الحكم العطائية وشرحها

صفحة 10 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... , 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:32 pm

- وصفوة القول أن السلوك إلى الله، ليس له بعد الإيمان
إلا طريق الذكر

وصفوة القول أن السلوك إلى الله تعالى، ليس له بعد الإيمان به،
إلا سبيل الذكر، وإنما مفتاحه الذكر اللساني ولا حرج أن يكون
القلب غافلاً. إذ حركة اللسان بالذكر من شأنها أن تبعث شيئاً
فشيئاً إلى يقظة القلب..

فإذا صبر الذاكر على ذكره اللساني
واتخذ لنفسه من ذلك ورداً يثابر عليه، أدركته يقظة القلب، وبدأ
يشعر بحلاوة الذكر.. فإذا ازداد إقبالاً إليه وتعلقاً به،
ومثابرة عليه، هيمن الذكر على مشاعره وانتقل إلى مرتبة الحضور،
وأصبح الذكر سجية له، وغدا عملاً من أعمال الفكر.. ثم إن
مواظبته على ذكر الله بهذه الحال، تنقله شيئاً فشيئاً إلى
الغيبوبة عن المكونات كلها والاستغراق في شهود الله عز وجل،
وهي الحال التي تسمى بوحدة الشهود، وقد سبق شرحها وبيانها في
الجزء الأول من هذا الكتاب.

إذن فذكر الله هو المدخل، بل
الطريق الذي لابديل عنه، للسير في مدارج السالكين.. وهو الرفيق
الذي لا غنى عنه في أي من المراحل التي يتدرج فيها السالكون،
وهو المعنى الذي إذا فرغت منه الطاعات والقربات، تحولت إلى
رسوم لا حقيقة لها ولافائدة منها، بقطع النظر عما قد توصف به
من صحة أو بطلان، إذ إن مواصفات الصحة والبطلان للطاعات
والعبادات، جزء لايتجزأ من رسومها وأشكالها الظاهرة.

من أجل
هذا قال رسول الله : ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند
مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب
والوَرِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم
ويضربوا أعناقكم؟.. قالوا بلى. قال: ذكر الله))(1).

وإياك أن
تفهم أفضلية الذكر على تلك القربات الأخرى التي عددها رسول
الله على غير وجهها، فتتوهم أن المسلم إذا ثابر على ذكر الله
لم يعد يطالَبُ بزكاة ولاصدقة ولاجهاد في سبيل الله… إن المعنى
الذي نبه إليه رسول الله كما ذكره الشراح، هو أن قبول الله
للطاعات التي يؤديها المسلم أياً كان، متوقف على سلامة القصد
وإخلاص النية وصفاء العمل من شوائب العجب والرياء والمقاصد
الشخصية، ولايتأتى ذلك إلا بطهارة القلب من سائر الآفات التي
تحجب العبد عن الله وتحول دون توهج الفؤاد بحبه، وإنما السبيل
الوحيد إلى ذلك ذكر الله. فهو الشرط إذن لصلاحية القربات
والصدقات والجهاد، وقبول الله لها وخلق النتائج المترتبة
عليها.. فمعنى الحديث: إن ذكر الله تعالى خير عند الله عز وجل
من صدقات وأعمال جهاد تؤدي بمعزل عن ذكر الله عز وجل، إذ لن
تكون عندئذ صافية عن الشوائب التي من شأنها أن تودى بفائدتها
وآثارها.

فهو كقولك إن الوضوء الذي يسبغه المسلم استجابة لأمر
الله، خير من الصلاة التي يؤديها بلا وضوء.

وحسبك من دلائل
أهمية انصراف القلب إلى ذكر الله، وخطورة انصرافه عن ذكره، قول
الله عز وجل لرسوله: { وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ
عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } {
الكهف: 18/28 } .

اللهم اجعل أفئدتنا نابضة بذكرك، واجعله
أنيسنا الدائم في اجتيازنا لمفاوز الدنيا إليك، واجعله سلّم
وصولنا إلى شهودك وأجرنا اللهم من آفات نفوسنا وضعف جبلّتنا،
فإنه لاحول ولا قوّة إلاّ بك.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:35 pm

الحكمة الثامنة والأربعون



من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات،
وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلاّت

- ما معنى موت القلب وحياة القلب؟

ما المراد بحياة القلب وموته، في مصطلح التربية الإيمانية التي
نحن بصددها؟

عندما يكون القلب عامراً بمشاعر حب الله وتعظيمه
والخوف منه، فهو إذن قلب حيّ. وعندما يكون خالياً عن هذه
المشاعر، فهو إذن قلب ميت. ولكل من حياة القلب وموته آثار هامة
تتجلى في حياة صاحبه وسلوكه، وأنت تعلم أننا لانعني بالقلب هنا
تلك العضلة التي يتحدث عنها الأطباء وتخضع لعلاجاتهم وعملياتهم
المختلفة.. وإنما نعني به في هذا الصدد المشاعر التي تنعكس،
بفعل الروح، على هذه العضلة، مما يسمى بالعواطف الدافعة
والرادعة والممجدة..

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:35 pm

من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات،
وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلاّت

- لعلك تقول: لماذا لاتكون علامة موت القلب ارتكاب
الزلاّت، وعلامة حياة القلب النهوض بالطاعات، والجواب عن
ذلك

وإني لأفترض أنك قد تسأل ناقداً، أو مستشكلاً، بعد أن عرفت
معنى كل من القلب الحي والقلب الميت: لماذا لاتكون علامة القلب
الميت ارتكاب الزلات، من حيث تكون علامة القلب الحي النهوض
بسائر ((الموافِقات)) أي الطاعات. ومصدر هذا السؤال أو
الاستشكال أن من شأن القلب العامر بحب الله وتعظيمه والخوف منه
أن يحمل صاحبه على أداء سائر الطاعات والابتعاد عن جميع
المحرمات. إذ لا ثمرة لحياة القلب الحيّ إلا ذلك، ومن ثم
فالمفروض أن يكون المتورط في الزلاّت ذا قلب ميّت، سواء داخله
الندم على ذلك أم لا.

والجواب عن هذا الاستشكال أن الله،
لحكمة باهرة، متع الإنسان بفطرة إيمانية ترقى به إلى مستوى
الملائكية، وجهزه بقلب مهيأ لأن يكون وعاء صافياً لأقدس حب في
الكون، ألا وهو حب الله عز وجل، وقضى بأن تكون الروح السارية
في كيانه، سراً هابطاً إليه من الملأ الأعلى، منتمياً بنسب
التكريم والتمييز إلى ذاته العلية، ومن ثم فهي تظل في حنين
دائم إلى العالم العلوي الذي أهبطت منه، وفي شوق شديد إلى
الذات الإلهية التي شرفها بخصيصة التمييز والتكريم.. إذن
فالكيان الإنساني مهيأ قلباً وروحاً لأن يفيض بأسمى مشاعر الحب
والتعظيم والمهابة لله عز وجل.

أما الطاقة التي يتمتع بها
الإنسان، فقد قضى الله عز وجل، لحكمة باهرة كما قلت، أن تكون
مشدودة إلى كثير من عوامل الضعف. فقد شاء الله تعالى أن تكون
قدرته الجسمية والمادية محدودة، وأن تتسلط عليه نوازع الغريزة
بكل أصنافها وتطلعاتها، وأن تتسرب إليه وساوس الشياطين، وأن
تهتاج بين جوانحه نيران الشهوات المختلفة، إلى جانب الفطرة
الإيمانية التي متعه الله بها ، وموازين إدراك الحقائق التي
جهز دماغه بها. وهكذا فقد غدا الإنسان محور صراعٍ وملتقى
أطماعٍ لهذه العوامل المحيطة به كلها، وكان لابدّ أن يصبح
ضعيفاً تحت وطأة هذا الصراع الدائب، وتلك هي الحقيقة التي أخبر
بها البيان الإلهي القائل: { وَخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً }
{ النساء: 4/28 } .

إذن فالكيان الإنساني يحوي طاقة علوية
تتجه بالحب والحنين إلى الملأ الأعلى، وتتمركز هذه الطاقة في
الروح التي تعكس ايحاآتها إلى القلب. إلا أنه في الوقت ذاته
يعاني من ضعفٍ آت من تسلّط العوامل الغريزية والشهوانية
والوساوس الشيطانية، ومحدودية الطاقة الجسدية.. فينشأ التناقض
عندئذ بين الطاقة الروحية التي يترجمها القلب إلى مشاعر الحب
والخوف والتعظيم، والضعف الطبيعي الذي تترجمه الغرائز والأهواء
والشهوات.

فما هي النتيجة التي تنشأ من هذا التناقض؟

النتيجة
التي لامحيص عنها هي الوقوع بين جاذبي الخطأ والصواب، أو
الطاعة والعصيان، وصدق رسول الله القائل: ((كل بني آدم خطاء،
وخير الخطائين التوابون))(1).

تعلو به الروح ومشاعر القلب نحو
الطاعة، وتسمو به صعداً لأداء حقوق الحب والمهابة والتعظيم،
وتثّاقل به أعباء الشهوات والغرائز والضعف البشري إلى حظوظ
النفس وأهوائها، فيصيب ويخطئ، ويستقيم على الصراط ويتعثر،
ويطيع ويعصي.. ذلك هو شأن الإنسان، بل ذلك هو شأن المسلم في كل
زمان ومكان، حاشا الرسل والأنبياء فقد ميزهم الله بالعصمة عن
الانحرافات والآثام، ليتأتى لهم النجاح في الدعوة إلى الله،
والنصح بالسير على صراط الله، وليكونوا في حياتهم وسلوكهم قدوة
للآخرين.

ولكن، ما الحكمة من هذا التناقض بين تسامي الروح
والقلب إلى عالم الاستقامة والحب وآمال الانقياد الدائم لأمر
الله، واتجاه الكيان البشري مثقلاً بالغرائز إلى حيث الشهوات
والأهواء؟.. ما الحكمة من قيام التناقض بين قوة الحب الرباني
المهيمن على الفؤاد، وضعف الطاقة البشرية المهيمن على الذات
والكيان؟

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:38 pm

من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات،
وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلاّت

- لعلك تقول: لماذا لاتكون علامة موت القلب ارتكاب
الزلاّت، وعلامة حياة القلب النهوض بالطاعات، والجواب عن
ذلك

وإني لأفترض أنك قد تسأل ناقداً، أو مستشكلاً، بعد أن عرفت
معنى كل من القلب الحي والقلب الميت: لماذا لاتكون علامة القلب
الميت ارتكاب الزلات، من حيث تكون علامة القلب الحي النهوض
بسائر ((الموافِقات)) أي الطاعات. ومصدر هذا السؤال أو
الاستشكال أن من شأن القلب العامر بحب الله وتعظيمه والخوف منه
أن يحمل صاحبه على أداء سائر الطاعات والابتعاد عن جميع
المحرمات. إذ لا ثمرة لحياة القلب الحيّ إلا ذلك، ومن ثم
فالمفروض أن يكون المتورط في الزلاّت ذا قلب ميّت، سواء داخله
الندم على ذلك أم لا.

والجواب عن هذا الاستشكال أن الله،
لحكمة باهرة، متع الإنسان بفطرة إيمانية ترقى به إلى مستوى
الملائكية، وجهزه بقلب مهيأ لأن يكون وعاء صافياً لأقدس حب في
الكون، ألا وهو حب الله عز وجل، وقضى بأن تكون الروح السارية
في كيانه، سراً هابطاً إليه من الملأ الأعلى، منتمياً بنسب
التكريم والتمييز إلى ذاته العلية، ومن ثم فهي تظل في حنين
دائم إلى العالم العلوي الذي أهبطت منه، وفي شوق شديد إلى
الذات الإلهية التي شرفها بخصيصة التمييز والتكريم.. إذن
فالكيان الإنساني مهيأ قلباً وروحاً لأن يفيض بأسمى مشاعر الحب
والتعظيم والمهابة لله عز وجل.

أما الطاقة التي يتمتع بها
الإنسان، فقد قضى الله عز وجل، لحكمة باهرة كما قلت، أن تكون
مشدودة إلى كثير من عوامل الضعف. فقد شاء الله تعالى أن تكون
قدرته الجسمية والمادية محدودة، وأن تتسلط عليه نوازع الغريزة
بكل أصنافها وتطلعاتها، وأن تتسرب إليه وساوس الشياطين، وأن
تهتاج بين جوانحه نيران الشهوات المختلفة، إلى جانب الفطرة
الإيمانية التي متعه الله بها ، وموازين إدراك الحقائق التي
جهز دماغه بها. وهكذا فقد غدا الإنسان محور صراعٍ وملتقى
أطماعٍ لهذه العوامل المحيطة به كلها، وكان لابدّ أن يصبح
ضعيفاً تحت وطأة هذا الصراع الدائب، وتلك هي الحقيقة التي أخبر
بها البيان الإلهي القائل: { وَخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً }
{ النساء: 4/28 } .

إذن فالكيان الإنساني يحوي طاقة علوية
تتجه بالحب والحنين إلى الملأ الأعلى، وتتمركز هذه الطاقة في
الروح التي تعكس ايحاآتها إلى القلب. إلا أنه في الوقت ذاته
يعاني من ضعفٍ آت من تسلّط العوامل الغريزية والشهوانية
والوساوس الشيطانية، ومحدودية الطاقة الجسدية.. فينشأ التناقض
عندئذ بين الطاقة الروحية التي يترجمها القلب إلى مشاعر الحب
والخوف والتعظيم، والضعف الطبيعي الذي تترجمه الغرائز والأهواء
والشهوات.

فما هي النتيجة التي تنشأ من هذا التناقض؟

النتيجة
التي لامحيص عنها هي الوقوع بين جاذبي الخطأ والصواب، أو
الطاعة والعصيان، وصدق رسول الله القائل: ((كل بني آدم خطاء،
وخير الخطائين التوابون))(1).

تعلو به الروح ومشاعر القلب نحو
الطاعة، وتسمو به صعداً لأداء حقوق الحب والمهابة والتعظيم،
وتثّاقل به أعباء الشهوات والغرائز والضعف البشري إلى حظوظ
النفس وأهوائها، فيصيب ويخطئ، ويستقيم على الصراط ويتعثر،
ويطيع ويعصي.. ذلك هو شأن الإنسان، بل ذلك هو شأن المسلم في كل
زمان ومكان، حاشا الرسل والأنبياء فقد ميزهم الله بالعصمة عن
الانحرافات والآثام، ليتأتى لهم النجاح في الدعوة إلى الله،
والنصح بالسير على صراط الله، وليكونوا في حياتهم وسلوكهم قدوة
للآخرين.

ولكن، ما الحكمة من هذا التناقض بين تسامي الروح
والقلب إلى عالم الاستقامة والحب وآمال الانقياد الدائم لأمر
الله، واتجاه الكيان البشري مثقلاً بالغرائز إلى حيث الشهوات
والأهواء؟.. ما الحكمة من قيام التناقض بين قوة الحب الرباني
المهيمن على الفؤاد، وضعف الطاقة البشرية المهيمن على الذات
والكيان؟

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:39 pm

من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات،
وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلاّت

- بيان الحكمة من تعارض القلب المهيأ لأسمى مشاعر الحب
لله، مع ضعف الإنسان وعجزه عن أداء حقوق هذا الحب

الحكمة أن يرى العبد المؤمن بالله عز وجل من هذا التناقض،
مشكلة لا مخلص له منها، إلا الفرار إلى الله والاستعانة به..
يفرّ إلى الله من ضعفه، ويلوذ به من وقع غرائزه وضراوة شهواته،
ويسأله أن لايكله إلى نفسه وأن لايتركه لسلطان أهوائه ووساوس
شيطانه.. معترفاً بأنه ضعيف مهين، لايملك - من دون معونة الله
له - حولاً ولا قوة.

وهذا المصير الذي ينتهي إليه هذا العبد،
فراراً من التناقض الذي وصفته لك، هو المعنيّ بكلمة
((العبودية)) وهي الغاية القصوى من تقلبات الإنسان في حياته
الدنيا، ولا فائدة للعبادات السلوكية الظاهرة، بدون التحقق
بمشاعر العبودية الواجفة.. وهي في خلاصة معناها حالة من
الافتقار الكلي يشعر به الإنسان تجاه ربه عز وجل. فيقوده إليه
بالدعاء والرجاء والاسترحام، وطلب العون.. موقناً بأنه لايملك
من أمر نفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً..
وهي سلّم القرب إلى الله، ومفتاح الوصول إلى مرضاته.

ومهما
صلى العبد وصام، ومهما تفنن في النسك والعبادات، لايقرّبه شيء
من ذلك إلى الله، إلا إن كان مضمخاً بذل الافتقار إلى الله
ممزوجاً بمشاعر الانكسار بين يديه.

ولكن من أين يأتي هذا
الانكسار؟ ومن أين يصدر الشعور بهذا الافتقار؟

إن شيئاً من
ذلك لايصدر إلا من هذا التناقض الذي قضا به الله عز وجل، بين
القلب الذي جعله الله وعاء مهيأ لأقدس معاني الحب.. الحب
الصاعد من فؤاد العبد إلى الرب عز وجل، وبين الكيان البشري
الذي ابتلاه الله بالضعف والعجز عن أداء حقوق ذلك
الحب..

تصور، لو أن الله عز وجل أكرمك بقدرات بشرية تتناسب
ولواعج محبتك لله ورغبتك في الاستقامة على أوامره ووصاياه كلها
دون أي تقصير، إذن لهيمنت عليك نشوة الشعور بالنصر ولطاف بك
الزهو، ولنال منك الإعجاب بقوتك ونجاح جهودك.

فما الذي يقودك
عندئذ إلى الالتجاء إلى الله، وما الذي يحملك على الانكسار بين
يديه، وكيف تشعر بمصداق قوله لك: { يا أَيُّها النّاسُ
أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ
الْحَمِيدُ } { فاطر: 35/15 } .

بل ما الذي يقودك عندئذ إلى
الدعاء الذي هو العبادة أو مخ العبادة، مستجيباً لأمر الله {
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } { غافر: 40/60
} مادامت قدراتك البشرية متجاوبة ومتكافئة مع مشاعرك
وطموحاتك القلبية، ومادامت الاستقامة الدقيقة على أوامر الله
لاتتخلّى عنك؟

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:41 pm

من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات،
وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلاّت

- من سنن الله في عباده أن تكون قدراتهم البشرية متقاصرة
عن عواطفهم وطموحاتهم القلبية، وبيان الحكمة من ذلك

فقد تبين لك إذن أن من سنن الله في عباده أن تكون قدراتهم
البشرية وإمكاناتهم السلوكية متقاصرة عن طموحاتهم الروحية، وعن
مشاعرهم القلبية، قد يسمو أحدهم بحبه لله إلى أعلى الرتب
إخلاصاً وتفانياً، فإذا استنهض كيانه البشري لأداء حق هذا الحب
فوجئ بالعوائق والعجز، للعوامل التي ذكرتها لك.

وقد علمت أن
الحكمة من هذه السنة الإلهية، أن تنقدح مشاعر العبودية لله
والافتقار إليه، من خلال هذا التناقض القائم بين الروح العلوية
والغرائز الأرضية، أو بين القلب الملتاع بحب الله، والبشرية
المثقلة بقيود الأهواء.. ومن ثم فلا مطمع في أن يكون الإنسان
أياً كان (حاشا الرسل والأنبياء) معصوماً عن الزلل
والآثام.

وإنما يقوم مقام العصمة التي لا مطمع فيها، أن يحزن
العبد على ما قد فاته من الطاعات، إذ عاقته أهواؤه أو قعد به
ضعفه عنها، حزناً يسوقه إلى التضرع بين يدي الله والالتجاء
إليه أن يغفر له تقصيره وأن يوفقه لتدارك ما فاته.. وأن يندم
على ما اقترف من الزلاّت ندامة تقوده إلى التوبة إلى الله
والخجل منه والاستعانة به أن يقيه من ضعفه وأن يحميه من الوقوع
ثانية في براثن عجزه.

فذلك الحزن على فوات الطاعات، وهذه
الندامة على الوقوع في الزلات، تحلاّن - بفضل الله وعظيم رحمته
- محلّ العصمة التي اقتضت حكمة الله أن يحجبها عن عباده، بل
نقول بتعبير أصح وأدق: اقتضت حكمة الله أن لايكلفهم بها
ولايحملهم مسؤوليتها، وذلك عندما جعل من الندامة الحقيقية التي
تقود إلى التوبة بديلاً عنها.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:46 pm

- بيان الفرق بين الإنسان والملائكة في ذلك، وهو سرّ
أفضلية الإنسان على الملائكة

إن التحقق بالعبودية، يرقى بالإنسان إلى أعلى من الشأو الذي
تتبوؤه الملائكة بعصمتها ودوام تسبيحها وطاعتها..

نعم، إن
الملائكة تنعم بالعصمة عن الوقوع في المعاصي، ولكنها لاتتمتع
بما يتمتع به الإنسان الذي عرف ربه، من لذة التبتل بين يديه
والانكسار على بابه، ولاتذوق لذة اللحظة التي يتوب فيها العبد
إلى الله إذ يسمع نداء الله قائلاً: { وَمَنْ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ إِلاّ اللَّهُ } { آل ‌عمران: 3/135 } فيخرّ
العبد ساجداً لمولاه تائهاً ما بين نشوة الشكر له ولذة التذلل
على أعتابه. وهذه المزية لاتتحقق إلا من جراء الضعف الذي يعرّض
الإنسان لمنزلقات الأخطاء والتقصير، كما مرّ بيانه.

وتأمل في
هذا المعنى، وانظر كم يبدو جلياً في خطاب الله لإبليس، وقد آلى
على نفسه مخاطباً الله عز وجل أن يغلق على بني آدم صراطه
المستقيم، وأن يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن
شمائلهم، يصدّهم عن شكر الله وعن الاستجابة لأوامره، إذ أجاب
الله فقال: { هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ
عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ
اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ } { الحجر: 15/41-42 } .

تأمل
في قوله عز وجل { إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطانٌ } { الحجر: 15/42 } وسائل نفسك: من هم الذين
يعنيهم بـ((عبادي))؟ إن الناس كلهم في الواقع، والحقيقة، عباد
لله عز وجل مسلمين كانوا أو كافرين أو ملحدين، فكيف يصدق هذا
القرار الإلَهي عليهم جميعاً؟ كيف لا يكون للشيطان سلطان على
المارقين والجاحدين والملحدين؟

إن المراد بكلمة ((عبادي))
الذين تحققوا بوصف العبودية لله ووضعوها من حياتهم موضع
التنفيذ. والتحقق بوصف العبودية لله، لايقتضي العصمة، ولكنه
يقتضي العود إلى حمى الله بعد كل شرود عنه، ويقتضي الحزن على
فوات الطاعة والندم على ارتكاب المعصية، والحزن والندامة
يقودان إلى التوبة، وإذا تاب العبد توبة صادقة تاب الله
عليه.

فمن هنا لايكون للشيطان سلطان على من تحقق بوصفه
العبودية لمولاه عز وجل، ووضعها من حياته في موضع التنفيذ:
يغريه الشيطان بالمعصية ويزينها له ويفتح له إليها كل سبيل،
وما يزال به حتى يوقعه في شركها.. ويفرح الشيطان عندئذ إذ نجح
في إغوائه، وانتهت أتعابه بالنجاح.

ولكنه ما يكاد يصحو من وقع
المعصية وترتدّ عنه نشوتها، حتى تهتاج به مشاعر عبوديته لله،
فتثور من ذلك آلام الخوف والخجل من مولاه بين جوانحه وتقوم في
نفسه عاصفة من الندامة على مابدر منه، ولابدّ أن يقوده ذلك كله
إلى التوبة والاستغفار، وإلى التضرع بين يدي الله عز وجل أن
يقبل توبته ويغفر ذنبه، فيتوب الله عليه ويغفر له ذنبه ويحط
عنه أوزاره، وتذهب بذلك جهود الشيطان سدى، ويتحول فرحه إلى كمد
وغيظ.. ولكنه يعود الكرة فيغريه مرة ثانية بالعصيان، ويستثير
إلى ذلك أهواءه وغرائزه، وربما نجح فأوقعه ثانية في حبالة
العصيان، ولكن مشاعر عبوديته لله تعالى تلهب بين جوانحه مرة
أخرى نيران الندامة وتملأ كيانه بمزيج من الخوف والحياء من
الله تعالى، فيعود إلى التوبة مرة أخرى، ويعود الله عز وجل
إليه بالمغفرة والقبول، كما هو شأنه.

وهكذا.. كلما أصيب هذا
العبد برشاش المعصية، اهتاجت به مشاعر عبوديته لله، وقاده
الحزن والألم والخوف منه عز وجل إلى التوبة الصادقة، فكان ذلك
طهوراً دائماً له. فذلك هو معنى قوله عز وجل: { إِنَّ
عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ } { الحجر: 15/42 }
أي إن مشاعر عبوديتهم لله لابد أن تسوقهم إلى التوبة، ولابد
أن يتوب الله عليهم ويضع عنهم أوزارهم، وتلك هي حماية الله لهم
من سلطان الشيطان وكيده.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:48 pm

- الداء الذي لا دواء له أن يكون القلب ميتاً، قد اختـنقت
فيه مشاعر العبودية لله

ولكن الداء الذي لا دواء له، أن يكون القلب ميتاً قد اختفت منه
مشاعر العبودية لله، وغابت عنه نبضات الحب له والخوف منه،
فلايحزن على ماقد فات من الطاعات، ولايندم على ماقد تلبس به من
المعاصي والزلات، فأنى للتوبة أن تجد، والحالة هذه، سبيلاً
إليه.

وإنما يتبلى القلب بهذه الحال، عندما يبرر العاصي
عصيانه، ويرى في نفسه أنّه على حق فيما ارتكب، وهي نتيجة لغياب
إيمانه بالله. إذ لو كان مؤمناً بالله، لأيقن أنه عبده، وأن
عليه أن يدين له بالولاء وأن يخضع له بالسمع والطاعة في كل
ماقد أمر به ونها عنه. فإن وُفِّق لذلك شكر الله وفرح بتوفيقه
له، وإن تغلبت عليه نفسه وزلّت به القدم، ندم وتألّم وأقبل إلى
الله مستغفراً تائباً.

فلما استخف بالمعصية التي وقعت منه،
ولم يقم لها وزناً، ولم يشعر من بعدها بأي جزع ولا ندامة، دلّ
ذلك على أنه غير مبال بأمر الله وحكمه، وأنه ذاهل عن كونه
عبداً مملوكاً لله، مكلف بالانقياد لأمره والخضوع
لسلطانه.

هما نقيضان لايجتمعان: العبودية الواجفة لله،
والاستكبار على سلطان الله!.. فإن عَمُر قلبك بمشاعر العبودية
له وُقيت شرّ معاصيك وشر أهوائك وشيطانك، وجعل الله لك من
التوبة الدائمة سبيلاً ميسراً إلى صفحه ومغفرته.

وإن فاض قلبك
بمشاعر الاستكبار عليه، لن تنفعك بعدها طاعة، ولن تجد سبيلاً
إلى توبة، ويصدق عليك قوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ
كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ
لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى
يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُجْرِمِينَ } { الأعراف: 7/40 } .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:50 pm

الحكمة التاسعة والأربعون



لا يعظم الذّنب عندك عظمة تصدّك عن حسن الظن بالله تعالى،
فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه

- هذه الحكمة ساقها ابن عطاء الله استدراكاً وتقييداً
للحكمة التي قبلها

هذه الحكمة ساقها ابن عطاء الله استدراكاً أو تقييداً للحكمة
التي قبلها. فإنه لما لفت النظر إلى ضرورة الحزن على ما قد
يفوت المسلم من فرص الطاعات، وإلى ضرورة الندم على ما قد
ارتكبه من المحرمات، لم يبعد أن يوجد في الناس من يسترسل في
الحزن، وفي الندامة، إلى أن يزجّه كل منهما في حالة من اليأس،
فيقع في نفسه أنه لم يعد أهلاً لمغفرة الله وصفحه، وربما وسوس
له الشيطان عندئذ أن انقياده إلى الطاعات وابتعاده عن
المحرمات، لايفيدانه بعد اليوم شيئاً، فخير له أن يمتع نفسه
بما يشتهيه، من أن يحرمها من حظوظها دون فائدة.

فعقب عليها
بهذا الاستدراك محذراً من أن يعظم الذنب عند العاصي عظمة تصده
عن حسن الظن بالله، وتنسيه واسع فضله وعظيم رحمته وصفحه،
ومنبهاً إلى الرجوع بالذكر إلى صفات الله والتأمل فيها، فإن من
عرف ربه من خلالها، أي من خلال معرفة صفاته، لابدّ أن يستصغر
أمامها ذنوبه، مهما كثرت في العدد وعظمت في النوع.

- قد تستشكل سبيل التوفيق بين هذا الكلام والذي قبله..
والجواب عنه

وقد تستشكل سبيل التوفيق بين هذا الكلام والذي قبله، فتقول:


إن العبد إذا فتح باب الحزن على نفسه من جراء تقصيره في
طاعات فاته شرف النهوض بها. أو فتح على نفسه باب الندم من جراء
معصية ارتكبها، فإن الشأن أن يتطاول سلطان كل منهما عليه، إلى
أن ينتهي به ربما إلى مضيق اليأس. ومن علم حق الربوبية على
العبد، ووقف على دلائل قهر الله وسطوته، وما أعدّه للعصاة
والمارقين، يصعب عليه أن يتحكم بحزنه وندمه، وأن يضع لكل منهما
حداً. إذ إن كلا منهما انفعال قسري وليس فعلاً اختيارياً. فكيف
يتأتى له أن يستجيب لنداء الحزن والندم، ثم يتحكم بهما ويتحرر
منهما، ليجنح إلى الطمأنينة والاستبشار بأن الله قد غفر له
ذنبه وأصلح له حاله، وأنه جل جلاله سيكون يوم القيامة عند ظنه
به.

والجواب أن مصدر هذا الاستشكال ما قد تتوهمه من أن سبب
الحزن أو الندم يجب أن يكون الخوف من سخط الله وعقابه، وعندما
يكون سبب ذلك هذا الخوف فالإشكال وارد، لأن الخوف مرتبط بموجبه
وهو العقاب الذي يتوعد الله الضالين والعاصين به، وإذا استحكم
الخوف بالنفس، فلابد أن يشوش على حسن الظن الذي هو مبعث الأمن
والطمأنينة في النفس.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:51 pm

لا يعظم الذّنب عندك عظمة تصدّك عن حسن الظن بالله تعالى،
فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه

- مصدر الحزن المطلوب في الحكمة السابقة الخجل من مقابلة
نعم الله وألطافه بالعصيان، وليس مصدره الخوف من عقابه،
تفصيل هام لبيان الفرق بين الدافعين

غير أن الشأن في المؤمن الذي عرف ربه من خلال صفاته الأسنى
وأسمائه الحسنى، ومن خلال ما لاحصر له من النعم التي يكرمه
بها، ومن خلال ما سخر لخدمته من المكونات، أن يسارع دائماً في
الاستجابة لأوامره ووصاياه، وفي الابتعاد عما ينهاه ويحذره منه
من المحرمات، حباً له ويقيناً منه بأنه لايوجهه إلا إلى الخير،
ولايحذره إلا من الشر.. فإذا ساقه الضعف إلى مخالفة أمره، أو
الوقوع في نهيه، فاض قلبه خجلاً وتأثراً من هذا الذي بدر منه
تجاه مولاه، الذي هو غريق ألطافه ومننه وإحسانه. فذلك هو مصدر
حزنه وندامته.. بل الشأن فيه أن يزداد حزناً وندماً كلما ازداد
يقيناً بمغفرة الله له وصفحه عنه.

وتلك هي الحال التي انتابت
فضيلاً، يوم كان يقف مع الحجيج في عرفة، روى ابن الجوزي في صفة
الصفوة عن مهران بن عمرو الأسدي قال: سمعت الفضيل بن عياض عشية
عرفة بالموقف، وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء، يقول:
واسوأتاه، وافضيحتاه، وإن عفوت عني(1).

فهذا الحزن والندم
لايتعارضان مع حسن الظن بالله عز وجل، بل هما من آثاره
ونتائجه، كما قد رأيت من حال فضيل.

والأليق بحال العبد أن
يكون مبعث حزنه على مافاته من الطاعات وندمه على ما ارتكب من
الموبقات، الحياء من الله عز وجل، والتأثر من سوء معاملته لله
مع حسن معاملة الله له.. فذلك هو الدليل على حبه وتعظيمه له.
أما الحزن أو الندم الذي يكون مصدره الخوف من عقاب الله
وعذابه، فقصارى ما فيه أنه دليل على اهتمامه بذاته وحبه لنفسه،
وحرصه على أن لايمسّه سوء وأن لايناله أذى.

كم وكم من فرق في
مقام القرب والحب، بين من يجزع من المعصية التي ارتكبها، لما
قد أناط الله بذلك من آيات الوعيد بالعقاب والنكال، وبين من
يجزع من المعصية ذاتها ويندم على ارتكابه لها، إذ يقف وقفة
تدبر أمام قول الله تعالى: { هَلْ جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاّ
الإِحْسانِ } { الرحمن: 55/60 } .

مبعث الجزع والحزن هناك
الخوف من عصى التعذيب أو التأديب.. ومبعث الجزع هنا العتب
الأخّاذ الرقيق إذ يتوجه من المحسن المتفضل الكبير..

والذي
ينتابه الجزع الأول، قد لاتعنيه الذات الإلهية التي تتوعده
بالعقاب، وإنما يعنيه العقاب الذي يبحث عن ملاذ منه.. أما الذي
ينتابه الجزع الثاني فإنما يعنيه الذات الإلهية دون سواه، حباً
ومهابة وتعظيماً له.

والذي يهيمن عليه خوف العقاب، قد لايدرك
أهمية المشاعر المذيبة التي تنبعث من قوله تعالى: { هَلْ
جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاّ الإِحْسانِ } { الرحمن: 55/60 } ..
ولكن القلب الذي أحب الله، ووقع في أسر الإحسان الرباني الذي
لاينفك عن صاحب هذا القلب في ليل ولا نهار، يأخذه من هذا العتب
الإلهي الرقيق ما قد يذيبه.

وانظر.. وتأمل، بمشاعر حبك
وتعظيمك لله عز وجل، إن كان قلبك يتمتع بشيء من مشاعر حبه
وتعظيمه، في هذه الصياغة القرآنية العجيبة التي يقابل فيها
البيان الإلهي إحساناً بإحسان على وجه المسائلة التي تنم عن
وعد الله بالإحسان لعبده المحسن، وتنم في الوقت ذاته عن عتب
الله على عبده الذي لايلتزم بمثل ما التزم الله له به، فيتلقى
أنواع الإحسان من مولاه دون أن يقابل إحسانه هذا
بمثله!..

وانظر كيف يساوي البيان الإلهي بين العبد والرب، على
سبيل التنزل، في التذكير بالقانون المنطقي العادل القاضي بأن
يقابلَ الإحسان بمثله.

وينطبق هذا القانون بصياغته القرآنية
الدقيقة على الذات الإلهية، كما ينطبق على العبد سواء بسواء.
فالآية تقول لك: هل من جزاء للإحسان الذي يتجه به العبد إلى
الرب، إلا الإحسان المقابل الذي ينبغي أن يتجه به الرب إلى
العبد.. وهي تقول لك في الوقت ذاته: هل من جزاء للإحسان الذي
يتجه به الرب جل جلاله إلى العبد، إلا إحسان مقابل ينبغي أن
يتجه به العبد إلى ربه عز وجل؟

وإذا كان عطاء الرب لعبده
إحساناً وتفضلاً، فهيهات أن يكون الواجب الذي ينهض به العبد
لربه إحساناً مماثلاً أو مقابلاً، ولكنها مشاكلة اقتضاها اللطف
الإلهي بعباده، والتنزل في قرار التعامل معهم إلى مستوى
تعاملهم معه وتلقيهم منه، فإذا كانت نعم الله الوافدة إليهم
تفضلاً منه وإحساناً، فليكن شكرهم الواجب عليها فضلاً منهم
وإحساناً، على غرار قوله عز وجل: { مَنْ ذا الَّذِي يُقْرِضُ
اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً
كَثِيرَةً } { البقرة: 2/245 } وقد علمت أن الله أجلّ من أن
يحتاج فيستقرض أو أن يتعرض لجهد أو عجز فيتفضل بالإحسان إليه
من يعينه فيدرأ عنه الجهد والعجز.. وهل القربات التي يتقرب بها
العبد لربه، مما يسميه الله، تلطفاً منه وفضلاً، ((إحساناً))
إلا بتوفيق وعون من الله عز وجل؟..

إن طاعات المسلم إذ يتقرب
بها إلى ربه، ليست في الحقيقة إلا من مظاهر إحسان الله له،
وفضله عليه.. وستقف على تفصيل واف لهذا الكلام عند شرح الحكمة
الآتية التي يقول فيها ابن عطاء الله ((من تمام نعمته عليك أن
خلق فيك ونسب إليك)).

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:53 pm

لا يعظم الذّنب عندك عظمة تصدّك عن حسن الظن بالله تعالى،
فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه

- مصدر الحزن المطلوب في الحكمة السابقة الخجل من مقابلة
نعم الله وألطافه بالعصيان، وليس مصدره الخوف من عقابه،
تفصيل هام لبيان الفرق بين الدافعين

غير أن الشأن في المؤمن الذي عرف ربه من خلال صفاته الأسنى
وأسمائه الحسنى، ومن خلال ما لاحصر له من النعم التي يكرمه
بها، ومن خلال ما سخر لخدمته من المكونات، أن يسارع دائماً في
الاستجابة لأوامره ووصاياه، وفي الابتعاد عما ينهاه ويحذره منه
من المحرمات، حباً له ويقيناً منه بأنه لايوجهه إلا إلى الخير،
ولايحذره إلا من الشر.. فإذا ساقه الضعف إلى مخالفة أمره، أو
الوقوع في نهيه، فاض قلبه خجلاً وتأثراً من هذا الذي بدر منه
تجاه مولاه، الذي هو غريق ألطافه ومننه وإحسانه. فذلك هو مصدر
حزنه وندامته.. بل الشأن فيه أن يزداد حزناً وندماً كلما ازداد
يقيناً بمغفرة الله له وصفحه عنه.

وتلك هي الحال التي انتابت
فضيلاً، يوم كان يقف مع الحجيج في عرفة، روى ابن الجوزي في صفة
الصفوة عن مهران بن عمرو الأسدي قال: سمعت الفضيل بن عياض عشية
عرفة بالموقف، وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء، يقول:
واسوأتاه، وافضيحتاه، وإن عفوت عني(1).

فهذا الحزن والندم
لايتعارضان مع حسن الظن بالله عز وجل، بل هما من آثاره
ونتائجه، كما قد رأيت من حال فضيل.

والأليق بحال العبد أن
يكون مبعث حزنه على مافاته من الطاعات وندمه على ما ارتكب من
الموبقات، الحياء من الله عز وجل، والتأثر من سوء معاملته لله
مع حسن معاملة الله له.. فذلك هو الدليل على حبه وتعظيمه له.
أما الحزن أو الندم الذي يكون مصدره الخوف من عقاب الله
وعذابه، فقصارى ما فيه أنه دليل على اهتمامه بذاته وحبه لنفسه،
وحرصه على أن لايمسّه سوء وأن لايناله أذى.

كم وكم من فرق في
مقام القرب والحب، بين من يجزع من المعصية التي ارتكبها، لما
قد أناط الله بذلك من آيات الوعيد بالعقاب والنكال، وبين من
يجزع من المعصية ذاتها ويندم على ارتكابه لها، إذ يقف وقفة
تدبر أمام قول الله تعالى: { هَلْ جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاّ
الإِحْسانِ } { الرحمن: 55/60 } .

مبعث الجزع والحزن هناك
الخوف من عصى التعذيب أو التأديب.. ومبعث الجزع هنا العتب
الأخّاذ الرقيق إذ يتوجه من المحسن المتفضل الكبير..

والذي
ينتابه الجزع الأول، قد لاتعنيه الذات الإلهية التي تتوعده
بالعقاب، وإنما يعنيه العقاب الذي يبحث عن ملاذ منه.. أما الذي
ينتابه الجزع الثاني فإنما يعنيه الذات الإلهية دون سواه، حباً
ومهابة وتعظيماً له.

والذي يهيمن عليه خوف العقاب، قد لايدرك
أهمية المشاعر المذيبة التي تنبعث من قوله تعالى: { هَلْ
جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاّ الإِحْسانِ } { الرحمن: 55/60 } ..
ولكن القلب الذي أحب الله، ووقع في أسر الإحسان الرباني الذي
لاينفك عن صاحب هذا القلب في ليل ولا نهار، يأخذه من هذا العتب
الإلهي الرقيق ما قد يذيبه.

وانظر.. وتأمل، بمشاعر حبك
وتعظيمك لله عز وجل، إن كان قلبك يتمتع بشيء من مشاعر حبه
وتعظيمه، في هذه الصياغة القرآنية العجيبة التي يقابل فيها
البيان الإلهي إحساناً بإحسان على وجه المسائلة التي تنم عن
وعد الله بالإحسان لعبده المحسن، وتنم في الوقت ذاته عن عتب
الله على عبده الذي لايلتزم بمثل ما التزم الله له به، فيتلقى
أنواع الإحسان من مولاه دون أن يقابل إحسانه هذا
بمثله!..

وانظر كيف يساوي البيان الإلهي بين العبد والرب، على
سبيل التنزل، في التذكير بالقانون المنطقي العادل القاضي بأن
يقابلَ الإحسان بمثله.

وينطبق هذا القانون بصياغته القرآنية
الدقيقة على الذات الإلهية، كما ينطبق على العبد سواء بسواء.
فالآية تقول لك: هل من جزاء للإحسان الذي يتجه به العبد إلى
الرب، إلا الإحسان المقابل الذي ينبغي أن يتجه به الرب إلى
العبد.. وهي تقول لك في الوقت ذاته: هل من جزاء للإحسان الذي
يتجه به الرب جل جلاله إلى العبد، إلا إحسان مقابل ينبغي أن
يتجه به العبد إلى ربه عز وجل؟

وإذا كان عطاء الرب لعبده
إحساناً وتفضلاً، فهيهات أن يكون الواجب الذي ينهض به العبد
لربه إحساناً مماثلاً أو مقابلاً، ولكنها مشاكلة اقتضاها اللطف
الإلهي بعباده، والتنزل في قرار التعامل معهم إلى مستوى
تعاملهم معه وتلقيهم منه، فإذا كانت نعم الله الوافدة إليهم
تفضلاً منه وإحساناً، فليكن شكرهم الواجب عليها فضلاً منهم
وإحساناً، على غرار قوله عز وجل: { مَنْ ذا الَّذِي يُقْرِضُ
اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً
كَثِيرَةً } { البقرة: 2/245 } وقد علمت أن الله أجلّ من أن
يحتاج فيستقرض أو أن يتعرض لجهد أو عجز فيتفضل بالإحسان إليه
من يعينه فيدرأ عنه الجهد والعجز.. وهل القربات التي يتقرب بها
العبد لربه، مما يسميه الله، تلطفاً منه وفضلاً، ((إحساناً))
إلا بتوفيق وعون من الله عز وجل؟..

إن طاعات المسلم إذ يتقرب
بها إلى ربه، ليست في الحقيقة إلا من مظاهر إحسان الله له،
وفضله عليه.. وستقف على تفصيل واف لهذا الكلام عند شرح الحكمة
الآتية التي يقول فيها ابن عطاء الله ((من تمام نعمته عليك أن
خلق فيك ونسب إليك)).

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 2:54 pm

الحكمة الخمسون



لا صغيرة إذا قابلك عدله. ولا كبيرة إذا واجهك فضله

- انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وبيان الفرق بينهما

يقسم العلماء المعاصي إلى كبائر وصغائر. وأساس ذلك قول الله
تعالى: { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ
نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً
كَرِيماً } { النساء: 4/31 } .

ولهم في تعريف الكبائر
وتحديدها كلام كثير. وأنا أوجزه في تعريفها ثم في ذكر
أنواعها:

أما تعريفها، فهو: كل ما جاء فيه وعيد من الله بعذاب
في الآخرة، أو أنيطت به عقوبة في الدنيا كالحدّ ونحوه.

وأما
تعدادها وذكر أنواعها فهي المعاصي التالية:

 الشرك بالله.
والوعيد الذي جاء في حقه، قول الله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ
لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ
لِمَنْ يَشاءُ } { النساء: 4/48 } .

 عقوق الوالدين.
والوعيد الذي جاء في حقه، المفهوم المخالف لقول الله تعالى:
{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً } { الإسراء: 17/23 } .

 قتل
النفس بغير حق، والوعيد الذي جاء في حقه، قول الله تعالى: {
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ
خالِداً فِيها } { النساء: 4/93 } هذا إلى جانب القصاص الذي
أنيط به.

 قذف المحصنات المؤمنات، ومثله قذف المحصنين من
المؤمنين، والوعيد الذي جاء فيه، قول الله تعالى: { إِنَّ
الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ
لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ }
{ النور: 24/23 } هذا إلى جانب الحدّ الذي أنيط به.

 أكل
الربا... والوعيد الذي جاء في حقه قول الله تعالى: {
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما
يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ } {
البقرة: 2/275 } .

 الفرار من الزحف. وهو أن يولي المسلم
في القتال ظهره للغزاة المهاجمين بينما يزحف إخوانه مقبلين
مهاجمين؛ والوعيد الذي جاء في حقه، قول الله تعالى: { وَمَنْ
يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ
أَوْ مُتَحِيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ
اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } {
الأنفال: 8/16 } .

 أكل مال اليتيم، والوعيد الوارد في حقه
قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ
الْيَتامَى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } { النساء: 4/10 } .

 الزنا...
والوعيد الوارد في حقه قوله تعالى: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
يَلْقَ أَثاماً، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً } { الفرقان: 25/68-69 }
.

 كتمان الشهادة، لقوله تعالى: { وَلا تَكْتُمُوا
الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه } {
البقرة: 2/283 } .

 اليمين الغموس، وهو أن يحلف الإنسان
على شيء أنه فعله، وهو لم يفعله أو العكس، أي أن يقسم على شيء
يعلم أنه كاذب فيه. لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً
أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ
اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا
يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ } { آل عمران: 3/77 }
.

 شرب الخمر، وحسبك من الوعيد عليه أن الله قرنه بالوثنية،
فقال: { إِنَّما الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ
وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } { المائدة: 5/90 } هذا إلى جانب
الحدّ الذي أنيط به.

 ترك الصلاة: لقوله تعالى في حقه { ما
سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ }
{ المدثر: 74/42-43 } هذا إلى جانب الحد المنوط به.

 نقض
العهد وقطيعة الرحم، لقوله تعالى: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ
تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا
أَرْحامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصارَهُمْ } { محمد: 47/22-23 }
.

 يضاف إلى ذلك الإصرار على الصغائر مما دون هذه الأمور
التي جاء الوعيد في حقها أو أنيط الحدّ والعقاب الدنيوي بها،
فقد اتفق جمهور العلماء على أن الإصرار على صغيرة ما يدخل
صاحبه في زمرة الفاسقين، قال صاحب الجوهرة:

والعدل من لم
يرتكب كبيرة ولم يكن ملازماً
صغيرةً



ومن المعلوم أن الفسق نقيض العدل.

وإنما عُدَّ
الإصرار على الصغيرة من الكبائر، لأن الشأن فيمن يصرّ عليها
الاستهانة بتعاليم الله وأوامره، والدخول في مداخل المكْرِ به
عز وجل، إذ يتوب ويجعل من توبته مقدّمة أو مبرراً للرجوع إلى
المعصية التي تاب عنها. والله عز وجل لايُمَكَرُ به، وقد توعد
الماكرين بالعقاب الذي سماه مكراً على سبيل المشاكلة التي مر
بيانها، فقال عز وجل: { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ } { آل عمران: 3/54 } ، وقال
تعالى: { وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ
بِأَهْلِهِ } { فاطر: 35/43 } .

إذا تبين هذا، فكل ما عدا
الذي مرّ ذكره، مما توعّد الله عليه بعقاب في الآخرة، أو أناط
الله به عقاباً أوحداً في الدنيا، فهو من الصغائر؛ وقد تسمى
بالسيئات، وقد تسمى لمماً، وهما من الأسماء الواردة لها في
القرآن.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:02 pm

لا صغيرة إذا قابلك عدله. ولا كبيرة إذا واجهك فضله

- هذا التفريق بين الصغائر والكبائر، ناظر إلى ميزان
الشريعة الإسلامية، ومدى خطورة المعصية في إهدار مصالح
العباد، ومدى تفاوتها في الأهمية

والآن.. يجب أن نعلم أن هذا التصنيف الذي انقسمت المعاصي
بموجبه إلى كبائر وصغائر، إنما هو ناظر إلى ميزان الشريعة
الإسلامية التي أقامها الله تعالى في عباده لرعاية مصالحهم
ودرء المفاسد عنهم.

إن الكبائر التي توعد الله عليها بالعقاب
يوم القيامة، لم تصنَّف في الكبائر، إلا لما فيها من إهدار
لحقوق العباد.. وإن الصغائر التي وعد الله بالصفح عنها
والمغفرة لها، لم تصنّف في الصغائر إلاّ لأنها خادمة لحقوق
الله أو دائرة على التحسينات من حقوق العباد.

والقاعدة
الفقهية المعروفة تقول: ((حقوق الله مبنية على المسامحة وحقوق
العباد مبنية على المشاحّة)).

إذن فهذا التصنيف الذي مرّ
بيانه، ناظر إلى مصالح العباد في الدنيا، وليس ناظراً إلى حق
الربوبية في أعناق العباد.. وفي هذا من اللطف الإلهي بالعباد
ما لايغيب عن بال عاقل.

- فأما إن نظرت إلى حقوق الربوبية في أعناق العباد،
فالمعاصي كلها تستوي عندئذ عند حد واحد في عظمها وخطورتها

فأما إن نظرت إلى حقوق الربوبية في أعناق عباد الله عز وجل،
بقطع النظر، عن الأنظمة والشرائع التي تتوقف مصالحهم على الأخذ
والانضباط بها، فلن تجد عندئذ أثراً لهذا التصنيف، بل لابد أن
تستوي المخالفات كلها عند حدّ من الخطورة والجسامة واحدة. إذ
من أهم حقوق الله على عباده أن يطاع ولايُعصى. بقطع النظر عن
نوع الطاعات وأهميتها، وعن نوع المعاصي وخطورتها.. إذ العصيان
بحد ذاته، أي من حيث هو عصيان، جريمة كبرى، عندما تصدر من
العبد في حق الرب. وإلى هذا المعنى الذي أقول، يشير قول الله
عز وجل: { وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما
تَرَكَ عَلَى ظَهْرِها مِنْ دابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ
إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّىً فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ
اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً } { فاطر: 35/45 }
.

فالمعاصي المعنية بقوله تعالى: { بِما كَسَبُوا } { فاطر:
35/45 } أعم من خصوص الكبائر أو الصغائر، إذ هي شاملة لها
جميعاً. وها أنت ترى كيف اختفى هذا التصنيف فيها أمام قوله عز
وجل: { ما تَرَكَ عَلَى ظَهْرِها مِنْ دابَّةٍ } { فاطر:
35/45 } وهو وعيد كبير مخيف، ولكنه مطوي عن التنفيذ في
تلافيف فضل الله وكرمه، والإحالة إلى ما قد قضى الله به في يوم
المعاد.

إذن، فالمعاصي كلها، من حيث هي خروج عن طاعة الله
تبارك وتعالى، ذات درجة واحدة في السوء والتعرض لعقاب الله
تعالى. ولكن الله، تفضلاً منه وإحساناً، جعل مناط الإثم في
المعاصي ما يتسبب عنها من الفساد في حياة الإنسان الفرد، أو في
التركيبة الاجتماعية، ولما كانت درجة الفساد في كل منهما
متفاوتة، استتبع ذلك تفاوت المعاصي في الإثم الذي يتسبب عنها،
وانقسامها إلى كبيرة وصغيرة.

ونتيجة ذلك، أن الله عز وجل إذا
أراد أن يحاسب عباده طبقاً لما يقتضيه ميزان العدالة الذي يبرز
حقوق الرب عز وجل على عباده، فلسوف تكون المعاصي كلها من
الكبائر الموبقة، دون أي تفاوت بين مايسمى كبيرة وصغيرة
ولمماً.. أما إذا أراد أن يحاسبهم طبقاً لما يقتضيه فضله
وتجاوزه وكرمه، فلسوف تضؤل المعاصي كلها ويهون خطبها، حتى
لايبقى فيها ما يجدر أن يسمى كبيرة.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:03 pm

لا صغيرة إذا قابلك عدله. ولا كبيرة إذا واجهك فضله

- ما هو السبيل الذي إن سلكه الإنسان، كان على موعد مع
فضل الله وكرمه، لا مع عدله الدقيق؟ والجواب عن ذلك
مفصلاً

ولكن ماهو السبيل الذي إن سلكه الإنسان كان على موعد مع فضل
الله وكرمه وتجاوزه، وماهو السبيل الذي إن سار فيه الإنسان كان
على موعد مع ميزان العدالة الإلهية التي ترعى حقوق الربوبية
كاملة غير منقوصة؟..

السبيل الموصل إلى مواجهة فضل الله
وكرمه، هو أن يعزم العبد على أن يطيع الله في كل ما قد أمر به،
وأن ينتهي عن كل ما قد حذّر ونهى عنه، موقناً أنه لايملك لنفسه
حولاً ولا قوة، ومن ثم يستمد القدرة والتوفيق وأسبابهما من
الله عز وجل.. فإذا حالفه التوفيق وأمدّه الله بالحول والقوة
لتنفيذ أوامره والانتهاء عن نواهيه، حمد الله موقناً أن الفضل
في ذلك لله، وأن ثواب طاعته له إنما يتمثل في الشكر الذي يجب
أن يصدر منه لله عز وجل، لا في الأجر الذي يتوقع أن يصدر من
الله إليه. ونظراً إلى أن واجب الشكر لله عز وجل يتوقف هو
الآخر على توفيق الله وعونه، فإن الشأن في حال هذا العبد إذا
رحل إلى الله أن يقبل إليه خائفاً من عواقب تقصيره لا طامعاً
في الأجر الذي يرى أنه يستحقه على طاعاته. مصداق ذلك قول الله
عز وجل: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ
وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ راجِعُونَ } { المؤمنون:
23/60 } .

وأما إن لم يحالفه التوفيق، وزلت به القدم في
حمأة المعاصي، وجمحت به نفسه إلى ارتكاب الآثام، فسبيله إلى
ذلك أن يصحو بعد تجاوز المعصية وارتكابها إلى ذلّ عبوديته لله،
وأن يقف متضائلاً متصاغراً تحت مظلة عفو الله ومغفرته، وأن
يخاطبه بقلب متلوع، لابلسان مفصول عن مشاعر فؤاده، قائلاً:
اللهم إني ما عصيتك حين عصيتك استكباراً على أمرك أو استهانة
بحكمك، ولكن لسابقة سبق بها قضاؤك فالمغفرة منك والتوبة
إليك.

فإنه إن فعل ذلك واجه من الله فضله، بدلاً من أن يقابله
منه عدله.. ولا فرق عندئذ بين أن تكون المعصية التي تورط فيها
كبيرة أو صغيرة.

ومهما عاد بعد ذلك فزلت به القدم ثانية
وثالثة في المعصية أو المعاصي، فسلك هذا السبيل ذاته صادقاً مع
الله في مشاعره وخطابه عازماً على أن لايعود، فإن الله لن
يعامله إلا بفضله، وقد سبق تفصيل ذلك في الحكمة
السابقة.

ولايقولن قائل إن عمري الذي مضى ملئ بالفواحش
والكبائر وأن احتمال صفح الله عنها ومغفرته لي بعيد غير
مأمول.. فإن هذا الاعتقاد بحدّ ذاته معصية حذّر القرآن منها.
ألم تقرأ قوله عز وجل: { إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ
اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ } { يوسف: 12/87 }
.

وسبب كونه معصية أن صاحب هذا الاعتقاد لايعرف لله منة
ولافضلاً، متوهماً أنه إنما يعامل الناس بمقتضى ما قد ترتب له
عليهم من حقوق.

أما السبيل الموصلة إلى مواجهة عدل الله عز
وجل بعيداً عن التفضل والصفح والغفران، فهي تلك السبيل التي
يسلكها بعض الناس إذ يتباهى أحدهم بالطاعة التي أداها ناسياً
أن الله هو الذي وفقه إليها وأعانه على أدائها. فإذا انحرف إلى
معصية، استهان بها وعدّها من اللمم الذي لاضير فيه ولا خطر
منه.

إن هذا السبيل من شأنه أن يزهق قيمة الطاعة التي تباهى
صاحبها بها، وأن يُعظم من خطر المعصية التي استهان العاصي
بها.

إن جلّ الثواب الذي يناله المطيع على طاعاته، إنما هو
على ما قد انبثق من أدائها من مشاعر العبودية والتذلل لله عز
وجل.. فإذا خلت الطاعة من هذه المشاعر فقد تجردت عن معناها
وانفصلت عنها روحها، فعادت مجرد شكل للعبادة وصورة
لحركاتها.

وإن جل العقاب الذي يتعرض له العاصي على معصيته،
إنما هو على ما قد انبثق فيها من دلائل استهانة العاصي بها،
ولا مبالاته بالعقاب الذي قد يناله بسببها. فإذا خلت حال
العاصي من مشاعر الاستهانة بها واستصغاره أو احتقاره لها، فقد
انفصل عنها أهم ما كان سبباً لسخط الله على العاصي في معصيته.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:04 pm

لا صغيرة إذا قابلك عدله. ولا كبيرة إذا واجهك فضله

- أمثلة لمعاص صغيرة من نوع (( اللمم )) يرتكبها المسلم
مستهيناً بها، فتتحول من ذلك إلى كبيرة!

ودعني أضعك أمام بعض الأمثلة لمعاص أو حتى لمكروهات يستهين بها
مرتكبوها، ويعاودون ارتكابها في استخفاف بها، مطمئنين إلى أنها
من اللمم الذي سيعفو الله عنه.

من الأمثلة على ذلك إصرار بعض
الناس على الأكل بالشمال طبقاً لما يقتضيه عرف السكين والشوكة.
إن من المتفق عليه أن الأكل باليد اليمنى من السنن المأثورة عن
رسول الله، وليس من الواجبات ولا الفرائض.. ولو أن مسلماً
تغلبت عليه عادة درج عليها، أو استسلم لتهاون تحكم به، فأخذ
يأكل باليسرى بدل اليمنى، لما كان في ذلك حرج ولما ارتكب من
جراء ذلك وزراً. ولكن الناس الذين أعنيهم بهذا المثال، هم
أولئك الذين يستخفون بهذا الأدب النبوي، ويترفعون عن الالتزام
به استكباراً أو إيثاراً لتقليد درج عليه عشاق الحضارة الآسنة.
إن الانصراف عن الالتزام بهذه السنة بدافع من هذه الاستهانة،
تحيل السنة إلى فريضة، وتجعل الانصراف عنها تلبساً بمعصية
كبيرة، وربما تسربت إلى مكمن الإيمان فزلزلته أو قضت
عليه.

يتضح هذا جلياً من الحديث الذي رواه سلمة بن الأكوع أن
رجلاً أكل عند رسول الله  بشماله، فقال: كل بيمينك. قال: لا
أستطيع، قال: لا استطعت!.. ما منعه إلا الكبر. فما رفعها إلى
فمه(1).

مما لاريب فيه أن رسول الله  لم يكن ليدعو على هذا
الذي كان يأكل عنده بشماله، لمجرد أنه قد ترك السنة. إذ السنة
ما لا حرج في تركه مع ثبوت المثوبة على فعله. ولكنه لما قال
لرسول الله لا أستطيع، وعلم أنه إنما قال ذلك تكبراً، انبثق من
موقفه ذاك وضع ورّطه بأخطر أنواع الموبقات التي اقتضت أن
يواجهه من الله عدله. فمن أجل ذلك دعا عليه بقوله: لا استطعت.
ولاريب أن من مقتضى عدالة الله أن يستلب الله منه نعمة القدرة
اليدوية التي أخضعها الله لإرادته ومصالحه، عندما تجاهلها بل
أنكرها، في الوقت الذي كان يتباهى بها.

ومن الأمثلة على ذلك
استهانة بعض الناس بارتكاب محرمات بلغهم أنها من الصغائر، أو
وجدوا أن القرآن ينعتها باللمم، يقتحمونها دون أي مبالاة بها
أو خوف من عواقب التورط فيها.. كأنواع من الاختلاط اللامنضبط
بالنساء.. وكمقدمات محرمة من العلاقة بهن.. وكتساهل النساء في
إبراز بعض مظاهر الإغراء والزينة، اعتماداً على كلام من
يطمئنهن بأن ذلك كله من اللمم الذي قرر الله في محكم تبيانه
أنه يتجاوز عنه.. وكالركون إلى بعض المحرمات في نظام التعامل
التجاري، اعتماداً على أنها من الصغائر التي وعد الله بالصفح
عنها.

إن هذه المحرمات، هي فعلاً من الصغائر، في التصنيف
الشرعي الذي سبق بيانه، ولكنها في ميزان الحقوق الإلهية
المنوطة بأعناق العباد لاتختلف في الخطورة وجسامة النتائج عن
غيرها.. فإذا تورط فيها الإنسان بسائق ضعف، وتغلب شهوة، موقناً
بأنه قد أهدر بذلك حقاً من أجلّ حقوق الله عليه (وقد سبق أن
قلت إن من أهم حقوق الله على العبد أن يطاع ولا يعصى بقطع
النظر عن نوع الطاعة ونوع المعصية) وقاده ذلك إلى الندم
والحياء من الله تعالى واللجوء إليه بالتوبة والاستغفار، فإن
الله عز وجل يعدّها عليه صغيرة، ويعامله عليها بفضله ورحمته،
فيغفرها له كما وعد.

أما إن ارتكبها آمناً مطمئناً، مستبشراً
بأنه لن يلقى على أعقابها من الله أي مكروه، ناسياً بأنه قد
أهدر بارتكابه لها حق الله عليه وهو أن يطيعه ولا يعصيه في أي
أمر من الأمور، فإنها تتحول باستهتاره هذا من صغيرة إلى كبيرة،
إذ لا كبيرة أكبر، بعد الكفر والشرك بالله، من الاستخفاف بحقوق
الله تعالى.. وإذا شرد الإنسان عن مظلة الرحمة الإلهية وابتعد
عن سوانح فضل الله ومغفرته بمثل هذا الاستهتار واللامبالاة،
فالذي سيواجهه عندئذ من الله عز وجل إنما هو عدله.. ومن
البداهة بمكان أن الله عز وجل لو قضى بأن يحاسب الناس بعيداً
عما قد ألزم به ذاته العلية من الرحمة بهم والمغفرة لهم،
محاكماً لهم إلى ميزان عدله المجرد، إذن لهلكوا جميعاً، وقد
ذكرّتك في بيان هذه الحقيقة بقوله عز وجل: { وَلَوْ يُؤاخِذُ
اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلَى ظَهْرِها مِنْ
دابَّةٍ } { فاطر: 35/45 } (1) .

وانظر إلى هذه الحقيقة كم
تبدو واضحة في هذا الذي يقوله رسول الله : ((إن المؤمن ليرى
ذنوبه كأنه جالس في أصل جبل يخشى أن ينقلب عليه، وإن الفاجر
ليرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه، فقال به هكذا))(2) .

وإنك
لتلاحظ أن رسول الله لم يفرق في هذا بين كبيرة وصغيرة.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:05 pm

لا صغيرة إذا قابلك عدله. ولا كبيرة إذا واجهك فضله

- وتدخل في ميزان هذه القاعدة الطاعات أيضاً، وبيان ذلك
مع ذكر بعض الأمثلة

وتدخل في ميزان هذه القاعدة الطاعات أيضاً. فعلى الرغم من أنها
متفاوتة في مقياس القواعد الشرعية التي ترعى في ذلك ما تحققه
من أنواع المصالح والمقاصد المتفاوتة، إلا أنها جميعاً ترقى
إلى درجة واحدة من القدسية والأهمية، عندما ينظر العبد إليها
على أنها أحد شطري القانون القائل: إن من حق الله على عباده أن
يطاع ولا يعصى. فطاعة الله حق من الحقوق المنوطة بأعناق
العباد، بقطع النظر عن أنواع الأعمال التي تعلقت بها أوامره عز
وجل.. إن التفاوت الذي تراه في حديث رسول الله : ((الإيمان
بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها
إماطة الأذى عن الطريق)) إنما هو ناظر إلى أثر شرائع الله
وأحكامه في تحقيق مصالح العباد، فأما إن نظرت إلى علاقة ما بين
العبد وربه، فإن أوامر الله الصادرة إليه تقف من الأهمية
والقدسية والخطورة في درجة واحدة. ومن ثم فإن إقبال العبد إلى
تنفيذها ينبغي أن يكون بدرجة من الاهتمام واحدة، لاسيما إن
تذكرت أن مناط قبول الله لها والمثوبة بها، ناظران إلى حال
العبد من حيث الدوافع التي حملته على تنفيذها، من تعظيم حرمات
الله والغيرة على شعائره وأحكامه، ومدى الإخلاص لذاته العلية
في إقباله عليها واهتمامه بها.

وهذا المناط هو الذي يجعل
الطاعة الصغيرة، في رأي العين، كبيرة عند الله عز وجل. وذلك
عندما يندفع العبد إليها بقدر كبير من حب الله وتعظيمه والغيرة
على حرماته.

روى ابن عساكر في تاريخه، في ترجمة بشر بن الحارث
المشهور بالحافي، أن سبب توبته أنه أصاب في الطريق ورقة كتب
عليها اسم الله تعالى، قد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم
كان معه غالية (نوع من أنواع الطيب) فطيب بها الورقة، وجعلها
في شق حائط. فرأى فيما يرى النائم أن قائلاً يقول له: يا بشر،
طَّيبتَ اسمي، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة(1)

إن المكانة
التي تبوأها بشر بن الحارث بهذا العمل، ليست منبعثة من سرّ في
ذلك العمل ذاته، وإنما انبعثت من شعوره بعظيم حق الله عليه،
ومن عظيم غيرته على حرماته عز وجل. وهذا هو المصدر الأول
والأخير لتقوى الله عز وجل، وصدق الله القائل: { ذَلِكَ
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى
الْقُلُوبِ } { الحج: 22/32 } .

وإذا أدركت هذه الحقيقة،
أدركت أن نقيض العمل الذي قام به بشر، قد يحمل نقيض نتائجه
وثمراته، وذلك لنقيض السبب ذاته. فالذي يرى في طريقه مثل هذه
الورقة التي كتب اسم الله عليها وقد استهان بها المارّة
وداستها الأقدام، فأشاح بوجهه عنها مستخفاً بالأمر، مترفعاً عن
الانحناء أمام الناس لالتقاطها وتعظيمها ووضْعِها في مكان
لائق، يتعرض لنقيض المكانة التي تبوأها بشر بن الحارث رحمه
الله، لا لذات الترك أو الإعراض، وإنما للاستخفاف أو الازدراء
الذي دفعه إلى الإعراض.

إذن فقد عرفت الجواب عن السؤال الذي
قد يطرحه أحدنا قائلاً: ما السبيل الذي إن سلكته أمام أحكام
الله وأوامره، كنت على موعد مع مقابلة فضل الله وعفوه وتجاوزه،
بدلاً من مواجهة عدله المجرد عن صفحه ومغفرته؟

السبيل، أن
تنقاد إلى تنفيذ أوامر الله والابتعاد عن نواهيه، بدافع
التعظيم لذاته، والغيرة على حرماته، والشعور بعظيم حق الله
عليك. وعندئذ تتساوى الطاعات كلها أمامك في الأهمية والضرورة،
وتتساوى المعاصي كلها أمامك في السوء والخطورة.. فإنك إن سرت
على هذا النهج لم يواجهك من صفات الله عز وجل إلا فضله وصفحه
وغفرانه. فإن وفقت للطاعة ضوعف لك عليها الأجر، وإن زلّت بك
القدم وشرد بك الضعف إلى فسوق أو عصيان، واجهك من فضل الله
وإحسانه ما يحطّ عنك أثقال ذلك الوزر.

فالزم هذا السبيل خلال
حياتك كلها، يكن فضل الله وعظيم عفوه رفيقك الدائم على الدرب،
وشفيعك بين يدي الله يوم المعاد.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:06 pm

الحكمة الحادية والخمسون



لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده، ويحتقر عندك
وجوده

- لايدّ لإدراك المعنى الجليل الذي ترمي إليه هذه الحكمة
من مدخل يعيدنا إلى اليقين بأن الله هو الخالق لأفعال
الإنسان، وأنه إنما يتحرك بمعونة الله وتوفيقه

لابدّ لإدراك المعنى الجليل الذي ترمي إليه هذه الحكمة، من
مدخل يعيدنا إلى عقيدة التوحيد التي هي الأساس الذي لابدّ منه
لصلاح سائر الأعمال، وإلى واقع الضعف الذي يصطبغ به الإنسان في
أحواله كلها.

إن من معاني التوحيد التي ينبغي أن نعلمها وأن
نصطبغ بها، أن الله هو الخالق لأفعال الإنسان، وأن الإنسان
إنما يتحرك ويذهب ويجئ بمعونة الله وتوفيقه، فإذا انفكت عنه
معونة الله وعونه، ووكله إلى نفسه، تحول إلى كتلة عجز ولم يتأت
منه شيء.. ولذلك علمنا الله عز وجل إذا خاطبناه في صلاتنا، أن
نقول له، بعد الثناء عليه: إياك نعبد، وإياك نستعين، ففي
الجملة الأولى نعلن عن عبوديتنا وانقيادنا لأمره وحكمه، وفي
الجملة الثانية نعلن عن كامل توحيدنا له، من خلال الإقرار
بعجزنا الكلي، وحاجتنا الدائمة إلى عونه وتوفيقه. وهذا العجز
الكلي هو الذي تعبر عنه الكلمة القدسية التي علّمنا إياها رسول
الله : لا حول ولاقوة إلا بالله.. وهو الذي تنبئ عنه النصيحة
النبوية الغالية التي يقول فيها ((استعن بالله، ولاتعجز))(1)
أي اجعل من استعانتك بالله السبيل الأوحد إلى التخلص من
عجزك.

أما ضعف الإنسان الذي هو نتيجة قرار الله القائل: {
وَخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً } { النساء: 4/28 } فمصدره ما
قد سلطه الله عليه من نيران الشهوات وسلطان الغرائز، ووساوس
الشيطان، إلى جانب إمكاناته المحدودة كما سبق بيانه.

ومن آثار
هذا الضعف فيه، أنه لاتكاد تصفو له عبادة من زغل، وأنه يظل
مشدوداً إلى سلطان غرائزه وشهواته، فتكون طاعاته وقرباته مشوبة
بشائبة الأهواء، مغموسة بالغفلات ممزوجة بالكثير من رعونات
النفس وحظوظها.

فإذا صحا الإنسان لهاتين الحقيقتين في كيانه:
علم أنه مدين في حركاته وسكناته وأنشطته وقدراته وسائر جهوده
لتوفيق الله وعونه، وعلم أنه مهما توجه إلى الله بالطاعات
والعبادات، فإنها تظل مثقلة بأسباب التقصير ممزوجة بالغفلات
والأخطاء وحظوظ النفس.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:07 pm

لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده، ويحتقر عندك
وجوده

- فإذا علم الإنسان ذلك، فإنه مهما أقبل إلى الطاعات، فلن
يشعر في أعقابها إلا بعظيم فضل الله عليه

وإذا علم الإنسان ذلك، فإنه مهما أقبل إلى الله بالطاعات
والقربات، فلن يشعر في أعقابها إلا بعظيم منة الله عليه إذ شرح
صدره لها، وأطلق قدراته في أدائها، ثم بشديد حيائه منه عز وجل
إذ كان ضعفه البشري حائلاً بينه وبين النهوض بها على النحو
الذي يليق بربوبيته وعظيم حقه عليه. ولسوف يدعوه شعوره
الخَجِلُ هذا إلى أن يقبل على الله في أعقاب طاعاته قائلاً:
((اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) كما كان يفعل رسول
الله ويعلمه أصحابه(1).

ومن هنا، فقد كان الربانيون من عباد
الله عز وجل لايعودون من طاعاتهم وعباداتهم إلا بأثقال من
مشاعر الفضل والمنن لله عليهم، إذ أعانهم وأمدهم بأسبابها من
انشراح الصدور وتيسير الأمور، وصرف العوائق، وبأثقال من مشاعر
الحياء والخجل من الله تعالى، إذ لم تكن طاعاتهم وقرباتهم من
الصفاء والطهارة من الزغل وكدورات النفس، بحيث تليق بحضرة الله
عز وجل وربوبيته لهم وحقه عليهم.

من ثم فإن أحدهم لم يكن يطمع
بأكثر من أن يقبلها الله منه على علاّتها وعلى ما فيها من نقص
وتقصير، موقناً بأنه لايملك أن يطلب عليها أي مثوبة أو أجر، بل
موقناً بأنه هو المدين فيها لله عز وجل بالشكر على توفيق الله
له ومدّ يد العون إليه، وعلى قبولها منه على ما فيها من زلاّت
وإساءات وتقصير.

فهؤلاء هم الذين يتقبل الله منهم قرباتهم
وطاعاتهم، يتقبلها منهم لأنها غابت - كما يقول ابن عطاء الله -
عن شهودهم، إذ الله هو الموفق والمعين والميسر. ولأنها أحقر من
يتراءى لها وجود يناسب ألوهية الله وعظيم حق الله عليهم. إذ هي
مليئة فيما يرون ويجزمون بمظاهر العيب والتقصير وحظوظ
النفس.

ولكن من أين لابن عطاء الله هذا القرار، بأنهم هم
الذين يتقبل الله منهم أعمالهم، وأن الآخرين لايرجى أن يكون
لهم حظ في القبول؟

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:07 pm

لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده، ويحتقر عندك
وجوده

- المصدر القرآني والنبوي الذي استند إليه ابن عطاء الله
في هذه الحكمة

إن مستند ذلك في كتاب الله عز وجل، قوله، وهو يصف هذه النخبة
من عباده الصالحين: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ راجِعُونَ }
{ المؤمنون: 23/60 } أي يتقربون إلى الله بما يتقربون إليه
به من الطاعات والعبادات، وهم خائفون، من مغبة ما اقترنت به من
مظاهر السوء والتقصير، أن لايقبلها الله منهم، وأن يعاقبهم على
العيوب والآفات التي تسربت إليها، روى الإمام أحمد والترمذي
وابن أبي حاتم، من حديث عائشة أنها قالت يارسول الله - تسأله
-: الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، أهو الذي يسرق ويزني
ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟‍!.. قال لا يا ابنة أبي
بكر، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله عز وجل أن
لايتقبل منه.

فأصحاب هذه الصفة والصفات التي قبلها، امتدحهم
الله عز وجل بقوله: { أُولَئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
وَهُمْ لَها سابِقُونَ } { المؤمنون: 23/61 } .

ومن الأدلة
على هذا الذي يقوله ابن عطاء الله، الدعاء الذي علّمه رسول
الله لمعاذ وأوصاه أن يدعو به بعد كل صلاة: ((اللهم أعني على
ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) إذ إن هذا الدعاء شأن من لايرى
لعبادته أثراً في جنب عظيم سلطان الله، وكبير حقه عليه. فهو
يلجأ إليه ويدعوه أن يعينه على أن يعبده العبادة اللائقة به،
السليمة من النقص والشوائب، والبعيدة عن آفات تقصيره وحظوظ
نفسه.

ومن الأدلة على ذلك أيضاً شدة خوف أصحاب رسول الله،
لاسيما المبشرين منهم بالجنة، من عاقبة أمرهم ومن أن يفاجؤوا
بسخط الله عليهم. وإنك لتعلم من حال الخلفاء الراشدين الكثير
والكثير من مظاهر هذا الوجل.

أين كانت عبادات عمر وطاعاته من
خاطره وشهوده، يوم أسرع يحمل عدل الدقيق على ظهره ليمضي به إلى
المرأة التي كان يتضور أولادها جوعاً، فقال له غلامه: أنا
أحمله عنك، قال: أنت تحمل وزري يوم القيامة لا أُمَّ
لك؟(1).

أين كانت طاعاته، وهي كثيرة وكبيرة، من خاطره وشهوده،
يوم تلى في الصلاة قول الله تعالى: { إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ
لَواقِعٌ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ } { الطور: 52/7-8 } فخرّ
مغشياً عليه(2)؟ وأين كانت طاعاته هذه من خاطره، إذ كان يسأل
حذيفة خائفاً قلقاً: أنشدك الله أأنا من المنافقين؟ وأين كانت
طاعاته الكثيرة هذه من خاطره إذ كان يلقى الصبيّ فيأخذ بيده
قائلاً: ادع لي فإنك لم تذنب بعد؟(3)

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:08 pm

لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده، ويحتقر عندك
وجوده

- الشأن فيمن كان قريب عهد بالهداية والالتزام أن لايفهم
هذا الكلام في بادئ الأمر

ثم إن الشأن فيمن كان قريب العهد بالهداية والالتزام، أن
لايفهم هذا الكلام، وأن يرى في أداء الفرائض الأساسية من
الصلاة والصوم ونحوهما، وفاء كاملاً لحق الله عز وجل، ومهما
كانت عباداته شكلية خالية من مضمون الخشية والحضور، ومهما كانت
حظوظ النفس متسربة إليها، فإنه يرى أنه قد أنجز بفعلها كل ما
هو مطلوب منه.. ذلك لأن قلبه لايزال فارغاً من العواطف
الإيمانية المتمثلة في تعظيم الله والشعور بحقوقه الكبيرة التي
لاتحصى عليه، والمتمثلة في حبه له بسبب ما يتوارد إليه من نعمه
التي لاحصر لها... وإنما هو الإيمان العقلي الأعزل، ولعله
لايزيد في أول الأمر على كونه إيماناً تقليدياً مندفعاً إليه
بسائق التيار الاجتماعي المؤثر من حوله.

فإذا سار في الطريق
إلى ترسيخ إيمانه هذا بضع خطوات، عن طريق مزيد من دراسة دلائل
التوحيد والتنبه إلى حقائقه، والركون إلى شيء من مجالس الذكر
وأهل الصلاح والتقوى، أدرك أن الله أجلّ من يتقرب إليه بطاعات
وعبادات شكلية، لايشترك القلب فيها بشيء من الحضور والخشية.
ويبدأ بالارتياب في صحة صلواته التي ينصرف خاطره فيها إلى
مشاغله الدنيوية ورغائبه النفسية، بينما يردد لسانه ما حفظه
واعتاد عليه من آيات الفاتحة وغيرها من سور القرآن الكريم..
وإنك لتجد كثيراً من الناس على اختلافهم، يسألون - في هذه
المرحلة - عن السبيل الأيسر والأمثل إلى الحضور والخشوع في
الصلاة، والتخلص من عوامل الشرود والغفلة فيها.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:09 pm

لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده، ويحتقر عندك
وجوده

- ولكنه إن تابع سلوكه وازداد إقبالاً على معاني التوحيد
يتدبرها، سمت به مشاعره إلى إدراك هذه الحقيقة

فإذا تابع هذا السالك طريقه، وازداد إقبالاً على معاني التوحيد
يتدبرها ويتأمل فيها، وازداد عكوفاً على مجالس ذكر الله بالقلب
والشعور لابمجرد اللسان والسبحة، كما قد مرّ بيانه، أخذ قلبه
يستقبل مشاعر جديدة وافدة من تعظيم الله ومهابته، وأخذ يدرك
أنه هو المحرك لهذا الكون كله، وأن العبد لايتحرك ولاينشط ولا
ينطق ولا يفعل، إلا بالقدرة الإلهية التي يكرمه الله بها، فهو
الخالق لفعله، وهو المدبّر لأمره، وأن مناط الثواب والعقاب في
تصرفاته إنما هو ((الكسب)) الذي هو التعبير القرآني عن
الاختيار والقدرة على اتخاذ القرار، وهما منحة ربانية للعبد،
بها يستحق الثواب على الطاعات التي اختارها وعزم عليها، وبها
يستحق العقاب على المعاصي التي آثرها بالعزم والاختيار.. ثم
إنه في هذه المرحلة يتحرر شيئاً فشيئاً من غفلاته ومشاغله
الفكرية بالدنيا وأهوائها، إذ يصحو إلى المنن والنعم الإلهية
التي تتوارد إليه من كل صوب وفي كل حين، فتهتاج من ذلك مشاعر
الحب لله في قلبه، ولايكاد ينفك عن الإحساس بعظيم منن الله
عليه.. وعندئذ، وتحت سلطان هذه الحال، يخجل من طاعاته وقرباته
التي كان يزعم أن يؤدي بها حقوق نعم الله عليه، وهي لاتبلغ أن
تكون كهباءة أمام قيمة كنز عظيم لاينفد!.. إذ يرى آثار ودلائل
ضعفه المتحكمة في طاعاته، من غفلة وعجز وتسرّب لسلطان الحظوظ
النفسية إليها، هذا إلى جانب ما يعلم من أن الله هو المعين له
في أدائها، وهو الذي يبث في كيانه وأوصاله القدرة على فعلها
والتحرك بها، فالفضل إذن في العبادة التي أقدره الله عليها،
للمعبود الذي يتقرب بها إليه، وليس للعابد الذي لاحول له ولا
قوة ولايملك من أمر نفسه شيئاً إلا بمعونته وتوفيقه.

في ظل
هذا الشعور يتقبل الله منه طاعاته، والحقيقة أن مناط القبول
إنما هو شعوره بعجزه عن الوفاء بأي من حقوق الله الكثيرة عليه،
فهو يبذل كل ما يتأتى له من جهد في أداء العبادات والقربات،
ولكنه يعود موقناً بأنه أساء ولم يحسن، وبأنه قصّر ولم يوفِ
الله شيئاً من حقه، ويذوب عندئذ أمامه عمله وتغيب عنه جدواه،
ولا يبقى أمامه إلاّ الأمل بمغفرة الله وعفوه.

ولايقولنّ
قائل: ولكنّ في المقربين من عباد الله من أحسنوا ولم يسيئوا،
وأتموا ولم يقصروا، وأدوا كامل ما قد طلبه الله منهم، صافياً
عن الشوائب وحظوظ النفس.. فإن رسول الله  هو أول المتقنين
والمتقين والمتعبدين وسيدهم، ومع ذلك فهو القائل: ((لن يدخل
أحداً عملُه الجنةَ)) قالوا ولا أنت يارسول الله؟ قال: ((ولا
أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته))(1).

وأساس ذلك أن المسلم
كلما ازداد معرفة لربه، ازداد تبصراً بضعفه وتقصيره، فكان ذلك
سبباً في تضاؤل قيمة عباداته وطاعاته أمامه، بل أمام معرفته
لربه وإدراكه لعظيم حقه عليه.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:11 pm

لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده، ويحتقر عندك
وجوده

- أمامي الآن صور لوقائع كثيرة تناقض هذا الذي يوصي به
ابن عطاء الله

أمامي الآن صور كثيرة لنقيض هذا الذي يذكرّنا به ابن عطاء
الله، ويدعونا إليه في حكمته هذه، مع الأسف. ولكني أكتفي منها
بصورة واحدة، قد تكون أسوأها وأخطرها.


- من هذه الصور حال من يمتنون على الله بإسلامهم
وقرباتهم، ويعتبون عليه أنه سلط عليهم مع ذلك الكفرة
والأعداء، بيان مفصل في تفنيد هذا الموقف والتحذير من
الانزلاق إليه

كثيرون هم الذين يُدلّون على الله بإسلامهم وأعمالهم وقرباتهم
الإسلامية، ويعتبون عليه عز وجل أنه قد سلّط عليهم مع ذلك
أعداءهم الكفرة، ينتقصون من ديارهم ويستلبون حقوقهم.

والسوء
الذي يتراءى في هذا الأمر، ينبثق من عدة جوانب هامة:

الجانب
الأول: أن المسلمين اليوم في مجموعهم الغالب، منصرفون عن
إسلامهم، متبرمون بمبادئه وأحكامه، قد اكتفوا منه بالانتماء ثم
بقشور من الرسوم والتصرفات التقليدية، فتمننهم على الله بأنهم
مسلمون، واقفون عند حدوده، ملتزمون بأحكامه، كذب على الله عز
وجل.

الجانب الثاني: أن المسلمين اليوم، حتى، ولو كانوا كما
يزعمون، صادقين في إسلامهم، متمسكين بمبادئه وأحكامه مبتعدين
عن الآثام والمحرمات، ومخلصين لله في ذلك كله، ما ينبغي أن
يتباهوا بشيء من ذلك، ولا أن يطالبوا الله في المقابل، بما
يستحقون على ذلك من نصر على أعدائهم، وتمكن في جنبات الأرض،
وتقدم على أقرانهم في شتى ميادين الحياة ومقوماتها. فإن الفضل
في صدق إسلامهم وصدق تمسكهم بمبادئه وأحكامه، إنما هو لِلَّه
عز وجل. وصدق الله القائل: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ
أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ
اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ إِنْ
كُنْتُمْ صادِقِينَ } { الحجرات: 49/17 } .

وما أخلص مسلم
لله في إسلامه وفي طاعاته وعباداته، إلاّ وغاب عن مشاعره معنى
الفضل له فيما قد هُدي إليه والتزم به، وتقلب بدلاً عن ذلك تحت
ثقل من مشاعر منة الله وفضله عليه، إذ شرح صدره للإسلام وهداه
إليه وأقدره على النهوض بأحكامه وواجباته.. ومضى يحمد الله
ويشكره وهو يردد قوله عز وجل: { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ
يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ } { الأنعام: 6/125
} .

وما تمنن أحد على الله بإسلامه وسلوكاته الإسلامية، إلا
وهو كاذب في دينونته لله عز وجل، وفي دعوى عبوديته له عز وجل.
ومعاذ الله أن يجتمع النقيضان فيلتقى هذا وذاك في كيان امرئ
واحد.

على أن المسلمين اليوم، لو أرادوا أن يتناسوا عبوديتهم
لمولاهم الخالق عز وجل ثم أرادوا أن يتخذوا لأنفسهم منه مكان
الندّ من الندّ، إذ يتم بينهما تعاقد على نهوض أحدهما للآخر
بمهمة ما، مقابل أجر يناله، ما كان لهم أن يطالبوه بشيء من هذا
الأجر. إذ إنهم لم ينهضوا بمعشار المهمة التي تعاقدوا معه على
النهوض بها.

أمرهم الله بصدق الاصطباغ بحقائق العبودية له دون
غيره، فاصطبغوا بذلّ العبودية لكل ما يرهبون أو يرغبون، إلاّ
له عز وجل!..

أمرهم الله أن يدخلوا تحت مظلة شرعه طائعين،
فشردوا عنهم إلى سائر الشرائع والأحكام الأخرى، طبق ما يروق
لهم، راضين مغتبطين!..

نهاهم الله عن الموبقات والظلم
والفساد، فانحطوا في ذلك كله غير عابئين ولا متأثمين!..

أهاب
بحماة الأوطان، والواقفين على الثغور، والمتوثبين للدفاع عن
الديار والحقوق في المعسكرات، أن يعودوا إلى الله ويذكروه
كثيراً، فقال لهم: { يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا
لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } { الأنفال: 8/45 } فابتعدوا عن
الله بدلاً من أن يعودوا إليه، وتناسوه بدلاً من أن يذكروه،
وبالغوا في الإعراض عن وظائف الطاعات والعبادات، بدلاً من أن
يزدادوا في مواقعهم إقبالاً عليها والتزاماً بها.

ثم أقبلوا
بعد ذلك كله يمنون عليه إسلامهم، و(تحملهم) لأوامره
وأحكامه!!.. ويعتبون عليه أن حجب عنهم النصر ومكّن لأعدائهم في
الأرض!..

ولو أن المسلمين، إذ قصروا في جنب الله هذا التقصير،
واستخفوا بحقوقه وشرعته على هذا النحو، عادوا فاعترفوا بسوء
حالهم واستغفروا الله من تقصيرهم، وأدركوا أنهم لم يعودوا
أهلاً للنصر الذي وعد به الله النخبة الصالحة من عباده،
فأقلعوا عن السؤال والعتاب، إذن لكانت أبواب الأمل بمغفرة الله
ورحمته مفتحة أمامهم، على الرغم من كل هذا الذي يتقلبون فيه من
شرود وإساءة وتقصير.

ولكنّ المصيبة الكبرى، هي الجمع بين
الإساءة في النهج والسلوك، والامتنان في الوقت ذاته على الله
بالإسلام والانتماء إليه والتحلي برسومه وقشوره. مع الإصرار في
العتاب على الله بأنه قد حجب عنهم النصر الذي يستحقونه
بإسلامهم وبشاراته التي يرفعونها بأضواء النيون فوق
مآذنهم.

ويأتي الجواب عن هذا كله بجملة واحدة يقررها بيان
الله عز وجل في كتابه المبين، هي { إِنَّما يَتَقَبَّلُ
اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } { المائدة: 5/27 } والتقوى
حالة من المهابة والتعظيم تهيمن على القلب، مصدرها اليقين
بعبودية الإنسان لله ومملوكيته الكاملة له. وهيهات لمن أيقن
عقله بهذه الهوية للإنسان وفاض قلبه بمشاعر المهابة والتعظيم
لقيوم السماوات والأرض مالك الكون كله، أن يرى - مهما بذل من
جهد - أنه قد أدّى معشار حقوق الربوبية عليه. ومن ثم فهيهات أن
يمتن على الله بإسلام هو الهادي له إليه، أو بقربات وطاعات هو
الموفق له إليها والمعين له عليها.

إن العبادة مهما ضؤلت
وصغرت، تعظم عند الله عز وجل، في ضرام الشعور بذل العبودية لله
والخضوع لسلطانه، ثم إنها، مهما كبرت وعظمت، تضؤل وتصغر، وربما
تذوب وتفنى، في مجال التباهي بها، وتسجيلها حساباً على الله عز
وجل.

بقي أن أوضح أن رؤية العبادة بهذا المعنى شيء، وشكر الله
على التوفيق إليها والعون عليها شيء آخر.. وبمقدار ما يكون
الأمر الأول مذموماً، يكون الأمر الثاني حسناً
ومطلوباً.

والمؤمن الذي فاض قلبه بمشاعر العبودية لله،
لايلتبس عليه هذا بذاك، فهو إن رجع إلى نفسه وضعفه، لم يجد أنه
قدّم من ذاته شيئاً لله عز وجل. ولكنه إن نظر إلى فضل الله
عليه ورعايته له، وجد أن الله عز وجل قدّم له من فضله وتوفيقه
الكثير. فهو يقول لله تعالى دائماً، إن بلسان حاله أو بلسان
قوله: اللهم إن طاعاتي وقرباتي كلها، هدية هابطة منك إليَّ، ثم
إنها عائدة بتفضل منك إليك، فتقبل اللهم مني ما تفضلت به عليّ،
ولك الشكر على ما مننت به عليّ قدرة وعوناً وتوفيقاً.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:11 pm

الحكمة الثانية والخمسون



إنما أورد عليك الوارد، لتكون به عليه وارداً. أورد عليك
الوارد ليستلمك من يد الأغيار، ويحررك من رق الآثار. أورد
عليك الوارد، ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهوده

- معنى الوارد والفرق بينه وبين ما يكتسبه الإنسان عن
طريق التعلم

هذه الحكمة تتألف من ثلاث فقرات كما ترى، وقد عدّ كثير من
الشارحين كلاً منها حكمة مستقلة. ولكن الظاهر أنها جميعاً حكمة
واحدة، لشدّة ارتباطها بعضها ببعض، ولايتكامل المعنى إلا من
خلال فقراتها الثلاث.

ولنبدأ شرح هذه الحكمة بالوقوف عند كلمة
((الوارد)) ما المعنى المراد بها؟.. يقول علماء هذا الشأن:
الوارد ما ورد على قلبك من المعارف الربانية واللطائف
الرحمانية(1).

ولكن ما الفرق بين هذا الذي يسمونه وارداً،
وبين ما يرد إلى العقل عن طريق التعلم والدراسة والإصغاء إلى
مرشد أو القراءة من كتاب؟! إذ من المعلوم أن كل ذلك واردٌ يرد
على العقل أو الفكر، فيكسبه معرفة ومعلومة أو معلومات
جديدة.

الفرق بينهما أن ما يرد أو يفد إلى الذهن عن طريق
التعلم والتلقي بأنواعه الكثيرة المختلفة، قد يكون خيراً وقد
يكون شراً، وقد يكون أوهاماً باطلة وقد تكون حقائق صحيحة. وفي
حال كونها صحيحة قد تبقى حبيسة في خزانة العقل فلاتفيد صاحبها
إلا رقماً جديداً في حساب المعارف والمعلومات، وقد تتحول إلى
القلب فتقود صاحبها إلى التفاعل بها والسلوك بمقتضاها.

أما
هذا ((الوارد)) الذي يتحدث عنه علماء هذا الشأن، فنفحة ربانية
تهجم إلى العقل دون أي وساطة من تعليم أو تلقين أو قراءة من
كتاب، ثم تتجه لتستقر في القلب، وقد تحولت فيه إلى وجدان مؤثر
وقوة دافعة.

فالوارد إذن لايكون إلاّ خيراً إذ هو لايأتي إلاّ
هبة من الله. ولايكون معلومة تأخذ مكانها بين ذخر المعلومات
الأخرى في دائرة العقل، بل سرعان ما تهبط منه لتتحول إلى وجدان
يهيمن على القلب.

مثال ذلك، الرجل يكون منصرفاً إلى تقلباته
الدنيوية وأعماله التجارية منشغل البال بآماله وأحلامه
التوسعية، وفجأة يقتحم عقله إدراك جديد لحقيقة هذه الدنيا وما
فيها، ويستيقن أن كل ما فيها ظل زائل، وأنها لاتستأهل كل هذا
الجهد الذي يبذله من أجلها، وأنه إذا نظر إليها غداً عندما
يرحل عنها إلى الله، سيراها قمامة تجمعت في مظهر واحة؛ وما
يلبث هذا الإدراك العقلي أن يتحول إلى شعور قلبيّ يهيمن على
مجامع القلب بالقيادة والتأثير. فيتراجع الحب الكامن فيه
للدنيا وأهوائها، وتتقلّص آماله فيها وتعلقاته بها.. فهذا يسمى
وارداً إلهياً اتجه إلى القلب من خلال العقل.

مثال آخر: يكون
الرجل ساهياً لاغياً مقصراً في جنب الله، غير مبال بشروده عن
صراطه، غير متأثم ولا مبال لانقياده إلى وساوس شيطانه،
واستجابته لرغبات أهوائه وغرائزه. وتحين منه ذات يوم التفاتة
إلى آية أو آيات في كتاب الله تعالى يقرؤها في القرآن، أو يصغي
إليها من قارئ، فإذا الآيات هي: { وَإِذْ قُلْنا
لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ
كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً } {
الكهف: 18/50 } ويقف وقفة تأمل وتدبر أمام قوله عز وجل: {
أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } { الكهف: 18/50 } ؟!.. ويتنبه عقله
إلى العتاب المؤثر الرقيق في هذا الكلام المنزّل من الرب
الكريم إلى العبد اللئيم!.. وينساق منه العقل إلى ما ينطوي في
تضاعيف هذا العتب المؤثر: أمرت هذا المخلوق أن يسجد لك سجود
تكريم وتقدير، ولما أبى، واستكبر عليك، طردته من أجلك وحاقت به
لعنتي في سبيلك، وبالغت في إكرامك، ومنحتك السيادة على سائر
أندادك، فكان جزائي منك على كل ذلك أن أعرضت عني واتخذت من
عدوك وعدوي ولياً لك من دوني؟!..

وما هو إلا أن يتجه فيح هذا
الإدراك العقلي لما قد تضمنته هذه الآيات، إلى مكمن العاطفة
والوجدان ألا وهو القلب، فتهتاج فيه مشاعر الخجل ويعتصره الألم
من هذا اللؤم في مقابل ذلك الدلال والإكرام.. فهذا مثال ثان
لما يسمونه ((الوارد)).

ولعلك لاحظت من بيان المثال الواقعي
مزيداً من الفرق الذي ذكرته لك بين المعرفة العقلية التي
يكتسبها الإنسان، والوارد الرباني الذي يهجم على العقل ثم
لايلبث أن يسري منه إلى القلب.. ولعلك تأكدت الآن أن المعرفة
العقلية المكتسبة ليست دائماً بريد هداية ورجوع إلى الله.. بل
كثيراً ما تكون أداة إضلال، وسلعة تجارة، وساحة تنافس على
الزعامة والشهرة والمجد... في حين أن الوارد الذي وضعْتُك أمام
هذين المثالين له، لايكون إلا سبيل هداية، ومفتاح اصطلاح مع
الله، ودخول على الحضرة الإلهية، كما سنجد.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:12 pm

إنما أورد عليك الوارد، لتكون به عليه وارداً. أورد عليك
الوارد ليستلمك من يد الأغيار، ويحررك من رق الآثار. أورد
عليك الوارد، ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهوده

- المهمة الأولى التي يحققها الوارد تحرر القلب من التعلق
بالأغيار، وبيان أثر الوارد في تحقيق ذلك

والآن.. ما المهمة التي يحققها الوارد الذي يكرمك الله به، على
النحو الذي أوضحته لك؟

يضعنا ابن عطاء الله رحمه الله تعالى
أمام ثلاث مهامّ لها على الترتيب، كل واحدة منها مبنية على
التي قبلها ومتممة لها.

أما المهمة الأولى، فهي ما عبر عنه
ابن عطاء الله بقوله: لتكون به عليه وارداً. والورود على الله
لايكون بقطع المسافات ولا باجتياز المراحل، وإنما يكون بتوجه
القلب إليه بالحب والمهابة والتعظيم... ولايتأتى للقلب أن يتجه
إليه بشيء من هذه المشاعر إلا بعد أن يخلو من التعلق بالأغيار،
أي بالمال وبالشهوات وبالمبتغيات الشخصية من علو في الأرض
وانتصار للعصبية وحب للذات.. وتلك هي الآفة الكبرى التي نعاني
منها جميعاً، إلا من رحم ربك.

فكيف السبيل إلى التخلص من هذه
الآفة؟

سبيل ذلك أن يتلقى القلب وارداً إثر وارد من الله عز
وجل، مروراً بالعقل واستقراراً في الفؤاد.

فإذا تلاقت هذه
الواردات محتلّة زوايا القلب، وردت بك من خلال قيادة القلب،
إلى الله.

ولقد ضربت لك مثالين للواردات.. ولكن فلتعلم أن
كتاب الله تعالى مليء بالرسائل الموجهة لتكون واردة إليك، وأن
المكونات التي صاغها الله من حولك كما يريد، فياضة هي الأخرى
بالرسائل الواردة إليك. وإنما الذي يحجبها ويصدّها عن الوصول
إليك، تطوحك في بحار غفلاتك، ونسيانك لهويتك وذاتك.

فإذا أراد
الله بك الخير، وجّه إليك من الوارد سهماً يخترق حجب غفلاتك،
ويمزق غاشية لهوك ونسيانك، فإذا هو ضياء ينير جوانب العقل، ثم
إذا هو قبس وهاج يهيمن على مجامع القلب.. فتلك هي أولى مراحل
التوجه إلى الله ثم السير إليه. إذ يبدأ القلب عندئذ بالتحرر
من أثقال رغباته وأهوائه وتعلقاته الدنيوية المختلفة، ويصحو
إلى مصدر حنينه، ويتجه بالبحث عن محبوبه الحقيقي، ويقف بعد
تيهٍ طويل على سيرة ذاته وقصة وجوده ونهاية رحلته، وعلى القبضة
الإلهية التي يتحرك في داخلها ويخضع لسلطانها ويعيش على رفدها
وإحسانها.. وعندئذ يجتوي السواقي ويملّ من تتبعها والسير بين
منعرجاتها، إذ يبدأ يشدّ نفسه إلى حيث المعين والينبوع... إلى
مصدر كل خوف وأمان، وموئل كل فضل وإحسان.. إلى الله الذي له
الخلق والأمر وبيده النفع والضر وإليه وحده الملاذ
والمآب.

فهذه هي المهمة أو الخطوة الأولى التي تتحقق على أثر
الوارد أو الواردات التي يتحدث عنها ابن عطاء الله، وعن
النتائج المترتبة عليها.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الإثنين يونيو 16, 2008 3:13 pm

إنما أورد عليك الوارد، لتكون به عليه وارداً. أورد عليك
الوارد ليستلمك من يد الأغيار، ويحررك من رق الآثار. أورد
عليك الوارد، ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهوده

- المهمة الثانية التي يحققها الوارد، عزوف النفس عن
الدنيا، وتعلقها بالمآل

أما المهمة أو المرحلة الثانية التي تتحقق على أثر الوارد
الإلهي، فهي ما عبر عنه ابن عطاء الله بقوله: ((أورد عليك
الوارد ليستلمك من الأغيار، ويحررك من رق الآثار)).

وبيان ذلك
أن القلب إذا توجه إلى الله بالخجل والخوف منه والتعظيم له،
فذلك هو المؤشر على بدء الصراع بين ما تراكم في القلب من
الرغبات الدنيوية، والشهوات الغريزية والعصبيات للنفس والذات
من جانب، وما أشرق في جنباته من مشاعر تعظيم الله وحبه والحياء
منه من جانب آخر.

ونظراً إلى أن هذه الإشراقة إنما تحققت بفعل
الوارد الإلهي الذي سبق أن عرفتك عليه وذكرت لك مثالين له،
فلابدّ أن تكون الغلبة في هذا الصراع لسلطان الوارد، وإن
استنفد ذلك وقتاً قد يطول، واحتاج صاحب هذا الوارد إلى
الاستعانة بقدر كبير من ذكر الله تعالى، والالتجاء بالدعاء
والضراعة إليه عز وجل.

والنتيجة هي أن نفسه تعزف عن الدنيا
بعد التعلق الشديد بها والسير الدائم وراءها، إذ يرى ضآلة
شأنها أمام ما هو مقبل عليه، وهو ما لم يكن يراه أو يحسّ به من
قبل. وإذا فرغ القلب من التوجه إليها والتعلق بها، فلابدّ أن
تشرق عليه محبة الذات الإلهية، إذ هو كالمرآة لابدّ أن تشرق
عليه وتظهر فيه صورة ما.. فإن نكستها موجهة إلى الأودية
والآبار المظلمة اصطبغت بالسواد واختفى من سطحها بريق الشفافية
والصفاء. وإن توجهت بها إلى الأعلى حيث الشمس المشرقة، تألقت
بالضياء وانبعثت منها الأشعة الساطعة.

كذلكم القلب.. أصفا
أداة في جهاز الإنسان، ما اتجه إلى شيء إلا تأثر به وظهر
عليه.. ووظيفة الإنسان، بما أوتيه من عقل ورشدٍ، أن لايوجهه
إلاّ إلى حضرة الله عز وجل، وأن لايجعل عليه سلطاناً من دون
سلطان ذاك الذي خلقه وبرأه. فإذا أراد الله بعبده خيراً، وقد
سيطر عليه من الضعف ما جعل قلبه مملوكاً بيد الرغائب والأهواء،
أكرمه بوارد من الواردات التي يفيض بها كتاب الله وتنطق بها
آفاق الدنيا وصفحة المكونات، فالتمعت من ذلك بارقة نور سرت في
أنحاء القلب، وما هو إلا أن تتقلّص عنه ظلمات تلك الأهواء
والرغائب وينقشع عنه الران الذي نسجته على سطحه محبة الأغيار،
فإذا القلب وعاء طاهر مطهر عاد إلى يد مالكه وخضع لسلطان
بارئه.. وهكذا يستلمك الله، باستلامه لقلبك، من الأغيار، أي من
محبة كل ما عدا الله. وإذا عاد القلب إليه عاش مع ما هو مقبل
إليه، من الشوق إلى لقاء الله والأمل برحمته وعظيم إكرامه،
والوجل من أحداث يوم القيامة، وبطشته بالممقوتين من عباده.
فأنى للدنيا - والحالة هذه - أن تجد سبيلاً لها إلى هذا القلب
الذي غدت الآخرة شغله الشاغل؟

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 10 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... , 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى