الحكم العطائية وشرحها

صفحة 2 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3, ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:16 am

الحكمة الخامسة


اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

ـ جواب عن سؤال يقول: فإذا كانت الأسباب ليست فيها قوى
أودعها الله فيها، فلماذا قال الله للنار التي أوقدت لحرق
إبراهيم: يانار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم؟

دعونا، قبل أن نبدأ بشرح هذه الحكمة، نجب عن سؤال أخٍ استشكل
ما قلناه في الدرس الماضي أو الذي قبله، من أن هذه الأشياء
التي نسميها أسباباً، ليست فيها قوة أودعها الله فيها، فبها
تؤثر في الأشياء، وبها تتحقق سببيتها، بل إن التأثير آتٍ من
عند الله لحظة فلحظة، أي عندما تقترن بمسبباتها. يقول هذا
الأخ: فإذا كانت النار مثلاً باردة في أصلها لا تحرق، فلماذا
أخبرنا الله بأنه قال لها، يوم قذف بسيدنا إبراهيم فيها: {
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ
الْمَشْحُونِ } { يس: 36/41 } أقول لهذا السائل: إن النار
بطبعها، أي قبل أن يوجهها الله إلى أي وظيفة، ليست فيها حرارة
ذاتية ولا برودة ذاتية. ولكنها تتلقى من الله تعالى الأمر
بالإحراق عندما يشاء فتحرق، وتتلقى منه الأمر عندما يشاء بغير
ذلك فتستجيب لأمر الله وحكمه.فإذا توجه أمر الله إلى النار بأن
تكون برداً وسلاماً، فليس في ذلك دلالة على أنها كانت قبل ذلك
تختزن طبيعة الإحراق في داخلها.أرأيت إلى قوله لها: {
وَحَمَلْناهُ عَلَى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ، تَجْرِي
بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ } { القمر: 54/13ـ14 }
هو المفهوم، خلق البرودة فيها عندما شاء ذلك، واستمرت البرودة
فيها، بخلق مستمر لها، طوال مشيئة الله ذلك.فكذلك الحــرارة
المحرقة. هي الأخرى تتحقق بأمر صادر من الله عز وجل، وتستمر
الحرارة والإحراق، مع استمرار توجه الإرادة الإلهية النافذة
إلى هذا الحكم. ولو تخلّى الله عز وجل بحكمه عن النار، ولم
يوجه إليها أمره بمهمة ما، في أي لحظة من اللحظات، إذن لما
رأيت فيها أياً من معاني الحرارة ولا البرودة، ولتخلّت عما
توهمته وظائف وأوصافاً لها.وهذا معنى قول رسول الله : أصدق ما
قاله لبيد: « ألا كل شيء ما خلا الله باطل» أي يكفي - كما
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى - لبطلانها وتلاشيها
مجرد تخلّي الله عنها
انظر_مجموع_الفتاوى_لابن_تيمية_رحمه_الله:_2/425_. .فلا تخدعنك
أوهام المعتزلة الذين أخذوا دهراً من الزمن بسمادير الفلاسفة،
ثم أنقذهم الله منها وأيقظهم إلى بطلانها. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:18 am

يتبع الحكمة الخامسة :

اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

ـ عود إلى شرح الحكمة: بيان الوظيفة التي ألزم الله بها
الإنسان، والوظيفة التي ألزم الله بها ذاته العلية تجاهه

نعود الآن إلى الحكمة الخامسة، ونستلهم الله عز وجل ما ينبغي
أن نقوله في شرحها.يقول الله عز وجل: { أَلا لَهُ الْخَلْقُ
وَالأَمْرُ } { الأعراف: 7/54 } ويقول عز وجل: { ..وَهُزِّي
إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً
جَنِيّاً } { مريم : 19/25 } تنطق هاتان الآيتان بما يلي: أقام
الله الإنسان على وظيفة يؤديها لذاته العلية، هي أن يمارس
عبوديته لله عز وجل بالسلوك الاختياري، كما قد خلق عبداً له
بالواقع الاضطراري.. وأقام الله عز وجل ذاته العلية على وظيفة
يؤديها تجاه الإنسان، يضمن له بها مقومات حياته ورغد عيشه.فما
الذي تقتضيه هذه القسمة من المسؤوليات؟مقتضى هذه القسمة أن
ينصرف الإنسان (المؤمن بالله طبعاً) إلى الوظيفة التي عهدت
إليه وكلف بها، مقابل التزام الله عز وجل بما قد تعهد له به،
من توفير مقومات عيشه وتسخير المكونات التي حوله لمصالحه
ورغائبه. ذلك لأن هنالك شيئاً طلبه الله منا، وشيئاً آخر ضمنه
الله لنا. ومن أوضح البدهيات أن علينا في هذه الحالة أن نصرف
الجهد ونرهق الفكر في أداء الوظيفة التي كلفنا بها، وأن نطمئن
بالاً إلى الضمانات التي ألزم الله ذاته العلية لنا بها. فلا
نشغل بذلك فكراً ولا نحمل أنفسنا منه عنتاً أو اضطراباً.ولكن
في الناس من يجتهدون ويجدون ويرهقون أنفسهم فيما قد ضمنه الله
لهم، ويعرضون عن الوظيفة التي طلبها الله في مقابل ذلك منهم.
وهذا دليل - كما قال ابن عطاء الله - على انطماس البصيرة من
هؤلاء الناس.وهو إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على عدم الثقة
بوعد الله وما قد ضمنه للإنسان كما يدلّ على الرعونة النفسية
التي تهيمن على كيانه وتفكيره. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:20 am

يتبع الحكمة الخامسة :

اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

ـ من أهم مايجب علمه أنه مامن مخلوق إلا وأقامه الله
تعالى على وظيفة

ومن أهم ما يجب علمه أنه ما من مخلوق، حيواناً كان أو نباتاً
أو جماداً إلا وأقامه الله تعالى على وظيفة، فهو منصرف إليها
عاكف عليها. تأمل في أصغر الذرات أو الجزيئات التي لا تتبينها
إلا بالمجهر، ثم تدرج منها إلى ما هو أكبر فأكبر، إلى أن تصل
إلى أكبر الأجرام من الكواكب والمجرات، وسرح نظرك في عالم
البهائم على اختلافها، وفي عالم الطيور وحيوان البحار، تجد
كلاً من هذه المخلوقات قائماً على وظيفة أقامه الله عليها، لا
يشرد عنها ولا يتمرد عليها. وهذا معنى قول الله عز وجل: {
وهزي إليك بجذع النخلة } { مريم : 19/25 }
ـ غير أن الله قضى أن تمارس المخلوقات كلها وظيفتها
بالاضطرار الخِلقي، أو بالشعور الغريزي، إلا الإنسان فقد
قضى أن يمارس وظيفته عن طريق الحرية والاختيار

والإنسان ليس بدعاً من هذه المخلوقات، فهو الآخر هُدِيَ إلى
المهمة التي خلق من أجلها. إلا أن سائر المخلوقات الأخرى من
دون الإنسان تمارس وظيفتــها بالقهر والاضطــرار أو بالغريزة
والطبع. أما الإنسان فقد قضى الله عز وجل أن يخلق مختاراً ذا
حرية وإرادة، وأن يُدعى بعد ذلك إلى أداء وظيفته والقيام
بمهامّه من خلال حريته واختياره، دون أن يكون للغريزة سلطان
قاهر عليه. وذلك تكريماًوتنزيهاً له عن أن يساق كالحيوانات
العجماوات، إلى وظيفته، بعصا الغريزة القاهرة.ولذا فإن الإنسان
هو المخلوق الوحيد الذي يكثر فيه الشاردون بل المتمردون على
الوظيفة التي كلف بالنهوض بها، في حين أن سائر المخلوقات
الأخرى على اختلافها ماضية في العكوف على وظائفها والمهامّ
التي خلقت من أجلها. إذ الإنسان يمارس وظيفته من خلال حريته
ومدى رغبته، فظروف الإعراض عنها، كظروف الإقبال إليها، سانحة.
أما غيره من المخلوقات الأخرى فيمارس وظيفته من خلال القسر
التكويني كما هو شأن الجمادات والنباتات، أو من خلال الدافع
الغريزي كما هو شأن الحيوانات العجماوات، فظروف الإعراض عنها
مغلقة غير سانحة. وانظر إلى مصداق هذا في قول الله عز وجل: {
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ
وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ
وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ
وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ.. } { الحج: 22/18 } من
الواضح أن المراد بالسجود الخضوع للوظائف التي أقام الله
المخلوقات عليها. فانظر إلى بيان الله عز وجل كيف عمّم خضوع
المخلوقات كلها بأنواعها التي ذكرها، للوظائف التي أقامها الله
عليها، حتى إذا تحدث عن الإنسان، أوضح أن في هذا الجنس الطائع
والعاصي.. فيهم الخاضع لحكم الله وأمره، وفيهم المتأبي على
حكمه الشارد عن المهام التي كلفه الله بها، ولذا عطف على سائر
المخلوقات الساجدة لله عز وجل كثيراً من الناس، ولم يعطف عليها
كل الناس،أكد هذه البعضية بقوله بعد ذلك: { ..وَكَثِيرٌ حَقَّ
عَلَيْهِ الْعَذابُ } { الحج: 22/18 } * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:21 am

يتبع الحكمة الخامسة :

اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

ـ والعجب في حال الإنسان أنه بدلاً من يزداد إقبالاً على
الوظيفة التي أقامه الله عليها عن طريق الحوار والاختيار،
يتخذ هذه المزية ذاتها في كثير من الأحيان سبيلاً للتمرد
على أوامره وحكمه

والعجيب في حال الإنسان أنه بدلاً من أن يزداد إقبالاً على
المهام والوظائف التي كلّفه الله بها، وأن يكون أكثر انقياداً
لها من الحيوانات العجماوات التي لم يمتعها الله بحرية السلوك
والقدرة على الاختيار، يتخذ في كثير من الأحيان هذه المزية
التي متّعه واختصه بها، سبيلاً للشرود عن أمره والتمرد على
حكمه.وما هي الوظيفة التي أقام الله الإنسان عليها؟هي أن ينهض
بعمارة الأرض التي أحياه الله عليها على النحو الذي بيّنه
وشرعه له، طبقاً لقوله عز وجل: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلَى
لَهُمْ } { محمد: 47/11 } واتباعه في ذلك للنهج الذي شرعه الله
تعالى يحقق أمرين اثنين: أحدهما ممارسة العبودية لله بسلوكه
الاختياري كما قد خلق عبداً له، بواقعه الاضطراري. ثانيهما أن
الأرض تُعْمَرُ عندئذ عمراناً مادياً وحضارياً على وجه سليم
يسعد الناس مجتمعاً وأفراداً، ويمدّ فيما بينهم جسور الود،
وينشر فوقهم مظلة العدالة والأمن.يضاف إلى هذا كله أن الله
الذي أقام الإنسان على هذه الوظيفة التي ما أقامه عليها إلاّ
لخيره وإسعاده، ضمن له في مقابل ذلك مقومات عيشه وأسباب رغده
وأدار الكون الذي من حوله لخدمته ورعايته!..أليس من أعجب
العجب، ومن أشد ما يبعث على الحياء والأسف، أن يعرض الإنسان -
بعد هذا - عن الوظيفة التي لم يكلَّف بها إلا لخيره ومصلحته،
وأن يقبل بدلاً عنها إلى ما قد ضمنه الله له من أسباب رزقه
ورغد عيشه، فيضحي بوظائفه سعياً وراء ما قد تكفل له الله به من
ذلك كله؟ يقول الله له: { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ } { البقرة:
2/257 } فيعرض عن أهله وأولاده، غير مبال بتربيتهم ورعاية
دينهم وسلوكهم، معتذراً بأنه لا يملك مزيداً من الوقت الذي
يصرفه لتجارته وملاحقة رزقه، لرعايتهم وتربيتهم.يقول الله له:
{ ..يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْراهِيمَ } {
الأنبياء: 21/69 } فيتلاعب بالكيل والوزن، ويمعن في الغش
وأسبابه، أملاً في أن يصل إلى ما قد وعده الله به، إن استقام
على العدل، ولكنه يأمل ذلك عن طريق الظلم والفساد والغش.يقول
الله عز وجل للإنسان: { كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى
إِبْراهِيمَ } { الأنبياء: 21/69 } فيعرض عن العمل الصالح الذي
أمره الله به، ثم يبحث عن الحياة الطيبة، في مراتع اللهو
ومنعرجات الفسوق والعصيان.يقول الله تعالى: { وَما خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ، ما أُرِيدُ
مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ، إِنَّ
اللَّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين } {
الذاريات: 51/56ـ58 } وتتأمل في حال فريق كبير من الناس، وإذا
هم معرضون عن وعد الله بهذا الاستخلاف إن هم أنجزوا أوامره
ونفذوا وصاياه وأحكامه، ويبحثون للوصول إلى هذا الاستخلاف
والحكم في الأرض، عن كل ما يتخيلونه من الوسائل والأسباب
الأخرى، وربما وضعوا أنفسهم موضع المهانة في استجداء هذا الذي
وعدهم الله به، من أعدائهم ومن الأمم أو الدول المتسلطة
عليهم!!..

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:23 am

يتبع الحكمة الخامسة :

اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

ـ الغريب أن تجربة إعراض الإنسان عن الوفاء بعهد الله،
يتجلى للعيان سوء نتائجها، ومع ذلك فمن شأن كثير من الناس
الإمعان في هذا الإعراض!

والغريب أن تجربة هذا الإعراض عن الوفاء بعهد الله، مقابل ما
ألزم الله به ذاته العلية من الوفاء بعهدهم، يتجلى للعيان سوء
نتائجها، وخيبة آمال أصحابها بها، ومع ذلك فإنهم يمعنون، في
هذا الإعراض عما كلفهم الله به من الوظائف، ويواصلون المضيّ في
تجاربهم الفاشلة، التي تنقلهم من ذل إلى ذل، وتزيدهم بعداً عن
الهدف الذي يطمحون إليه. فهل في التصرفات التائهة ما هو أعجب
من هذا التصرف؟ولو أن أحداث التاريخ لم تكن شاهداً عملياً
لصِدْق وعد الله لعباده، إن هم صدقوا معه في إنجاز ما قد كلفهم
به، لربما كان في الوعد النظري ما يبعث على الريبة والشك،
نظراً لضعف ثقة المسلمين اليوم بوعود خالقهم ومولاهم.ولكن
تاريخ هذه الأمة، ينطق واقعه بشهادة تجلجل على أسماع الدنيا
كلها، بصدق وعد الله عز وجل فيما أخبر والتزم!..

ـ تجربة الأمة العربية يوم كانت وفية بعهد الله ثم يوم
أخذت تعرض عن الوفاء بعهده

كان المسلمون في صدر الإسلام حفنة من عرب الصحراء، فلما أصغوا
إلى خطاب الله لهم، وتبينوا الوظيفة التي حمّلهم الله إياها،
وآمنوا بألوهيته ووحدانيته، ووثقوا بوعده وحكمه، وسعوا سعيهم
الجاد إلى أداء وظائفهم التي كلفوا بها فمارسوا عبوديتهم لله
بالسلوك الاختياري، كما قد فطروا عليها بالواقع الاضطراري،
أنجز الله لهم الوعد الذي ألزم به ذاته العلية (ولا ملزم له
جلّ جلاله) في مثل قوله عز وجل: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ
بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً
نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } { طه: 20/132 }
فأزاح عن طريقهم امبراطوريات الروم والفرس واليونان، وأقام من
تلك الحفنة من عرب الصحراء قادة وحكاماً لشعوب تلك البلاد،
وأورثهم أرضهم وديارهم بكل ما فيها من ذخر وخيرات!..وإن
المتأمل في تاريخ ذلك الرعيل، ليعجب بالوفاء الذي بادل الله به
وفاءهم، في أحداث ناطقة بهذه الحقيقة لا تحتمل أي ريب.وإن من
أبرز مظاهر هذا الوفاء وآثاره، قول عمر لأبي عبيدة، وقد وصل
عمر إلى مشارف الشام مرتدياً مرقعته المعروفة التي كانت تحوي
ما لا يقل عن اثنتي عشرة رقعة، والتي أثارت عتباً خفياً همس به
أبو عبيدة في أذن عمر: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما
طلبنا العزّ بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله»!..ألا، فلتعلم
هذه الأمة، أن كل حرف من هذه الكلمات، يرتل نشيد وفاء مع الله
عز وجل، تجاه ما قد أنجزه لتلك الحفنة من الوعد الذيطعه على
ذاته العلية لها.. هذا بالإضافة إلى الذوق العالي الذي تتألق
به هذه الكلمات وتزدان به معانيها. لو أن عمر كسا جسمه ثياب
الأبهة والفخار، وأقبل إلى أباطرة الشام مزهواً بها، لكان في
ذلك ما يشعر بأن العرب (وإنما عمر ممثل لهم في ذلك الموقف)
إنما انتصروا وتغلبوا، بهذه الفخامة والمظاهر، وفي ذلك تزييف
للسبب الحقيقي، وتناسٍ للفضل الإلهي الذي نصرهم مع ضعفهم،
وأغناهم من فقر، وأعزهم من ذل. إذن يجب أن يراهم أباطرة الشام
على حالتهم التي كانوا عليها، حتى يعلموا أن اليد التي
انتشلتهم وسمت بهم إلى هذا الشأو الباسق، إنما هي يد الله عز
وجل. وحتى يكون ذلك بمثابة إعلان منهم، بأنهم ليسوا مدينين في
ذلك كله إلا لمنة الله وفضله!..ذلك هو الشعور العالي الذي كان
يساور عمر الذي أصرّ أن لا يراه زعماء الشام وأباطرته إلا بتلك
المرقعة التي تنطق لهم بحقيقتين اثنتين: أولاهما: افتقار
العرب إلى أدنى مقومات النصر وتجرُّدُهم عن كل أسبابها المادية
الطبيعية. الثانية: اليد الإلهية التي رفعت لهم شأناً وخلدت
لهم ذكراً وأورثتهم (وهم يتمرغون في ضعفهم وفقرهم) أجلّ
درجات القوة والغنى.أما نحن اليوم، أحفاد ذلك الرعيل، فلا نحن
بالوظيفة التي كلفنا الله بها ننهض، ولا بوعده الذي قطعه لنا
نثق، ولا بذلك الواقع التاريخي الناطق نعتبر!.. نتطوح ذات
اليمين وذات الشمال، ونطرق كل الأبواب المذلة ما عدا باب الله
المعزّ!.. وتزيدنا التجارب التائهة خسارة إثر خسارة، دون أن
نعود من هذه التجارب الخائبة والمخيبة،إلى الباب الذي دلنا
عليه الله، وإلى العكوف على الوظيفة التي خلقنا الله لها
وأقامنا عليها!..

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:24 am

يتبع الحكمة الخامسة :

اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

إذا كان ابن عطاء الله يحذرنا من الاجتهاد فيما ضمن لنا،
فلماذا أوجب الله علينا التعامل مع الأسباب؟ جواب مفصل عن
هذا السؤال

وكأني ببعض من يطلع على ما أقول يستشكل أو ينتقد قائلاً.ألم
تقل في شرحك المطول للحكمة الثانية: إن على المسلم أن يمارس
الأسباب وأن لا يعطلها؟.. ألم تؤكد أن الإعراض عن الأسباب مع
انتظار أن يخلق الله النتائج من دونها، سوء أدب مع الله عز
وجل؟..إذن فلا بدّ من الاجتهاد فيما ضُمِنَ لنا، وذلك بأن نسعى
وراء أرزاقِنا ومصالحنا الدنيوية عن طريق الأسباب التي أقامها
الله أمامنا.والجواب يتلخص في أن الاجتهاد المذموم في نيل ما
قد ضمنه الله للعبد، يتمثل في أن يجعل من انشغاله بأسباب دنياه
صارفاً له عن القيام بوظائفه وواجباته الدينية المختلفة.. يدعو
الداعي إلى المسجد لشهود صلاة الجماعة فيعرض عن الداعي وعن
صلاة الجماعة لانشغاله بأسباب تجارته أو زراعته أو وظيفته، حتى
إذا أوشك وقتها أن يزول، أقبل إليها إقبال من يريد التخلص منها
بأقل ما يمكن من دقائق، هذا إن تذكرها ووجد لديه حافزاً
لتداركها قبل الفوات!.. تلاحقه أوامر الله بأن يربي أولاده،
وأن ينشئهم في ظل التعاليم الإسلامية، وأن يدخل حب الله
وتعظيمه في قلوبهم، وأن يراقب سلوكهم أن لا يشرد عما قد أمر
الله به، وأن لا يجنح إلى ما قد نهى الله عنه، فيعرض عن هذه
الوظيفة، محتجاً بأن مشاغله الدنيوية، أياً كانت، لا تترك له
وقتاً كافياً لذلك، ويترك أهله وأولاده لرياح المجتمع وتخبطاته
ومغريات الشهواتالأهواء!.. يطلب الله عز وجل منه أن يتعلم
إسلامه وأن يتفقه في دينه وأن يتلو كتاب الله تلاوة صحيحة
متقنة بتدبر وتمعن، فيعود إلى الإعراض والاعتذار بأن المشاغل
التي تلاحقه لا تترك له فضلة وقت يلتفت فيها إلى تلاوة القرآن
أو التفقه في الدين أو دراسة شيء من علوم الإسلام!.. ومن
المعلوم أن مشاغله هي الدنيا التي تكفل الله له بها، وما يلح
في الإعراض والاعتذار عنه، هو الوظيفة التي خلقه الله عز وجل
من أجلها!..فهذا هو مراد ابن عطاء الله باجتهاد المسلم فيما قد
ضمنه الله له، وإعراضه عما قد كلفه الله به.. أن يضحي
بالتكاليف التي خلق من أجلها، لحاقاً وراء الدنيا التي ضمنها
الله له.أما الذي يقبل إلى واجباته الدينية التي كلفه الله بها
في حق نفسه وفي حق أهله وأولاده، فيتعلم أحكام دينه ويتشبع
بمعرفة عقائد الإسلام ودلائلها، ويتعلم القرآن تلاوة ثم دراية
وتفسيراً، ويقبل إلى أهله وأولاده فيربيهم التربية الإسلامية
التي أمره الله بها، ثم يقبل إلى الدنيا فيمارس أسباب رزقه حسب
ما قد أقامه الله فيه، وينشط في اكتساب رزقه بالطرق المشروعة
التي أمكنه الله منها، فإن مما لا ريب فيه أن نشاطه هذا وإن
كان في ظاهره دنيوياً إلا أنه في حقيقته جزء لا يتجزأ من
الوظيفة التي كلفه الله بها. لا سيما إن اتجه منه القصد إلى
تلبية أمر الله عز وجل بالكدح والسعي من أجل الرزق، وذلك في
مثل قول الله عز وجل: { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ
وَتَسْبِيحَهُ } { النور : 24/41 } بل إن هذه الأنشطة بهذا
الضابط الذي أوضحته، وبالقصد الذي ذكرته، تغدو نوعاً من الجهاد
في سبيل الله.روى الطبراني في معجمه الصغير والكبير من حديث
كعب بن عجرة أن رسول الله خرج ومعه جمع من الصحابة فرأوا
رجلاً قد بكر إلى العمل، ورأوا من جَلَدِهِ ونشاطه ما أعجبهم،
فقال أحدهم: ويح هذا، لو كان في سبيل الله، فقال عليه الصلاة
والسلام: «إن كان خرج يسعى على ولدٍ له صغاراً فهو في سبيل
الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين فهو في سبيل الله، وإن
كان خرج يسعى على نفسه ليعفها فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى
على أهله فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى تفاخراً أو
تكاثراً فهو في سبيل الشيطان».إن اسم العبادة ليس خاصاً
بالصلاة والصيام والحج وما هو معروف ومحفوظ من أحكام الإسلام
وتوابعه من نوافل القراءات والأذكار، بل هو شامل لكل سعي
يُبتغى منه التقرب إلى الله. فإذا تحقق هذا القصد فإن كافة
أنواع التجارات والصناعات وكل أنواع الفلاحة والزراعة والبناء،
جزء لا يتجزأ من العبادة، بل إن خوض غمار السياسة والنهوض
بمسؤولياتها المتفاوتة، من جوهر العبادة ولبها.ولكن فلتعلم أن
القصد إلى بلوغ مرضاة الله بذلك؛ لا يكون إلا حيث تكون هذه
الأعمال والأنشطة كلها مشروعة مباحة، ثم إنه لا يكون أيضاً إلا
بعد التنسيق مع الواجبات الأساسية الأخرى، من سائر أنواع
العبادات والنسك التي تمثل أركان الإسلام وذيوله وآدابه،
وفيمقدمة ذلك كله العكوف على معرفة الإسلام متمثلاً في
مصدرَيْه القرآن والسنة، وفي معرفة أحكام الشريعة الإسلامية
الأساسية والمتعلقة بكل فرد.وإلا فكيف يكون السعي اللاهث وراء
التجارة أو الصناعة أو الأنشطة السياسية، سعياً في سبيل الله
أو لوناً من ألوان العبادات والقربات، إذا كان صاحب هذا السعي
غافلاً عن صلواته ونسكه، معرضاً عن دراسة الإسلام وتعلم عقائده
وأحكامه؟!.مثل هذا الإنسان لا يعقل أن يكون قصده من أعماله
وأنشطته الدنيوية التقرب إلى الله عز وجل، إذ لو وجد هذا القصد
لديه حقاً، لساقه سوقاً، إلى حضور الجمعات والجماعات، وإلى
مجالس العلم وحلق الذكر.إن أكثر الأنشطة الدنيوية التي يلهث
وراءها أبطالها اليوم، بعيدة كل البعد عن حال من وصفه رسول
الله بأنه في سبيل الله. إنك تنظر فتراهم يعرضون ناسين أو
متناسين أوامر الله تعالى ووظائفهم الأولى التي خلقوا من
أجلها. يقدحون زناد الفكر للتفنن في السباق اللاهث إلى أعلى
درجات الغنى، والفوز بأبهى أنواع البذخ والمتع، وهم بأبسط
أحكام دينهم جاهلون، والرسالة القرآنية المبعوثة إليهم من الله
عز وجل مطروحة ومنسية وراء ظهورهم، غريبة ألفاظها عن ألسنتهم،
مجهولة المعاني من عقولهم.. إنهم حقاً مظهر صادق لقول ابن عطاء
الله: «اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على
انطماس البصيرة منك».ودعوني أقل لكم ما يلي:يلاحقني كثير من
هؤلاء الأغنياء المترفين، بالدعوات المتلاحقة إلى حضور حفلات
يقيمونها بمناسبة عقود نكاح أو أفراح أخرى، في بعض من هذه
الصالات الفخمة التي تعرفون.. فأستجيب لما تتاح لي الاستجابة
إليه منها.. غير أني أقول لهؤلاء الداعين وأمثالهم الموجودين
في الحفل، من خلال الكلمة التي أدعى إلى إلقائها:ها أنا أستجيب
جهد استطاعتي لدعواتكم، فهلاّ استجبتم لحفلاتي التي أدعوكم
إليها، مع العلم بأن دعواتكم تستبطن غاية دنيوية ونجاحاً في
سباق إلى حظ من حظوظ النفس، أما دعوتي فهي متجهة إليكم باسم
الله عز وجل، إلى حضور درس من الدروس العلمية التي تقربكم إلى
الله، وتصعد بكم من حمأة هذه الدنيا ومنافساتها وصراعاتها، إلى
صعيد من النشوة والانتعاش بذكر الله.ثم إني أحسن الظن وأنتظر
الاستجابة، وألتفت باحثاً بين وجوه الآلاف الذين يغشون درسي في
شرح هذه الحكم أو غيره، فلا أرى إلا المقبلين إلى الله من
الشباب وذوي الدخل المحدود من عامة الناس. أما تلك الطبقة
المتميزة، فلا أجد منها أحداً في مثل هذه المجالس، إنهم يتقنون
فن الدعوة إلى حفلاتهم الباذخة، وأسلوب النقد والعتب الشديد إن
تغيبت ولم أستجب، ولكنهم لا يعرفون أبداً السبيل إلى المجالس
التي من خلالها يمكنهم النهوض بالوظيفة القدسية الكبرى التي
خلقوا من أجلها. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:25 am

يتبع الحكمة الخامسة :

اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليل
على انطماس البصيرة منك

موقفه التوازن بين الوظائف الدنيوية والواجبات الدينية

وصفوة القول في فهم هذه الحكمة على الوجه الشرعي السليم، تتمثل
في قول الله عز وجل: { رَبُّنا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ
خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } { طه: 20/50 } لاحظ أن الله وصف هذه
النخبة من الناس بقوله: { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع.. } {
النور: 24/36 - 38 } كل هذا تدركه من قوله جلّ جلاله: { لا
تلهيهم } { النور: 24/36 - 38 } الكلمة القرآنية: { أَلَمْ
تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ
فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ
وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ
وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ.. } { الحج: 22/18 }
اجعلوا وظائفكم الدنيوية دائرة في فلك واجباتكم الدينية..
وعندئذ تتحول دنياكم التي كانت تشغلكم عن الله إلى دين يقربكم
إلى الله عز وجل.ثم إن هذا الحكم الرباني الذي يتجلى في هذا
النص القرآني، قبل أن يبرز حكمة في كلام ابن عطاء الله، ينطبق
على الأفراد، وعلى المجتمعات متمثلة في القادة والحكام.في كلا
الحالين يجب أن تدور الأنشطة الدنيوية المختلفة في فلك
الواجبات والوظائف الدينية التي أقام الله عباده
عليها. والضمانة التي ألزم الله بها ذاته العلية، لمن سعى
بجدٍّ في تنفيذ الوظائف التي كلفه الله بها، تنطبق على
المجتمعات كما تنطبق على الأفراد.وإن تاريخ هذه الأمة خير مظهر
لهذا التطبيق، في كل من حالتي الطرد والعكس.انظر إلى شأن
الرعيل الأول من قادة هذه الأمة وحكامها: فتح الله أمامهم
مغاليق الدنيا، وأخضع لهم الحضارات، وبدد أمامهم القوى، وفجر
لهم عوامل الغنى من داخل الفقر، ونسج فيما بينهم وحدة ظلت مضرب
المثل؛ عندما أقاموا من أنفسهم خدماً لدين الله، وجعلوا من
أنفسهم جنوداً لأداء الوظيفة التي كلفهم الله بها، وصدقوا الله
فيما بايعوه عليه وألزموا أنفسهم به. فصدق فيهم قول الله عز
وجل: { ..وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ } { الحج: 22/18
} ثم انظر إلى أولئك الذين ذاقوا لذة الدنيا، ممن جاؤوا على
أعقابهم، أو سبقوا بعضاً منهم، فسكروا بها وركنوا إليها، ونسوا
الوظائف القدسية التي كلفهم وشرفهم الله بها، فجعلوا ديدنهم
جمع المزيد ثم المزيد من المال، وتشييد القصور الباذخة،
والتقلب في فنون المتع والنعيم، متوهمين أن مفاتيح الأبواب إلى
متعهم وشهواتهم، هي ذاتها مفاتيح الأبواب إلى قوتهم
وانتصاراتهم!.. إلام آلت عاقبتهم؟كانت عاقبة أمرهم خسراً، كما
قال الله تعالى، أفقرهم الله على الرغم من الأموال المكتنزة في
باطن أراضيهم، وأذلهم الله على الرغم من القوة المادية وأشعّة
الأبهة التي تزدان بها قصورهم وجباههم، ومزق الله شملهم وأقام
عوامل النزاع فيهم محل نسيج الوحدة الذي كان جامعاً لأشتاتهم.
ثم إن الله أقصاهم من ساحة الأحلام والآمال الدنيوية التي
جعلوا منها بديلاً للنهوض الجادّ بما قد كلفهم الله به، وسلّط
عليهم أعداءهم الذين توجهوا إليهم من كل نافذة وصوب!.. فلا هم
بالأمانة القدسية التي عهد الله بها إليهم نهضوا، ولا على
أحلامهم وأمانيهم الوردية الضبابية عثروا. ودونك فتأمل في
جنبات العالم العربي والإسلامي، هل تجد إلا مصداقاً بيناً
دقيقاً لما أقول؟!..والمصيبة كل المصيبة تتمثل في انطماس
البصيرة الذي أودى بقادة الأمة إلى سوء هذا المنقلب. إذ أنساهم
مصدر عزهم الذي هو الإسلام، فتنكروا له وأعرضوا عنه، ثم إنهم
بحثوا وبحثوا عن البديل الذي يعزهم، فلم يعثروا على شيء. فها
هم أولاء يجترون عواقب تيههم الذي تطوحوا فيه. وتُوقِّع
الليالي والأيام بتوقيع من النور علىحكمة ابن عطاء الله التي
تصيدها من كتاب الله: «اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب
منك، دليل على انطماس البصيرة منك». * * *

يتبع الحكمة السادسة وشرحها ان شاء الله .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد فتحي في الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:43 am

جزاكم الله خيرا أخي الحبيب محمد الحسيني

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف أبو الحسن الشاذلي في الأربعاء يونيو 11, 2008 1:45 pm

جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم
avatar
أبو الحسن الشاذلي
مراقب
مراقب

عدد الرسائل : 114
تاريخ التسجيل : 23/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:01 pm

الحكمة السادسة


لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً
ليأسك، فهو ضمن لك الاستجابة فيما يختاره لك، لا فيما
تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد

ـ أولاً: تعالوا نتساءل عن معنى الدعاء وشروطه

أولاً: تعالوا نتساءل عن معنى الدعاء، إذ كثيرون هم الذين
يلتبس عليهم الطلب بالدعاء، وبينهما فرق كبير.الطلب وصف للفظ
ينطق به الطالب، أما الدعاء فعبارة عن حالة نفسية تعتري الطالب
فيسمى طلبه عند ذلك دعاء. والحالة النفسية التي من أجلها يسمى
الطلب دعاء، تلك التي يتحقق فيها أمران اثنان: أولهما: يقظة
القلب والمشاعر، واتجاه كل منهما بانكسار وتذلل إلى الله عز
وجل. فأما إن لم يكن القلب يقظاً ولا المشاعر متفاعلة مع الطلب
اللساني، في حالة من التذلل والانكسار، وإنما كان اللسان ينطق
بكلمات محفوظة مع امتداد آليّ للكفين حسب الطقوس والعادة، مع
شرود الذهن وانصراف المشاعر إلى أفكار أخرى، فإن هذا لا يسمى
دعاء بالمعنى الشرعي المطلوب الذي يتحدث عنه ابن عطاء الله في
هذه الحكمة. وإنما يسمى طلباً، وهي تسمية لغوية يصطلح عليها
علماء اللغة العربية، عند حديثهم عن الإخبار والإنشاء.إذن، فلا
تقل والحالة هذه: إن فلاناً قد دعا الله. ولكن قل: قد طلب.
وإذا لم يكن هناك دعاء فلماذا تنتظر الاستجابة؟كثيرون هم الذين
يتحرقون سعياً وراء أحلام ورغائب دنيوية يطمحون إليها، يسمع
أحدهم أن ثمة أدعية معينة إن دعا بها الإنسان استجيب دعاؤه،
فيتتبع صيغ هذه الأدعية من بطون الكتب، أو يسأل عنها من يرجو
أن يكون لديهم علم بها، من العلماء أو طلاب العلم الشرعي، ثم
إنه يقبل إلى هذه الصيغ يحفظها كما يحفظ التلميذ درسه، ثم يسرد
ألفاظها في حركة طقوسية مجردة، وتنظر إلى حاله مع الله، وإذا
هو من المعرضين عنه وعن وصاياه وأوامره وتعليماته. ولكنها
الرعونة التي عبر عنها المثل العربي القائل: «صاحب الحاجة
أرعن لا يروم إلا قضاءها».فإذا كرر هذه الألفاظ التي حفظها،
ونظر فلم يجد استجابة لطلبه وبقيت أحلامه وهماً حبيساً في ذهنه
وفكره، أعلن الشكوى والعتبلى الله وقال: ها أنا قد دعوت فلم
يستجب لي، فأين أنا من مصداق الآية القائلة : { هُوَ
أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها } { هود:
11/61 } ثانيهما: أن يبدأ الداعي فيتوب إلى الله من المعاصي
التي ارتكبها في حقه. ويجعل من توبته الصادقة شفيعاً بين يدي
دعائه.فأما الذي يواصل العكوف على معاصيه، ويتجه في الوقت ذاته
إلى الإله الذي يعصيه، يطلب منه تحقيق أحلامه وحاجاته، فهو لا
يتعامل مع عقله فضلاً عن كونه بعيداً عن التعامل المنطقي مع
ربه!..تصور - ولله المثل الأعلى - رجلاً قد أساء إلى مسؤول
ذي شأن كبير، وجاء في الوقت ذاته يسأله قضاء بعض حوائجه، دون
أن يبدأ فيعتذر عن إساءاته وسوء تصرفه، لا السائل يعدّ منطقياً
في سؤاله، ولا المسؤول يُتوقع منه أن يستجيب لطلبه. والإنسان
أخو الإنسان أياً كانت الصلة بينهما، أما الإنسان مع الله:
فمملوك مع مالك، ومخلوق مع خالق، وعبد ذليل مع معبوده الواحد
بالحق.فكيف يقبل كلٌّ من الرشد والمنطق أن يدخل العبد رحاب
الله عز وجل وهو مثقل بالأوزار التي ارتكبها في حقه عز وجل،
دون أن يبدأ فيلقيها عن كاهله بتوبة صادقة نصوح، ثم يطلب منه
قائمة طلباته؟!.. طلب الله منه أن لا يعصيه فعصاه، ثم طلب الله
منه بعد التورط في العصيان أن يتوب إليه فأبى. ومن خلال عصيانه
وإصراره على العصيان، وعزمه على الاستمرار، جاء يقدم إلى الله
قائمة طلباته، ثم أخذ يلحف في الطلب.. ثم أخذ يعتب على الله
أنه دعاه فلم يستجب، خلافاً لما قد وعد!!..أيعقل أن يقدم على
هذا إنسان ذو إنسانية مستيقظة؟

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:03 pm

يتبع الحكمة السادسة :

لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً
ليأسك، فهو ضمن لك الاستجابة فيما يختاره لك، لا فيما
تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد

ـ الفرق بين الطلب والدعاء

إن هذا العمل يسمى طلباً، ولا يسمى دعاء، كما قد أوضحت، ولكي
يتحول الطلب إلى دعاء لا بدّ من توافر هذين الشرطين فيه:
أولهما يقظة القلب والمشاعر إلى مناجاة الله تعالى في تذلل
وانكسار حقيقيين، ثانيهما التوبة الصادقة النصوح إلى الله
تعالى من سائر الذنوب والآثام. والله عز وجل إنما وعد باستجابة
الدعاء ولم يعد باستجابة ما يسمى طلباً.وهذا هو السبب في أن
الإنسان كثيراً ما يدعو الله لنفسه فيستجاب له، ويدعو لعامة
الناس فلا يستجاب له. إذ من اليسير عندما يدعو أحدنا لنفسه أن
يقدم بين يدي دعوته توبة صادقة لله عز وجل من جميع سيئاته
وأوزاره، ولكن ليس من اليسير أن يتحقق هذا الشرط عندما يدعو
أحدنا للمجتمع بأسره، إذ المجتمع مليء بالتائهين والعاصين
والمستكبرين، ودعاؤنا لهم جميعاً تبقى استجابته معلقة على شرط
التوبة، على أن يتمثل في توبة الداعي وتوبة من ندعو لهم. وأنى
لك بتوبة الكثرة الكاثرة من هؤلاء التائهين والعاصين؟إذا دعوت
الله عز وجل أن يرفع الشدة عن المجتمع الذي أنا فيه، وأن
يمدّنا بمزيد من العطاء والرخاء، وأن يكرم الأمة بالغيث،
فلأعلم أن خطاباً يوجه إليّ قائلاً: ذكّر الأمة التي تدعو لها
أن يتوب أفرادها وفئاتها عن المعاصي والظلم وأن يتحققوا
بالشروط التي لا بدّ منها لاستجابة الدعاء، فإن هم أقلعوا عن
المعاصي وتحققوا بالشروط، فادع الله لهم، يُسْتَجَبْ دعاؤك.
فإن أعجزك هذا الأمر، فادع الله لنفسكبعد التقييد بالشروط،
(وإن بوسعك أن تلزم نفسك بها) ، يَسْتَجِبِ الله لك.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:04 pm

يتبع الحكمة السادسة :

لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً
ليأسك، فهو ضمن لك الاستجابة فيما يختاره لك، لا فيما
تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد

ـ من عادة الله عز وجل لدى استجابته لدعاء عبده، أن يحقق
له الهدف المطلوب بقطع النظر عن الوسيلة التي تعلق بها

فإذا تحققت الشروط، والآداب المطلوبة كلها، فإن الله سيستجيب
الدعاء ويحقق المطلوب. ولكن إياك أن تتصور بأن الاستجابة تعني
أن يحقق الله لك حرفية ما طلبته منه.. بل اعلم أن الاستجابة
التي وعد الله بها عباده أعم وأوسع من ذلك.إن استجابة الله لك
تعني أن يحقق لك هدفك، وليس من لوازم ذلك أن يحقق لك حرفية ما
قد طلبت، لظنك أنه هو السبيل الذي يوصلك إلى هدفك.طلبتُ من
الله تعالى شيئاً بمواصفات معينة، ظناً مني أنها الضمانة للهدف
أو الخير الذي أبتغيه. ولكن الله الذي يعلم غيب السموات
والأرض، ويعلم ما قد تأتي به التقلبات والأحداث، قد يعلم أن
هذا الشيء الذي طلبته وتعلقت به لظني أنه يتضمن الخير الذي
أبتغيه، لا ينطوي في الواقع على هذا الخير، بل ربما كان سبباً
لنقيضه. فيصرف الله عني حرفية ما طلبت، لطفاً منه ورحمة بي،
ويحقق لي الهدف البعيد الذي أبتغيه بوسيلة أخرى لم تكن تخطر
مني على بال.. وهذا هو معنى قول الله عز وجل: { وَأْمُرْ
أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْأَلُكَ
رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } { طه:
20/132 } وإلى هذا يشير ابن عطاء الله في هذه الحكمة السادسة،
إذ يقول: «فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره
لنفسك».وكم في حياة كل منا نماذج تجسد هذه الحقيقة التي
أقولها. كم من إنسان تعلق قلبه بمهنة أو بوظيفة خيل إليه أنها
تحقق له أهدافه وأحلامه، وبات يدعو الله ويلحف في الدعاء أن
تتحقق له تلك الوظيفة، وانتظر وانتظر.. دون أن تتحقق له تلك
الوظيفة، حتى خيل إليه أن الله لن يستجيب دعاءه، وما هي إلا
أيام حتى خلق الله له أسباباً أخرى أوصلته إلى بغيته من حيث لم
يكن يحتسب، وتأمل في الأسباب التي اختارها الله له، وإذا هي
خير من الوظيفة التي كان قد تعلق بها، بأضعاف!.. فأخذ يحمد
الله أن صرفه عما كان متعلقاً به، وأكرمه بما لم يكن يخطر منه
على بال.وأني لأذكر، ولا أنسى، أنني في كثير من الأيام الخوالي
من عمري، تعلقت برغائب خيل إليّ أن سعادتي متوقفة عليها، وأخذت
أدعو الله وأسأله ليل نهار أن يحققها لي، ولكنها لم تتحقق،
وقبل أن ينال الشيطان مني فرصة إساءة الظن بالله عز وجل،
عوَّضني عن تلك الرغائب بما هو خير منها. فأخذت أحمد الله عز
وجل أن لم يحقق لي حرفية ما كنت أطلب، إذ لو تحققت لي تلك
الرغائب الحرفية لجرّتني إلى مصائب لا حدّ لها. وإنه لَلُطْفٌ
كبير وعجيب من الله بالعبد أن يراه لجهالته يتعلق ببوارق
ظاهرها الخير وباطنها البلاء الكبير، فيقصيه الله برائع لطفه
ورحمته عن تلك البوارق، ويكرمه بما يتأمله ويبتغيه من ورائها،
من الآمال التي تسعده وتبعده عن أسباب الشقاء. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:05 pm

يتبع الحكمة السادسة :

لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً
ليأسك، فهو ضمن لك الاستجابة فيما يختاره لك، لا فيما
تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد

ـ خطأ ثان يقع فيه الإنسان أحياناً، هو استعجاله
الاستجابة

خطأ ثان، يقع فيه بعض الناس. يدعو أحدهم وقد التزم بالشروط
التي لا بدّ منها: تاب إلى الله، أعاد الحقوق إلى أصحابها، دعا
بشعور يقظ وبقلب واجف منكسر.. ثم أخذ يحسب على الله الليالي
والأيام، وربما الساعات، منتظراً أن يلقى الاستجابة في أقرب
وقت، فإذا مضت بعد دعائه مدة يحسبها في نظره طويلة، دون أن يجد
الاستجابة المطلوبة، ضاق ذرعاً، وقال في سره أو جهره: ها أنا
ذا دعوت، فلم يُسْتَجَبْ لي!..وذلك هو شأن الرعونة التي تهيمن
على كثير من الناس نتيجة لشدة تعلقهم بالرغائب والأحلام
والآمال التي يطمحون إليها.فما هو موضع الخطأ في هذا
الأمر؟موضع الخطأ أن هؤلاء الناس يظنون أن الدعاء الذي أمر
الله به، إنما هو وسيلة إلى غاية، أي أن اللجوء إلى الدعاء
إنما يكون - فيما يظنون - لعارض يتمثل في حاجة طرأت أو مصيبة
وقعت، فإذا تحققت الحاجة وزالت المصيبة لم تبق حاجة إلى
الدعاء.. ثم إن هذا الظن يحمل أصحابه على أن ينتظروا متلهفين،
بعد الدعاء، فإن لم يجدوا سرعة الاستجابة، أيقنوا أن الدعاء
إذن لا فائدة منه، فتفتر عندئذ عزائمهم عن استمرار السؤال
والدوام على الدعاء. إذ إنهم ينظرون إلى الدعاء على أنه -كما
قلت- وسيلة إلى غاية، ولا يعلمون أنه غاية بحدّ ذاتها.وهذا خطأ
كبير، بل وقتّال ربما!..الدعاء عبادة قائمة بذاتها.. فهو غاية
لا وسيلة. الإنسان عبد مملوك لله. والعبد محتاج في كل لحظة إلى
سيده بالنسبة لسائر أموره المتنوعة والمختلفة. ومن أهم وظائف
العبد أن يعلن عن عبوديته لسيده، وذلكبأن يعبر عن احتياجه
الدائم إليه، وتوقف حياته ومقومات عيشه وسعادته على الرعاية
التي تفد إليه منه.. وسواء رأى العبد آثار سؤاله ودعائه وإعلان
احتياجاته، أو لم ير شيئاً من ذلك، فإن شأن العبودية أن يظل
العبد واقفاً على الأبواب متذللاً عند الأعتاب.. ولْتَعْلَمْ
أن هذا لا ينطبق إلا على عبودية واحدة لا ثاني لها، هي عبودية
الإنسان لله.ولا يوهمنَّك خلافَ هذا الذي أقول أن الله قرن
الدعاء بالاستجابة عندما قال: { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا
كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } { الإسراء: 17/35 } لا.. ليس معنى
الآية كذلك، وليس بين الجملتين شيء من هذا الربط أو العلاقة
التي قد تسري إلى وهمك.الآية تتضمن أمراً اقتضته عبودية
الإنسان لله، وهو قوله: { مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ
أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً
طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما
كانُوا يَعْمَلُونَ } { النحل: 16/97 } وهذا هو السبب في قوله
: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يُسْتَجَبْ
لي»
رواه_الشيخان_وأبو_داود_والترمذي_وابن_ماجه_من_حديث_ أبي_هريرة.
.ومعنى قوله هذا: يستجاب لأحدكم ما لم يظن أن له على الله
حقاً أن يستجيب دعاءه إن دعاه، ويقل في نفسه، وها أنا مع ذلك
قد دعوت ولم أنل حقي في الاستجابة!!..إذن. هما أمران كل منهما
منفصل عن الآخر. الدعاء عبادة يجب على من علم عبوديته لله أن
يؤدي حقها عليه، بقطع النظر عن النتائج التي يتوقعها. وهذا
معنى قوله : «الدعاء هو العبادة»
رواه_أحمد_وابن_حبان_والحاكم_في_المستدرك_والبخاري_ف ي_الأدب_ال
مفرد_من_حديث_النعمان_بن_بشير. والاستجابة تفضل وإكرام من
الله عز وجل.والنتيجة السلوكية التي يجب أن يلتزم بها المسلم
بناء على هذا، هي أن عليه أن يمدّ يد الافتقار إلى الله عز وجل
في كل الأحوال، وأن يعلن بالذل والانكسار عن كل احتياجاته التي
لا حدود ولا نهاية لها، بقطع النظر عن النتائج التي قد تواجهه.
ولكن عليه في الوقت ذاته أن يثق بكرم الله وإحسانه، وبأنه
سيستجيب دعاءه، وما الحكمة في تأخر ظهور الاستجابة في كثير من
الأحيان، إلا أن يُربَّى العبد على فهم هذه الحقيقة، وأن لا
يتصور أن الاستجابة نتيجة آلية أو حتمية للدعاء. وعندئذ يصبح
كل من الدعاء وانتظار الاستجابة دون ضجر ولا قلق، جزءاً لا
يتجزأ من العبادة، بل هو لب العبادة وروحها. ولذا ورد في
الحديث قوله : «انتظار الفرج عبادة»
رواه_ابن_أبي_الدنيا،_وابن_عساكر_من_حديث_علي._ورواه _القضاعي_م
ن_حديث_ابن_عمر_وابن_عباس،_ورواه_ابن_عدي_في_الكامل_ والخطيب_ال
بغدادي_في_تاريخه_عن_أنس._وهو_وإن_كان_ضعيفاً_إلا_أن _هذه_الطرق
_يقوي_بعضها_بعضاً. .فهذا هو معنى الجزء الثاني من حكمة ابن
عطاء الله هذه، وهو قوله: «.. وفي الوقت الذي يريد لا في
الوقت الذي تريد» أي ضَمِنَ لك الإجابة في الوقت الذي يحبه هو
طبق الحكمة التي يراها، لا في الوقت الذي تريد طبق الرعونة
التي تهتاج بك وتضطرب في كيانك.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:06 pm

الحكمة السابعة


لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه،
لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك

ـ في كتاب الله تعالى وعود كثيرة ألزم الله بها ذاته
العلية دون اشتراط دعاء، قد يرى كثير من الناس أنها لم
تتحقق وأن الواقع يخالفها، فما الجواب

يفيض كتاب الله عز وجل بوعود ألزم بها ذاته العلية للمسلمين،
دون أن يقيد إنجازها بمسألة ودعاء، بل ألزم الله بها ذاته
العلية ابتداء، إن وفى المسلمون بالأوامر والمتطلبات التي
كلفهم بها.من ذلك هذه الوعود القاطعة التي ألزم الله عز وجل
بها ذاته لعباده الذين أنجزوا ما قد أوصاهم وكلفهم به:- {
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَما
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً.. } { النور: 24/55
} - { لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ
الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ
وَعِيد } { إبراهيم: 14/13ـ14 } - { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ
عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ
أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ } { القصص: 28/5 } - {
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً.. } { النحل: 16/97 } - {
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي
مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } {
الملك: 15/67 } والذي يحصل أن كثيراً من الناس قد يمرون على
هذه الآيات وأمثالها، ويقفون على هذه الوعود التي ألزم الله عز
وجل ذاته بها لعباده الذين طبقوا أوامره.. وينظر فيجد أن هذه
الوعود، أو أكثرها، غير ناجزة اليوم. فالمسلمون ليسوا منصورين
كما قد وعدهم الله، والظالمون يسرحون ويمرحون ويستلبون الحقوق،
ولم يهلكهم الله كما قد وعد، وتوعّد. والمسلمون فيهم الكثير
ممن لم تتحقق لهم الحياة الطيبة كما قد وعدهم الله عز وجل..
إلخ.فابن عطاء الله يخاطب هؤلاء المرتابين في وعود الله عز وجل
قائلاً: «لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه،
لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك». * * *
غير أن لأحدنا أن يسأل قائلاً: كيف لا أشك في الوعد، وأنا أرى
أمامي الواقع المخالف له؟والجواب هو أن الذي تُداخله الريبة في
صدق وعود الله عز وجل، (وقد ذكرت نماذج عنها)، هو ذاك الذي
يلاحق دائماً ما له من حقوق عند الله، ولا يلاحق نفسه بشيء من
الواجبات الثابتة لله عليه.إنه يقول مثلاً: ها نحن مؤمنون
مسلمون، مساجدنا عامرة بالمصلين، نستقبل شهر رمضان بالصيام،
نهرع إلى الحج في أيامه، إذن فنحن ننتصر لدين الله، فأين هو
نصره لنا؟ ما له يسلط علينا الأعداء من كل جهة، يستلبون حقوقنا
ويحتلون أوطاننا؟يقول هذا من خلال المناظير المكبرة التي يضعها
على حقوقه وحقوق الأمة جمعاء، دون أن يتتبع الواجبات التي كلفه
الله بها فضيعها، من خلال منظار ضعيف واحد!..يمتن على الله بأن
شعائر الإسلام لا تزال قائمة، فالمساجد تشهد مصلين فيها،
ورمضان يشهد الصائمين والقائمين، ومكة تزدحم بالحجيج في كل
عام. غير أنه لا يخترق هذه الشعائر العامة ليقف على أخلاق
الناس وسلوكهم، وليدخل البيوت ويشهد غربة الإسلام فيها،
وانصراف الأسر إلى ليالي الشهوات والأهواء، وليطل على الأفكار
التي تستهين بالإسلام كله من جذوره إلى فروعه، وتقف من أحكامه
وأنظمته موقف المتبرم من القديم الذي ملّه واجتواه أهله،
وليتبين التيار المستغرب الذي ينادي بالحداثة آناً وبالعلمانية
آناً، وبالحرية التي تهدف إلى الانعتاق من أَسْرِ الدين آناً
آخر، ولا يتأمل ليرى أن هذا المزيج المعرض عن الله وأحكامه هو
النسيج الذي يشكّل كسوة المجتمع في الجملة، وهو الذي يفرزه
مسرح الأنشطة والأحداث التي تموج فيه. أما الشعائر التي يمتن
بها على الله ليطالبه من خلالها بحقوقه، فهي كما يعلم الجميع
قشرة رقيقة وضاءة تغطي واقعاً مظلماً مخيفاً.وآية هذا الذي
أقول، أن جلّ الذين يقولون هذا الكلام ويحتجون على الله
بوعوده، نجدهم من الشاردين عن هديه والمستهترين بأحكامه،
والبعيدين حتى عن معرفة الأساسيات من دينه. وعندما يحتجون على
الله بهذا الذي يقولون، إنما يتذكرون في الشعارات الإسلامية
العامة، التزامات غيرهم!..فما هو الأساس الذي يتفرع عنه هذا
الواقع الذي وصفت؟أساس ذلك أن الإنسان كلما كان بعيداً عن الله
مستغرقاً في المشاغل الدنيوية تقل وتضمر أمام بصيرته حقوق الله
عليه، وتتكاثر رغباته وأمنياته التي قد يرى فيها حقاً له على
الله!!..مثل هذا الإنسان إن رأى نفسه يؤدي الفرائض الخمس ويتجه
مع الناس في موسم الحج إلى بيت الله الحرام، وينساق مع الناس
للصيام في شهر رمضان، يجزم بأنه قد أدى كل ما لله من حق عليه،
وإنما بقي أن تصله حقوقه التي وعد الله بها عباده الصالحين في
محكم كتابه.وكلما كان الإنسان أكثر معرفة بالله وصفاته، وأبعد
عن الاستغراق في المشاغل الدنيوية، تعظم وتتكاثر أمام بصيرته
حقوق الله عليه، وتضمر بل تذوب حقوقه التي يرى أنه قد غدا
أهلاً لها.تصور حال شاب حديث العهد بالإنابة والتوجه إلى الله،
إنه إن وجد نفسه موفقاً لأداء الفرائض الخمس بأي أشكال الأداء،
قادراً على الإقلاع عن الفواحش والكبائر التي كان عاكفاً
عليها، يظن أنه قد بلغ بذلك درجة الصديقين.فإذا ازداد تشبعاً
بحقائق الإسلام وازداد معرفة بالله وصفاته، أخذ يشعر بتقصيره،
وأصبح يرى في صلاته الثغرات الكثيرة من الغفلة وعدم الحضور
فيها، ومن الاكتفاء بالفرائض وإهمال ما يتممها من النوافل،
ويحفزه هذا الشعور على أن يحمل نفسه على مزيد من الطاعات وعلى
مزيد من الإتقان في أدائها.. فإذا ازداد تذوقاً لحقائقالإسلام
وازداد حباً لله وتعظيماً له، عاد إلى قرباته وطاعاته ينظر
إليها وإذا هي في عينه تافهة قليلة لا تساوي شيئاً أمام عظيم
حق الله عليه وأمام نعمه الكثيرة التي يتقلب منها في يمّ لا
حدود له، فيضاعف عندئذ من قرباته وطاعاته، ويبالغ في رعايتها
أن تكون صافية عن الشوائب.فأنى لهذا الإنسان والحالة هذه أن
يرى لنفسه حقاً على الله يطالب به؟ وكيف يتأتى له، وهو مغمور
بمشاعر تقصيره، أن يطالب الله بالحياة الطيبة التي وعد بها
عباده الصالحين؟ولما كان سيدنا محمد رسول الله أكثر الناس
معرفة بربه وأكثرهم حباً وتعظيماً له ومهابة ومخافة منه، فقد
كان أكثرهم شعوراً بالتقصير في جنبه والعجز عن شكره وأداء
حقوقه.. ولقد كانت تنتابه من ذلك حالات من الضيق الآتي من تصور
بعده عن الوفاء بحقوق الله فيستغرق في الاستغفار، شأن العاصي
الذي جاء يطلب من الله الصفح عما اجترح. وهذا معنى قوله
: «إنه ليغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم والليلة مئة
مرة»
رواه_بهذا_اللفظ_مسلم،_ورواه_البخاري_بلفظ:_«فأستغفر _الله_أكثر
_من_سبعين_مرة». .وقد عبر عن هذه الحقيقة بعض الصالحين بقوله:
«حسنات الأبرار سيئات المقربين».وبوسعك أن تتبين جليّ ما قد
أوضحت، في هذه الأسطر التي أنقلها لك من كلام الإمام الشاطبي
في كتابه الموافقات: «فالضرب الأول حاله حال من يعمل بحكم عهد
الإسلام وعقد الإيمان، من غير زيادة. والثاني حاله حال من يعمل
بحكم غلبة التعظيم والخوف والرجاء والمحبة. فالخوف سوط سائق،
والرجاء حادٍ قائد، والمحبة تيارٌ حامل.. والخائف يعمل مع وجود
المشقة، غير أن الخوف مما هو أشق يحمل على الصبر على ما هو
أهون وإن كان شاقاً.. والمحب يعمل ببذل المجهود شوقاً إلى
المحبوب، فيسهل عليه الصعب، ويقرب عليه البعيد، وتفنى القوى
ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ولا قام بشكر النعمة»
الموافقات_للشاطبي_2/141. . * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:08 pm

يتبع الحكمة السابعة :

لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه،
لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك

ـ النتيجة هي أن الله لايخلف وعداً قطعه على ذاته لمن
أدوا شروط الوفاء به

والنتيجة التي ننتهي إليها من معرفة هذا الأساس، هي أن الله لا
يخلف عهداً أو وعداً قطعه على ذاته العلية لمن أدوا شروطه بصدق
وإخلاص.غير أن الذين يعرفون هذه الشروط ويقدرونها حق قدرها هم
الذين عرفوا الله حق معرفته وفاضت أفئدتهم حباً وتعظيماً له،
لا الذين يتعاملون مع الله على أساس من عقد الإسلام فقط كما
قال الشاطبي، ويحصون على الله حقوق أنفسهم دون أن يتذكروا حقاً
على أنفسهم له. إن هؤلاء لن يدركوا أي معنى لقوله تعالى: {
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها
اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ ، رِجالٌ
لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصارُ ، لِيَجْزِيَهُمُ
اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ } { النور:
24/36 - 38 } لقوله: { لا تلهيهم } { النور: 24/36 - 38 }
713 أخبرني أحد الجنود الذين كانوا في هزيمة حرب عام 67، أنه
كان عائداً إلى دمشق مع ثلة من زملائه الجنود، وفي الطريق حان
وقت الصلاة، فبحثوا عن مكان مناسب، ووقفوا يصلون.. وفي تلك
الأثناء مرّ بهم خبراء من العسكريين الأجانب، فوقفوا ينظرون
إليهم.. ولما أتموا صلاتهم قالوا لهم: إن الله لم ينصركم في
الحرب فلماذا تصلون له؟..قلت للجندي الذي أخبرني بهذه القصة:
كان عليكم أن تقولوا لهم: إننا نصلّي شكراً له أنه لم يعاقبنا
على آثامنا وإعراضنا عن أوامره، وارتكابنا للمنكرات الكثيرة
التي تفور بها معسكراتنا، بخسف ولا بمحق ولا بزلزال، ولا
بحجارة يمكن أن يرسلها علينا من السماء، إذ إننا نستحق أكثر من
هذا الذي أصابنا.إن أولئك الخبراء الذين طرحوا سؤالهم ذلك، لم
يكونوا جاهلين بحقوق الربوبية، بل كانوا جاهلين بالذات
الإلهية، ناسين وجوده من حيث هو!..وإني لأذكر أن أحد الصالحين
سئل - وكان مظنة ولاية وقرب من الله عز وجل -: ألا ترينا يا
سيدي بعضاً من كراماتك التي تزيدنا إيماناً وثقة بالله عز
وجل؟قال لهم: ألا ترون أعاجيب الخوارق والكرامات التي يكرمني
الله بها في كل لحظة؟قالوا له: لم نر شيئاً منها بعد..قال:
أفلا ترون أني أسير فوق الأرض دون أن تخسف بي، ودون أن تنهمر
عليّ النيازك والشهب؟.. أليس من الإكرام الإلهي - وأنا أستحق
الهلاك بسبب تقصيري الدائم وتفريطي في أوامره وحقوقه - أن
يحيطني بحمايته ورعايته فلا يهلكني كما قد أهلك الكثير ممن
كانوا قبلي؟!..إن هذا الذي قاله هذا الرجل الصالح كان صادراً
من صادق مشاعره، ولم يكن يقوله تصنعاً أو تكلفاً.. بل هو شأن
كل من فاض قلبه تعظيماً لله ومهابة له وخوفاً منه وإدراكاً
لآلائه ونعمه التي يتقلب في غمارها، لا سيما عندما يقف على مثل
قوله عز وجل: { لا تلهيهم } { النور: 24/36 - 38 } * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:09 pm

يتبع الحكمة السابعة :

لا يشككنّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه،
لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك وإخماداً لنور سريرتك

ـ على كل من يتعامل مع الله عز وجل أن يبدأ فيعلم سنن
الله التي يتعامل على أساسها مع عباده

ثم إن على كل من يتعامل مع الله عز وجل، أن يبدأ فيقف على سنن
الله في عباده والقواعد التي يتعامل معهم على أساسها، كي لا
يخطئ في فهم ما قد يراه من الأحداث.


ـ من هذه السنن قوله عز وجل: {واتقوا فتنة لاتصيبّن الذين
ظلموا منكم خاصة}

إن من بعض هذه القواعد والسنن، أنه جلّ جلاله قد يأخذ الكلّ
بجريرة البعض، وقد نص البيان الإلهي على هذا في قوله عز وجل:
{ ..لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ
الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ
وَعِيد } { إبراهيم:14/13ـ14 } عندما سألته زينب رضي الله
عنها قائلة: «أنهلك وفينا الصالحون؟» فأجابها قائلاً: «نعم،
إذا كثر الخبث».فلا يقولن قائل: ما جريرتنا نحن الملتزمين
والمستقيمين، أن يصيبنا البلاء أو يحيق بنا الهلاك بسبب
غيرنا.وقد نفذت هذه القاعدة، بقدر كبير من الشدة والدقة، في
عهد رسول الله ، يوم أحد، ويوم حنين.في غزوة أحد أمر رسول
الله الرماة، وكانوا زهاء خمسين، أن لا يبارحوا أماكنهم حتى
يأذن لهم رسول الله ، وكان رسول الله قد أقامهم فوق رابية
يحمون فيها ظهور المسلمين.فلما بدأ القتال ودارت رحى الحرب على
المشركين، وأيّد الله المسلمين بالنصر، فهُزم المشركون شرّ
هزيمة، وتركوا وراءهم كثيراً من الأموال والغنائم، نظر الرماة
من أماكنهم إلى ما حلّ بالمشركين، فلم يشكّوا في أن الحرب قد
وضعت أوزارها، وتشاوروا في أن ينزلوا فينالوا نصيبهم من
الغنائم.. فأيد بعضهم ذلك وخالف آخرون محذرين من مخالفة أمر
رسول الله. فنزل الذين اجتهدوا ورأوا النزول قبل أن يأذن لهم
رسول الله بذلك. فماذا كانت النتيجة؟أدخل الله في أفئدة فلول
المشركين العزيمة والجرأة، بعد الخوف والرعب، فاستدار بعض منهم
يرأسهم خالد إلى جبل الرماة الذي خلا من أكثر الذين كانوا
عليه، فقتلوا البقية المرابطين عليه، وانحطوا بسهامهم في ظهور
المسلمين الذين أدخل الله في أفئدتهم الاضطراب والرعب، بعد
الذي كانت تفيض به من الصمود ونشوة الظفر.. وماهو إلا أن تحول
النصر إلى هزيمة، راح ضحيتها كثير من المسلمين، بل أصاب رشاشها
شخص رسول الله الذي كسرت رباعيته ووقع في كمين أعده له
المشركون.كل ذلك، من أجل خطأ أو معصية تورط فيها بعض الجنود من
أصحابه ، ولم يشفع وجود رسول الله في الغض عن تلك المعصية
وطيّها عن الاعتبار. ونزل في ذلك بيان من الله عز وجل يرسِّخ
في أذهان الناس هذه السنة الإلهية التي يأخذ بها عباده، كي
يأخذوا حذرهم ولا يعودوا إلى مثلها. وهو قوله عز وجل: { وَقالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم } { غافر:40/60 } فتأمل،
يرحمك الله، وقارن بين تلك الغلطة أو المعصية التي تورط فيها
بضع عشرات في جيش معهم رسول الله ، والمعاصي الكبيرة والكثيرة
التي تفيض بها المعسكرات اليوم، والتي يكاد يصل البعض منها إلى
قريب من الكفر. ثم قارن بين عصا التأديب التي أصابت رسول الله
وأصحابه من جراء تلك الغلطة، وعصيّ التأديب التي تصيبنا نحن
المسلمين اليوم، من جراء الآثام الخطيرة التي استسلمنا راضين
مطمئنين لتياراتها، تجد أننا مغمورون بدلال عجيب وبألطاف كبيرة
من الله عز وجل.فإذا جاء، مع هذا كله، من يرتاب في وعود الله
عز وجل، ويرى أنه يستحق تكريماً لم يمنحه الله إياه، أو يرى أن
مجتمعاتنا اليوم تستأهلالنصر الذي وعد الله به عباده الصالحين،
فإن ارتيابه هذا لدليل على انطماس بصيرته وخمود نور سريرته،
كما يقول ابن عطاء الله. * * *


ـ ومن هذه السنن أيضاً ما يعامل الله به الطغاة الذين
قطعوا آخر خيوط الصلة بمولاهم عز وجل

وإن من هذه السنن والقواعد الإلهية، ما يعامل الله به الطغاة
والعتاة الذين قطعوا آخر خيوط الصلة بخالقهم، وأزهقوا أوهى
الآمال المتبقية بعود حميد إلى الله، من فتح أبواب المتع كلها
أمامهم، وتسخير الدنيا كلها لمطامعهم وأهوائهم، ليزدادوا بذلك
عتواً وسكراً، فيكون العقاب الذي أعدّه الله لهم أشدّ وأقسى!..
فإذا أخذهم الله بعد ذلك، أخذهم أخذ عزيز مقتدر.تأمل في هذه
النصوص القرآنية التي ترسخ هذه السنة الإلهية وتؤكدها:- {
وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى
أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } { البقرة : 2/216 } - {
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ، وَأُمْلِي
لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } { الأعراف: 7/182ـ183 } - {
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ
إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصارُ } {
إبراهيم: 14/42 } - { وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلَى أُمَمٍ مِنْ
قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ
لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ، فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا
تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، فَلَمّا نَسُوا ما
ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ } { الأنعام: 6/42 - 44 } وهذه السنة
الإلهية، مع هذه النصوص القرآنية الناطقة بها، هي التفسير لما
قد تراه، ويعجب له كثير من السذج والجاهلين، من تقلب أمم البغي
والضلال، في النعم والمتع التي لا حصر لها. إنها، كما قال الله
تعالى متاع قليل لا دوام له، ثم إنه متاع وإن بدا للناظر
باعثاً على السعادة ناشراً للأمن والسرور، إلا أنه في الواقع
الحقيقي، يحمل في داخله بذور الشقاء والآلام. فإذا حان الميقات
الخفي الذي لا يعلمه إلا الله، تفجرت هذه البذور بالشقاء
والدمار على أولئك الذين كانوا يعكفون منها على متع ولذائذ لا
حصر لها.. ومصداق هذا قول الله عز وجل: { ..حَتَّى إِذا
فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ
مُبْلِسُون } { الأنعام: 6/44 } فإذا جاء اليوم من يقول: نحن
المسلمين يحجب الله عنا وعوده التي التزم لنا بها، وأولئك
الجاحدون العتاة الظالمون يكرمهم الله بما لم يعدهم به من
الأعطيات والانتصارات، فما مردّ قوله هذا إلا إلى انطماس
بصيرته، وإعراضه عن خطاب الله الذي لو تأمل فيه، لعرف قواعده
وسننه التي يتعامل على أساسها مع عباده المؤمنين والجاحدين،
والمهتدين والتائهين. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:10 pm

الحكمة الثامنة


إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك

ـ انتقال الإنسان من أودية الضلال إلى صعيد الهداية يتم
بأحد طريقين: طريق الإنابة، أو طريق الاجتباء، والتعريف
بكل منهما

يمكن أن يرقى الإنسان من وهدة الضياع والضلال إلى صعيد الهداية
ومعرفة الله، من خلال أحد طريقين لا ثالث لهما:أحدهما يتجه به
الإنسان إلى الله، وهو طريق طويل وشاق، يبدؤه الإنسان بغرس
حقائق الإيمان وأركانه في عقله، ثم يوجه قلبه إلى محبة الله
وتعظيمه والخوف منه، ثم يقبل إلى أوامر الله عز وجل فيأتمر
بها، وينتهي عن المنكرات التي حذر منها، ويستعين على ذلك
بالإكثار من ذكر الله والإكثار من تلاوة القرآن. والنتيجة التي
ينتهي إليها سالك هذا الطريق هي تضاؤل الدنيا شيئاً فشيئاً
أمام بصره وبصيرته، وتعاظم الآخرة وما فيها شيئاً فشيئاً في
نفسه وفؤاده، فيهتم لما هو مقبل إليه أكثر من اهتمامه للدنيا
التي يعبرها ويمرّ بها. وهذا الطريق يسمى طريق الهداية
والإنابة.ثانيهما طريق يتجه به الله إلى العبد. أي فالطريق
الأول يكون البدء فيه منك إلى الله، كما قد بينت لك، أما هذا
الطريق الثاني فيكون البدء فيه من الله إليك. ويسمى طريق
الاجتباء.. يكون الإنسانستغرقاً في شروده وبعده عن الله،
منصرفاً إلى أهوائه ورغائبه الدنيوية، وفجأة تدركه رحمة من
الله تعالى لسبب من الأسباب التي قد لا يعلمها إلا الله،
ويتجلى الله عليه تجلّي لطف وإيقاظ، فيجذبه إليه، ويسمو به إلى
صعيد معرفته فحبه وتعظيمه. وقد يتم ذلك كله في لحظة
واحدة.ويعبّر البيان الإلهي عن هذين الطريقين للخروج من التيه
والضلال، إلى الهداية والرشد بقوله عز وجل: { اللَّهُ
يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ
يُنِيب } { الشورى: 42/13 } اجتباء وهداية.. أولهما يكون
باصطفاء وجذب من الله عز وجل، لمن شاء من عباده كما قال..
وثانيهما يكون بإنابة فسير من العبد إلى الله تعالى خلال طريق
طويل من المعارف والطاعات والأذكار والقربات.وارتباط الاجتباء
بمن شاء الله أن يجتبيهم ويجتذبهم إليه، فيه دلالة على أن
الإنسان ليس له أي دور في اختيار هذا الطريق، وإنما هو خصيصة
واصطفاء من الله لمن شاء. والطريق الثاني الذي سماه الله طريق
الإنابة والهداية هو الذي أناطه الله بسلوك الناس واختيارهم،
وتأتي الهداية في أعقابه ثمرة لجهادهم وجهودهم.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:12 pm

يتبع الحكمة الثامنة :

إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك

ـ ابن عطاء الله يلفت النظر في هذه الحكمة إلى الهداية
التي قد يكرم الله بعض عباده عن طريق الاجتباء

فابن عطاء الله السكندري رحمه الله، يلفت النظر في هذه الحكمة،
إلى أحد هذين الطريقين، وهو طريق الاجتباء الذي يأتي نتيجة
اصطفاء من الله لبعض عباده، فينتشلهم في لحظة واحدة من أقصى
أودية الضياع والبعد عن الله، إلى أعلى قمم العرفان والقرب من
الله عز وجل. يقول: «إذا فتح لك» أي الله عز وجل «وجهة من
التعرف» أي نافذة يعرفك من خلالها على ذاته، وذلك بعامل من
عوامل الجذب والفتح، التي تطوي الأزمنة في لحظات أو دقائق
معدودة، يغنيك الله بها عن دراسة تستغرق أشهراً أو سنوات.
«فلا تبال معها أن قلّ عملك» أي فلا تعجب عجباً قد يزجك في
ريب، من أنك قد بلغت هذا الأوج من التوجه إلى الله والتعلق به،
دون أن تستعين على ذلك بكثير من العبادات والنوافل والأذكار
والقربات، كما هو الشأن في العادة. ذلك لأن طريق الفتح الإلهي
مختلف عن طريق السير الإنساني، وهو جلّ جلاله «ما فتحها» أي
تلك الوجهة «لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك» أي إلا وهو يريد
أن يعرفك على ذاته. وهذه الإرادة التي شرفك الله بها من شأنها
أن تملأ كيانك معرفة وحباً وتعظيماً له ومهابة منه، حتى وإن قل
أو فقد قبل ذلك عملك المقرب إلى الله. ثم إن ابن عطاء الله
يقارن بين الطريقين قائلاً: «ألم تعلم أن التعرف هو مورده
إليك، والأعمالَ أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو
مورده عليك» ؟.. أي تأمل، كم هو الفرق كبير بين سلّم الأعمال
التي ترقى بها إلى الله وجلّها لا يخلو من الشوائب والحظوظ،
وبين الألطاف التي تهبط وترد إليك من حضرة الله عز وجل!.. لا
شك أن قوة الجذب في هذه الألطاف الإلهية الهابطة إليك أجلّ
وأفعل، من قوة الطاعات الصاعدة منك إلى الله.هذا هو باختصار
الفرق ما بين ما ترسله إلى الله من قربات وأعمال، وما يرسله هو
إليك من تجليات وألطاف. وتلك هي الخلاصة السريعة لمعنى هذه
الحكمة. ولكن فلنعد إليها بشيء من التفصيل.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:13 pm

يتبع الحكمة الثامنة :

إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك

ـ نماذج من أخبار من هداهم الله إليه عن طريق الاجتباء

في التاريخ الإسلامي كثير ممن جذبهم الله بنقلة واحدة من التيه
إلى الرشد، ومن الشرود إلى الالتزام، ومن محبة الأغيار إلى
محبة الله عز وجل.في أصحاب رسول الله منهم كثير.. يفد
الأعرابي الجلف من البادية إلى المدينة، فما تكاد عيناه تبصران
رسول الله ، وما تكاد أذناه تسمعان شيئاً من نصائحه وحديثه،
حتى يتحول وهو في مجلسه ذاك من حال إلى أخرى، تغيب عنه جلافة
طبعه وقسوة قلبه، ويولد ولادة جديدة في كل ما يتعلق بدخائل
نفسه ثم لا يخرج من مجلس رسول الله إلا وقد عزفت نفسه عن
الدنيا، وفاض قلبه حباً ومهابة لله عز وجل.. كثيرون هم أولئك
الذين نُقلوا من أصحاب رسول الله إلى صعيد الالتزام والرشد عن
طريق الاجتباء السريع، لا عن طريق التربية والممارسة
الطويلة.وفي الناس الذين جاؤوا من بعد، من اجتذبهم الله إليه
عن طريق الاجتباء، فانتقلوا من الانحراف الشديد إلى الاستقامة
التامة طفرة وبدون توقع. منهم الفضيل بن عياض الذي تحول خلال
دقائق في جوف ليل مظلم من فتاك قاطع طريق إلى متنسّك رباني فرغ
قلبه من كل شيء إلا من تعظيم الله وحبه والخوف منه. ومنهم عبد
الله بن المبارك الذي كان مولعاً بالطرب والسماع والعزف على
الأوتار، بعيداً عن الالتفات إلى أوامر الله وحقوقه، فما هو
إلا أن تحول في سواد ليلة واحدة، هو الآخر، إلى نموذج عجيب
نادر للعالم الرباني الذي جعل دنياه كلها فداء لرضا الله عنه
وسبيلاً لقربه منه
اقرأ_سيرة_وافية_لحياة_كل_منهما_في_كتابي_(شخصيات_اس توقفتني).
. ومنهم مالك ابندينار الذي تحول فجأة من شرطي يتعاطى اللهو
والسكر إلى واحد من كبار الربانيين الذين كانت تغشى دروسه
الآلاف، وهدى الله على يديه الكثير من التائهين والمارقين.ومن
المهم أن نعلم أن سبيل الاجتباء هذا ليس وقفاً على أجيال أو
على عصور بعينها، بل هو سبيل مفتوح في كل عصر إلى أن تقوم
الساعة، أي إن لله عباداً من النساء والرجال يجتذبهم إليه من
التيه إلى الرشد، في كل عصر وربما في كل بقعة وصقع.كان لي جار
مسرف على نفسه ممعن في ارتكاب الموبقات، وكان يعشق الخمرة، لا
بدّ أن ينال حظه منها في كل ليلة. ولم يكن بينه وبين الهداية
أي جسر أو خيط ممتدّ، إذ كان كلُّ ما حوله وكل من يتعامل معهم،
من شأنهم أن يزيدوه بعداً عن الله وإمعاناً في اللهو
والآثام.وصباح ذات يوم دخلت المسجد كالعادة لأداء صلاة الفجر،
وإذا بي أرى العجب الذي رأته عيني ولم يصدقه عقلي، رأيت جارنا
السكير يجلس في الصف الأول جلسة إنسان متبتل متعبد ينتظر إقامة
الصلاة.. وهكذا تحول الرجل في ظلام ليلة واحدة إلى واحد من
أفضل من عرفت رشداً والتزاماً وحباً لله وبغضاً للمنكرات. كانت
اليد التي جذبته هي يد الله، وكانت البــداية التفـــاتة لطف
واجتباء من الله عز وجل.وقصة أكثر الفنانين والفنانات الذين
تحولوا واللائي تحولن إلى طريق جديدة من الحب، ولكنه حب الله،
وإلى جاذب جديد من الشوقولكنه الشوق إلى الله، بل إلى سكر جديد
من العشق ولكنه عشق الذات الإلهية.. إنها هي الأخرى قصة
الاجتباء الإلهي، كانت اللفتة الأولى من الله، وكانت اليد
الأولى هي يد الله، وكان الحب الأول هابطاً إليهم وإليهن من
الله
يلاحظ_أن_حظ_هذا_الاجتباء_في_حياة_الفنانين_والفنانا ت،_يكاد_يك
ون_محصوراً_في_مصر_دون_غيرها!.._فما_الحكمة_ترى؟_أين _هو_حظ_الا
جتباء_من_الفنانين_والفنانات_في_سورية_مثلاً؟!.._الل ه_أعلم،_وا
لله_هو_المسؤول_أن_يتولى_الجميع_بألطافه_وفضله. . وصدق الله
القائل: { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ
عَلَى الْكافِرِينَ } { المائدة: 5/54 } ولكن حذار من أن يقول
قائل من التائهين والشاردين عن صراط الله: إنني أفضل الوصول
إلى الله والاستقامة على الرشد، بهذا الطريق، طريق الجلب
والاجتباء، فذلك أيسر وأسرع. ذلك لأن أمر الاختيار في هذا عائد
إلى الله وليس عائداً إليك. ألم تتأمل في قوله { يَجْتَبِي
إِلَيْهِ مَنْ يَشاء } { الشورى: 42/13 }

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:15 pm

يتبع الحكمة الثامنة :

إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك

ـ مصدر الاجتباء فضل الله عز وجل، والله يؤتي فضله من
يشاء

ولا يقولن قائل أيضاً: فما هو مصدر هذا الحظ الذي يناله بعض
الناس دون بعض؟ مصدره فضل الله الذي يؤتيه من يشاء، على أن
الذي أحبه الله فاجتباه، إنما أحبه لخصلة أو خلق أو سبب ما
علمه الله منه ولم تعلمه.ثم إياك أن تفهم قول ابن عطاء الله:
«فلا تبال معها أن قلّ عملك» على غير وجهه، وإليك المعنى الذي
يريده ابن عطاء الله والمثبت في كتاب الله:الذين يجتبيهم الله
عز وجل ممن تحدثنا عنهم وذكرنا نماذج منهم، لا يشترط في اجتباء
الله لهم أن يأخذوا أنفسهم بمقدمات من العبادات والقربات أو
الأوراد والأذكار، كما هو الشأن بالنسبة لغيرهم ممن يأخذون
أنفسهم بأعمال التزكية. بل إن الله ينتشلهم من وهدة الضياع
والتقلب في حمأة المعاصي، طفرة وبدون مقدمات، إلى صعيد العرفان
والالتزام ويمتعهم خلال دقائق، وربما لحظات، بتزكية النفس
والفؤاد.فإذا استقر بهم الحال على هذا الصعيد الذي جذبهم الله
إليه، أقبلوا إلى أوامر الله ووصاياه ينفذونها ويلتزمون بها،
واتجهوا إلى العبادات والقربات والأذكار يستزيدون منها، هذا
فضلاً عن ابتعادهم التام عن المحرمات والمنهيات كلها.فالحديث
هنا عن قلة العمل، وعن عدم أهميته وأهمية فقده، إنما هو بالنظر
إلى حال هذا الإنسان قبل أن يجتبيه الله. هل العمل والتوبة عن
المعاصي آنذاك مقدمات ضرورية؟ هي ضرورية للذين يريدون أن
يسلكوا سبل الهداية بجهود وأسباب يبدؤونها من عندهم، وهو الشأن
بالنسبة لأكثر الناس.. ولكنها ليست ضرورية بالنسبة لمن اجتباهم
الله ونظر إليهم نظرة لطف واصطفاء.. فقد رأيت كيف نقل الفضيل
بن عياض ومالك بن دينار وأمثالهما، من أقصى أودية التفلت
والشرود إلى أعلى درجات الرشد والالتزام، دون واسطة من قربات
أو أدعية أو أذكار أو أي مقدمات من الطاعات.ولكنهم ما إن ذاقوا
لذة معرفة الله ونعيم القرب منه والحب له، حتى شمروا عن ساعد
الجدّ وحمّلوا أنفسهم أعباء كبيرة من العباداتالطاعات. ولم يكن
يصلح شأنهم بعد التحول السريع الذي أكرمهم الله به إلا
بذلك.فإياك أن تفهم من قول ابن عطاء الله هذا ما يحلو لبعض
محترفي أعمال الإرشاد ومهامّه أن يفهموه، من أن الذين اجتباهم
الله لهم خصوصية من القرب والحب، تغنيهم عن كثرة الطاعات
والعبادات والتنزه عن المحرمات!.. تلك هي وساوس الشياطين
لأوليائهم من الزنادقة.. وهي وسوسة تناقض الحقيقة تماماً.
فالمجتبون هم أكثر الناس تعلقاً بالطاعات والعبادات، وأكثرهم
ابتعاداً عن المحرمات والشبهات، ولو كان في المقربين إلى الله
من قد حطّ الله عنهم مسؤولية الالتزام بالأوامر والابتعاد عن
النواهي، لكان رسول الله أولاهم بذلك.. وإنما كان عليه الصلاة
والسلام، أكثر الناس تحملاً لعزائم الطاعات وصبراً على النوافل
والعبادات وابتعاداً عن الشبهات. ألم يكن هو الذي تتورم قدماه
من طول القيام في الصلاة؟.. أولم يكن أول الناس في أصحابه
زهداً في الدنيا واخشيشاناً في المعيشة؟.. كذلك سائر
المجتَبْين من بعده، كانوا أكثر الناس إقبالاً على وصايا الله
وأوامره وأشدهم ورعاً في فهم الحلال والحرام، وأدومهم على
النوافل والأذكار.إذن فكلمة «لا تبال معها أن قلّ عملك» حديث
عما قبل التحول من التيه إلى الرشد، وليس إغراء بالإعراض عن
العمل، بعد التحول الذي جاء نتيجة اجتباء من الله عز وجل. * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:17 pm

يتبع الحكمة الثامنة :

إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك

ـ ترى هل من سبيل لمعرفة صفات من قد يتعرضون لهذا
الاجتباء الإلهي؟

ونعود للحديث عن هؤلاء القلة الذين ينتقلون طفرة إلى صعيد
الهداية والرشد بجاذب من الاجتباء الإلهي، من هم؟ وما هي
المزية التي تؤهلهم لهذه النقلة اليسيرة والسريعة؟أعود فأقول:
إنها تجليات ربانية لا تنضبط بمقاييس معارفنا، ولا تنضبط بحدود
قواعدنا. ولا بدّ أن لها أسباباً إلا أنها أخفى من أن تدركها
اجتهاداتنا.ولكن أليس ثمة صفات يتصف بها بعض الناس، تكون هي
مظنة تنزُّل هذا اللطف الرباني إليهم ومن ثم تكون هي سبب هذا
الاجتباء لهم؟..


ـ الذي نملك أن نقوله هو أن كل من أضاف إلى شروده عن الله
الاستكبار عليه، فهو محجوب قطعاً عن هذا الفضل الإلهي.
فأما الضالون من غير المستكبرين عليه فكلهم معرض لهذا
الفضل

الذي أستطيع أن أقوله جواباً عن هذا السؤال، هو أن كل من أضاف
إلى شروده وضلاله عن صراط الله تعالى، الاستكبار عليه، ومعاندة
الحق على الرغم من معرفة أنه حق، فهو محجوب قطعاً عن التعرض
لهذا اللطف الإلهي، وهيهات أن تفتح له وجهة من التعرف على
الذات الإلهية، على حدّ تعبير ابن عطاء الله. وكيف تفتح لهم
هذه الوجهة، وهم الذين قال الله عنهم: { إِنَّ الَّذِينَ
كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ
لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى
يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُجْرِمِينَ } { الأعراف: 7/40 } والمفهوم المخالف لهذه
الحقيقة هو أن كل من فاض قلبه شعوراً بالذل لله عز وجل، وكان
دور المعاصي في حياته تكريس مشاعر الذللله بين جوانحه، بحيث
يرى نفسه كالمتلوث بالأقذار من فرقه إلى قدمه، فهو أينما ظهر
ووجد يخجل من حاله، ويخيل إليه أن كل الناس الذين من حوله خير
منه، يكون في مقدمة المتعرضين لهذه الألطاف الإلهية التي
تجذبهم إلى سبيل الهداية والرشد.ولقد رأيت كلاماً أظنه للسيد
أحمد الرفاعي رحمه الله (512 - 578 هـ) يقول فيه: نظرت إلى
الطرق الموصلة إلى الله، فرأيتها جميعاً مزدحمة، ونظرت إلى
طريق التذلل والانكسار، فإذا هو فارغ لا ازدحام عليه!..أي إن
طرق الطاعات والقربات الظاهرة، كالعلوم الشرعية والاشتغال بها
وأعمال الدعوة إلى الله، والدخول في مسالك الجهاد، والتردد إلى
بيت الله الحرام للحج والعمرة، تتسرب إليها في كثير من الحالات
حظوظ هامة وكبيرة للنفس، ومن ثم يكثر الوافدون إلى هذه الطرق،
كل له بغيته أو غرضه الذي يرمي إليه. أما التوجه إلى طريق
التذلل والانكسار لله عز وجل، بحيث يرى السالك نفسه بعيداً عن
الله موغلاً في الموبقات، ويظن أن الناس كلهم خير منه، فيتعامل
معهم على هذا الأساس، فقلّ أن يصبر عليه إلا المخلصون لله
والصادقون معه، إذ إن النفس ليس لها أي حظ في هذا التذلل
والانكسار واتهام الذات، على مرأى من الناس.فأصحاب هذه النفوس
المنكسرة بصدق دون تمثيل وتكلف، هم في مقدمة من يتعرضون لنفحات
الله ولألطافه التي تجذبهم إليه، وإن كانوا موغلين في
الانحرافات والآثام.وعندما فوجئت بتوبة جارنا السكير الذي
اجتباه الله، على نحو ما حدثتك عنه قبل قليل، زرته في داره
لأول مرة لأهنئه على حياته الجديدة التي أكرمه الله بها. فقال
لي: لقد كنت أخاطب الله في أنصاف الليالي وأخرياتها، وأنا وحيد
في غرفتي هذه، والشراب أمامي، قائلاً: يا رب، إنه ليسوءني أن
يبقى هذا الجدار قائماً بيني وبينك، وكم أود أن أزيله، ولكني
ضعيف لا أقوى على ذلك، فما لك يا رب لا تزيله وأنت الرب القادر
على كل شيء؟..تأمل في هذا التذلل.. في هذا التدخل على الله، في
هذه المناشدة التي تعبر عن أدق معاني العبودية لله.. إنه
العامل الأوحد ربما، أو لعله أهم العوامل التي كانت السبب في
أن ينظر الله إليه نظرة رحمة ولطف واستجابة، انتشلته في دقائق
معدودات من أوحال تيهه إلى صعيد الحب والاجتباء. وصدق
القائلون: الصلح مع الله بلمحة واحدة. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:18 pm

إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قلّ عملك.
فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم
أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين
ما تهديه إليه مما هو مورده عليك

ـ بيان الفرق بين الطاعات التي تعلو منك إلى الله،
والأفضال التي ترد إليك من عنده

بقي أن نتأمل في هذا المقطع الدقيق والبليغ من حكمة ابن عطاء
الله هذه، تأمل في قوله: «ألم تعلم أن التعرف هو مُورده عليك،
والأعمالَ أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مُورده
عليك» .سلّم الأعمال والقرباتوالرياضات والأذكار التي يحاول
أحدنا أن يتقرب بها إلى الله، سلم طويل وكثير الدرجات، لا بدّ
لبلوغ أعلاه من الصبر على اجتياز الزمن الطويل.. هذا بالإضافة
إلى أن القربات والأعمال الصالحة مهما كانت مفيدة ومقربة إلى
الله بحدّ ذاتها، فإنها لا تكاد تصدر من النفس الإنسانية التي
يغلب عليها أن تكون أمّارة بالسوء، إلا وهي متأثرة بالكثير من
حظوظها وأغراضها، فتتحول بذلك تلك الأعمال الصالحة، أو كثير
منها، إلى مطايا لأهواء النفس ورغائبها. ومن ثم فإن هذه
الأعمال الصالحة على تنوعها واختلافها لا تملك إلا قدرة محدودة
على تحويل صاحبها كلياً من وهدة الشرور والانحرافات إلى صعيد
الانضباط الدائم بأوامر الله. وكم في هؤلاء الناس من يسيرون
إلى الله اعتماداً على هذه الأعمال، بضع خطوات، ثم ما هو إلا
أن يعودوا إلى مثل ما كانوا عليه من السوء. ومردّ ذلك إلى عدم
صفاء الأعمال من آفات النفس وحظوظها الدنيوية، وهي آفة قلما
يستطيع الإنسان التخلص منها.أما إن أقبل الله إليك بطائف جاذب
من لطفه ورحمته بك، فلسوف تتكون من ذلك تكويناً جديداً، ولسوف
يغيّبك هذا اللطف الرباني عن الأكوان، لتعيش مع المكون، ولسوف
تنظر إلى الأشياء بعين غير التي كنت تنظر بها من قبل، ولسوف
تسبر غورها بعقل غير فكرك السطحي الذي كنت تدرك به من قبل،
ولسوف تستيقظ من الغفلة النفسية وتنطلق من سجن الوقوف عند
ظواهر الأشياء، فتتجاوز دائرة من قال الله عنهم: {
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ
الآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ } { الروم: 30/7 } تنظر إلى كواكب
السماء في الليل فلا ترى نفسك من ذلك إلا أمام يد الصانع
المبدع، يسيح عقلك حائراً مع عظيم إبداعه، وتنظر إلى اخضرار
النبات في النهار وإلى نمنمة الزهور فيما بينها فتغيب عن
دنياالخضرة وألوان الزهور الناطقة فيما بينها، لتجد نفسك أمام
الخلاق الذي حيّر العقول في عجيب خلقه وجمال إبداعه، وتتأمل في
عجيب أنواع الثمار اليانعة فوق أشجارها، أو النائمة مع الأغصان
المتعرجة على نفسها، وتنظر في عالم الغابات والأدغال المحشوة
بعجائب حيواناتها ودقيق نظامها، وتلتفت إلى عالم البحار
الهادرة والمحشوة بعالمها ذي النظام الهائل المتفرد، فلا تبصر
من خلال هذه اللوحات الكونية إلا المكون، ولا ترى نفسك من ذلك
كله إلا أمام يد الله!.. فالمشاهد الكونية أو الطبيعية، كما
يقولون، تتحول أمام ناظريك إلى ما يشبه ألواحاً زجاجية شفافة
صافية، هل ترى فيها إلا ما ينشط ويتحرك وراءها.. فكذلك هذه
اللوحات الكونية تغيب عنك كثافتها ووجودها المادي، لتظهر لك من
ورائها صفات الخالق المبدع ووحدانية الإله الصانع.كل ذلك يتم
خلال دقائق، بل ربما خلال لحظات، على أعقاب الوجهة التي فتحها
الله من سمائه إليك ليكرمك برائحة من معرفة ذاته.. فيخلعك هذا
الشعور الجديد الغامر من حال، ليزجك في حال أخرى، وليجعلك
تتقلب من أحداث الدنيا كلها في رؤية مشهود واحد هو الله عز
وجل. وتلك هي الحال التي يسميها أصحاب هذا الاجتباء الإلهي
بوحدة الشهود.كانت الأكوان كلها من قبل، حجاباً يغيبك عن الله،
بما فيها من مغريات ورغائب وأهواء، فلما تجلى الله عليك تجلّيه
الآسر الجاذب، أصبح شهوده هو الحجاب الذي يغيبك عن المكونات
وينسيك ما قد كان لك فيها من رغائب ومغريات.هذا كله يتم خلال
دقائق أو لحظات لمن اجتباهم الله تعالى وفتح عليهم وجهة من
تعريفهم بذاته.. وهو يتم أيضاً عن طريق الإكثار من الطاعات
والعبادات، وأخذ النفس بمنهاج طويل من التزكية، والعكوف على
أوراد دائمة من الأذكار.غير أن هذا طريق طويل يحتاج إلى زمن
وجهد، وهو الطريق الذي لا بديل عنه بالنسبة لأكثر الناس.أما
طريق الاجتباء والجذب، فسريع وسهل، ولكن لا حيلة للإنسان في
اختياره. إذ مردّه إلى فضل الله الذي يميز به من شاء من
عباده.إذن فلنردد مع ابن عطاء الله هذه الفقرة الدقيقة
والبليغة من حكمته هذه، إذ يقول: «ألم تعلم أن التعرف هو مورده
عليك، والأعمالَ أنت مهديها إليه. وأين ما تهديه إليه مما هو
مورده عليك» ؟ * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:20 pm

الحكمة التاسعة


تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال

ـ الأحوال التي يتعرض لها الإنسان تنقسم إلى أحوال نفسية،
وأحوال اجتماعية وبيان مفصل لكل منهما

الأحوال جمع حال، والحال هو الوضع الذي يمرّ بالإنسان ثم
يتجاوزه دون أن يستقرّ لديه.والأحوال تنقسم إلى قسمين: أحوال
نفسية، وأخرى اجتماعية. ونبدأ بالأول منهما:وإنما نعني
بالأحوال النفسية ما اصطلح عليه علماء السلوك أو المهتمون
بالتربية القلبية الموصلة إلى الله.. وهي عبارة عن مشاعر
داخلية تمرّ ولا تستقر، تأتي نتيجة وقوف وتأمل، عند بعض صفات
الله تعالى وأسمائه الحسنى، إذ تتأثر النفس بتلك الصفات، مما
يدفع صاحبها إلى الأعمال التي تتناسب وذلك التأثير الذي هيمن
على نفسه، كما تأتي نتيجة وضع مرّ به الإنسان شرد فيه عن أوامر
الله وانغمس في بعض المحرمات، ثم انجاب عنه ذلك الوضع فأورثه
مزيداً من الخوف من عقاب الله، وألماً من تذكر ماضيه في جنب
الله عز وجل.ففي الصالحين مثلاً من يغلب عليهم الوقوف عند صفات
الرحمة والكرم والإحسان والمغفرة وسعة العفو، وكلها صفات
منبثقة من بعض أسماء الله الحسنى، فيتصرف تصرفات دينية ذات
طابع جمالي قائمة على أساس راسخ من حسن الظن بالله، وإذا ذكّر
الناس بالله لم يذكّرهم إلا بالكثير من فضله وعطائه وآلائه
ومغفرته وعفوه، وإذا اتجهإلى الطاعات والعبادات فبدافع من هذا
الشعور يتجه، ويغلب على صاحب هذه الحال أن يكون اجتماعي النزعة
وأن ينعكس إليه طيف من هذه الصفات نفسها. فتكون أعماله منبثقة
عنها.وفي الصالحين من يغلب عليهم الوقوف عند صفات القهر
والعقاب والسلطة الإلهية الواسعة النافذة، والعقاب الذي توعد
به المسرفين والظالمين، فيتصرف تصرفات دينية ذات طابع جلالي
قائمة على أساس من تغلب الخوف، والشعور بالتقصير وسوء الحال.
لا سيما إن كان ممن له ماض يتصف بالشرود والابتعاد عن أوامر
الله والانغماس في الآثام والموبقات.فهذه الأوضاع النفسية تسمى
أحوالاً، إذ هي تعرض لصاحبها فتتلبث لديه ثم تمرّ وتمضي، ثم قد
تعاوده مرة أخرى. على أنه لا يوجد ميقات محدد لبقائها، فقد
يطول أمد بقائها وقد يقصر.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:22 pm

يتبع الحكمة التاسعة :

تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال

ـ نماذج لأصحاب حالات نفسية متنوعة استلزمت تنوع الأعمال
الصالحة على حسبها

كان في الصالحين مثلاً من تمرّ به الليالي الكثيرة دون أن تغمض
له عين لرقاد كداود الطائي الذي كان يقول: «إلهي، همّك عطّل
عليّ الهموم الدنيوية وحال بيني وبين الرقاد»
الرسالة_القشيرية:_1/99_على_هامش_حاشية_الشيخ_زكريا_الأنصاري.
.وفيهم مثل فضيل بن عياض الذي وقف في عرفة مع الحجيج، دون أن
يدعو كما كانوا يدعون، أو أن يردد الأذكار والأوراد المأثورة
في ذلك الموقف، إذ كانت قد انتابته حالة من تذكره لماضيه يوم
كان مسرفاً على نفسه، جعلته نهباً لمشاعر من الخجل من الله عز
وجل، حجبته عن الانشغال بالدعاء والأوراد والأذكار. روى إسحاق
بنإبراهيم الطبري أنه وقف مع الفضيل بن عياض بعرفات، فلم يسمع
منه دعاء، إلا أنه وضع يده اليمنى على خده، وطأطأ رأسه يبكي
خفياً، فلم يزل كذلك حتى أفاض الإمام، فرفع رأسه إلى السماء
يقول: واسوأتاه والله منك، وإن غفرت لي، قالها ثلاثاً
صفة_الصفوة_لابن_الجوزي:_2/239_ومختصر_تاريخ_ابن_عساكر:_20/316
. .وفيهم من حملته هذه الحال، على الاستغفار مما يعدّ في
الظاهر عبادة وطاعة، مثل سريّ السقطي الذي كان يقول: منذ
ثلاثين سنة، وأنا أستغفر الله من قولي مرة، الحمد لله!.. قيل
له: كيف ذلك؟ قال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل، فقال لي:
لقد نجا حانوتك، فقلت: الحمد لله، فأنا إلى الآن نادم على ما
قلت، إذ أردت لنفسي خيراً مما حصل للمسلمين
الرسالة_القشيرية:_1/86_. .وفيهم من حملته حاله التي ذكرت
صوراً ونماذج منها على أن يفطر وهو صائم، مثل معروف الكرخي
الذي مرّ بسقّاء وهو صائم، فسمعه يقول: رحم الله من يشرب مني،
فتقدم إليه وشرب من يده، فقيل له: ألم تكن صائماً؟ قال: بلى،
ولكني رجوت دعاءه الرسالة_القشيرية:_1/82_. .فهذه التصرفات
وأمثالها، قد تكون محل نقد، ممن ينظر إلى ظاهر الطاعات
والعبادات مفصولة عن الأحوال الداخلية لأصحابها. فيرى ظواهر
الطاعات طاعات في كل الأحوال والظروف وبالنسبة لسائر الناس،
ويرى ظواهر الأعمال والأمور المخالفة انحرافاً عن الشرعوالجادة
الدينية في كل الظروف والأحوال. ولكن هذه النظرة السطحية نظرة
خاطئة، بل خطيرة، يجب التنبه إليها والحذر منها. وهذا ما يبينه
ابن عطاء الله في هذه الحكمة، إذ يقول: «تنوعت أجناس الأعمال
بقدر تنوع واردات الأحوال».إذن فليس عنوان العمل في ظاهره
الاسمي، هو مناط المثوبة والقبول من الله عز وجل، ولكن مناط
ذلك ما تفرزه الحالة التي يمرّ بها المسلم المتجه بكليته إلى
الله.ولقد كان نوع العمل الذي أفرزته حال فضيل بن عياض إذ كان
يقف في عرفة مع جموع الحجيج، هو ذلك الاستغراق في مشاعر الخجل
والحياء من الله، إذ كان يذكر ماضي سلوكه في شروده عن الله!..
فما من ريب أن ثواب ذلك الاستغراق بالنسبة لحاله هو ثواب
الذاكرين والداعين والمرددين للأوراد المأثورة في ذلك
المقام.وكان نوع العمل الذي أفرزته حال سريّ السقطي المتمثلة
في ندمه وحيائه من الله إذ جعل حمده له ترجمة لسروره بما امتاز
به عن إخوته الآخرين في السوق، إذ احترقت حوانيتهم، وبقي
حانوته سالماً لم يمسه سوء، الاستغفارَ من ذلك الحمد الذي رأى
أنه ليس أكثر من غلاف لما رضيه من حال الآخرين ما دام هو
سالماً!..وكان نوع العمل الذي أفرزته حال داود الطائي من الهم
الواصب الذي منعه من الرقاد ليالي متوالية، هو ذلك الهم
ذاته!.. ولاحظ كيف أن ذلك الهم الذي انتابه لم يترك له خياراً
في أن يرقد وينام، أي فلا يجوز أن يقال في حقه: إنه خالف هدي
رسول الله القائل: «أما أنا فأصوم وأفطر وأنام الليل وأتزوج
النساء» . إذ هو لم يختر لنفسه عملاً يخالف هدي رسول الله
هذا، ولكن حاله التي انتابته اضطرته إلى وضعه الذي وصفه عن
ذاته.كذلك كان نوع العمل الذي أفرزته حال معروف الكرخي عندما
سمع السقاء يقول: يرحم الله من يشرب مني، إذ أيقن بصلاح
السقاء، وهزّه الشوق إلى أن يكون واحداً ممن يرحمه الله
بدعائه، هو هذا الذي أقدم عليه من قطع صومه والشرب من يد
السقاء. لا يقال: ولكن في الفقهاء من قالوا إن البدء بالعبادات
النافلة يستوجب المضيّ فيها، لأن أولئك الفقهاء كما اجتهدوا
فرأوا ذلك، كذلك معروف الكرخي دلّه حاله التي هيمنت عليه على
اجتهاده الذي مال إليه.وإذا أدركت هذه الحقيقة التي ينبِّه
إليها ابن عطاء الله، والتي شرحتها وأوضحتها لك بهذه الأمثلة
من أحوال الصالحين، لن يمتد لسانك بنقد أو بقالة سوء في حق
كثير من الصالحين الربانيين الذين ساقتهم أحوالهم مع الله إلى
أعمال وتصرفات، قد تراها - في الظاهر - غير سديدة أو غير
موافقة لظواهر الأحكام.ولتعلم أنه يدخل في تنوع أجناس الأعمال
بسبب الأحوال النفسية، تفاوت الناس في مدى قربهم إلى الله ومدى
شهودهم لصفات الله تعالى واستغراقهم في مشاعر عظمته وجلاله..
قد ترى فيهم من يبتعد عن تناول الطيبات من الطعام ويعرض عن
تتبع ما لذّ من الشراب، وقد ترى فيهم من إذا ساق الله إليه دون
تكلف منه شيئاً من تلك الطيبات، أقبل إليها وتمتع بها وتضلّع
منها.إن الصنف الأول ليس له خيار فيما فعل، إذ إن حاله التي
تهيمن عليه تجعله يغصّ باللذيذ من الطعام والشراب، كالخائف
الذي سيق إلى ساحة الإعدام لينفذ فيه حكمه، أفيطيب له أم أيهنأ
بتناول الطعام اللذيذ إذ يوضع بين يديه؟!.. إن في الربانيين
الذين هيمنت عليهم هذه الحال التي وصفت، من يكونون من الأطعمة
والمشتهيات اللذيذة في مثل شعور هذا الذي سيق إلى الإعدام.أما
الصنف الثاني، فيملك خياره وإرادته، إذ إن الحال التي هو فيها،
هي حال سرور بشهود صفات اللطف والرحمة والعفو والإكرام من الله
تعالى.. ومن ثم فليس في مشاعره الداخلية ما يصدّه عن التعامل
والتفاعل مع قول الله تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ
اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ
الرِّزْقِ } { الأعراف: 7/32 } وهذا يعني أن من الخطأ أن يقول
أحدنا: أفكان رسول الله يحرِّم على نفسه اللذائذ؟ أو أن يقول:
أفكان في أصحاب رسول الله والتابعين، من يفرض على نفسه الحرمان
من اللذائذ المباحة الموجودة؟.. لأن حال الصنف الأول ليس حال
أناس اختاروا أن يخالفوا هدي رسول الله ، أو سيرة أصحابه من
بعده، إذن لاعترضنا عليهم واتهمناهم بالابتداع. ولكنها حال من
غُلِبَ عليهم، ففقدوا اختيارهم من جراء المشاعر التي
انتابتهم... والمشاعر انفعالات قَسرية لا توصف بالحرام
والحلال..على أن في أصحاب رسول الله من انتابتهم هذه الأحوال
القسرية، حتى حيل بينهم وبين التنعم بالطيبات، منهم سيدنا أبو
الدرداء وسيدنا أبو ذر وكثيرون.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:24 pm

يتبع الحكمة التاسعة :

تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال

ـ نماذج لأصحاب حالات اجتماعية متنوعة استلزمت تنوع
الأعمال الصالحة على حسبها

أما الأحوال الاجتماعية، فالمراد بها ما يتعرض له الإنسان من
الانتقال من حال العزوبة إلى الزواج، ومن حال الفراغ إلى
التقيد بالوظائف والأعمال، كما يراد بها تنوع المعارف
والاختصاصات العلمية والعملية والمهنية. وتفاوت الوظائف
الإدارية والسياسية.. فهذه كلها أحوال اجتماعية يتعرض كل منا
لتقلبات كثيرة فيها.إذا تبين هذا، فاعلم أن الفرائض التي أمر
الله بها تشكل الجامع المشترك بين أصحاب هذه الأحوال كلها، ذلك
لأنهم جميعاً مكلفون بتلك الأساسيات التي فرضها الله عز وجل
على عباده جميعاً. كأركان الإسلام الخمسة من صلاة وصيام وحج
وزكاة وشهادتَي توحيد الله ونبوة محمد عليه الصلاة
والسلام.ولكن ما وراء ذلك من القربات والعبادات تتنوع حسب تنوع
الأحوال الاجتماعية التي يتقلب المسلم في غمارها. والسر في هذا
الربط بين أنواع القربات وأنواع الوظائف والمسؤوليات
الاجتماعية، أن الخدمات الاجتماعية بحدّ ذاتها تعدّ من أهم
الأعمال التي يُتقرب بها إلى الله، إن صفت النية وأريد بها
الحصول على مرضاة الله.وها أنا أبرز لك هذه الحقيقة من خلال
النماذج والأمثلة التالية شاب لم يتزوج بعد، فهو لا يحمل إلا
مسؤولية نفسه، الأعمال المقربة إلى الله بالنسبة له، بعد
الجامع المشترك المتمثل في الفرائض العامة، هو التفرغ لمزيد من
العبادات والإقبال على القرآن تلقياً ثم إكثاراً من تلاوته،
وتتبع مجالس العلم والذكر، هذا بقطع النظر عن شؤونه الدنيوية
التي هو بصدد تكوينه لذاته عن طريقها. كالتوجه إلى الدراسات
وإلى المهارات التي ينبغي أن يأخذ نفسه بها.( فإذا تزوج، فقد
أصبح ذا مسؤولية مزدوجة. إذ غدا مسؤولاً عن نفسه وعن أهله
الذين هم زوجه وأولاده. ومن شأن ذلك أن يدخل تعديلاً كبيراً
على الأعمال والطاعات التي كان يتقرب بها من قبل إلى الله. إن
عليه أن يعلم أن السعي على أهله ليغنيهم ويكفهم عن المسألة جزء
لا يتجزأ من أهم القربات، والجلوس معهم عندما يعود من وظيفته
أو شؤونه للتحبب والإيناس جزء لا يتجزأ من هذه القربات، والعمل
في السوق للكدح الدنيوي يغدو بالنسبة لحاله جزءاً لا يتجزأ من
العبادات والطاعات، والعكوف على تربية الأولاد وتسليكهم في طرق
الهداية والخير الأخروي والدنيوي جزء أساسي من هذه الطاعات.
ولا شك أن هذه الأنواع الجديدة التي طرأت على حياة هذا الشاب
من الأعمال الصالحة، لا بدّ أن تأخذ من حظ العبادات والقربات
الأخرى التي كان يشغل نفسه بها قبل الدخول في حاله الجديدة
هذه.( 873 والعامل الذي يشتغل في معمل لحساب صاحبه، ينبغي أن
يعلم أن الأعمال التي تقربه إلى الله تعالى، بعد الجامع
المشترك من الفرائض والعبادات الأساسية، تتمثل في إتقان العمل
الذي تعهد به والذي ائتمنه عليه صاحب المعمل.ومعنى هذا أن
ساعات العمل التي تعاقد عليها العامل مع صاحب المعمل، يجب أن
ينصرف كلها إلى العمل الذي تم التعاقد عليه فيها، على أن تطرح
من ذلك الدقائق التي لا بدّ منها لأداء الصلاة المكتوبة
ومقدماتها من طهارة ووضوء.. أي فلا يجوز له أن يصرف، من
وراءذلك، شيئاً من ساعات العمل إلى أداء نوافل أو قراءة قرآن
أو دراسة علم ولو شرعي. ذلك لأن الحال الاجتماعية التي يمرّ
بها هذا الإنسان تضعه أمام نوع آخر من الأعمال المقربة إلى
الله، ألا وهو العكوف على أداء ما التزم به على خير وجه. ولا
يمنعه من اكتساب الأجر الوفير على ذلك من الله عز وجل، إلا أن
تكون نيته غير خالصة لوجه الله عز وجل.كثيرون هم العمال الذين
إذا حان وقت الصلاة اتخذوا من انصرافهم إلى الصلاة ذريعة
لتشاغل وتكاسل عن العمل الذي تحملوا مسؤوليته تجاه رب العمل،
إذ يطيلون من وقت الصلاة ومقدماتها بدون موجب، وربما اجتمع
المصلون من العمال يتجاذبون أطراف الأحاديث المسلية فيما
بينهم، أو ربما رأيت البعض منهم يطيب له أن يواصل جلوسه في
مصلاه بعد الصلاة لقراءة قرآن أو دراسة كتاب، موهماً نفسه أنه
يتقرب بذلك إلى الله. مع أن انشغاله بذلك إنما هو في حقه معصية
تستوجب الوزر. ذلك لأن هذه الدقائق التي صرفها إلى هذه النوافل
الدينية، ليست ملكاً له، وإنما هي ملك لرب العمل، فهو بما أقدم
عليه إنما مارس عدواناً على حق الغير. وهذا الحكم الشرعي مثبت
في باب الإجارة من مصادر الشريعة الإسلامية.كذلك كثيرون هم
الذين يؤدون العمل الذي طلب منهم بشكل سطحي غير متقن، إمّا
تهاوناً منهم وضجراً من الصبر على بذل كل ما في الوسع لأداء
العمل على وجهه السليم، وإما لحقد أو لحسد يهيمن على نفوسهم
تجاه صاحب المصنع أو المعمل، وأكثرهم لا يعلمون أنتهاونهم هذا
لا يقل في ميزان الشرع عن حال من يتهاون في صلاته فينقص بعضاً
من أركانها أو واجباتها أو يعجل بها للتخلص منها. إن نوع
الطاعة، بل العبادة، التي يطالب الله بها هذا العامل ليس أكثر
من العمل الذي كلف به (بعد أداء الجامع المشترك من الفرائض
الأساسية) لذا فإن أي خيانة تبدر منه في العمل تجاه رب العمل
إنما هي خيانة تجاه الله عز وجل.( والموظف الذي أقيم وراء
مكتبه لأداء الأعمال الإدارية التي كلف بها، يجب أن يعلم أن
عبادته التي تقربه إلى الله تعالى تتمثل (بعد أداء العبادات
الأساسية) في إتقان الوظيفة التي عهد بها إليه. ويجب أن يعلم
أن الأجر الذي يدّخره الله له عليه، لا يقل عن أجر العبادات
والقربات التي يتقرب بها العباد المتفرغون للنوافل والأذكار
وتلاوة القرآن ونحوها، بشرط أن يقصد بذلك وجه الله عز وجل. وأن
يكون العمل الذي عهد به إليه مشروعاً ومفيداً للأمة في أصله.(
وصاحب المسؤوليات السياسية على اختلاف درجاتها ورتبها، ينبغي
أن يعلم أنه إذا أنجز الجامع المشترك الذي كلف الله به سائر
عباده والمتمثل في الفروض والعبادات الأساسية، فإن القربات
التي تستنزل مرضاة الله، بالنسبة إليه، إنما تتمثل في خدمة
الأمة وحماية حقوقها ورعاية قيمها، ومدّ رواق الأمن والطمأنينة
والرخاء فيما بينها. إنَّ سهر وليّ أمر المسلمين، أو أي من
حاشيته وأعوانه، للنظر في رعاية أي من هذه الواجبات، ليس أقل
أهمية، في ميزان الطاعات المقربة إلى الله، من سهر المتعبدين
والمتبتلين بنوافل الصلاة من تهجدوقيام وذكر واستغفار.. على أن
يتوخى أصحاب هذه المسؤوليات في جهودهم وأعمالهم بلوغ مرضاة
الله، وعلى أن لا تعوقهم جهودهم تلك عن النهوض بالجامع المشترك
المتمثل في الفروض الأساسية المتمثلة في أركان الإسلام.( ولقد
نوع الله قدرات عباده بما يهيئها للنهوض بأنواع الطاعات
والقربات كلها، فكان من مقتضى ذلك أن ينهض صاحب كل قدرة متميزة
بالأعمال المنسجمة مع قدرته.فمن مظاهر هذا التنوع ما قد تراه
من حال إنسان أقدره الله على استيعاب المعارف والعلوم
الإسلامية، فهو عاكف على دراستها ثم تدريسها ونشرها بالوسائل
الممكنة. تلك هي القدرة التي منحه الله إياها، إذن فذلك هو
العمل النوعي المنوط به، من قبل الله عز وجل، وما قد تراه من
حال إنسان آخر أقدره الله على السير بين المتخاصمين من الناس
بإصلاح ما بينهم، ووسع صدره للصبر على ذلك، دون أن تكون له باع
عريضة في العلم ومسائله، إذن تلك هي القدرة التي منحه الله
إياها، وإذن فذلك هو العمل النوعي المنوط به والذي يقرّبه إلى
الله عز وجل.. وما قد تراه من حال إنسان ثالث لا يد له بهذا
ولا بذاك، ولكنه ينشط بالسعي في خدمة الناس، وقضاء حوائجهم
وردّ الأذى عنهم، إذن فذلك هو العمل النوعي المنوط به من قبل
الله عز وجل.وهكذا فقد وضح المعنى المراد بقول ابن عطاء الله:
«تنوعت أجناس الأعمال بقدر تنوع واردات الأحوال» .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3, ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى