
ميقاتها الذي حدده قضاء الله عز وحل. وفي هذا إشكال كبير يشعر
به الباحث لأول وهلة.

ولكن الأشكال ينمحي في ظل ثقة العبد
بحكمة الله عز وجل.. إن الرضا، في ظل هذه الثقة، لايكون
بالكوارث من حيث ذاتها أي من حيث هي كوارث، وإنما لما قد يكون
فيها من إيقاظ وإصلاح وتربية، يعود أثره إلى الناس بالخير
والشر.

أجل.. فإن اليقين المجرد بحكمة الله وعدله ورحمته، من
شأنه أن يوحي إلى النفس أن كل ما قد يواجه الإنسان من الكوارث
والمصائب، خاضع لسلطان بيان الله القائل: { وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ
تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } { البقرة: 2/216 } فكيف إذا
صاحب هذا اليقين الحب؟ إن النفس عندئذ تتلقى، مع هذه الثقة
طمأنينة القبول والرضا، كما قد فصلت لك من قبل.

ولا أرى
مثالاً أشبه بهذا الذي أقول، من المحب الصادق، إذ يتلقى ضربة
موجعة من محبوبه، إن هذه الضربة بحدّ ذاتها من أوضح أنواع الشر
الذي تكرهه النفوس، بما فيها نفس هذا المحب. ولكنه عندما يرى
نسبة هذه الضربة إلى محبوبه الذي هو متعلق به، يختفي منها كل
معاني الشر والإيلام، ويتلقاها منه بكامل الرضا والسرور، فكيف
إذا وثق بأن محبوبه حكيم ودود رحيم، لايقدم على ما أقدم عليه
إلاّ لمصلحة رآها‍؟‍!..

أما القسم الثاني من القضاء، وهو ما
كان مردّه إلى اختيارات الإنسان وتصرفاته التكليفية، فإن
المقضي الذي تعلق به قضاء الله في هذا القسم، إنما هو واقع ما
يتمتع به الإنسان من الحرية والاختيار.. ذلك هو القضاء، وهذا
هو مقضيّه، ولاشك أن بينهما تلازماً بينا، وليس في ذلك أي
إشكال. إذ التلازم قائم بين قضاء الله بأن يكون الإنسان حراً
مختاراً، وبين أحد خياري الخير والشر إذ يتسنى للإنسان أن يتجه
إليه. ولا إشكال في أن يرضى المؤمن بقضاء الله في حق الإنسان،
وأن يرضى بالمقضي الذي هو القدرة السلوكية على التوجه إلى أيّ
من الخير أو الشر.

ولكن أفيستوجب هذا أن يرضى أحدنا بالمعصية
التي اختارها زيد من الناس؟ لا، لأن المقضيّ ليس هو اختياره
للمعصية بالذات، حتى يستوجب الرضا بالقضاء الرضا بها.. وإنما
المقضيّ تمكنه من اختيار أحد الشيئين: الطاعة أو
المعصية.

وإذا تبين هذا، فإن واجب المسلم أمام قضاء الله هذا
(أي القسم الثاني منه) يتلخص فيما يلي:

أولاً: وجوب الرضا
بالقضاء الذي قضى به في حق عباده: أن يخلقهم مختارين قادرين
على اتخاذ القرار الذي يشاؤون، ووجوب الرضا بالمقضي الناتج
عنه، وهو تمتعهم فعلاً بهذه المزية، بعد خلقه لهم.

ثانياً:
وجوب الرضا بما سيختاره المسلم إن كان طاعة مما قد أمر الله
به، ووجوب عدم الرضا بما سيختاره إن كان معصية مما قد نهى الله
عنه.

هذا باختصار هو الجواب عن هذا الإشكال. فإن بقيت في نفسك
شائبة منه، أو كان في فكرك غموض في بعض ماقد أوضحت، فارجع إلى
كتابي (الإنسان مسير أو مخير) بدءاً من الصفحة 220 فما بعد،
تجد تفصيلاً وافياً لهذه المسألة.

* * *

إذن فصلاحية
الأعمال تتوقف على حسن الأحوال، ويتلخص حسن الأحوال في فراغ
القلب من الشواغل وعدم تعلقه بالأغيار، ليصفو له التوجه إلى
الله حباً ومهابة وتعظيماً، وحسن الأحوال رهن بالتحقق، أي
التدرج السلوكي في مقامات الإنزال.

وقد علمت أن أول هذه
المقامات التوبة، يليها الصبر والمثابرة عليه، يليه الرضا الذي
يحيل مرارة الصبر إلى حلاوة، ويسقط الفرق بين المنح والمحن،
وبين إقبال الدنيا وإدبارها، وبين الشدة والرخاء.

وقد علمت أن
من أهم العوامل التي تنقل المؤمن إلى منزلة الرضا، الحب. وإنما
يزدهر الحب في القلب على أعقاب الصبر إذ يصبر ويثابر عليه
السالك.

ولكن فكيف السبيل إلى ذلك كله؟.. كيف السبيل إلى
التدرج في هذه المنازل، حتى يصل إلى هذا الشأو؟

لاسبيل إلى
ذلك إلاّ الإكثار من ذكر الله.. فهو وحده عدّة السالكين،
وبمصباحه يستنير الطريق، وبأسراره تزول العوائق وتردم الأخاديد
وتتحطم التضاريس.

ولكن ماهي آداب الذكر وسبيله، والرتب التي
يتدرج فيها الذاكر؟

يجيب ابن عطاء الله عن ذلك في الحكمة
التالية.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:25 pm

الحكمة السابعة والأربعون



لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود
ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره. فعسى أن يرفعك من ذكر مع
وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة. ومن ذكر مع وجود يقظة
إلى ذكر مع وجود حضور. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع
غيبة عما سوى المذكور {وَما ذَلِكَ عَ

- المراد بالذكر الذي يكثر القرآن من الأمر به

المراد من الذكر الذي يكثر القرآن من الأمر به وبيان مدى
أهميته، التذكر، وهو عمل من أعمال القلب أو النفس ينافي
الغفلة. يقول الله عز وجل: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ
تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ
بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ } {
الأعراف: 7/205 } .

فذكر النفس هو التذكر، وقوله: ولاتكن من
الغافلين، تأكيد لهذا المعنى المطلوب، وتحذير من الوقوع في
نقيضه وهو الغفلة.

بيد أن الذكر اللساني واحد من السبل
الموصلة إلى الذكر القلبي الذي هو التذكر. لذا فقد كان رسول
الله يوصي ويأمر به. روى الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم
من حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه، أنّ رجلاً قال: يارسول
الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبث به،
قال: ((لايزال لسانك رطباً من ذكر الله)).

ولاريب أن أمره 
بالذكر اللساني، أمرٌ بما لابدّ منه للوصول إلى الذكر القلبي
الذي هو المبتغى والمقصود.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:26 pm

في الناس من يرى أن لافائدة من الذكر اللساني مع غفلة
القلب، فتحدثه نفسه بالتوقف عن الذكر اللساني

غير أن في الناس من يتطلع إلى الغاية التي أمر الله بالذكر من
أجلها، فلايجد في نفسه سبيلاً إليها، وينظر فيجد أن لسانه الذي
يذكر الله به في واد، ومشاعره وهواجسه النفسية في واد آخر،
فتحدثه نفسه بأن يتوقف عن الذكر اللساني، نظراً إلى الغفلة
الدائمة التي تصاحب ذكره.

- ولكن ابن عطاء الله يحذر من ذلك، لأن الذكر اللساني
طريق لابدّ منه إلى يقظة القلب

يقول ابن عطاء الله له: لاتترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه،
لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره.

وقد عدد
الشيخ أحمد زروق رحمه الله ذلك في ثلاثة أسباب:

السبب الأول:
أن في الذكر اللساني إقبالاً إلى الله، بوجه ما، وفي انقطاع
اللسان عنه غفلة وإعراض عنه بالكلية.

السبب الثاني: أن في
الذكر اللساني تزيين جارحة من جوارح الجسم بالعبادة، وفي
انصراف اللسان عنه حرمان من ذلك.

السبب الثالث: أن في الذكر
اللساني تعرضاً لنفحات ربانية من شأنها أن تكون سبباً ليقظة
القلب وتفاعله مع ماينطق به اللسان(1).

وابن عطاء الله يركز
على هذا السبب الثالث، إذ يقول: فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود
غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة.

إن انشغال جارحة اللسان بذكر الله
تعالى عبادة بحدّ ذاتها، ولكنها عبادة اقتصر حظها على اللسان
وحده من دون سائر الجوارح الأخرى، بل من دون كيان الإنسان من
حيث هو ذات ومجموع.

غير أن دوام هذا الحظ للسان باستمرار
تحركه بذكر الله عز وجل، يسري بالتأثير إلى الكيان كله، شيئاً
فشيئاً، وفي مقدمة ذلك القلب. ألا ترى إلى تحرك اللسان باللغو
من القول أو بالغيبة ونحوها، كيف يكون سبباً في مدّ غاشية من
الغفلة والقسوة على القلب، فكذلك العكس، لابدّ إذا تحرك اللسان
بذكر الله أو بتلاوة القرآن، وثابر على ذلك، أن تمتدّ من هذه
الطاعة التي يحبها الله نفحة نورانية إلى القلب، توقظه من
الغفلة وتبعث فيه مشاعر الرقة.

إن الشأن في الغافل الذي يصرّ
مع ذلك أن يحرك لسانه بذكر الله، أنه يقدّم بذلك معذرته إلى
الله عز وجل، قائلاً بلسان الحال: اللهم لئن كان قلبي مشغولاً
عنك بأهوائه التي لاقبل لي بصرفه عنها إليك، فلقد شغلت بذكرك
لساني الذي أقدرتني على التحكم به، وصرفتُه عن الخوض فيما
لايرضيك إلى ذكرك وشكرك والثناء عليك.

والمظنون حينئذ بكرم
الله وفضله، أن يعتقه من أسر ضعفه، فيقدره على إيقاظ قلبه
إليه، كما أقدره على تحريك لسانه بذكره. وهو ما تعبر عنه كلمة
((عسى)) في قول ابن عطاء الله ((فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود
غفلة، إلى ذكر مع وجود يقظة)).

والمراد بيقظة القلب هنا،
انتباهه إلى معنى الذكر الذي ينطق به اللسان، وعدم غياب الشعور
عما يردده اللسان. وهو أول درجات توجه القلب إلى الله، وأولى
خطوات الابتعاد عن الشواغل الدنيوية وأسبابها.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:27 pm

- فإذا تيقظ القلب لما يردده اللسان، وواظب السالك على
ذلك، فإن المأمول أن ينتقل به الحال إلى ذكر مع حضور

فإذا انتقل الذاكر من تحريك اللسان بألفاظ الذكر، مع الغفلة عن
التنبه إلى ما يقول، إلى تحريك اللسان بألفاظ الذكر، مع
التنبيه إلى ما يقوله ويقظته إلى ما يتضمنه من المعاني، ثم
ثابر على هذه الحال، ولم يتراجع إلى ما كان عليه من اشتغال
اللسان بالذكر مع شرود الذهن عن التنبه إلى مايقوله، واتخذ
لنفسه ورداً دائماً من ذكر الله تعالى، على حال يشترك فيه
اللسان مع يقظة الخاطر والذهن، فإن المأمول من كرم الله وفضله
أن يرقى به الفضل الرباني إلى حالة الحضور مع الله تعالى أثناء
ذكره.
بيان الفرق بين الذكر مع اليقظة، والذكر مع الحضور

فما الفرق بين اليقظة والحضور؟

يقظة الذاكر تعني، كما قلت لك،
مجرد سيره الفكري مع معاني الكلمات التي يقولها أو يرددها،
بقطع النظر عن مدى تفاعله الشعوري معها، وبقطع النظر عن مدى
يقينه الاعتقادي بها.

أما الحضور، فهو انجذاب مشاعر الذاكر
إلى المذكور حباً أو خوفاً أو مهابة وتعظيماً، حسب ما يتضمنه
الذكر الذي يتجه به إلى الله عز وجل من استغفار أو تسبيح أو
ثناء وتمجيد وتوحيد. ومن آثار هذا الحضور أنه يصرف الذاكر
شيئاً فشيئاً عن شواغل الدنيا وهمومها. إذ ما جعل الله لرجل من
قلبين في جوفه، فإذا حضر القلب مع الله أثناء ذكره له متجهاً
إليه بعواطفه الدافعة أو الرادعة أو الممجدة، فلابد أن يغيب -
بمقدار حضوره مع الله - عن أفكاره وأحلامه وهمومه الدنيوية.


لعلك تقول: إنني أملك اليقظة الفكرية إلى ما أقوله وأردده
بلساني أثناء ذكر الله تعالى، ولكني لا أجد لديّ نعمة هذا
الحضور الذي تصفه.

والجواب أن المداومة على المرحلة التي أنت
فيها، مرحلة اليقظة، ستكون أكبر عون لك على الانتقال إلى مرحلة
الحضور.. لأن اليقظة العقلية من شأنها أن تبعث في المشاعر
أسباب التعلقات الوجدانية.

ولأضرب لك مثلاً بتلاوة القرآن،
وهي من أجلّ أنواع الذكر، إنك إن تجاوزت مرحلة الغفلة أثناء
تلاوته إلى مرحلة اليقظة إلى معانيه، فإن استمرار تلاوتك له
على هذه الحال، يغرس في أفكارك معاني الآيات التي تقرؤها، فإذا
ترسخت فيها هذه المعاني، سرت منها إلى مشاعرك عوامل حبك لله عز
وجل وعوامل تعظيمك له وخوفك منه، إذ القرآن فيه من المعاني ما
يبعث على حب الله وفيه ما يبعث على تعظيمه والخوف منه.

كذلك
المداومة على الاستغفار، أو على التسبيح أو الحمد أو التوحيد،
إن من شأن ما تحمله هذه الأذكار المتنوعة من المعاني، أن تبعث
برسائل مثيرة ومهيجة إلى مكمن العاطفة بين جوانح الإنسان
الذاكر، فتتجه منه العاطفة إلى الله تعالى بالتعظيم والحب
والخوف والثقة... ومن ثم تتلاقى يقظة العقل مع عاطفة القلب،
فيتحقق من ذلك الحضور الذي أوضحت لك معناه.

واعلم أن الذاكر
في مرحلة اليقظة، لايحتاج إلى أن يشغل نفسه بالذكر اللساني، بل
بوسعه أن يتحول إلى الذكر النفسي أي أن لايكون غافلاً عن الله
تعالى بأن يكون دائم التذكر له، اللهم إلا الأذكار اللسانية
المأثورة، كالاستغفار في الأسحار، وكالتسبيح بعد الفجر وعند
الغروب، وكالإكثار من الصلاة على رسول الله ، فالمطلوب في ذلك
اجتماع اللسان مع الجنَان.

غير أن المراد بالذكر العام من
وراء المأثورات التي ضربت لك المثل ببعض منها، التذكر ويقظة
العقل إلى المذكور جل جلاله، ألا ترى إلى قوله تعالى: {
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ
اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبابِ، الَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا
ما خَلَقْتَ هَذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ }
{ آل عمران: 3/190-191 } .

فقد شرح البيان الإلهي الذكر
الذي يدعو إليه في سائر الأحوال، بالتفكر في خلق السماوات
والأرض، وهي دعوة مكررة في كتاب الله عز وجل.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:28 pm

- فإذا ثابر السالك على ذكره هذا، فإن المأمول أن ينتقل
به الحال من ذكر مع الحضور إلى ذكر مع غياب عما سوى
المذكور، وبيان معنى غيابه عما سوى المذكور

فإذا أكرم الله الذاكر بنعمة الحضور أثناء ذكره له، وثابر على
ذلك، واتخذ من ذكره لله على هذا النحو ورداً يواظب عليه،
فالمأمول من فضل الله عز وجل، أن ينقله الذكر إلى رتبة أعلى،
ألا وهي غياب الذاكر عما سوى المذكور.

أي إن الذكر ينسيه
الدنيا التي من حوله، بكل مظاهرها وأنواعها وألوانها، فلايتجه
منه الشعور والإحساس إلاّ إلى الله وحده، على الرغم من أنه
يعيش ويتعامل معها ويخوض في غمارها.. إن ذكره القلبي، أو
اللساني المرتبط بالحضور مع الله عز وجل، يغيبه شيئاً فشيئاً
عن المعايش الدنيوية وأسبابها وينسبه توجهاته إليها واهتماماته
بها، ويتحول كل ما كان من ذلك، شاغلاً له عن الله، إلى مذكر له
بالله، فهو أنّى التفت من حوله لاتقع عيناه إلا على الآيات
الناطقة بصفات الله، وأينما وجّه سمعه من الدنيا التي حوله
لايسمع منها إلا نشيد التسبيح مقروناً بحمد الله. فكأنه يرى
أن الدينا بكل ما فيها تذكر الله معه: تسبحه مع تسبيحه، وتثني
عليه مع ثنائه، وتحمده مع حمده، وتعظمه مع تعظيمه(1)...

وكن
على يقين، أيها القارئ، أن صفوة أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم قد تبوؤا هذه المرتبة، كانت أنفاسهم مقرونة بذكر
الله، وكان ذكرهم لله حجاباً يفصلهم عن الدنيا ويغيبهم عن
آلامها وآمالها. وكان سيدنا رسول الله هو القدوة لهم في ذلك،
وهو الواصل من قبل إلى ذلك الشأو.. كيف لا وهو سيّد الذاكرين،
وهو الذي تستنطق الحجارةَ بذكر الله كفُّه، ويجعل من معايشه
التي يتقلب فيها محاريب لذكر الله، فما يركن إلى رقاد،
ولايستيقظ منه، ولايدخل خلاء، ولايباشر وَضُوءاً، ولا يجلس إلى
طعام، ولايرتدي جديداً من ثياب، إلاّ وغاب عن ذلك كله بشعوره
إلى ذكر الله(1). وهل ترقى مرتبة الغياب عما سوى المذكور، إلى
أعلى وأتمّ من هذا الشأو؟

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:31 pm

- أساس هذا في هدي رسول الله وسنته

وإذا استغرق الذاكر مع الله في هذه الرتبة، غائباً عن الدنيا
التي يتقلب فيها، قد يخيل إلى من كان بعيداً عن معنى الذكر
وآثاره، أن مسّاً من جنون قد أصابه.. فلا يلتفتن بأي اهتمام
إلى هذه التهمة، وليمض في نشوة ذكره لله عز وجل، متذكراً قول
رسول الله ، فيما رواه أحمد والحاكم وأبو يعلى وابن حبان، من
حديث أبي سعيد الخدري: ((أكثروا ذكر الله، حتى يقولوا
مجنون)).

وإذا جُذِبَ الذاكر إلى الله أثناء ذكره، فاستغرق في
شهوده، وغيَّبته حاله مع الله عن الدنيا وأهلها، فلا يلتفتن
إلى من قد أعوزتهم هذه الحال، وجعلوا من بلاء فقرهم حجة ضد
الآخرين، وليستبشر بأنه واحد ممن قال عنهم رسول الله  فيما
رواه مسلم والترمذي وغيرهما: ((سبق المفرِّدون، قالوا ما
المفردون يا رسول الله؟ قال: المستهتَّرون بذكر الله، يضع
الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون الله يوم القيامة خفافاً))(2)
.

فانظر إلى كلمة ((المستهترين)) التي عبّر بها رسول الله ،
وهي تستعمل غالباً في نقد من أفرط في الشيء وتجاوز به الحدّ
المألوف أو المطلوب، فأصبح من المولعين به، ولكنه  يجنده
ويدعو إليه، ويجعل من هذا الاستهتار شهادة سبق في مضمار السير
إلى الله والقرب منه.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 9 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 8, 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى