الحكم العطائية وشرحها

صفحة 3 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4 ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:25 pm

يتبع الحكمة التاسعة :

تنوعت أجناس الأعمال بتنوع واردات الأحوال

ـ بيان الأثر التربوي الكبير الذي تحدثه معرفة هذه الحكمة
والتعامل معها

أما الأثر التربوي الذي تحدثه معرفة هذه الحكمة بأبعادها التي
فصلت القول فيها، فهو الالتزام بضوابط الأدب مع عباد الله
جميعاً ما داموا مسلمين.. إنك بعد أن عرفت هذا الذي ذكرته لك
من تنوع الأعمال المقربة إلى الله، وعدم انحصارها في المظاهر
العبادية المعروفة والمألوفة، لن تتمكن من إساءة الظن في حق من
قد تراهم مقصرين في أداء الصلوات أو غيرها من الأذكار
والقراءات، كما أنك لن تسيء الظن في أي من المتبتلين
والمتعبدين الذين وردت في ترجماتهم تصرفات ومواقف، قد تراها في
بادئ الأمر مخالفة للشرع، أو ترى فيها مبالغة لا وجه لها في
باب التورع وحدوده. وقد عرضت لك نماذج وأمثلة منها.. ذلك لأنها
نتائج لأحوال نفسية كانت تهيمن عليهم فلا تدع لهم خياراً فيما
كانوا يفعلون.وكم رأينا، ونرى، أناساً يطيلون ألسنتهم بقالة
السوء، في حق هؤلاء الصالحين دون رويّة أو إدراك لهذا الذي
يقوله ابن عطاء الله.وكم رأينا ونرى أناساً ينتشون ويطربون
بقالة السوء في حق أناس أقامتهم ظروفهم في أجواء بعيدة عن
التنسك والانضباط بآداب الكمالات الدينية المعروفة، دون أن
يدركوا أن القربات التي ترضي الله ليست محصورة في هذه الظواهر
المحدودة، ودون أن يعلموا أن الوظائف التي أقامهم الله عليها
هي أجلّ من تلك الظواهر أثراً وفائدة لهم عند الله إن أخلصوا
له في القيام بها على الوجه السليم.بل حتى الذين قد نراهم
مقصرين في الفرائض الأساسية التي عبرنا عنها بـ «الجامع
المشترك» يجب أن نذكرهم بها وندعوهم إليها، ولكنلا يجوز أن
نسيء الظن بهم، إذ إن انصرافهم إلى وظائفهم الأخرى التي أناطها
الله بهم، ستكون على الأغلب جاذباً لهم إلى تدارك ذلك التقصير،
كما رأينا من حال الكثيرين من أمثال هؤلاء.واعلم أن ثمة فرقاً
كبيراً بين واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخطورة سوء
الظن، إن الأول لا يستلزم الثاني بحال من الأحوال. أي فواجبنا
أن نذكر المقصرين بالفرائض والأركان، وأن نجنح إلى حسن الظن
بهم في الوقت ذاته، أي أن نرجح في باب التصورات والافتراضات
المستقبلية أن الله سيلهمهم تدارك هذا التقصير، وأنهم سيؤوبون
إلى الله عما قريب، بفضل وظائفهم الأخرى التي يؤدونها على
النهج السليم الذي يرضي الله عز وجل. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:27 pm

الحكمة العاشرة


الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها

ـ بيان الصلة بين هذه الحكمة والتي قبلها

هذه الحكمة ذيل متمم للحكمة السابقة.فبعد أن عرفنا أن الأعمال
التي يتقرب بها المسلم إلى الله، ليست محصورة في الفرائض
الأساسية التي تمثل أركان الإسلام، بل هي كثيرة ومتنوعة تشمل
كل ما يدخل تحت قوله الله: { عملوا الصالحات } { العصر: 103/3
} ولا بدّ لإدراك معنى هذه الحكمة، والوقوف على الصلة الدقيقة
بينها وبين الحكمة السابقة من بيان ما يلي:

ـ كل القربات التي ينال بها المسلم مرضاة الله مؤلفة من
عمل وقصد

كل القربات التي ينال بها المسلم مرضاة الله تعالى، مؤلفة من
عمل وقصد.فلا قيمة للعمل مهما كان في مظهره مقبولاً ونافعاً إن
لم يكن القصد الدافع إليه مجرد الحصول على مرضاة الله ومثوبته.
ولا قيمة للقصد (في أكثر الأحيان) إن لم يتجلّ في العمل
المقصود.ولاحظ أنني أقرر أن وجود العمل مفصولاً عن القصد
السليم الذي يعبَّر عنه بالإخلاص لوجه الله، لا قيمة له في
ميزان الشرع وحكمه في كل الأحوال، ولا داعي إلى التذكير
بالنصوص الدالة على هذا من الكتاب والسنة، فهي معروفة، ولعلها
محفوظة. إذن فلا استثناء لهذا القرار أو الحكم العام.


ـ بيان ضرورة القصد وأهميته، وأنه من العمل الصالح
كالأساس الخفي من البناء

ولكني عندما قررت العكس، قيدت ذلك بـ (أكثر الأحيان) . ذلك
لأن النية السليمة قد تغني عن العمل في بعض الأحيان، وذلك
عندما يملك المسلم صفاء القصد وخلوص النية لله عز وجل في
الاتجاه إلى عمل ما، ولكنه لا يملك القدرة على تحقيق ذلك
العمل، كتوجه قصده إلى مدّ يد العون المادي إلى فقير محتاج، أو
العون المعنوي إلى ضعيف يحتاج إلى خدمة أو رعاية أو ردّ غائلة
عدوان، ولكنه ينظر، فلا يجد لديه القدرة على ذلك. مما لا ريب
فيه أن النية وحدها في هذه الحالة تكفي، وقد دلت على ذلك
أحاديث كثيرة ثابتة عن رسول الله .غير أن هذا الانفكاك لا
يتأتى في انفراد العمل عن القصد السليم المتمثل في الإخلاص لله
عز وجل، بل كلما كان العمل المنفَّذ مرتبطاً بقصد غير سليم،
فهو عمل لاغ وباطل في ميزان الله وحكمه. وقرار الله في ذلك
نافذ لا مردّ له: { وَقَدِمْنا إِلَى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً } { الفرقان: 25/23 }


ـ إسقاط هذه الحكمة على أمثلة من أرض الواقع

إذا تبين هذا، فتعال نسقط هذه الحكمة، بل هذه القاعدة على
أمثلة من أرض الواقع رجل ركبته ديون مالية حان وقت سدادها،
رأى صاحب أو أصحاب هذه الديون، مقبلين إليه من بعيد، فاتجه
مسرعاً إلى أقرب مسجد وأخذ يصلي سلسلة من النوافل الكثيرة. مما
لا شك فيه أنْ ليس لهذا المصلي أن يتصور أنه يمارس من صلاته
عملاً يتقرب به إلى الله. إذ إن الله لم يقمه من الطاعات
والقربات في هذه الصلاة، ذلك لأن قصده ليس التقرب بها إلى
الله، وإنما التهرب من سداد الدين.( عامل يشتغل في معمل، انتهز
فرصة أذان الظهر، فترك عمله بحجة التوجه إلى صلاة الظهر، وتوضأ
فأطال الوضوء، ثم دخل الصلاة فأطال منها ما شاء أن يطيل، ثم
اتخذ مجلسه في ظل ظليل وأسند ظهره إلى مكان مريح وأخذ يتشاغل
بالأوراد الكثيرة أو بقراءة القرآن. من الواضح أن هذه الصلاة
بهذا الشكل لا تدخل في أنواع الأعمال المقربة إلى الله، لأنه
إنما ابتغى بها الابتعاد عن العمل الذي هو بصدده بحثاً عن
الراحة.( واحد من هؤلاء الذين ينشطون في أعمال حركية خدمةً
للإسلام وللدعوة الإسلامية فيما يزعمون، يعلم في قرارة نفسه
أنه يبتغي من أنشطته التي يقوم بها، فائدة دنيوية من زعامة أو
مال أو مركز سياسي، جاء من يعتب عليه بأنه مقصر في عباداته، لا
يستيقظ لصلاة الفجر إلا مع الشمس أو قبيلها، لا يتعهد نفسه
بشيء من تلاوة القرآن، فأجابه قائلاً: إن الله أقامه في أعمال
الدعوة وخدمة الإسلام،ولم يقمه في العكوف على العبادات وتلاوة
القرآن والأوراد!.. مما لا ريب فيه أن دعواه باطلة، إذ إن عمله
الذي ينصرف إليه غير مقترن بروح الإخلاص لوجه الله عز وجل.(
ثلة من الأصدقاء توجهوا حجاجاً إلى بيت الله الحرام، وقد
تطاوعوا فيما بينهم أداء الخدمات ورعاية مصالحهم الشخصية، رأى
أحدهم أن يهرب من أعمال الخدمة المتمثلة في غسل الأطباق وتهيئة
الطعام وتنظيف المنزل، فاتجه إلى الحرم يطوف آناً ويصلي آناً
ويتلو القرآن آناً آخر، تاركاً لإخوانه تلك المهمة التي فرّ
منها، لا شك أن عمله الذي اختاره لنفسه لا يدخل في قول ابن
عطاء الله: «تنوعت أجناس الأعمال، بقدر تنوع واردات الأحوال»
حتى ولو رأى هذا الرجل نفسه متميزاً عن إخوانه بدراية فقهية
ومركز علمي وديني مرموق. ذلك لأن هذه المزية لا تجعله أهلاً
لما اختاره لنفسه من الطواف والصلاة والقراءات دون غيرها من
خدمات المنزل.( قد تجد صاحب تجارة أو مصنع، يلهث مسرعاً إلى
أعماله التجارية أو الصناعية وينشط لذلك نشاطاً يذهب براحته
وينسيه أكثر وظائفه الدينية باستثناء الأركان والفروض الأساسية
منها، فإذا جاء من يذكره بالله وواجباته والوظائف الدينية
المنسية من حياته، قال: ألستم تقولون: تنوعت أجناس الأعمال
بقدر تنوع واردات الأحوال؟.. وها قد أقامني الله من أجناس
الأعمال في عملي التجاري هذا!..إن كلامه هذا غير مقبول، وعمله
ليس من الأعمال الصالحة الداخلة في أجناس هذه الأعمال، ذلك
لأنه لا يقبل على تجارتهوشؤونها من حيث هي عبادة متميزة أقامه
الله فيها، فهو لا يمارسها إلا ابتغاء رضا الله عنه، وإنما هو
متهافت عليها سعياً وراء حظ نفسه، ولحاقاً بأحلامه التوسعية
التي يضحي في سبيلها بالكثير من أوامر الله وحدوده. * * *


ـ صفوة القول أن الأعمال تابعة للقصد، وليس العكس، ومن
هنا تنوعت الأعمال الصالحة المقربة إلى الله إلى ما لاحصر
له

وصفوة القول، هي أن علينا أن نعلم ولا ننسى أن الأعمال الصالحة
التي يأمر الله بها في محكم تبيانه، ليست محصورة في قائمة
الفرائض والأركان الأساسية للإسلام بل تشمل كل ما يحقق مصلحة
من مصالح الناس من حيث الأفراد ومن حيث التركيبة الاجتماعية.
على أن يراعى في أنواعها الترتيب الذي جاء به كتاب الله عز
وجل، وهو وضع مصلحة الدين في رأس المصالح كلها، تليها مصلحة
الحياة فالعقل فالنسل فالمال.فكل هذه الخدمات داخل دخولاً
أولياً في معنى الأعمال الصالحة التي يأمر بها الله عز وجل
ويثيب عليها، وإذن فهي من العبادات التي يحقق بها المسلم معنى
عبوديته لله عز وجل.إنما المشكلة في انفصال هذه الأعمال عن
الهدف القدسي الذي يجعل منها عبادة، ويجعل من صاحبها عبداً
يمارس بها عبوديته لله بالسلوك الاختياري.المشكلة أن تصبح
الحوافز الدافعة إلى أعمال التجارة والصناعة والزراعة إمتاع
النفس بحظوظها، والركون إلى زهرة الحياة الدنيا بدلاً عن
الإقبال بها إلى الله.المشكلة أن يسمر الزوج مع زوجه وأولاده
في جو مغموس بالمنسيات والملهيات والمحرمات، بدلاً من أن يسمر
معهم ليحقق ما قد أمر الله به من إيناسهم وإدخال البهجة في
نفوسهم، فيزداد بذلك قرباً إلى الله.المشكلة أن ترتفع الأصوات
بالخطب الحماسية الدينية، وأن تدبج المقالات وتكتب البحوث في
تمجيد الإسلام، وأن تصرف الأموال الطائلة على المؤتمرات
الإسلامية، ثم يظهر للعيان أن الإسلام يتخذ مطية ذلولاً لمطامع
ومطامح دنيوية يتم التنافس عليها والتزاحم من أجلها، ويتخذ
سلّماً للوصول إلى الجوائز والامتيازات المالية
والوظيفية.والمشكلة باختصار أن يغدو التحرك بأنواعه على مسرح
العمل الإسلامي في مجتمعاتنا اليوم، حرفة من الحرف الكثيرة
المتنوعة التي يبتغى منها الرزق وما في حكمه.ولو صفت القلوب،
وخلصت النيات من الشوائب، وهيمن الإخلاص لوجه الله على أفئدة
العاملين على اختلاف أنواعهم وفئاتهم، لرأيت أن كلمة المسلمين
اليوم واحدة، ولرأيت أن أمرهم بأيديهم، ولرأيت أن هيبتهم
وقوتهم ملء أفئدة أعدائهم.فإذا آل العمل الإسلامي في مظاهره
المتنوعة إلى أن يصبح حرفة لاستثمار الدنيا ومتمولاتها، فماذا
تتوقع من الحرف الدنيوية؟ وكيف السبيل إلى أن يسمو بها أصحابها
إلى مستوى الأعمال الصالحة التي يبتغى بها وجه الله؟!..ولكن لا
بدّ أن أستدرك فأؤكد أن في المسلمين من لا يزالون على العهد،
صادقين مخلصين، لا يضرهم المخالفون لهم، بوسعك أن ترى منهم في
كل دولة ومدينة وصقع. وصدق رسول الله القائل: «لا تزال طائفة
من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله
وهم ظاهرون» متفق عليه من حديث المغيرة. . * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:28 pm

الحكمة الحادية عشرة



ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم
نتاجه

ـ الفرق بين الخمول والكسل

دعونا نوضح المعنى المراد بالخمول أولاً.كثيرون هم الذين
يتصورون أن الكلمة تعني الكسل والدعة.. يقولون: فلان خامل،
يقصدون أنه كسول لا ينهض بعمله ومسؤولياته.غير أن هذه الكلمة
تعني في اللغة الابتعاد عن الأضواء وعن أسباب الشهرة. وأن يكون
الإنسان مجهولاً لدى الآخرين لا يعرفه أكثر الناس.


ـ بيان أن كل شيء لايتكامل وجوده إلاّ بعد أن يبقى مدة في
ظلمات الخفاء

نعود الآن إلى هذا الذي يقوله ابن عطاء الله: «ادفن وجودك في
أرض الخمول» أي عندما تريد أن تنهض بمهامك التي تريد أن تنهض
بها دينية أو دنيوية (ومراد ابن عطاء الله بها هنا المهام
الدينية) عليك قبل أن تشتهر بين الناس وقبل أن يَرَوْكَ على
مسرح الأحداث ويشار إليك بالبنان، أن تدفن وجودك لمدة من الزمن
في أرض الخمول، أي بعيداً عن الشهرة، متوارياً عن أضوائها،
وليكن عملك خلال ذلك هو السعي إلى أن ترعى ذاتك وأن تنضج عقلك
وأن تربي نفسك، وأن تصفي سريرتك من الشوائب. ليكن همك محصوراً
في ذلك.وأنت لا تستطيع أن ترعى نفسك وكيانك هذه الرعاية، إلا
إن كنت مختلياً بنفسك بعيداً عن الضوضاء وعن الأضواء
الاجتماعية وتيارات الأنشطة العامة.


ـ بيان وحدة هذا القانون في الوجود الإنساني والجامدات
والوجود العضوي والاجتماعي للإنسان

ويشبه ابن عطاء الله السكندري هذا القانون التربوي في حياة
الإنسان بالقانون ذاته في عالم النبات!.. فالنواة التي تريد أن
تستنبتها، ستنمحق وتموت إن أنت ألقيتها رأساً على وجه الأرض
وتركتها ظاهرة بين الأتربة والحجارة، تشرق عليها الشمس
المحرقة، ويتخطاها الغادي والرائح.وإنما السبيل إلى استنباتها
أن تدفنها في ظلمات التراب وباطن الأرض، وتترك على هذه الحال
مدة، بحيث تتفاعل مع ذاتها، وينضج ثم ينبعث كل ما قد أودعه
الله في داخلها من الخصائص المتمثلة في أوراق وعروق تتجه صاعدة
إلى وجه الأرض، تمزق الأتربة التي فوقها، بل تشق الحجارة التي
في طريقها، لتصافح الهواء الساري ولتتغذى بضياء الشمس
المشرقة.فظهور النبات يمرّ، إذن، بمرحلتين: مرحلة التأسيس إذ
يكون في باطن الأرض، ومرحلة النمو والعطاء إذ يكون على ظاهرها
تحت ضوء الشمس وأمام الأبصار.القانوني الإلهي واحد سواء فيما
يتعلق بالنواة والبذور التي تُسْتَنْبَتُ، أو بالإنسان الذي
يريد أن يكوّن ذاته.إن بوسع الإنسان أن يعرف هويته عبداً
مملوكاً لله عز وجل خلال دقائق أو أيام..ولكن إذا أراد أن يضع
هويته هذه موضع التنفيذ، فيسير على صراط الله عالماً بشرعه
مدافعاً عن دينه مجاهداً في سبيله آمراً بالمعروف ناهياً عن
المنكر ناهضاً بواجباته الاجتماعية المثلى، فلا بدّ أن يسير
إلى ذلك، سيرة النواة إذ يتكامل نضجها في رحم الأرض، فيتعهد
نفسه بالتربية والتزكية وتخليتها من الشوائب، في مرحلة من
الانطواء على الذات، والابتعاد عن ضجيج الأنشطة الاجتماعية.ولو
أنه قفز فوق هذه المرحلة، واتجه رأساً إلى الأنشطة الاجتماعية
يتعامل معها ويتفاعل مع تياراتها، لكانت سيرته كسيرة النواة
التي ألقيتها على وجه التراب وبين الحجارة، هل تنتظر منها إلا
العفونة والفساد؟!..إن مآل هذا الإنسان الذي بدأ عمله فوق مسرح
الشهرة وتحت الأضواء الساطعة هو الخيبة والفساد!.. إن تكلم فلن
يصدر عن علم ناضج، وإن هو أراد السير على صراط الله فلسوف
تعوقه نفسه الأمارة بالسوء عن الانضباط بهذا السير، لما يعانيه
من غرائز وشهوات وأهواء لم يتح له أن يخلص نفسه منها. وإذا
اتجه إلى الأنشطة الاجتماعية، شدته رغائبه إلى التنافس في حظوظ
المراكز والزعامات، والتسابق إلى حيث المغانم والأموال.ذلك لأن
نفسه لم يتح لها أن تتهذب في محراب العزلة، ولم تنبثق فطرتها
السليمة ناضجة في رحم الخلوة.وما أكثر الفساد الذي ينتشر اليوم
في جنبات المجتمعات الإسلامية بسبب الإعراض عن هذا الذي يوصي
به ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى، بسبب الكثير ممن
يتزبب وهو حصرم.ولكن ما من إنسان يبدأ بتكوين نفسه والتعرف على
ذاته، وتغذية عقله بالعلوم والمعارف وتجارب الحياة، بعيداً عن
الأضواء الاجتماعية وعن أسباب الشهرة وعن أحلام الزعامة
مستعيناً بأجواء من الخلوات الجزئية التي تشبه جرعات الدواء
المتلاحقة، أقول: ما من إنسان يأخذ نفسه بهذا العلاج، إلا
وينضج عقله دراية وعلماً، وتتزكى نفسه تهذيباً وتربية، وتتجه
منه المشاعر والعواطف إلى كل ما هو أعلى وأبقى وقد صفيت من
شوائب الأهواء والرعونات.وتصبح أنشطته وأعماله الاجتماعية
عندئذ مفيدة ومثمرة له ولمجتمعه، تماماً كالنواة التي تركت في
باطن الأرض، حتى تفجرت في ظاهرها نباتاً مخضراً يانعاً ثم
مثمراً.


ـ المستند الذي اعتمد عليه ابن عطاء الله، سيرة رسول
الله صلى الله عليه وسلم

قد يسأل البعض: من أين جاء ابن عطاء الله السكندري بهذه
الحكمة؟والجواب أنه، كغيره، أخذها من سيرة رسول الله التي
رباه ونشّأه الله عليها. فلقد ورد في الصحيح أن الله حبّب إليه
الخلاء، فكان يخلو في غار حراء الليالي المتتابعة. كان ذلك هو
العمل التأسيسي في رحلة القيام بالمهمة التي كلفه الله بها، من
بعد.وعندما نتبين الحكمة من ذلك، نعلم أنه كما احتاج رسول
الله بين يدي القيام بعمله الوظيفي إلى هذه الخلوة فبقية
المسلمين أشد حاجة منه إليها.وإننا لننظر، فنجد أن السلف
الصالح كلهم ساروا على هذا المنوال، فلم يقفز أي من أصحاب رسول
الله رضوان الله عليهم ولا أحد ممنجاء بعدهم فوق هذا القانون
الذي يذكرنا به ابن عطاء الله رحمه الله تعالى.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 12:31 pm

يتبع الحكمة الحادية عشر :

ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم
نتاجه

ـ لكي ينهض الإنسان بواجباته الاجتماعية بنجاح لابدّ من
أن يتحلى بثلاث خصال: العلم.. تزكية النفس.. تطهير القلب
من التعلق بالأغيار

إنني بحاجة من أجل أن أخرج إلى المجتمع فأنهض بواجباتي
الاجتماعية بين الناس إلى ثلاثة أمور: أولها: العلم. فلا
يجوز لي أن أتكلم بين الناس وأن أقودهم إلى ما أرى أنه الحق
بدون علم. ثانيها: تزكية النفس، فالنفس كما هو معلوم أمّارة
بالسوء. نفسي التي بين جنبي، تطمح بي (في بادئ الأمر) إلى
البحث عن الزعامة.. إلى الوجاهة.. إلى منافسة الأقران.. إلى أن
أكون أنا الأفضل في سائر الأمور والأعمال.. تطمح بي دائماً إلى
المتع واللذائذ.. إلى جمع المال من أي نافذة لاحت، فإن صليت
دعتني نفسي إلى أن أجعل من صلاتي سبيلاً لثناء الناس عليّ..
وإن قمت أعلّم الناس وأدعوهم وأعظهم، دعتني نفسي إلى أن أجعل
من ذلك سُلّماً لشهرة وزعامة، وإن سلكت مسلك الاستزادة من
الأذكار والعبادات والقربات، توجهت بي هذه النفس ذاتها إلى أن
أكون بذلك وجيهاً ومعظماً في قلوب الناس. ولا علاج للتخلص من
هذه الآفات كلها إلاّ أن آخذ نفسي هذه بمنهج التزكية التي
أمرني الله بها. ثالثها: تطهير القلب من محبة الأغيار!.. إنني
أحب المال، أحب الزعامة، أحب زوجتي، أحب أولادي، أحب من سماهم
الله الأنداد.. أي المنافسين لله عز وجل على قلوبعباده. مطلوب
مني أن أطهر قلبي من ذلك كله، وأن أسقط محبة هؤلاء الأغيار
منه.في أي مدرسة أحقق هذه النتائج الثلاث؟ لو أنني اندمجت في
المجتمع، وحاولت وأنا أتقلب في غماره أن أطهر قلبي وأن أغذي
عقلي وأن أزكي نفسي فلن أصل إلاّ إلى نقيض ما أريد!..


ـ لايمكن تحقيق هذه الخصال الثلاث إلا بالتزام خلوات
جزئية منظمة

إن الوصول إلى هذه الأهداف الثلاثة لا يتم إلا بإخضاع الذات
لخلوات جزئية منظمة.. في هذه الخلوات، بقيودها التي سأتحدث
عنها، أتهيأ لمعرفة ذاتي وللوقوف على هويتي عبداً مملوكاً لله
عز وجل. وستسلمني هذه المعرفة إلى منهاج من الأذكار أجعل منها
وردي الدائم، وسيكون الإكثار من تلاوة القرآن بتدبر وتأمل في
مقدمتها. وشيئاً فشيئاً ستنجلي أمامي المكونات على حقيقتها.
إنها أتفه وأقلّ من أن يتعلق بها القلب، تعلقاً يحجبه عن رؤية
المكوِّن جلّ جلاله، ولسوف تتخلّى النفس عن رعوناتها وأهوائها،
وتصطلح مع الروح الهابطة إلى الجسد من الملأ الأعلى، لتبدءا
السير معاً على الطريق الموصل إلى رضوان الله عز وجل.غير أن
هذا لا يكون إلا عندما آخذ نفسي بمرحلة من الخمول وبساعات من
العزلة أخلو بها إلى ذاتي، بعيداً عن المجتمع وضوضائه.وإني
لأشبه الإنسان التائه عن هذا العلاج، السابح في أمواج التيارات
الاجتماعية المتنوعة، برجل اتخذ مكانه في ناد ليلي يفيض
بالضجيج والأحاديث المتداخلة والأصوات المرتفعة، وفجأة أقبل
إليه صديق أو شريك له في التجارة، يحدثه عن أمور حسابية
تتعلقبالشركة والأمور المالية التي بينهما. يصغي إليه صاحبه
قليلاً، ثم يجد أن لا فائدة من الإصغاء، لا المتكلم ينفذ
بالحديث دقيقاً إلى سمعه، ولا هو يستطيع أن يستوعب ما يقوله
له، وسط ذلك الضجيج.. فيقول لصاحبه: قم بنا نبحث عن مكان هادئ
يتاح لنا فيه التعامل مع الروية والفكر.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد فتحي في السبت يونيو 14, 2008 2:04 pm

جزاكم الله خيرا أخى الحبيب محمد الحسيني

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 2:15 pm

تابع الحكمة الحادية عشر :

ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم
نتاجه

ـ أمثلة على ذلك

مثال ذلك أيضاً تاجر يمضي يومه في متجره مع الزبائن الغادين
والرائحين، يندمج معهم ويساهم في ضجيجهم. ولكن ما من ريب أن
سرّ نجاحه وأرباحه التجارية لا يكمن في اندماجه مع ضجيج السوق
ومساوماته مع الزبائن، وإنما يكمن في الساعتين اللتين يقضيهما
مختلياً في مكتبه يراجع فيهما دفاتره، ويتأمل حساب الصادر
والوارد لديه.وكما أن مثال التجارة الدنيوية هذا، لا يعجز عن
فهمه أحد، فكذلك شأن التجارة بأمور الدين.إنني عندما أبدأ عملي
الإسلامي بالاندماج في المجتمع داعياً واعظاً حركياً آمراً
ناهياً، وأجدني فجأة قد أصبحت زعيماً أو مسؤولاً كبيراً، أو
اكتسبت شهرة بين الناس على حين غرة، فما من ريب في أني سأجند
كل أنشطتي الدينية وإمكاناتي الحركية لحماية ما قد نلته من
شهرة أو زعامة أو مال.إذن ماذا عسى أن أستفيد وأفيد في هذه
الحال؟لن أستفيد سوى أوزار من الرياء والعجب أحملها إلى الله
فوق كاهلي، ولن أفيد الناس إلا أقوالاً مرصوفة وحركات خداعة.
أما الدين في جوهره فتائه وضائع بين هذين الطرفين!..ولكني إن
بدأت بالنظر إلى نفسي ومعالجتها، واتخذت من وصية رسول الله
منهجاً للتربية والعلاج: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك
على خطيئتك» رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وابن أبي الدني
من حديث عقبة بن أبي عامر. فسوف يتقلص سلطان الدنيا وأهوائها
شيئاً فشيئاً عن مشاعري ونفسي، ويتجلّى في مكانه سلطان الله عز
وجل مهيمناً على كياني، وشيئاً فشيئاً يقودني دافع الإخلاص لله
وحده، في سائر أعمالي وأنشطتي التي أمارسها. إذ سيتبين لي أنه
لا يوجد أحد من دون الله يستأهل أن يكون عملي من أجله.من ذا
الذي يستطيع أن يفيدني أو يضرني من دونه؟! بل من ذا الذي يملك
أي شيء من بعده؟!..في ضرام هذا الشعور ينقدح الإخلاص لوجه
الله، ويغيب عن الذهن والنفس وجود الأغيار على اختلافها. ويصبح
الاندماج في المجتمع مأموناً ومحفوظاً من سائر الأخطار.عندئذ
لا خوف عليّ من المجتمع وأضوائه.. لا خوف عليّ من الرياء لا
داعي إلى الحذر من العجب.. لا حاجة إلى الخوف ممن قد يحاول أن
يشتريني لمصالحه بالمال، أو بالمتع والملذات.. إذ لن أجد أمامي
أحداً إلا الله الذي هو وحده الفعال، وهو وحده النافع
والضار.كان في الناس الذين يغشون مجلس والدي رحمه الله من
يسأله قائلاً: يا سيدي كيف السبيل إلى التخلص من الرياء؟فكان
يضحك متعجباً ويقول له: وهل يوجد أحد غير الله يستأهل أن ترائي
له؟!.. المفروض في المرائي أن يجد بديلاً عن الله يتقرب إليه
بعمله، فمن هو هذا البديل، وأين يوجد؟ إنّ الذي أيقن عقله معنى
التوحيد الحقيقي يدرك كنه «لا حول ولا قوة إلا بالله» ومن ثم
فلا معنى للرياء في ذهنه ولا وجود له في مشاعره.تأمل في معنى
هذا الكلام الدقيق. ولكن فلتعلم أن والدي دفن نفسه طويلاً في
أرض الخمول، قبل أن يعصمه التوحيد من أخطار الرياء والعجب
والأهواء، ويجعله يعجب من طرح مثل هذا السؤال. * * *


ـ الخمول المطلوب هنا لايعني بالضرورة الخلوة أو العزلة
التامة

على أن الخمول الذي يعنيه ابن عطاء الله هنا، أعمُّ من الخلوة
التي نتحدث عنها، فالخمول يعني الابتعاد عن الشهرة وعن خِضَمِّ
الأنشطة الاجتماعية، والركون إلى الذات لاستكمال معارفها
وتنمية خصائصها ومزاياها، وتسليك النفس في مسالك التربية
والتهذيب.وكما يكون ذلك عن طريق الاستعانة بسلسلة الخلوات
المنسَّقة، يكون عن طريق الاعتماد على دائرة ضيقة من المعلمين
والمرشدين، والأقران الذين يستعان بهم في السير على هذا
الطريق.. المهم أن لا يشغل السالك نفسه في هذه المرحلة بالشؤون
العامة، وأن لا يزج نفسه في غمار الأنشطة الاجتماعية وضوضائها،
إذ إن ذلك من شأنه أن يخنق براعم مزاياه العقلية والفكرية
النفسية التي لم تتفتح بعد، في مناخ التربية والمعرفة، وأن
تستثير في مكانها من نفسه النقائص والعيوب، كما قد أوضحت قبل
قليل.


ـ هذه الحكمة تعبر عن قانون لابدّ منه في كل من القضايا
الدينية والدنيوية

ومن المهم أن تعلم أن اتباع هذه الحكمة أساس لا بدّ منه في كل
من القضايا الدينية والدنيوية معاً.فكم من مصالح ومؤسسات
اقتصادية واجتماعية وعلمية، تسرب إليها الفساد، إذ عهد
برعايتها إلى أشخاص، رأس مالهم من الخبرة والمعرفة والمراس،
زعامة أو شهرة أو مكانة، نالوها طفرة، دون أي مرور بقناة النضج
التربوي أو الخبرة أو الدراية المعرفية!.. ففسدت المؤسسات،
وتعطلت المصالح، وأفلست الشركات، إذ لم تغن الزعامة أو الشهرة
أو المكانة الخلّبية، عن العلم والأخلاق والتربية شيئاً. وقد
علمت أن التكوين التربوي للنفس، والتكوين المعرفي للعقل، لا
يتم أي منهما إلا في رحم الخمول بعيداً عن أضواء الزعامة
والشهرة المنبثقة من الهياجات الاجتماعية أو الحزبية
ونحوها. زارني مجموعة من الشباب، الذين قفزت بهم أنشطتهم
الحزبية والاجتماعية إلى ذرا منابر الدعوة والتوجيه والأمر
والنهي.. دون مرور بهذه المرحلة التكوينية التي يتحدث عنها ابن
عطاء الله في هذه الحكمة. ولما اطمأنت بهم مجالسهم، نظر إليّ
أحدهم ناصحاً -وكان أصغرهم سناً- وقال:- قال الله تعالى: ((ولا
تركنوا إلى الذين ظلَموا فَتَمُسَّكُمُ النار..)) قرأ الكلمة
بهذا الشكل: «فتمُسَّكُم» بضم الميم!..استعدته تلاوة الآية،
ظاناً أن الخطأ في تلاوتها إنما كان سبق لسان. فأعادها كما
بدأها، دون أن يتنبّه إلى أنه أخطأ في شيء ما. قلت له: ولكن
الآية، كما هي في القرآن وفي اللغة: { فتَمَسَّكم } { هود:
11/113 } حاول الشاب كثيراً، دون جدوى، ولم يستطع أن يقيم
لسانه على نطق سليم بكلمة { فتَمَسَّكم } { هود: 11/113 } قلت
له: يا هذا، لقد حملتك غيرتك الفجّة على الإسلام، على أن تجلس
مني مجلس الناصح والواعظ، فهلاّ حملتك غيرتك هذه على أن تتعلم
القرآن أولاً؟!.والحق أني أسفت جداً لهذه المفارقة، ولكني لم
أستغربها ولم أعجب منها، إذ إن حال هذا الشاب لم يكن بدعاً أو
فريداً في أمثاله. بل هو نموذج لحال كثير من الشباب الذين
يتربعون اليوم على أريكة الإرشاد والتوجيه، قفزاً فوق مرحلة
التكوين التي يتحدث عنها ابن عطاء الله، رشحتهم لها المراكز
الحزبية أو الأنشطة الاجتماعية، أو المصالح المتبــادلة. في
غياب تام لمشاعر الغيرة على الحق والإخلاص لدين الله عز وجل.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 2:17 pm

الحكمة الثانية عشرة



ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة

ـ المعاني التي تطلق عليها كلمة القلب

والآن نبدأ بشرح هذه الحكمة وتحليلها.أولاً: كلمة القلب تأتي
بمعنى العقل، وتأتي بمعنى العضلة المعروفة وراء الأضلاع في
الجانب الأيسر من جسم الإنسان. وقد وردت في القرآن بالمعنيين:
وردت بمعنى العقل في قوله تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَذِكْرَى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ
وَهُوَ شَهِيدٌ } { ق:50/37 } ومراد ابن عطاء الله بكلمة القلب
هنا القلب بمعناه الحقيقي وليس المعنى المجازي المتمثل في
العقل.


ـ المطلوب في هذا المجال التربوي عزلة جزئية لا العزلة
الكلية الدائمة

ثانياً: ينبغي أن نلاحظ أن ابن عطاء الله عبّر بكلمة (عزلة)
منكرة، ولم يعبر بكلمة (العزلة) معرّفة. وبين النكرة
والمعرفة فرق دقيق في المعنى.كلمة (عزلة) منكرة تدل على
التقليل بينما المعرّفة بـ «أل» تدل على التكثير.. فعندما
يقول: «ما نفع القلب مثل عزلة» يعني مثل شيء من العزلة، ولو
قال: ما نفع القلب مثل العزلة، لكان معناه: ما نفع القلب شيء
مثل العزلة الدائمة. وهو إنما يريد التنبيه إلى أن المشروع
والمطلوب إنما هو شيء من العزلة لا أن يتخذ الإنسان منها
منهجاًلحياته كلها، فيبتعد عن المجتمع ويقصي نفسه عن الدنيا في
كهف من الغربة والابتعاد عن الناس وشؤونهم.إن هذا الثاني
يتنافى مع الفطرة الإنسانية، إذ الإنسان اجتماعي بطبعه.فمن أجل
هذا ساق ابن عطاء الله الكلمة نكرة، ولم يأت بها معرّفة بـ
«أل» .إذن العزلة ليست مرادة لذاتها وإنما هي مطلوبة لتكون
مناخاً وظرفاً مناسباً، للتأمل والتفكير. أي فلو أن أحدنا أخذ
الشطر الأول من هذه الحكمة فألزم نفسه بمنهاج من العزلة، يخلو
فيها مع نفسه ساعة أو ساعتين كل يوم، يعانق هذه العزلة لذاتها
بعيداً عن أي عمل.. بعيداً عن القراءة.. بعيداً عن أي وظيفة
فكرية.. فهو سلوك جانح مختل، لا يأتي لصاحبه بأي خير، بل هو
بالأحرى سلوك ضارّ للنفس ومزهق للوقت.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 2:18 pm

يتبع الحكمة الثانية عشر :

ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة

ـ العزلة مع التفكر: أولهما يشبه الحمية للمريض. ثانيهما
يشبه الدواء له

العزلة التي يندبنا إليها الإسلام وينبهنا إليها ابن عطاء الله
هي تلك التي تكون مناخاً ومجالاً للتأمل والتفكر فيما يفيد
الإنسان وفيما يقربه إلى الله وفيما يعتقه من أسباب الشقوة
التي تتربص بالإنسان.إذن هو هنا يدعونا إلى أمرين أحدهما مقدمة
وسبيل للآخر هما: العزلة، والتفكر.أولهما يشبه الحمية بالنسبة
للمريض، وثانيهما يشبه الدواء بالنسبة له. فالمريض ينصحه
الطبيب بأمرين اثنين، لا يستفيد من الواحد منهمان لم يتبعه
بالثاني.. ينصحه بالحمية أولاً، وهي عمل سلبي يتمثل في
الابتعاد عن الأطعمة الضارة ثم يكلفه بأن يستعمل خلال ذلك
أدوية معينة يصفها له.فلو أنه احتمى ولم يستعمل الأدوية لن
يستفيد شيئاً. ولو أنه استعمل الأدوية ولكنه لم يحتم فإن هذه
الأدوية لن تحقق المأمول من فائدتها.إن هذا المثال صورة للحكمة
التي ينصحنا بها ابن عطاء الله.إنه يدعو المسلم، بل الإنسان
أياً كان إلى عزلة تقوم أهميتها بالنسبة إلى الروح كأهمية
الحمية بالنسبة للبدن. ولكنه يسرع فيقول: «يدخل بها ميدان
فكرة» والفكرة التي يدعو إليها، تقوم ضرورتها للعقل والروح
كضرورة الدواء بالنسبة للجسد المريض. إذن فإذا ألزم الإنسان
نفسه بساعة من الخلوة في كل يوم وليلة مثلاً يعزل نفسه فيها عن
الناس، ينبغي أن يملأ فراغ خلوته هذه بموضوع يسلط عليه فكره
للمناقشة وللنظر وللتأمل. على أن يكون الموضوع الذي يشغل فكره
به، مما يوقظه إلى معرفة الحقيقة الكونية، لا موضوعاً يستهوي
النفس ويخبل العقل. فلو أنه دخل خلوته هذه وأمسك بكتاب مليء
بأصناف الدجل والخرافات أو الموضوعات التي تثير في النفس
غرائزها وتجمح بها إلى أهوائها فإنه يكون قد اتخذ من خلوته
وسيلة للابتعاد عن معرفة الحق ولإسدال مزيد من الحجب بينه وبين
الله سبحانه وتعالى.


ـ بيان المراد بالفكرة التي هي بمثابة الدواء

المراد بالفكرة الاشتغال بالموضوع الذي يُقِّربُه إلى معرفة
ذاته ويوقظه إلى إدراك هويته عبداً مملوكاً لله سبحانه وتعالى
ومن ثَمَّ يُقَرِّبُهُ إلى معــرفــة ربه وصفـــات الربوبية
فيه، ومن ثم يدنيه من محبة الله عز وجل وتعظيمه وتعظيم
حرماته.إذن لا بدّ من أن يشغل الإنسان نفسه في خلوته هذه بمادة
تحقق له هذه الأهداف.. قد تكون هذه المادة قراءة كتاب الله
سبحانه وتعالى وهي خير ما يملأ به الإنسان خلوته، وقد يكون
الاشتغال بسيرة رسول الله . ولا بأس أن يجعل مادة تفكيره
التأمل في ذاته: من أنا؟ وكيف جئت إلى هذه الدنيا؟ كنت بالأمس
طفلاً صغيراً لا أعي، ثم إني دخلت مرحلة الشباب، ثم إني تجاوزت
الشباب إلى الكهولة، وها أنذا أتجه شيئاً فشيئاً إلى النهاية،
وعما قليل سأرحل من هذه الدنيا.. ماذا صنعت في العمر الذي مضى؟
وماذا جنيت من الملاذ التي تمتعت بها؟ ما الذي بقي لي منها؟
وما الذي بقي مني لها؟ أتأمل في المتعة التي ذهبت لذّاتها
وبقيت مغارمها، والطاعات التي ذهبت أتعابها ولكن بقي ثوابها..
أتأمل في هذا كله، وعندئذ أشعر بحالة من الحزن والندم.. لماذا
لم أستكثر من الطاعات خلال عمري الذي مضى؟ ولماذا لم أقلل من
المعاصي التي انزلقت إليها؟ وأنظر، وإذا بالعمر ما تزال منه
بقية، فيحفزني الشعور بضرورة انتهاز الفرصة إلى التدارك قبل
الفوات. وهكذا أعاهد نفسي، بل أعاهد الله أن لا أضيع الثمالة
الباقية من العمر، وأن أسرع فأغرس أيامها الباقية من حياتي
بالقربات والطاعات الممكنة.ذلك هو أثر الخلوة إذ تمتزج مع
موضوع فكري يوقظ العقل إلى الحقيقة الكونية الكبرى، ويحرر
النفس من شوائب العصبية والأهواء.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 2:19 pm

يتبع الحكمة الثانية عشر :

ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة

ـ مستند ابن عطاء الله في هذه الحكمة

ومستند ابن عطاء الله في هذا، كلام الله عز وجل، وبيان رسوله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهديه العملي.أما الأول، فقول
الله تعالى: { قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ
تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما
بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ
بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ } { سبأ: 34/46 } وأما الثاني،
وهو بيان رسول الله ، فمن ذلك قوله، فيما رواه أبو داود
والترمذي والبيهقي وابن أبي الدنيا من حديث عقبة بن أبي عامر
أنه سأل رسول الله: ما النجاة؟ فقال له: «أمسك عليك لسانك،
وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» .وأما الثالث، وهو النهج
العملي الذي بلغنا من سيرة رسول الله ، فهو سلسلة الخلوات
التي حببت إليه قبيل بعثته، وحديث بدء الوحي في ذلك معروف
ومحفوظ، لا داعي إلى ذكره.قد يخيل إلى بعض منكم أنه ترك هذه
العادة بعد البعثة، فلا حجة فيها.والحقيقة أنه لم يتركها بل
واظب عليها بعد البعثة، ولكنه لم يلزم نفسه بالذهاب إلى غار
حراء، ليجعل منه مثابة لخلواته. بل كان يؤدي هذه الوظيفة في
داره. وكان أهم ساعات خلواته، إذا جنّ الليل ودخل الهزيع
الثاني منه، كان كما تعلمون يقوم من فراشه فيسبغ الوضوء، ثم
يخلو مع ربه مصلياً، تالياً ما شاء له الله من القرآن. وهذا
كما تعلم أفضل موضوع يدور عليه الفكر أثناء مثل هذه
الخلوة. وإني لأتساءل: لماذا يأمر الله رسوله أمر إيجاب بهذه
الخلوة؟ بعبارة أخرى: لماذا يأمره أن يقوم الليل: { يا
أَيُّها الْمُزَّمِّلُ ، قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً،
نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً } { المزمل: 73/1-4 } الفرق
هو التالي، ولتعلم أن رسول الله قدوة في هذا وغيره للمسلمين
جميعاً:لو أدى رسول الله هذه الوظيفة في بياض النهار لما تحققت
له هذه الخلوة التي يحفزنا ويدعونا إليها كتاب الله سبحانه
وتعالى. الضجيج.. احتكاك الناس الذاهبين والآيبين.. السائلين
والمتحدثين.. عوارض الدنيا ومشاغلها.. كل ذلك سيحول دون هدأة
الفكر، وصفاء النفس!. ولكن فما هي الساعة أو الســــاعات التي
هي مضرب المثل في بعث الصفـــاء في النفــس والهــدوء في
الفكر؟.. إنه الهزيع الأخير من الليل،لا سيما ساعة السحر.
فالليل ذاته، لا يشبه أوله آخره كم وكم بينهما من فرق!..ولعلّ
هذا هو السبب فيما قاله العلماء من أن المتهجد لا يسمى متهجداً
إلا إذا نام من الليل ثم استيقظ واتجه إلى الله سبحانه وتعالى
بالصلاة والدعاء والمناجاة!.. يستيقظ وقد هدأت النأمة، وعلق
الكرى بأنفاس الناس جميعاً، وطابت الخلوة مع الله، في تلك
الحالة يتسنى للإنسان أن يشعر بصفاء روحه وهدوء باله، بعيداً
عن المشوشات والمعكرات التي كانت تأخذه وتردّه أثناء
النهار.فهذه من الخلوات التي فرضها الله على حبيبه المصطفى
وجعلها سنة في حق أمته. * * *


ـ أثر العزلة الجزئية عندما يأخذ بها المسلم نفسه على
صعيد الحياة السلوكية

والآن، تعالَ نتبين أثر هذه العزلة الجزئية عندما يأخذ المسلم
بها نفسه، على صعيد التنفيذ والواقع العملي.افرض أنك تسير مع
ثلة من إخوانك التجار في شارع كشارع الحمراء أو سوق كسوق
الحميدية، والحديث دائر عن المال والدخل والاقتصاد، وجاء من
يذكرك أثناء ذلك الضجيج بحديث رسول الله : «لو كان لابن آدم
وادٍ من مال لابتغى إليه ثانياً، ولو كان له واديان لابتغى
إليه ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على
من تاب» متفق عليه من حديث عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك.
ماذا عسى أن يحدث هذا الكلام من التأثير علىنفسك؟.. لن يحدث أي
تأثير، بل ستتبرم بهذا الكلام الذي جاء في غير ميقاته، ولسوف
تتغلب على فكرك ونفسك الحالة التي أنت فيها، والتيار الذي يحيط
بك. وفي أحسن الأحوال الإيمانية لديك، ستحترم هذا الحديث
وصاحبه، ثم تنساه بعد ثلاث دقائق.ولكن فافرض أنك قمت من الليل،
وقد بقي منه الهزيع الأخير، وتأملت السكون الذي يلتف بك، وقد
بعث في نفسك صفاء لا عهد لك به، وأنعش فكرك بطمأنينة طالما
بحثت عنها ولم تعثر عليها، فاندفعت بوحي من تلك الحال، إلى أن
تتوضأ فتقف بين يدي الله تناجيه من خلال ما تيسر من الركعات،
ولما جلست تتأمل الحال التي لبستك من خلال مناجاتك لله، في
هدأة الليل وسكونه، بعيداً عن الناس والأقران وشواغل التجارة
والمال، سمعت من يذكرك بحديث رسول الله : «لو كان لابن آدم
واد من مال لابتغى إليه ثانياً..» الحديث أو يتلو عليك قوله
: «يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت
فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت» رواه مسلم من
حديث عبد الله بن الشخير وأبي هريرة. فما الذي يحدثه سماع هذا
الكلام في فكرك ونفسك، وأنت في خلوتك تلك، مندمجاً في تلك
الحال؟سيسري تأثير كبير من هذا الكلام إلى نفسك، وسيخبو شعاع
الأمتعة والزينة المتناثرة من حولك، وستشعر أن كل ما قد
استزدته فوق الحاجة من أموال الدنيا ومتعها قد تحول إلى عبء
على كاهلك. ولن يعيدك إلى التعامل معها والاستزادة منها، إلاّ
اندماجك ثانية في أعمال السوق وتعاملك مع رواده وأهله.لعلك
تقول: فإذا كان العود إلى السوق وأعماله التجارية أمراً لا
مناص منه، فما الفائدة من ساعة أخلو فيها إلى نفسي، كهذه
الساعة التي وصفت من الليل؟والجواب أن الفائدة ستظهر وتتحقق من
استمرار هذه الساعة واتخاذك ورداً لها، والفائدة لا تتمثل في
إعراضك عن السوق وإدبارك عن الدنيا وإنما تتمثل في انضباطك
أثناء السعي من أجلها، بأوامر الله عز وجل، فلا تقتحم شيئاً من
السبل المحرمة إليها، كما تتمثل في تحولها من محبوب يهيمن على
قلبك، إلى خادم زمامه بيدك. * * *


ـ والآن تعال نتساءل: لماذا يكرم أحدنا عينيه باليقظة في
أول الليل ليلهو بهما عن مولاه، ولايكرمهما باليقظة في
آخر الليل ليكون بهما مع الله

إذا عرفت هذا يا أخي المسلم، فتعال نتساءل:لماذا يكرم أحدنا
عينيه باليقظة والسهر في أول الليل ليلهو عن مولاه الذي هو
الله، ولا يكرمهما باليقظة في آخر الليل ليكون مع الله؟!.. وما
أعظم الفرق بين الحالتين، ما أعظم الفرق بين من يساهر الليل،
ليحجبه الليل عن الله، ومن ينام الليل ثم يستيقظ في آخره ليكون
مع الله!..أخيراً، لا يسرينّ إلى فكرك وهم يخيل إليك أنني
أسوقك إلى التصوف بهذا الكلام. دعك من هذه الحساسية التي كم
أساءت وأفسدت!..إنني أدعوك بهذا إلى التحلي بما يدعو إليه
الإسلام، بما كان عليه نبيك المصطفى عليه الصلاة والسلام.قد
تسأل: في الناس من يقولون، إن الانضباط بهذه الخلوة يحتاج إلى
مرشد، فهل الأمر كذلك؟وأقول في الجواب: متى كان التمسك بسنة
رسول الله يتوقف على مرشد، بحيث إن لم يوجد المرشد تعطلت
السنة وتقطع سبيل الناس إلى العمل بها؟..أجل.. لا نشك أن وجود
المرشد نعمة كبرى، ولكن وجوده ليس شرطاً لإحياء السنة والتمسك
بها، وإنما هو عامل إضافي لتذكير الناس بها، ثم إن ضرورة
المرشد فرع عن ضرورة المربي، والتربية أساس اجتماعي لا بدّ
منه.على أن الذي يتخذ من أعمال الإرشاد حرفة يتكسب من ورائها
ويبني لنفسه مكانة وشهرة بين الناس بها، ليس مرشداً، بل هو
صاحب حرفة وطالب معيشة ورزق، طاب له أن يطرق في ذلك باب الدين
بدلاً من الدنيا.المرشد الذي هو مرشد حقاً، ذاك الذي تبصر
بعلوم الشريعة الإسلامية بحيث أتيح له أن يجعل منها ضابطاً
لسلوكه وتصرفاته، ثم إنه ذاك الذي فرغ قلبه من حب الدنيا
والتعلق بها، فزهد فيها، وترفع فوق متعها وأهوائها، أعرض عن
حظوظ نفسه، ولم يبتغ في شيء من أعماله إلا مرضاة ربّه.تساوى
لديه ثناء الناس عليه، مع انتقاصهم له. إذ كانت معاملته مع
الله لا مع الناس، وكانت قرة عينه متمثلة في رضا الله، لا في
مديح الناس.إذا صادفك هذا المرشد، عليك به وتشبث بأذياله، إذ
ما من شك أنه سييسر لك سبيل القرب إلى الله، وأسباب الابتعاد
عن مزالق الشيطان، سيحبب إليك اتباع السنة ويجنبك الوقوع في
البدع.ولكن لا تجعل سيرك إلى الله متوقفاً على عثورك عليه، إن
صادفته سرت وإن لم تجده أعرضت وتوقفت.. يغنيك عن المرشد
الحقيقي الذي قد لا تعثر عليه الإخوة الصالحون والناصحون، وما
أكثرهم بحمد الله في كل مدينة وصقع.ثم أين أنت من المرشد
الأعظم رسول الله ؟ اقرأ سيرته بتدبر، وداوم على الصلاة عليه،
يقيض الله لك منه مرشداً يدلّك إن ضللت ويقومك إن اعوججت ويحبب
إليك الإيمان، بفضل من الله، ويزينه في قلبك ويكرِّه إليك
الفسوق والعصيان. * * *

يتبع الحكمة الثالثة عشر ان شاء الله .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في السبت يونيو 14, 2008 11:58 pm

الحكمة الثالثة عشرة



كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة
الله، وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته

ـ بيان معنى الشطر الأول من هذه الحكمة: ((كيف يشرق قلب
صور الأكوان منطبعة في مرآته))

وهذه الحكمة أيضاً مرتبطة بالتي قبلها، وقد رأينا أنها هي
الأخرى بدورها متممة للتي قبلها. إذن فهذه السلسلة المترابطة
من الحكم الثلاث، متكاملة، بمقدار ما يتوقف كل منها على
الأخرى.ولنبدأ بدراسة الشطر الأول من هذه الحكمة الجديدة:
«كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته» .كنا قد عرفنا من
قبل أن الإنسان ثنائي التركيب، إذا طرحنا منه قفصه الجسدي الذي
لا شأن ولا قيمة له، فهو مركب من ركنين أساسيين بهما تتكامل
إنسانية الإنسان: العقل والقلب.أما هذا القفص الجسدي فالإنسان
شريك فيه مع سائر الحيوانات الأخرى لا قيمة للشكل أو المظهر
الذي يبدو أنه يفرق بينهما. وإنما تعود الآثار التي يخلفها
الإنسان في المجتمعات، من حضارة وعمران وثقافة وعلوم، إلى
العقل الذي من شأنه أن يعي ويدرك، وإلى القلب الذي هو مجمع
العواطف والوجدان.. إن الإنسان بهاتين الحقيقتين أنشأ ما أنشأ
من حضارات، ووصل إلى ما وصل إليه من علومواكتشافات، بل إنه
بهاتين الحقيقتين أصلح ما أصلح وأفسد ما أفسد فوق هذه
الأرض.إذن فالعقل مهمته في حياة الإنسان الإدراك والوعي. ولسنا
هنا بصدد البحث عن مركز العقل أهو في الدماغ أم في أي مكان آخر
من جسم الإنسان. فلهذا التحقيق مناسبة أخرى.وأما القلب (ولا
نعني به هذا الذي يصطلح عليه الأطباء وعلماء التشريح من العضلة
المادية الجاثمة وراء الرئة اليسرى) فهو ملتقى العواطف
الدافعة والرادعة والممجدة: العواطف الدافعة هي التي تتمثل في
الحب والتعظيم، والرادعة هي التي تتمثل في الخوف والكراهية،
والممجدة هي التي تتمثل في الانبهار والإعجاب والإجلال. هذا
المكان الخفي الذي تلتقي فيه هذه العواطف المتنوعة يسمى
القلب.إذن فأنت يا ابن آدم إنما تحققت إنسانيتك بسرين اثنين:
أولهما هذا العقل المدرك الذي يعي الأشياء ويحاول أن يبلغ
أسرارها. ثانيهما ذلك الوعاء الذي هو مجمع العواطف في حياتك به
تتحقق الكراهية والحب وبه تستشعر الخوف والتعظيم.ولا شأن لنا
الآن بالعقل والحديث عنه. إنما الحديث هنا عن القلب.بوسعنا أن
نتصور الآن أن القلب عبارة عن لوحة تتمتع بحساسية مرهفة إن وقع
بصرك من الدنيا على شيء ينسجم مع رغائبك ومع ما وجه الله آمالك
وأحلامك إليه، انعكس من ذلك شعور على لوحة القلب، أورثك ما
نسميه الحب.. وإن وقع بصرك على ما لا يتفق مع مزاجك وأهوائك،
انعكس من ذلك شعور آخر على لوحة القلبأورثك ما نسميه
الكراهية.. وإن رأيت في المجتمع أناساً قد سابقوك فسبقوك إلى
مجد تبتغيه أو إلى مال تكدّ في سبيله، سرعان ما ينعكس من ذلك
شعور ثالث على لوحة قلبك، هو ما نسميه الحسد أو الحقد أو
الضغينة. وإن رأيت من حولك أناساً لم يقيموا لك الوزن الذي
تريد ولم يأبهوا بك في مجلس من المجالس، أو مجتمع من
المجتمعات، تجلّى على هذه اللوحة من ذلك شعور آخر، هو ما نسميه
الغضب وثورة الأعصاب.تلك هي إذن مهمة القلب، إنه عبارة عما
يشبه لوحة ذات حساسية دقيقة، تسجل وتتجلى عليها المشاعر
المختلفة التي تطلق عليها العواطف الدافعة أو الرادعة أو
الممجدة. إذن فلنطرح السؤال التالي: عندما يمارس أحدنا أعماله
ونشاطاته المتنوعة، أفيستجيب في ذلك لدوافع عقله الذي به يدرك
ويعلم، أم لدوافعه القلبية التي بها يحب ويكره ويعظم ويثور
ويغضب؟!..يقول علماء النفس: إن الدوافع القلبية هذه إلى
الأعمال والأنشطة السلوكية في حياة أكثر الناس، تساوي 70% من
مجموع دوافعهم إلى السلوك. أما الدافع الفكري فيساوي 30%
منها.ولو أن الناس كلهم كانوا يستجيبون في أعمالهم وأنشطتهم
الاجتماعية لقرارات عقولهم وأحكامها، لرأيت الوفاق هو الغالب
على حياتهم ولرأيت ثمار التعاون الدائم بينهم قد مدت فوقهم
رواق السعادة والأمن والأمان، بل لرأيتهم جميعاً يدينون
بالولاء التام لمولاهم الأوحد، وهو الله عز وجل.. ولكن الناس
كانوا ولا يزالون منذ أقدمالعصور يستجيبون لنوازعهم العاطفية
أكثر مما يستجيبون لقناعاتهم العقلية. وإنما يستخدم العقل أداة
بيد مشاعر الحب والغضب والحسد والكراهية والحقد. فهو يتحرك
ويعمل، ولكن كما يحكم سلطان هذه المشاعر.وقد علم الناس قديماً
خطأ، بل خطر، تحكم العواطف بالعقل، فعالجوا ذلك بما يسمونه
التربية، ولعلك تعلم أن التربية تعني اعتماد الوسائل التي
تخُضع العاطفة للعقل، بدلاً مما هو الواقع الغالب من خضوع
العقل للعاطفة. قد تتطور السبل التربوية وقد يتفنن المربون في
وسائلها، ولكن تلك هي الغاية دائماً وعلى كل حال. ولقد كان
الناس ولا يزالون يقولون: فلان يتمتع بتربية عالية، أي إنه
يخضع عواطفه لقرارات العقل وأحكامه.إذا عرفنا هذا فلنعلم إذن
أن القلب هو القائد دائماً لأنه المرجل الذي تغلي فيه العواطف.
والمرجل هو الذي يحرك ويقود.. أما العقل فإنما هو مجرد مصباح
يضيء، ومن ثم فهو ملكة كاشفة، كما قالوا، وليس طاقة مؤثرة.وهنا
يأتي دور كلام ابن عطاء الله الذي يشبه القلب بالمرآة، إذ
تنعكس عليها مشاعر الإنسان وأحاسيسه..أرأيت إلى المرآة إذ
توجهها إلى بئر مظلمة كيف يغدو سطحها أسود مظلماً، وإذ توجهها
إلى الشمس الساطعة، كيف تتلألأ بمثل ضياء الشمس، وإذ توجهها
إلى حديقة تمازجت فيها الخضرة مع أفانين الأزهار والورود، كيف
تتحول إلى لوحة تحمل الصورة ذاتها.. فكذلك القلب، إن هو إلاّ
مرآة تنعكس عليه صور من أحوال صاحبه.فإذا كان الإنسان متجهاً
دائماً برغباته إلى الدنيا التي تتمثل في الدرهم والدينار
والدور والأثاث والمتع والزوجة والأولاد والمجد والشهرة
والزعامة ونحو ذلك بحيث يصبح ويمسي وتلك هي آماله وأحلامه؛ فلا
بدّ أن ينطبع ذلك كله على مرآة قلبه، ولا بدّ أن تتحول عواطفه
كلها إلى جنود مجندة في خدمته. فأنى لوجود الله وسلطانه أن يجد
متسعاً على صفحة هذا القلب؟ وعاء امتلأ وفاض بالآمال الدنيوية
المتنوعة وبالرغائب النفسية والغريزية، ثم تكاثر فوقه الكثير
من مشاعر الحقد على المنافسين، ومشاعر الحسد والبغضاء للسابقين
والمتميزين، كيف يمكن أن يبقى فيه متسع للشعور بمحبة الله أو
للشعور بتعظيمه والمخافة منه؟ هما ظلام وضياء إن احتل أحدهما
القلب غاب عنه الآخر، إذ هما نقيضان لا يجتمعان.وإذا غشّى
القلبَ ظلام هذه الأهواء وما تجره من آثام، تزايدت من ذلك
النكت السوداء عليه، كما قال رسول الله ، إلى أن يعم نسيج هذا
السواد القلب كله، وهو الران الذي قال عنه الله تعالى: {
كَلاّ بَلْ رانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ } {
المطففين: 83/14 } عندئذ يعاني هذا الإنسان ما يسمى بانفصام
الشخصية. إنه مؤمن بعقله، لأن العقل يدرك الحقائق بطريقة آلية،
كما يدرك أن 1+1= 2. فهو عندما يسمع مثل هذا الكلام، أو يحضر
مجلس تذكرة ونصح، يذعن للحق ويعترف به، ويستجمع على ذلك مزيداً
من الأدلة والبراهين. ولكنه ما يكاد يخرج من المجلس حتى يعود
إلى شأنه خاضعاً لأهوائه ورغائبه!..ذلك لأن القيادة بيد
العواطف وليست بيد العقل وإنكم لتشاهدون هذه الحقيقة التي
أقولها في واقع الناس اليوم. إن أكثرهم يعرفون الحق ويميزونه
عن الباطل، ولكن تأمَّل: كم منهم يَخضعون سلوكهم للحق الذي
عرفوه؟ إنهم لا يبلغون الربع!.. لأن الذي يقودهم لهيب العواطف
والأهواء، لا ضياء العقل وأحكامه.وإذا سأل صاحب هذه الشخصية
المزدوجة: ها أنا موقن بالحق الذي أسمعه من كتاب الله عز وجل،
فما الذي يحول بيني وبين الاستجابة لأمره؟ يأتيه الجواب من ابن
عطاء الله: «كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته» قلبك
مظلم بالران الذي تكاثف فوقه. فأنت محكوم لسلطان هذا الران، لم
يبق في قلبك متسع لحب يحدو بك إلى الاستجابة لأمر الله، ولا
لخوف يحجزك عن معاصي الله، ولا لتعظيم يقف بك عند حدود الله!..
والحب، والخوف، والتعظيم، كل ذلك مكانه القلب لا العقل.والقلب
مليء بظلل سوداء، من التعلق بالدنيا.. بالشهوات.. بمنافسة
الآخرين، بمشاعر الحسد والأحقاد عليهم.. منصرف إلى التقلب في
أحلام المتع التي اقتحمْتَ غمارها واستقرت في نفسك
أصداؤها.وإذا أقبل العقل يستأذن قلبك ليغرس فيه شتلاً أو نواة
لمحبة الله عز وجل، يبحث.. ثم يبحث.. فلا يجد فراغاً فيه لهذا
الغرس!..يتجه العقل إلى القلب، ليبلغ صاحبه رسالة الله التي
يقول له فيها: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ
تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ
الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ
قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } {
الحديد: 57/16 } ورسالة العقل التي هي العلم، من الأهمية
بمكان، ولكن الحقائق العلمية لا بدّ لها من مغرس تنمو وتزدهر
فيه، ومغرسها في حياة الإنسان القلب. فإذا سدت منافذ القلب
وأظلم أرجاؤه للسبب الذي يذكره ابن عطاء الله، فإن مصير رسائل
العقل كلها الذبول والضياع.وكم يتجلى هذا الذي أقوله في العبرة
التي يسوقها لنا كتاب الله عز وجل، إذ يحدثنا عن ذاك الذي آتاه
الله آياته فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. وأصح
ما قيل في اسمه - على ما ذكره ابن كثير في تفسيره - أنه
بلعام بن باعوراء، أحد علماء بني إسرائيل. لقد آتاه الله آياته
علماً، كما قال عز وجل، ومستودع العلم هو العقل، ولكنه أخلد
إلى الأرض واتبع هواه. وسبيل ذلك إنما هو القلب، تعلق قلبه
بالدنيا التي كنى الله عنها بكلمة (الأرض)، فقاده قلبه بدلاً
من عقله واتبع هواه. فكانت سيرته كسيرة الكلب، يلهث وراء
الدنيا دون أن يشبع منها، كالكلب الذي يلهث بلسانه في كل
الظروف والأحوال. واسمع في هذا كلام الله عز وجل: { وَاتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ
مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ،
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى
الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } { الأعراف:
7/175 - 176 }

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:00 am

كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة
الله، وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته

ـ بيان معنى الشطر الثاني منها: ((أم كيف يرحل إلى الله
وهو مكبل بشهواته))

إذن لن يشرق قلب انطبعت فيه صور الأكوان، فحجب صاحبه بذلك عن
المكوِّن جلّ جلاله. ولعلّ فينا من يسأل: ففيم كان ذلك؟ وهلاّ
استقرت في القلب بدلاً عن ذلك صفات المكوِّن، لاسيما وأن العقل
موقن بالله ووحدانيته وصفاته؟يأتي الجواب عن هذا السؤال من
خلال الفقرة الثانية من هذه الحكمة، وهي قوله: «أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبّل بشهواته» ؟ أي لو لم يكن القلب مكبلاً
بشهواته، لاتجه إلى الله عز وجل وابتغى من الدنيا كلها رضاه،
ولو تمّ له ذلك لأعرض عن الأكوان واتجه إلى المكوّن، ولما
انطبعت صور الأكوان في مرآته.إذن فهذه الفقرة الثانية من هذه
الحكمة، تتضمن بياناً لعلاج المشكلة التي تضمنتها الفقرة
الأولى، وهي انطباع صور الأكوان على القلب مما جعله في شغل
شاغل عن المكوِّن.وتعال نتبين الآن العلاج الذي ترسمه الفقرة
الثانية، من حيث تعبّر في الوقت ذاته عن مشكلة ثانية، سيحيل
ابن عطاء الله حلها إلى الفقرة الثالثة:لو كانت الصور التي
تستقر على القلوب كالصور والنقوش التي ترسم على الورق أو
الجدران، لكان السبيل إلى محوها أمراً يسيراً، تعمد إلى
الممحاة فتمحو بها ما أثبتّه على الألواح أو الجدران، ولكن
الصور التي ترسم على القلوب لا يمكن أن تمحى بالوسائل المادية
والتقليدية المعروفة.إن سبيل ذلك محصور في هذه الفقرة الثانية
«أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبّل بشهواته؟» .أي إن صور
الأكوان لم تنطبع على فؤادك إلا بسبب الشهوات التي استعبدتك
وكبّلتك، فجعلتك تثّاقل إلى الأرض. فهي التي ألقت من ذلك ظللاً
من السواد على قلبك، وأنستك المكوِّن وسلطانه، لتشغلك
بمخلوقاته ومكوّناته.إذن فالعلاج الذي يمحو صور الأكوان من
فؤادك، ليتهيأ لاستقبال صفات المكوّن وآلائه، إنما هو تحررك من
أسر الشهوات التي كبّلتك. وإنما يكون ذلك بأن توجه حبك إلى من
بيده إسعادك أو إشقاؤك بهذه الشهوات.


ـ بيان معنى الشطر الثالث منها: ((أم كيف يطمع أن يدخل
حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته))

ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟كيف السبيل إلى أن يحرر أحدنا نفسه من
أسر الشهوات التي تكبلنا فعلاً ببريقها ولذائذها؟.السبيل إلى
ذلك يتبين من المشكلة التي تضمنتها الفقرة الثالثة من هذه
الحكمة، وهي قوله: «أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله، وهو لم
يتطهر من جنابة غفلاته؟» .إذن المشكلة هي غفلتك عن الله الذي
بيده الخلق والأمر كله، بيده النعم التي ترنو إليها، والشهوات
التي تحلم دائماً بها، هو الذي يشعرك بلذاتها إن أقبلت إليك،
ويبتليك منها بالآلام والمنغصات إن أدبرت عنك.وإذا كانت
المشكلة هي هذه الغفلة، فالعلاج يكمن في أن تسعى سعيك الجاد
للتخلص منها.. إذا تخلصت من الغفلة اتجَهَ منك القلب إلى الإله
الذي شهواتك بيده، ونعمك من صنعه، وسعادتك من فضله، فتتعلق
آمالك به، ويصفو حبك له؛ وعندئذ تتحرر من أسر الشهوات التي
كبلتك، ومن ثم تغيب عن مرآة قلبك صور المكونات، لترتسم في
مكانها صفات المكوّن جلّ جلاله.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:02 am

كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة
الله، وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته

ـ بيان معنى الشطر الأخير منها: ((أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته))

ولكن ما العلاج الذي يعينك على التخلص من الغفلة التي هي سبب
وقوعك في أسر الشهوات، ومن ثَمَّ فهو سبب المشكلة التي
قبلها؟العلاج هو الابتعاد عن الآثام والهفوات، وهو ما تضمنته
الفقرة الأخيرة التي يقول فيها: «أم كيف يرجو أن يفهم دقائق
الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟» .إذن فكثرة الهفوات هي السبب
في الوقوع في الغفلات.. والاستغراق في الغفلات هو السبب في
الاستسلام لأسر الشهوات.. والاستسلام لأسر الشهوات هو السبب في
هيمنة صور الأكوان على القلب، وانتشار (الران) عليه.ومن ثم فإن
العلاج يبدأ بضرورة التغلب على المشكلة الأولى، وهي مشكلة
الاستسلام للهفوات والآثام.. يجب أن تتغلب على هفواتك أي على
معاصيك بالابتعاد عنها والتطهر منها. ولا بدّ أنك ستقول: وهل
بوسعي أن أكون معصوماً من ارتكاب الأوزار، وقد علمنا أن كل بني
آدم خطاء؟.. والجواب: ليس المطلوب هو العصمة، وإنمالمطلوب أن
تحرص على الابتعاد عن المعاصي جهد استطاعتك. فإذا ابتليت بشيء
منها، فطهّر نفسك منها بالتوبة، واعزم بصدق على أن لا تعود،
فإن اهتاجت بك النفس مرة أخرى وعدت إلى المعصية، فعد بعدها
سريعاً إلى التوبة.. والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وتلك هي
عصمة الضعفاء من أمثالنا، وعنهم قال الله عز وجل، مجيباً عن
توعد الشيطان بإغوائه عباد الله أجمعين، بدفعهم إلى المعاصي
والفواحش: { إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ } { الحجر: 15/42 }
فإذا تخلص الإنسان بهذه الطريقة من آفة الهفوات والمحرمات،
وسار ثابتاً مستقيماً في طريق الطاعات، فإن غاشية الغفلة ترتدّ
عنه، وسيصحو شعوره وضميره إلى مراقبة الله عز وجل وذكره. وهكذا
فإن انغماس الإنسان في المعاصي يزجه في ظلام الغفلات؛
وتوجُّهُه إلى الطاعات وتنفيذِ أوامر الله، يوقظه من سكرتها
ويرقى به إلى صعيد مراقبة الله والإكثار من ذكره.فإذا تحرر من
الغفلة التي كان مكبلاً بها، فقد آن له أن يدخل حضرة الله
تعالى، على حدّ تعبير ابن عطاء الله. وهذا التعبير منه إحالةلى
قول رسول الله ، وهو يعرّف الإحسان: «أن تعبد الله كأنك
تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» أي تنجذب بمشاعرك من الدنيا
وأحوالها وآثارها، فتغيب عنك غيبة تامة ولا يبقى في إحساسك إلا
الشعور بأنك في حضرة الله وبين يديه تناجيه بما تخاطبه به من
قرآن أو ذكر أو دعاء كأنك تراه.. ولتعلم أن المسلم بمقدار ما
يبتعد عن المعاصي ويتنزه عنها، يقرب من درجة الإحسان هذه،
ويدخل حضرة الله تعالى بمشاعره التي تطهرت من جنابة الغفلات،
بعد أن تطهرت من دنس الموبقات.وتأمل الآن في أثر هذه اليقظة
القلبية إلى شهود الله، في كبح جماح الشهوات عن النفس وإبعاد
سلطانها عن القلب..إن شهود العبد لربه لا يعني أكثر من شهود
صفاته، وآلائه، ومظاهر فضله ورحمته. فهو لا يستقبل نعمة إلا
ويربطها بالمنعم المتفضل وهو الله عز وجل، ولا يتقلب متنقلاً
من حال إلى حال، إلا ويرى أن الله هو المتصرف به والمسيّر له،
ومن شأن هذا الشعور إذا استمر، أن يصرف القلب من محبة الأغيار
إلى محبة الله عز وجل، إذ هو مصدر كل تفضل وعطاء، وأن يغيب عنه
تعظيم المخلوقات ليقف أمام عظمة الخالق عز وجل.ولا شك أن
الإنسان في كل الأحوال مفطور على حبّ المال ومتعه، وعلى حبّ
النعم بأنواعها، ولكنه عندما يعلم أن المتفضل عليه بها هو
الله، وأن الذي يبعث الشعور بلذتها ونعيمها هو الله، فلا بدّ
أن يتوجه قلبه بالحب إليه، لأن القلوب جبلت على حبّ من
أحسنإليها، وقد علم صاحب هذا الشهود أن لا محسن في الكون كله
إلا الله، والوسائط والأسباب التي تراها إن هي إلا جنود وخدم
تحت سلطان الله، ومن ذا الذي يتخذ من هؤلاء الخدم أنداداً
يحبهم كحب الله؟!.. فإذا ثبت لصاحب هذا الشهود أن المنعم
والمتفضل دائماً هو الله، وأن الذي يرجى نفعه ويخشى ضرّه واحد
لا ثاني له، وهو الله، فلا شك أن المحبوب الأول والمعظم الأول
والْمُهاب الأول لديه هو الله تعالى، ثم تأتي محبته للمتع التي
فطر على حبها في الدرجة الثانية بل الثالثة، بل إن في أصحاب
الشهود من تغيب عن أفئدتهم محبة ما عدا الله نهائياً، ولكن
الله تفضلاً منه ورحمة لم يجعل من هذه الحال المقياس أو
الميزان الذي لا بدّ منه لكمال الإيمان، بل جعل ميزان ذلك
تسامي محبة الله على محبة الأغيار، وانظر هذا اللطف الإلهي كم
يتمثل في قوله عز وجل: { وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ
دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } { البقرة: 2/165
} إذن فقد تجتمع محبة الله مع محبة أنداده في قلب المؤمن، ولكن
محبة الله تكون هي الغالبة فيه.كان صاحب هذا الشهود، من قبل،
أي عندما كانت غاشية الغفلة تغطي فؤاده، مكبلاً بشهواته،
أسيراً لها، متطلعاً إليها.غير أنه اليوم وقد انجابت عنه غاشية
الغفلة، وهيمنت عليه لذة شهود الله، لا بدّ أن يتضاءل سلطان
شهواته الدنيوية، وأن يتسامى قلبه فوقها، وليس معنى هذا أن
يتحول صاحبها إلى ملَك لا يشعر بها، ولا يتعامل معها، وإنما
ينفك عن أسرها ويتحرر من سلطانها. إذ إن لهمن لذة شهوده لله،
وحبه وتعظيمه لله تعالى، ما يشغله عن التعلق بشهواته النفسية،
إن ورد إليه شيء منها بطريقه الشرعي، استقبله بقبول حسن، وإن
لاحت له شاردةً عن ضوابط الشرع وحكمه أعرض عنها وترفع فوقها.إن
صاحب هذه الشهود (وسَمِّهِ الواصل إلى رتبة الإحسان إن شئت) لا
يمرّ على كلام الله كأحدنا مرّ الكرام، غير آبهٍ بمعانيه ولا
متأثر بمراميه، بل يتأمل فيه تأمل من يسمعه خطاباً مباشراً من
الله له.. فكيف تكون حاله، وكيف تكون علاقته بشهوات الدنيا،
عندما يسمعه يقول: { إِنَّما هَذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا
مَتاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ } { غافر:40/39
} إن سماعه لهذا الكلام مع الحالة التي هو فيها، مما قد وصفت
لك، يهوّن من أمر الشهوات التي تتراقص أمام بصره، فلا تستطيع
أن تأسره لتسيره لحسابها.واعلم بأن محبة الله إذا هيمنت على
القلب، بددت ما كان يعشش فيه من قبل من محبة الأغيار، ومنها
الشهوات والأهواء.فإذا وصل السالك إلى الله، في معالجة مشكلاته
القلبية هذه إلى هذا الحد، فإن مرآة قلبه تتحول من التوجه إلى
الأكوان وما فيها من متع وأهواء ورغائب، لتتّجه إلى المكوّن
وهو الله عز وجل.أجل.. ستنمحي عنه صور الأكوان، لتترسخ عليه
صفات المكوّن جلّ جلاله. ولكن لا بممحاة مادية مما تمحى به
النقوش والرسوم على الألواح، وإنما بسلسلة العلاجات التي ذكرها
ابن عطاء الله. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:03 am

كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل
إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة
الله، وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم
دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته

ـ قد نتساءل: كيف يتأتى للإنسان الذاكر أن ترى عيناه صور
المكوَّنات، دون أن تستقر هذه الصور في الذاكرة وعلى
صفحات القلب؟

لعلك تقول: كيف يتأتى أن ترى العينان صور المكوَّنات، ثم لا
تستقر هذه الصورة في الذاكرة ثم على صفحات القلب؟والجواب أن
صور المكَّونات لا بدّ أن تنتقل من العينين إلى الذاكرة أو
المخيلة كما تقول، فإذا تجاوزتها إلى القلب، وصادفت قلباً
نابضاً بحب الله وبذكره كما قلت لك قبل قليل، فإن القلب لا
يتلقى بدوره هذه الصور، إلا على أنها آيات ناطقة بوجود الله
ووحدانيته، يتلقاها سطوراً صيغت بأبلغ بيان ينطق بصفات الله
وعظيم آلائه، يتلقاها وهو ينشد قائلاً: وفي كل شيء له آية تدل
على أنه واحدصاحب هذا القلب المحب الذاكر، نعم يرى المكونات..
نعم تنعكس صورتها على قلبه، ولكنها لا تنطبع على صفحاته إلا
لتنقل حديث تسبيحها إليه، فيفقهه ذلك القلب من دون الناس
جميعاً. وصدق الله القائل: { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ
يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }
{ الإسراء: 17/44 } صاحب هذا القلب المحب الذاكر، نعم، يرى
زخرف الأرض من خضرة وزهور وورود ورياحين، كما يراها التائهون
والغافلون، ولكنقلبه يذيبها ويحيلها إلى شعاع من الشوق إلى
جمال الله، والحيرة في عظيم وبديع صنع الله.. وهو يرى في الليل
صفحة السماء تتلألأ بنجومها، منورة ببدرها، ولكن قلبه لا يتلقى
هذه الصورة إلا رسالة وافدة إليه من عند الله، فهو مهما قلب
ناظريه في آفاق السماء، لا يتبين فيها إلا مضمون هذه الرسالة..
وهو يتأمل في السماء التي تمطر وفي الأرض التي تنبت، وفي أنواع
الأطعمة والفاكهة المتنوعة في مذاقها ورائحتها وألوانها، ولكن
قلبه المحب الذاكر لا يتلقاها إلا نعماً وافدة من المولى
المتفضل الكريم، ولا تنطبع على مرآته، إلا آية من نور يخاطب
الله بها عباده قائلاً: { كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ
وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُور } { سبأ:
34/15 } وذلك هو شأن يقظة القلب بمحبة الله وتعظيمه والخوف
منه. مهما انعكست عليه صور الآثار الكونية، فإنه لا يرى فيها
إلا المؤثر جلّ جلاله. وتلك هي الحالة التي يسمونها وحدة
الشهود، وهي المرتبة العليا التي يجب على كل منا أن يجاهد نفسه
في بلوغها، في الاصطباغ الشعوري، بعد اليقين العقلي، بوحدانية
الله عز وجل. وهي تختلف عن وحدة الوجود الباطلة اختلافاً
جذرياً.وإذا لم يبلغ أحدنا هذه الرتبة في الاصطباغ بحقيقة
التوحيد، فلسوف تصبح صور المكونات التي يتعامل معها، حجاباً
يشغله عن ذكر الله وعن حقيقة قيوميته الدائمة على هذا الكون.
ولسوف يتيه بالآثار عن المؤثر، وبالصنعة عن الصانع، ولا بدّ أن
يسلمه هذا التيه، من بعد، إلى يمّ من الغفلات، ثم إلى منزلقات
من الهفوات والآثام.إن العبد إذا ازداد تعلقه بعبد مثله أو
بفتاة من الناس، يقع في معاملته له أو لها في هذا الذي يسمونه
بوحدة الشهود، فإذا وقع بصره على شيء من آثاره أو آثارها، تاه
عن ذلك الشيء وزاغت عيناه عن التأمل في حقيقته، وانصرف بخياله
إلى صاحبة هذا الشيء، فلم يعد يرى فيه إلا ما يذكره بها. ألم
تسمع قول مجنون ليلى وهو يتحدث عن ديار ليلى التي رآها بعد طول
غياب: أَمُرُّ على الديارِ ديارِ ليلى

أُقَبِّلُ ذا
الجدارَ وذا الجدارا

وما حُبُّ الديارِ شغفْنَ
قلبي

ولكن حبُّ مَنْ سَكَنَ الديارا

وإذا كان هذا شأن
العبد مع إنسان مثله، يغيب عن آثاره به، فكيف ينبغي أن يكون
شأن العبد مع ربه الذي هو وحده ربّ هذا الكون كله؟ ينبغي أن
يكون أكثر حباً له من سائر الأنداد، كما قال الله عز وجل، وإذا
أصبح كذلك، إذن ينبغي إذا رأى عظيم صنع الله، وجميل إبداعه،
وواوانظر إلى الآيات التي يأمر الله فيها عباده أن يتخذوا من
مظهر المكونات كلها جسراً يوصلهم إلى ذكر الله، ويعتقهم من
رقدة الغفلات، تجد أنها جميعاً تبصرنا بالسبيل إلى بلوغ وحدة
الشهود التي هي أولى ثمرات عقيدة التوحيد. وذلك من مثل قوله:
{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ
اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبابِ... } { آل
عمران: 3/190 } إذن فالمرحلة الأولى من العلاج تبدأ بالعمل على
التخلص من ارتكاب المحرمات بالنهج الذي أوضحته لك. فإذا أخذت
نفسك بذلك، تخلصت من بلاء الغفلات التي تنسيك عبوديتك لله
وعظيم مسؤولياتك تجاهه.. وإذا تخلصت من هذه الغفلات بالإكثار
والمداومة على ذكر الله، فلسوف يورثك ذلك حباً وتعظيماً لله عز
وجل، ولسوف ترقى بذلك إلى رتبة الإحسان التي عرّفها رسول الله
بأن تعبد الله كأنك تراه.. وإذا استقر بك المقام في هذه
الرتبة، غابت عن فؤادك صور الأكوان التي تراها واستقرت في
مكانها صفات المكوِّن عز وجل، وتتحول المكونات كلها على صفحة
فؤادك إلى أسطر نورانية تقرأ فيها باهر مظاهر حكمة الله ورحمته
وإكرامه وفضله وتلك هي حقيقة وحدة الشهود التي هي ذروة ما
ينبغي أن يَشُدَّ المسلمُ نفسَه إليه من حقائق التوحيد. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:04 am

الحكمة الرابعة عشرة



الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه فمن رأى الكون
ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود
الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار

ـ هذه الحكمة حصيلة مكثفة لقول الله تعالى: {الله نور
السموات والأرض}

هذه الحكمة حصيلة مكثفة لقول الله سبحانه وتعالى: { اللَّهُ
نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ... }
{ النور: 24/35 } يقول ابن عطاء الله في الفقرة الأولى من هذه
الحكمة: «الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه» أي هذه
المكونات التي تراها أعيننا وتدركها عقولنا، إنما تتآلف
وتتلاصق أجزاؤها الدقيقة، بواسطة نور داخلي يسري فيما بينها.
ومصدر هذا النور إنما هو الله عز وجل. ذلك لأن هذه المكونات لم
توجد بذاتها وإنما وجدت بإيجاد الله تعالى لها. بل لا يستمر
وجودها إلا باستمرار اتصال القدرة الإلهية بها، ومدّها
باستمرارية الوجود لحظة فلحظة.وإن من أهم آثار هذه الحقيقة أن
كل ما تقع عليه عيناك من هذه المكونات، فإن النور متغلغل في
داخله، ويكسوه حلية في ظاهره. فهي نور في الباطن الداخلي، وهي
منورة في الظاهر الخارجي.


ـ النور الذي هو عماد وجود المكونات نوران: نور تراه
العين، ونور يرصده العقل

إن الأشياء التي تراها عيناك إنما ترى فيها النور الذي اصطبغت
به، ولولاه لما رأت عيناك منه شيئاً. وهي إنما تتماسك بسرّ
النور الساري في أجزائها الدقيقة، ولولاه لتناثرت المادة
الكونية أنكاثاً متبددة.وهذا يعني أن النور الذي هو عماد وجود
المكونات نوران: نور تراه العين، ونور يرصده العقل.فأما الذي
تراه العين، فهو هذا الذي يسطع على ظواهر الأشياء التي تراها
عيناك. وهو مؤلف من نورين اثنين: أحدهما النور الساري إلى
الأشياء من أشعة الشمس ونحوها، ثانيهما النور الساري إليها من
بؤبؤ عينيك. ولولا التكافؤ الذي يتم بين نور عينيك ونور الشمس
الذي تنعكس أشعته إلى الأشياء، لما أتيح لك أن ترى شيئاً من
المكونات. فأنت إذن ترى النور، وبالنور (أي بنور عينيك) ترى
هذا النور.وأما النور الذي يرصده العقل، فهو ذاك الذي يسري
متغلغلاً داخل أصغر جزيئات المادة، بل هو تلك الإليكترونات
المؤلفة من إشعاعات متجمعة، تكون منها ما يسمونه المادة، وهي
في أصلها الذي تكونت منه ليست إلا طاقة. فأصل المادة ومآلها في
الوقت ذاته هو النور المخبوء الذي يرصده العقل وإن لم تره
العين.أرأيت إلى كتلة جمر متقد، إن وجوده ليس إلا من الشعلة
الكامنة فيه والسارية في أجزائه، وعندما تخبو هذه الشعلة
وتغيب، يغيب الجمر معها أيضاً، ويتحول إلى رماد يتناثر بعد ذلك
هباءً. إن قصة المادة الكونية أياً كانت، ليست إلا كقصة هذه
القطعة من الجمر المتقد. وعندما ينفصل النور الخفي عن دخائل
المادّة وجزيئاتها، فذلك لنيكون إلا إيذاناً بتناثر أجزاء
المادة وتحولها إلى حطام، وهكذا تعود المادة إلى ما يشبه
الرماد بالنسبة للجمر الذي خبت شعلته السارية في داخله.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:05 am

الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه فمن رأى الكون
ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود
الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار

ـ والعقل ذاته ليس إلا نوراً يشرق على الدماغ فيتم به
إدراك الحقائق

بقي أن تعلم أن العقل ذاته ليس إلا نوراً يشرق على الدماغ فيتم
به إدراك الحقائق التي لا تخضع للبصر ونوره.فهما إذن في حياة
الإنسان بصر وبصيرة. لكل منهما نور متكافئ ومنسجم مع عمله
ووظيفته. نور الأول منهما يقف عند مظاهر الأشياء وصورها، ويمخر
الثاني منهما تلك المظاهر والصور ليدرك خفايا الحقائق.وإذا كان
الإبصار بنور العين متوقفاً على وجود نور متكافئ يتمثل في ضياء
الشمس ونحوه، فإن الإدراك بنور البصيرة يتوقف في القضايا
الغيبية على نور متكافئ معه يتمثل في الوحي الإلهي الذي يكشف
للعقل عن حقائق تلك الغيبيات وأخبارها.إذن فالكون كله في أصله
القديم ظلمة كثيفة دامسة. ثم إن نوراً سرى فتكاثفت منه أجزاء
صغيرة تراصفت فتلاصقت فتآلفت، فإذا هي المادة الكونية التي
تراها العين.وكانت العين شيئاً هلامياً مظلماً، فسرى في داخله
نور، فإذا هي الأداة التي تبصر الصور والألوان. وكان العقل
وهماً لا وجود له مع ولادة الإنسان، فإذا هو بعد ذلك نور يشرق
على الدماغ يتم به إدراك خفايا الكون ومغيبات الأمور.إذن
فالنور هو سرّ هذا الكون كله، بل هو أداة وجوده، إنه مادة
المادة إن جاز التعبير وجوهر المكونات كلها بما فيها العين
المبصرة والعقل المدرك.


ـ إذن فالنور هو سرّ الكون كله.. ولكن من أين انبعث هذا
النور الذي أضفى سرّ الوجود على المكوَّنات؟

ربما تنطع أحدهم فقال: أين هو النور الذي تزعم أنه كامن في
العقل، مع ما نعلمه من أن العقل إنما هو نتاج لنشاط الدماغ.
والدماغ بحجيراته ووظائفه ليس إلا مادة خاضعة للنظر والفحص
والتحليل؟والجواب أن الدماغ محل لإشراقات نور العقل، كالشاشة
التي هي محل لإشراق الصور المنعكسة إليها من جهاز الإرسال.
والخطأ الذي يقع فيه من يتوهم أن الشاشة هي مصدر الصور
المتألقة والمتحركة عليها، ليس أقل من خطأ من يتوهم أن الدماغ
هو مصدر المعرفة والإدراك.أما البحث عن نور العقل، وإنكار
وجوده لعدم رؤيته، فمبعثه الجهل بأبسط قواعد العلم التي تعد
مدخلاً عاماً لأنواع العلوم المختلفة.على هذا السائل أن يعلم
أولاً أن النور من حيث هو لا يخضع لرؤية الأبصار، والذين
يتوهمون أنهم يرون نور الشمس مثلاً إنما يرونالأجرام التي
انعكست إليها أشعة الشمس، أي فلو انعدمت الأجرام التي يمكن أن
يسري إليها نور الشمس فإنك لن ترى من هذا النور شيئاً. إذن فلا
تطمع أن ترى النور الذي في حدقتي عينيك، ولا تطمع أن ترى النور
الذي يشرق عقلاً على دماغك ولكنك بنور عينيك ترى صور الأشياء
وألوانها، وبنور عقلك تدرك حقائق الأشياء وبواطنها.


ـ النور من حيث هو لايخضع لرؤية الأبصار، والقاعدة
العلمية هي أن كل ما كان وسيلة لرؤية الأشياء أو إدراكها
فهو أبعد ما يكون عن إمكان رؤيته

والقاعدة العلمية في هذا الذي نقول، أن كل ما كان وسيلة لرؤية
الأشياء أو إدراكها، فهو أبعد ما يكون عن إمكان رؤيته. إذ لو
رأيت الوسيلة لرؤية الأشياء، لأصبحت هذه الوسيلة بحكم رؤيتك
لها حاجزاً يحول بينك وبين رؤية ما يفترض أنها وسيلة
لرؤيته.أرأيت إلى النظارة المثبتة على عينيك، إنها وسيلتك إلى
رؤية الأشياء أو تقريبها إليك. ولكن الشرط الذي لا بدّ منه
لذلك أن لا ترى عيناك شيئاً من الزجاجتين المثبتتين أمام
عينيك. إذ إنك لو رأيتهما، فمعنى ذلك أنك ترى غباراً أو أي جسم
غريب انحط عليهما. وعندئذ تتحول النظارة من وسيلة للرؤية إلى
حجاب يصدّ عن الرؤية.كذلك القول عن نور العينين ونور العقل.
إنهما موجودان يقيناً. ولكن وظيفة كل منهما لا تتم إلا بعدم
رؤيتك لهما، كيف ولو رأيتهما لأبصرت في كل منهما كثافة تتناسب
مع شروط الرؤية، وعندئذ تصبح هذه الكثافة حائلاً دون الرؤية،
بدلاً من أن تكون وسيلة إليها.ومع ذلك فأنا لا أنكر أننا
كثيراً ما نقول: رأيت نور الشمس أو نور المصباح، ولكن هذا
التعبير فيه من التجوز ما لا يخفى على بصيرالعربية وأساليبها.
إننا نعني في الحقيقة أننا نرى الأجرام التي انعكست وتوهجت
عليها أشعة الشمس أو أشعة المصباح.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:06 am

الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه فمن رأى الكون
ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود
الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار

ـ ألفت النظر إلى معنى علمي دقيق في قول الله تعالى:
{الله نور السموات والأرض}

إذن فلنعد إلى الحقيقة التي يذكرنا بها ابن عطاء الله إذ
يقول: «الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهور الحق فيه» بل هي
الحقيقة التي ينطق بها بيان الله عز وجل { اللَّهُ نُورُ
السَّماواتِ وَالأَرْضِ } { النور: 24/35 } العقل الذي به تدرك
الأشياء نور، والعين التي بها ترى صور هذه الأشياء وألوانها
نور، والأشياء ذاتها التي تراها أو تدركها إنما هي جزيئات من
نور في منتهى الضآلة والصغر تضامّت فتكاثفت فتحولت إلى مادة
مرئية ذات مزايا وخصائص وأنواع وتسميات شتى.وهل بوسع العلم أن
يقول لك شيئاً عن مصدر هذا النور الذي أضاء به وتكون منه هذا
الكون كله، إلا أنه الله عز وجل؟وهل بوسع العلم أن يقول لك
شيئاً عن مصير هذه المكونات كلها إن انفصل عنها هذا النور، إلا
التبدّد والانمحاق؟ وقبل أن ننتقل من هذه الفقرة إلى التي
تليها، ألفت النظر إلى معنى دقيق في قول الله عز وجل: {
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ } { النور: 24/35 } لا..
ليس هذا هو معنى الآية، بل هي تتضمن الدلالة على عكس ذلك.
وبيان ذلك أن بين كلمتي النور والضياء أو النور والسراج،
فرقاًلغوياً دقيقاً. أما النور فمعناه الشعاع المثبت على جرم
ما والمنعكس إليه من جرم آخر. وأما الضياء والسراج فهو الشعاع
الذي يظهر على جرم ما منبثقاً من داخله. ومن ثم فإنك تقول غرفة
منيرة ولا تقول مضيئة. لأن نور الغرفة إنما ينعكس على جدرانها
من المصباح المضيء في داخلها. وتقول شمس مضيئة ولا تقول منيرة،
لأن شعاع الشمس إنما ينبثق من داخلها.وانظر إلى دقة التعبير عن
هذا في كتاب الله عز وجل، إذ يصف القمر بالإنارة ويصف الشمس
بالضياء. فيقول: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً
وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ.. } { يونس: 10/5 }
ذلك لأن الضوء الذي يشع من الشمس منبثق من داخلها، إذن فيجب
التعبير عنه بالضياء أو السراج، أما الذي يشع من القمر فمنعكس
إليه من الشمس فيجب أن يعبر عنه بالنور، ومن ثم فهو منير لا
مضيء.فهل يخامرك شك مع هذا في أن القرآن ليس إلا كلام الخالق
عز وجل، ذاك الذي خلق الشمس والقمر وعلم مصدر الضياء في كل
منهما؟! عد بعد هذا معي إلى قول الله عز وجل: { اللَّهُ نُورُ
السَّماواتِ وَالأَرْضِ } { النور: 24/35 } مظهر الأشياء من
الضياء وما تكتنزه المادة من ذلك في داخلها وضمن أصغر ذراتها،
ليس منبثقاً منها، وإنما هو متجه إليها ومتغلغل فيها، من لدن
خالق المكونات كلها، وهو الله عز وجل.ولو كان شيء من ذلك
منبثقاً من داخل ما يتجلى فيه، إذن لجاء التعبير عنه بالضياء
لا بالنور، وإذن لما نسبه الله تعالى إليه بل لنسبه إلى
السماوات والأرض والأفلاك ذاتها. ألا فلتعلم إذن، أن سائر
المكونات التي من حولك، وأنت واحد منها، إنما تتألف سداها
ولحمتها من نور رباني هابط إليها متغلغل في أعماقها، وأن كل ما
تراه عيناك منها أو يدركه عقلك من دخائلها، فبهذا النور
الرباني تراه، وبهذا النور الرباني تدركه.والآن ننتقل إلى
الفقرة الثانية، التي كانت الفقرة الأولى التي فرغنا الآن من
شرحها، مقدمة لها. يقول فيها ابن عطاء الله: «فمن رأى الكون
ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده، فقد أعوزه وجود
الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار» .ولنبدأ أولاً
ببيان معاني هذه العبارات، حتى لا يسري إلى وهمك منها معنى غير
صالح ولا مقصود:يقول: فمن رأى الكون ولم يشهد أي بعين بصيرته،
الحق سبحانه وتعالى، مؤثراً فيه. ولم يشهده أيضاً عند نظره إلى
المكونات التي من حوله، بأن تذكره بالله عند رؤيته لها وتأمله
فيها؛ ولم يشهده أيضاً قبل تأمله في هذه المخلوقات، بواسطة
المنطق والأقيسة العقلية التي تنطقبوجود الله عز وجل؛ ولم
يشهده أيضاً بعد تجاوزه مرحلة النظر في المخلوقات وانحسار
غشاوة الأهواء وما تتطلع إليه الغرائز من المتع الآنية
والرعونات، إذن فهو ممن سلب الله عنه نور الهداية وكان ممن قال
عنهم: { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ
مِنْ نُورٍ } { النور: 24/40 } كثيرون هم الذين يطيلون النظر
إلى أنفسهم في المرآة، ويتتبعون ما يقوله علماء التشريح عن
جسومهم ودخائلها ووظائف الأجهزة العجيبة الكامنة فيها، ثم
يتحولون فيتأملون فيما يسمونه الطبيعة المترامية من حولهم
بأنواعها المختلفة وأشكالها العجيبة. دون أن يدركوا في أثناء
ذلك أو بعد ذلك، وجود مبدع يعود إليه خلق هذه الموجودات وإدارة
شؤونها وتوزيع المهام والوظائف فيما بينها.وتتفنن عباراتهم في
تحليل المادة وجزيئاتها وألكتروناتها ونواتها، وتنتهي عباراتهم
إلى ما انتهينا إليه من أن المادة في حقيقتها طاقة تكثفت في
هذا المظهر الذي يسمى مادة، دون أن تسوقهم هذه المعرفة إلى
معرفة المصدر الذي شعّ منه إلى داخل المادة كل هذا التيار
الحيوي المتحرك والمحرك.. يقولون: إن المادة أياً كانت ومهما
كان حجمها ليست أكثر من مجموعة نيترونات وألكترونات تبعث فيها
الحركة والتغير الدائبين.


ـ إذن فالمادة وعاء لنور يسري في داخله، فمن أين جاء هذا
النور فتغلغل فيه؟ جواب مفصل عن هذا السؤال

إذن فالمادة، كما قلنا، وعاء لنور يسري في داخله، ودعك من فنون
العبارات والمصطلحات المختلفة. فمن أين جاء هذا النور حتى
تغلغل فيه أي في هذا الوعاء الذي تسميه مادة؟ وقد علمت أن ما
يسمى نوراً لا ينبثق من داخل الجرم الذي يبدو عليه أو يتغلغل
فيه، بل ينعكس إليه من مصدر آخر، فما هو هذا المصدر الذي سرى
منه إلى المادة هذاالنور الذي أورثها وظائفها الخفية التي يطيل
الحديث عنها علماء هذا الشأن؟حقاً إن الذين يشهدون هذا الكون
بما فيه من الأجهزة الدقيقة الخفية وبما في جزيئات أجزائه
وذرات تلك الجزيئات، من الأنشطة والحركات المنبعثة من قوىً
خيرُ تعبيرٍ عنها أنها النور الخفي أو المعنوي الذي يبعث في كل
شيء من أشياء الكون وظيفته التي كلف بها - أقول: حقاً إن الذين
يشهدون هذا كله في المكونات، ثم لا يشهدون فيه تأثير المكوِّن
وسلطانه، عند دراستهم له وتأملهم فيه، ولا بعد اجتيازهم لتلك
الدراسة وذلك التأمل، ولا قبل النظر في ذلك كله، أناس أعوزتهم
أنوار المعرفة وحجبت عنهم شموس الحقائق بسحب النتائج والآثار
التي سجنوا عقولهم فيها. فقصارى ما انتهوا إليه من المعارف
أنهم وقفوا أمام هذه النتائج والآثار يصفونها ويستخرجون من
وصفهم لها قواعد يزعمون أنها حصيلة الحقائق الكونية. فهم حقاً
كما قال الله عنهم: { يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ
الدُّنْيا.. } { الروم: 30/7 } إن حال هؤلاء الناس الذين
وصفهم الله بهذه المعرفة السطحية التي سجنوا أنفسهم فيها، أشبه
ما يكون بمن نظر إلى حوض يفيض بماء عذب يتلألأ بأشعة انعكست
عليه من مرآة كبيرة، تلقت تلك المرآة بدورها تلك الأشعة من
الشمس التي تطلّ عليها من كبد السماء.وقف هذا الناظر يحدّق في
الحوض الذي تتلألأ صفحته بنور تلك المرآة، دون أن يلتفت يميناً
أو شمالاً أو يرمق ببصره جهة السماء، فأخذ يصف هذا الذي تبصره
عيناه وقد حبس عقله ومداركه بعد بصره في دنيا ذلك الحوض،
موقناً أن هذا الألق منبعث من رقة الماء وصفائه ولميكتف بذلك،
بل أخذ يحلل ويعلل.. ويجعل مما قد حبس بصره وعقله فيه قانوناً
علمياً يُعَلِّمُهُ الناسَ ويُلزِمُهم الإيمانَ الجازم به.ولو
أن الرجل حرّر عينيه وعقله من سجن ذلك الحوض والتفت إلى صفحة
المرآة التي تطلّ على الحوض، ثم تجاوز المرآة إلى السماء حيث
الشمس التي تسطع بضيائها وتبعث بأشعتها إلى الآفاق والدنيا
كلها، إذن لعلم أن الحوض في أصله كتلة من الظلام المائج.. وأن
المرآة هي الأخرى صفحة موحشة من السواد الذي لا بريق فيه. ولكن
الشمس المشرقة هي التي حولت كل ظلام في طريقها إلى نور.تلك هي
قصة هذه الدنيا كلها، كانت كتلة ظلام دامس. ثم إن الله الخالق
المبدع أمدّها بنور من نوره، فتحول الظلام إلى نور مشع يبعث
فيه الحركة والطاقة وينشر في أرجائه القوة والحياة.ولكن ما
الحيلة فيمن استلب الله من عقولهم نور الهداية، فلم تعد تبصرهم
تلك العقول إلاّ بالمساحة التي أدركتها أبصارهم من قبل. صدق
الله القائل: { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً
فَما لَهُ مِنْ نُورٍ } { النور: 24/40 } * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:07 am

الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه فمن رأى الكون
ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود
الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار

ـ الذين متعهم الله بنور المعرفة واهتدوا به إلى الله،
ثلاث فئات، بيان وشرح لكل منها

ثم إن الذين متعهم الله بنور المعرفة فاهتدوا به إلى الله عز
وجل، ثلاث فئات: الفئة الأولى: هي التي تعرَّف أفرادها على
الله عز وجل، قبل أن يتعرفوا على الأكوان وقبل أن يتأملوا فيما
تحمله من الدلائل على وجود الله ووحدانيته.. هؤلاء لم يكونوا
بحاجة إلى أكثر من أن يقفواأمام مرآة الذات، فلما تأملوا في
أنفسهم عرفوا عبوديتهم وأدركوا أنهم بغيرهم يعيشون ويتحركون
ويتصرفون، ولما بحثوا عن ذلك الغير لم يجدوا أحداً غير الله
أمامهم. فهؤلاء هم الذين تفاعلوا مع قول الله تعالى: { وَفِي
أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ } { الذاريات: 51/21 } فهذه
الفئة لم يحتج أفرادها إلى التأمل فيما حولهم من المكوَّنات،
بل كانت مرآة نفوسهم هي سبيل الهداية إلى ربهم، ولا شك أن من
عرف نفسه عرف ربه. الفئة الثانية: هي التي توقفت هداية
أفرادها على النظر في الآفاق وفي المكونات بعد النظر في
أنفسهم، فاهتدوا بالأنوار المشرقة عليها والمتغلغلة في بواطنها
إلى مصدر النور ومبعثه وهو الله عز وجل، فكان أن عرفوا المكوّن
من خلال الأكوان. وهؤلاء هم الذين صدق عليهم قول الله عز وجل:
{ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } { فصلت: 41/53 } الفئة
الثالثة: هي تلك التي يرى أفرادها المخلوقات المتنوعة ويرون
آيات الله ودلائل وجوده ووحدانيته فيها، ولكنهم لا يشاهدون
فيها المكوِّن جلّ جلاله، مشاهدة اللازم للملزوم.. حتى إذا
فرغوا من النظرالتأمل في مختلف اللوحات الكونية، عادوا إلى
عقولهم ليدرسوا بها دراسة تفكير ونظر عميقين وليتبينوا بها ما
يمكن أن تدل عليه تلك المكونات بما تنطوي عليه من نظام وما
تحققه من أهداف، فيصلون أخيراً إلى ما يقرره العقل من أن هذه
المكونات كلها حادثة بدليل ما يعتورها من التغير المستمر، وكل
حادث لا بدّ له من محدث. وهذا المحدث هو الله. كما يصلون أيضاً
إلى اليقين بأن هذه المكونات لو كانت قديمة لا أول لها يتوالد
بعضها من بعض إلى ما لا نهاية، إذن لاستلزم ذلك تسلسل العلل
غير الذاتية إلى ما لا نهاية وهو مستحيل.والفرق بين هذه الفئة
من المؤمنين والتي قبلها، أن أفراد هذه الفئة لا يستطيعون أن
يشاهدوا الله عز وجل من خلال مخلوقاته، إلا بعد استحضار دلائل
العلم وقواعده وطول التأمل فيها، ومن ثم فإنهم يستندون إليها
ويعتمدون عليها، فيما يمكن أن توصلهم إليه من حقائق الإيمان،
فهم كالذي لا يستطيع أن يمشي إلا معتمداً على عكاز، أما الفئة
الثانية فما يكادون ينظرون في شيء مما قد أبدعه الله ونسقه،
حتى يتذكروا به الخالق، ويؤمنوا بوجوده ويستيقنوا عظيم حكمته،
دون حاجة إلى استحضار قواعد العلم وموازينه والنظر فيه ثم
استخراج النتائج منه، فهم لا يحتاجون إلى عكاز هذه القواعد
والموازين قط.رجال تلك الفئة الثانية يتمتعون بما يسمونه وحدة
الشهود، إذ لا يرون الدنيا بكل ما فيها إلا كالمرآة الصافية
تتلألأ على صفحتها صفات المكوّن جلّ جلاله، دون حاجة إلى
استحضار البراهين والدلائل للنظر فيها واستخراج النتائج
منها.وعلى الرغم من أن هذه الدرجة أرقى وأكمل، فإن الدرجة التي
تليها، وهي التي يلتقي عليها اليوم أكثر المؤمنين والملتزمين
من أمثالنا، مقبولة وسليمة، إذ الاعتماد على قواعد العلم
وبراهينه وإن كان كاعتماد الأعرج أو الضعيف على العكاز الذي
يعينه، إلا أنه أداة مفيدة وموصلة إلى الغاية في نهاية
المطاف.. ولكن عليه أن يتلمس أسباباً أخرى لتقوية إيمانه
وتحويله من يقين علمي إلى شهود عملي، بحيث يرقى إلى حال أصحاب
وحدة الشهود، يرى الله بعين بصيرته دون حاجة إلى تلمس البراهين
والمقدمات المنطقية: وذلك عن طريق الإكثار من ذكر الله عز وجل،
وعن طريق ربط النعم بالمنعم دائماً.أي إن سلوك سبيل المقدمات
المنطقية والعلمية إلى معرفة الله والإيمان به، سبيل قويم
وصحيح. ولكن على أن لا يقف السالك عند حدود ما دلّت عليه تلك
البراهين والمقدمات. بل عليه أن يتخلص من قيود تلك المحاكمات
ويتجاوز الدهاليز والمنعرجات ويلقي بعكاز المحاكمات المنطقية
وراءه، جاعلاً من شهوده المباشر لصفات الله الظاهرة والباهرة
على صفحة المكونات برهاناً على صحة تلك المقدمات والبراهين..
ويرحم الله تلك المرأة العجوز التي نظرت من خصاص نافذة بيتها
في بغداد إلى الناس وقد ازدحموا في الأزقة والساحات لاستقبال
الإمام فخر الدين الرازي، فالتفتت تسأل من حولها: ما الخبر؟
قالوا إنه الإمام الرازي الذي حشد في مؤلفاته مئات الأدلة
العلمية على وجود الله ووحدانيته، فاستخفت بكلامهم قائلة: لو
لم يكن قد ابتلي بمئات الشكوك لما احتاج إلى ما يطردها من
مئاتالبراهين!.. قالوا: وبلغ الإمام الرازي هذا الذي قالته تلك
العجوز فرفع يديه يدعو الله قائلاً: «اللهم إيماناً كإيمان
العجائز» .ليس معنى هذا الذي دعا به الرازي أن سبيل العلم لا
حاجة إليه، بل هو سبيل لا بدّ منه، وإنما معناه أن على العالم
أن لا يحبس عقله عند مقدمات الحجج والبراهين، بل عليه إذا
استعملها وفرغ منها، أن يتجاوزها بحيث يرقى إلى درجة الشهود
التي أوضحنا معناها. وإلاّ فيوشك أن يعود العالم إلى جهله أو
شكوكه، إن غابت عنه لأمر ما براهينه وحججه. والخطر الأشد
بالنسبة إليه ساعة الموت، إذ تغيب عن بال الإنسان لدى سياق
الموت وسكراته المقدمات والبراهين، وكيفية عرضها وأصول
استعمالها، فإذا كانت عقائده الإيمانية لا تزال مربوطة بها
متوقفة عليها، فلا بدّ أن تغيب هي الأخرى عن باله مع غياب تلك
العُدد من المقدمات والبراهين، وما أيسر على الشيطان عندئذ أن
ينسيه كل ما قد كان يردده ويبرهن عليه أيام عافيته وصحوه.إذا
تبين هذا، فلتعلم أن الفئة الأولى تتبوأ أعلى درجات الإيمان إذ
ترقى إلى شهود الله قبل النظر في المكونات ودون حاجة إلى ذلك،
تليها الفئة الثانية وهي التي تشهد المكوّن عند رؤية الأكوان
والتأمل فيها، تليها الفئة الثالثة وهي التي لا تشهد المكوّن
جلّ جلاله حتى تعتصر من تأملاتها في الكون وسننه دلائل وبراهين
تنسقها ثم تستخرج منها النتائج والثمرات..كن واحداً من أي هذه
الفئات الثلاث، لا حرج. وإن كان عليك أن لا تنسى بأن الاعتماد
على العلم في الاستدلال ينبغي أن يكونسبيلاً تجتازه لا غاية
تحبس نفسك في أقطارها. كما أوضحت لك الآن.ولكن إياك أن تكون من
الفئة الرابعة.. تلك التي غاب عنها شهود الله عز وجل، فلم تره
بعين بصيرتها، لا قبل التأمل في المكونات ولا عند التأمل فيها
ولا بعد التأمل فيها. فتكونَ بذلك ممن قال الله عنهم: {
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُور
} { النور: 24/40 } المهم من هذا كله، والمراد الذي يقصده ابن
عطاء الله من حكمته الرائعة هذه، أن تحرص على أن لا تجعل
الأكوان سجناً لك عن المكوّن، بل احرص على أن تجعل من الأكوان
مرآة ترى من خلالها المكوّن.فإن عزّ عليك السبيل إلى ذلك،
فأكثر من الالتجاء إلى الله وأعلن عن افتقارك الكلي إليه، ييسر
لك السبيل ويكرمك بالنور الذي ترى به هذه الدنيا على حقيقتها،
وترى باهر سلطان الله عز وجل فيها.. إذن فالله هو المستعان في
كل الأحوال. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:08 am

الحكمة الخامسة عشرة



مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك عنه بما ليس
موجوداً معه

ـ مقدمة بين يدي شرح هذه الحكمة بمثال مادي

دعنا نبدأ بمقدمة بين يدي شرح هذه الحكمة:عندما تكون أثناء
الليل في غرفة مستنيرة بمصباح في داخلها، تَرى النور سارياً
منه إلى كل جهات الغرفة وزواياها، يحيل ظلامها إلى نور
متألق.لكن افرض أنك عمدت إلى جرم كثيف مّا كقطعة قماش أو لوح
أو نحو ذلك ووضعته بينك وبين المصباح فإن الذي يحدث هو أن نور
المصباح ينفصل عنك وأن ظلاماً جزئياً يمتد بينك وبينه.. ذلك
لأن الجرم الأجنبي حال بينك وبين المصباح إذ أصبح الجرم أقرب
إليك منه. ومن ثم يغيب عنك ضياء المصباح وتنقطع أشعته السارية
إليك.ومعنى وصفنا له بأنه جرم أجنبي، أن له طبيعة مخالفة
لطبيعة المصباح، إذ المصباح مضيء والجرم الذي أسدل عليه لا
ضياء فيه، ومن جراء هذا التناقض يغيب عنك الضياء ويعود فيتغلب
الظلام الذي كان هو السائد من قبل. من المعلوم أن هذه حقيقة
بدهية لا تحتاج إلى دليل أو شرح. ولكن علاقة المكونات بالنور
الرباني الذي يتجلّى على ظواهرها أو الذي يتغلغل في دخائلها
يختلف اختلافاً كلياً عن هذا المثال الذي ذكرناه.المكونات كلها
مضمخة بالنور الساري إليها من عند الله سبحانه وتعالى بل إن
نور الله عز وجل سار إلى دخائلها وجزيئاتها كما قلنا ذلك من
قبل.ذلك لأن قوام الأشياء كلها بالله عز وجل أي إن نوراً
ربانياً يسري إلى المكونات فتنهض بمهامها ووظائفها التي وكلت
إليها. وقد فصلنا القول في بيان ذلك في الحكمة السابقة.إذن فكل
شيء من المكونات، صغر أو كبر، عاكف على وظيفته التي كلف بها،
بسرّ من النور الإلهي الهابط إليه والساري في أعماقه. وهذا
معنى قوله عز وجل: { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ
وَتَسْبِيحَهُ } { النور: 24/41 }


ـ إذا كان كل شيء منوراً بنور الله، فما الذي يحجبك إذن
عنه؟..

فإذا عرفنا أن كل شيء في هذا الكون منور بنور الله فما الذي
يحجبك إذن عنه؟لقد استوعبنا مثال المصباح لأننا جئنا بجرم
مناقض لنور المصباح وأسدلناه عليه فعاد المكان مظلماً. لكن ما
هو هذا الجرم الذي لم يستضئ بنور الله، ولم تتغلغل فيه أسرار
من نوره عز وجل، حتى يصلح أن يكون مناقضاً لنوره، فيصبح حائلاً
بينه وبين البصائر والعقول؟!..من أين ستأتي بهذا الجرم لتسدله
بينك وبين الله عز وجل فتصبح محجوباً به عن الله؟لو نظرت
يميناً وشمالاً، ولو بعثت بنظرك إلى الملأ الأعلى.. إلى الملأ
الأدنى.. إلى الأطراف والآفاق كلها، ستجد أنه ما من شيء إلا
وهو منوّر بنور الله في ظاهره وباطنه (وقد شرحنا ذلك).فما هو
هذا الذي يحجبك عنه، مع ما قد علمناه من أن كل ما في الكون من
الموجودات مغموس بالنور الإلهي في ظاهره ومتقوم بهذا النور
سارياً في داخله؟وإذا لم يكن هنالك شيء ذو وجود مستقل يصلح أن
يقوم حاجزاً يقصيك عن شهود الله، لأن كل ما هو موجود مستنير
بنور الله ودال على عظيم صنع الله، فالمفروض إذن أن لا يحجبك
عنه شيء.


ـ قاهرية الله هي التي تحجب كثيراً من الناس عن الله بدون
حجاب

ولكنّ قاهرية الله عز وجل تجعل من اللاشيء شيئاً، وتريك حال
كثيرين من الناس وقد حجبوا عن الله عز وجل بما ليس له وجود
حقيقي أي بما ليست له كثافة ذاتية تغالب النور الإلهي الساري
في كل شيء، فتغلبه وتغيّبه عن البصائر والعقول. وهذا ما يعنيه
ابن عطاء الله بقوله: «مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك
عنه بما ليس موجوداً معه» .كلنا يعلم أن كثيرين هم الذين
حجبوا عن شهود الله ومعرفته، على الرغم من أنه لا يوجد ما يحجب
العقل عن الله، لأن كل ما هو موجود مستنير بنوره ومن ثم فهو
دال عليه.. تأمل في حال الملاحدة والمعاندين والمستكبرين تجد
أنهم محجوبون فعلاً عن شهود الله. ولكن بأي شيء حجبوا عنه؟..
إنما حجبوا عنه بقهره وبطشه. وقاهرية الله لا تحتاج إلى أداة
يستعان بها للستر أو الحجب، كما هو الشأن فيمثال الغرفة
والمصباح. وإنما يتوقف الأمر على القرار الإلهي فقط، الدال
عليه قول الله تعالى: { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ
بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } { الأنفال: 8/24 }

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:09 am

مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك عنه بما ليس
موجوداً معه

ـ ولكن من هم الذين قهرهم الله بحجبهم عنه دون حاجب؟ هم
المستكبرون الذين آثروا التعامل مع الحقائق بمشاعر
استكبارهم بدلاً من موازين عقولهم

ولكن من هم أولئك الذين قهرهم الله بحجبهم عنه دون حاجب؟هم
الذين حاق عليهم غضب الله ومقته. وإنما يحيق مقته وغضبه
بالمعاندين والمستكبرين عليه فقط، دون بقية الناس جميعاً.في
الناس من يستبدّ بهم الكبر والعناد، فيتجاهلون النور الإلهي
الذي تفيض به المكونات كلها، والذي يشعّ مرآه في أبصارهم
وبصائرهم، ثم إنهم يصرون إصرارهم المستكبر على تجاهلهم الكاذب،
فيحيق بهم غضب الله العاجل في الدنيا، ويحجبهم عن شهود ذاته
العلية دونما حجاب!.. ويغيبهم عن رؤية حكمه وسلطانه دونما حاجة
إلى أي حاجز يغيبهم به عنه. وإنما هو نوع من العمى يسدله على
أبصارهم وبصائرهم، فإذا هم محجوبون عن شهود الله عز وجل غائبون
عن دلائله وأنواره التي تفيض بها المكونات كلها، وقد كانوا قبل
ذلك يرونها أو يدركونها متجاهلين مستكبرين.فهؤلاء هم الذين قال
الله عنهم: { وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ
الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا
يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ }
{ الأعراف: 7/179 } إن عدم فقه القلوب، وعدم إبصار الأعين،
وعدم سماع الآذان، لا يتوقف على حاجز موجود يحول دون ذلك. بل
يكفي أن يُفْقِدَ اللهعز وجل منها الإدراك والإبصار والإسماع،
وإذا هي كما شاء الله عز وجل: لا تفقه ولا تبصر ولا تسمع.ألا
تعلم أن في أعين الناس أعيناً لا شِيَةَ فيها ولا عيب، ومع ذلك
فهي تحدق في الأشياء دون أن تراها؟.. ألا تعلم أن فيها ما قد
أصيب بما يسمى عمى الألوان، دون وجود أي عطب أو حائل فهي تبصر
الأشياء دون أن تدرك ألوانها؟!.. إن الذي غضب الله عليه، يُحجب
عن شهود الله والدنو من حضرته بسرّ من الغضب ذاته، ويتحول قلبه
إلى ما يشبه قطعة من الحجر الصلد، بل يؤول به الأمر إلى ما هو
أقسى من الحجارة. ألم تقرأ قول الله تعالى: { ثُمَّ قَسَتْ
قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ
أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ
مِنْهُ الأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ
مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ
اللَّهِ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ } { البقرة:
2/74 }


ـ هل تكون المعاصي وحدها سبباً لهذا الحجاب؟

هل المعاصي وحدها تكون سبباً لهذا الحجاب؟إن المعاصي وحدها
مهما كثرت لا تكون سبباً للمقت أو الغضب الإلهي الذي يتكون منه
الحجاب الذي يتحدث عنه ابن عطاء الله.وبيان ذلك أن الذي لا
يعاني من الاستكبار وما يتبعه من عناد، إنما يرتكب ما يرتكبه
من الأوزار بسبب ضعفه وبسبب تغلب شيطانه وشهواته عليه. والشأن
فيه أن يندم على ما فرط منه بعد انتهائه من المعصية وغياب
لذتها عنه، فيسوقه الألم والندم إلى التوبة واستغفار الله عز
وجل، ومن سنن الله في عباده أنه يقبل توبة التائبين منهم.
والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.وهذا معنى قول الله تعالى وهو
يخاطب إبليس إذ آلى على نفسه أن يغوي عباده أجمعين: { هَذا
صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ، إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ
عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ.. } { الحجر: 15/41ـ42 } يدل على ذلك
الحديث القدسي المتفق عليه من رواية أبي هريرة وغيره عن النبي
فيما يحكيه عن ربه قال: «أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي
ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له
رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر
لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً
يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي
ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً
يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء»
.ومعنى فليفعل ما شاء أنه مهما فعل المعصية فعاد صادقاً إلى
التوبة منها فإني أغفر له معصيته التي تاب منها.إذن فالمعصية
التي تصادف قلباً موقناً بذل العبودية لله، لا تكون سبباً
للقهر الذي يتحدث عنه ابن عطاء الله هنا، ذلك القهر الذي يحجب
العبد عن الرب ويزجه في تيه من الظلام لا نجاة له منه.إنما
يأتي هذا القهر من المعصية التي تكون بسائق الاستكبار على الله
عز وجل. إذ هو الداء القاتل الذي لا منجاة منه. يقول الله عز
وجل: { سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي
الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.. } { الأعراف: 7/146 } لقد رأيت
عصاة كثيرين في حياتي، ولكني لا أذكر أن فيهم أحداً لم يتب
أخيراً عن معاصيه ولم يصطلح مع الله عز وجل. إذ كانت دوافعهم
إلى المعصية جموحاً في النفس وضعفاً في الإرادة، دون عتو ولا
استكبار.ولقد رأيت مستكبرين على الله تعالى يمارسون انحرافاتهم
ويأخذون حظهم من المعاصي والأوزار المختلفة، بسائق من
اللامبالاة والاستكبار على الله والاستهانة بأحكامه وأوامره..
فما رأيت واحداً منهم تابيما بعد عن غيّه وعتوّه!.. تسربت إلى
كثير منهم المصائب والأوجاع، وحاقت بهم المهانة وهيمن عليهم
البؤس والضعف، ولكن مشاعرهم بقيت تمارس استكبارها وعتوها على
الله!. ولم أر في الدنيا أقبح من صورة إنسان تراكمت عليه عوامل
الذل والقهر والضعف وتناوشته الأوجاع والأمراض، وهو لا يزال
يجترّ مشاعر تعاظمه على الله عز وجل ويردد ألفاظ سخريته
واستخفافه بسلطان الله وأمره. ويرحم الله صاحب المثل العربي
السائر «أُستٌ في الماء ورأسٌ في السماء» .تلك هي صورة القهر
الذي يتحدث عنها ابن عطاء الله قائلاً: «مما يدلك على وجود
قهره أن حجبك بما ليس موجوداً معه» .قهرٌ.. جعــل الله منه
العقوبــة العاجلة لمن خلع ربقة عبوديته لله عز وجل متجاهلاً
ملازمتها له من فرقه إلى قدمه، ثم اصطنع لنفسه رداء الكبرياء
التي لا تصلح إلا لله عز وجل. فكان من عاقبة هذا القهر أن صرف
بصيرته عن مشاهدته، وحجب عقله عن رؤية آياته، وأغلق منافذ قلبه
عن التأثر بباهر سلطانه وعظيم جبروته، على الرغم من أنك تنظر
فتجد أن كل جزء من أجزاء كيانه المتهاوي، مصطبغ بصبغة العبودية
الضارعة لله عز وجل.قهر.. قضى به قول الله عز وجل: { وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها
وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلَى
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ
وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا
إِذاً أَبَداً } { الكهف: 18/57 }

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:11 am

الحكمة السادسة عشرة



أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل
وجود كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف
يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء؟ يا عجباً كيف
يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف
القدم؟

ـ شرح الفقرة الأولى منها: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو
الذي أظهر كل شيء))

فلنبدأ بشرح الفقرة الأولى منها: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء
وهو الذي أظهر كل شيء؟)) .أي إن أي شيء مما قد يخطر في البال
أن يكون حجاباً عن الله عز وجل، إنما هو من مخلوقات الله،
ومخلوقاته أياً كانت لاتكون إلا دليلاً عليه. فكيف يكون الدليل
على الله حجاباً لك عن رؤية وإدراك وجوده؟كانت لاتكون إلا
دليلاً عليه. فكيف يكون الدليل على الله حجاباً لك عن رؤية
وإدراك وجوده؟قد يقول بعضهم: ماوجه دلالة الموجودات على وجود
خالق لها؟ والجواب: أن الموجودات التي تملأ رحاب هذه الدنيا،
كانت مسبوقة بعدم، فيما يقرره سائر العلماء على اختلاف
مذاهبهم، إلا الماركسيين أصحاب نظرية المادية الجدلية الذين
يصرون على أن هذه الموجودات متوالدة بعضها من بعض بدون بداية
وإلى غير نهاية.فإذا تجاوزنا هذا الوهم الذي ليست له أي قيمة
علمية، كما قد بينته مفصلاً في كتابي (نقض أوهام المادية
الجدلية) وعلمنا أن هذه المكونات كلها كانت معدومة فيما مضى،
في عهد من العهود الغابرة، ثم وجدت، فإن من البداهة بمكان أن
انتقالها من العدم إلى نقيضه وهو الوجود، يتوقف على عامل خارجي
يتسبب عنه هذا الانتقال، إذ الأصل بقاء ماكان على ماكان إلى أن
يظهر هذا العامل الخارجي الذي يحول ماكان إلى نقيض الحال التي
كان عليها. وهذا معنى القاعدة العلمية القائلة: ((يستحيل
رجحان الشيء على غيره بدون مرجح)) .فإذا عرفنا هذه القاعدة
وفرضنا أن الخالق جل جلاله غير موجود، إذن فالمفروض أن تبقى
هذه العوالم الموجودة في طي العدم، وأن لايوجد منها شيء. إذ إن
كفة العدم المطلق كانت هي السابقة والراجحة، ومن ثم فإن الأصل
هو استمرار هذا الذي كان سابقاً وراجحاً، على حاله وأن
لايعتوره أي تحول إلى النقيض، لأن الذي سيدفعه إلى ذلك غير
موجود.لكنا نظرنا فوجدنا أن العدم ألغي وحل محله الوجود، أي أن
العدم تحول إلى وجود. إذن لابدّ أن يكون ذلك بفعل فاعل، وإلا
لبطلتاعدة: (( الأصل بقاء ماكان على ماكان مادام العامل
الخارجي غير موجود)) .ونحن عندما نجابه الملحد بالدليل الأبلج
الواضح على وجود الله نذكر له أولاً هذا الدليل الذي لايستطيع
أن يتجاهله أو يمتري به أي عاقل. أي إننا نتخذ من هذه
الموجودات التي كانت يوماً ما معدومة، دليلاً على أن لها
موجداً، وإلا لما وجدت.فكيف يكون هذا الذي نراه بالعقل وبالعلم
دليلاً على وجود الخالق حجاباً في الوقت ذاته يقصي الإنسان عن
رؤية الخالق؟!..إذن فلابدّ أن نردد مع ابن عطاء الله استفهامه
التعجبي والإنكاري، وأن نقول معه: ((كيف يتصور أن يحجبه (أي
الله تعالى) شيء وهو الذي أظهر كل شيء)) ؟!..والنتيجة هي أنه
لايمكن لأيّ من الموجودات أن يكون حجاباً عن شهود الله
والإيمان به، إذ إن وجوده أثر من آثار وجود الله عز وجل، فكيف
يكون الأثر حجاباً دون شهود المؤثر؟


ـ شرح الفقرة الثانية: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو
الذي ظهر بكل شيء))

ولننتقل بعد ذلك إلى الفقرة التي تليها: ((كيف يتصور أن
يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء)) ؟..


ـ ما الفرق بين المعنيين؟

- ما الفرق بين هذه الفقرة والتي قبلها؟ الفقرة السابقة تعني،
كما عرفنا، أن سائر المكونات التي من حولك إنما وجدت بإيجاد
الله إياها، إذن فدلالتها على الله عز وجل، من حيث إنه الموجد
لها من العدم.أما هذه الفقرة، فتعني أن كل شيء بعد وجوده ينهض
بوظيفة هادفة ذات قصد إلى غاية تتوقف عليها مصالح الحياة
الإنسانية. وذلك يدل على وجود القاصد الذي سخر تلك الأشياء
لقصده واستخدمها لمشيئته، وهو الله عز وجل. فظهوره الثاني هنا،
تم بالأشياء، أي بواسطة ماتجلى فيها من الحركات الهادفة إلى
تحقيق المصالح، وهو مايعبرون عنه بالعلة الغائية.وإليك الآن
شرحاً علمياً مفصلاً لهذا البيان الموجز. إن كل ماتراه عيناك
من الموجودات، يدل على الله عز وجل من حيث أصل وجوده الذي
لابدّ أن يتوقف على موجد.. ويدل على الله عز وجل من خلال
استمرار وجوده، وذلك من خلال الوظيفة التي عهد الله بها إلى
ذلك الشيء، إذ إنها وظيفة هادفة تسير طبق خطة مدبّرة مما يدل
على وجود مدبر أخضعها لتدبيره.إن الأرض التي نعيش فوقها مثلاً،
تدلّ على وجود الخالق، بسبب أن كل مخلوق لابدّ له من خالق. وقد
أوضحنا هذه الدلالة في شرحنا للفقرة الأولى من هذه الحكمة..ثم
إنها تدل على وجود الخالق، بسبب النظام الدقيق الذي أقامها
الله عليه، والذي تعود إليه إمكانية استقرار الإنسان على الأرض
متمتعاً بمقومات عيشه وأمنه وطمأنينته. فهي تتصف من وزنها بثقل
معين لو زادت عليه أو نقصت منه لاختل قرار الإنسان فوقها
ولاضطربت جاذبيتها له، والغلاف الجوي الذي يحيط بها يوفر
للإنسان الأكسجين الكافي، ويردّ عنه أخطار الشهب والنيازك،
وذلكطبق مواصفات وشروط دقيقة. والنباتات التي تخضر على وجه
الأرض تمتصّ مايزفره الإنسان من ثاني أكسيد الكربوني لتحيله من
جديد إلى أكسجين، كي لايطغى الأول على الثاني فيختل شرط من
شروط حياة الإنسان على الأرض، هذا إلى جانب الترّبة وما أودع
فيها من قابلية الاستنبات، إلى جانب المياه الجوفية التي خزنت
في داخل الأرض، إلى جانب المعادن المختلفة التي بُثَّتْ عروقها
في تجاويفها، كل ذلك ضمن حساب دقيق يتفق وحاجة الإنسان في
توفير مقومات الحياة الآمنة والعيش الرغيد.وبوسعك أن تتبين هذا
النظام الهادف في بنية الإنسان: أعضائه الظاهرة من سمع وبصر
وشم ولسان ودماغ، وأجهزته الخفية الباطنة من كل مايتناوله
بالبحث والدراسة علماء التشريح.. فهي جميعاً تؤدي وظائف في
غاية الدقة والانتظام، تتجه إلى غاية واضحة تتمثل في تحقيق
مابه دوام الحياة وانتظامها لشخص الإنسان.قل مثل هذا عن
الأفلاك والكواكب والرياح السارية والسحب والأمطار وعالم
الأغذية والأقوات.. كل ذلك يتحرك طبق نظام.. ويتجه النظام إلى
هدف، ويتمثل الهدف في توفير الشروط التي لابدّ منها لتوفير
مقومات الحياة الآمنة الرغيدة للإنسان.هذه الظاهرة التي تتحرك
المكونات كلها على أساسها، تسمى ظاهرة ((العلة الغائية)) أو
ظاهرة الحكمة في الأشياء. وهي دليل من أقوى الأدلة العلمية
الناطقة بوجود الله.فالله عز وجل ظاهر للعقول، بهذه الوظائف
الهادفة التي يتحرك على أساسها كل شيء من الأشياء، فأنت وإن لم
تر الله بعين رأسك، إذ قضى بأن لاتدركه الأبصار، ولكن هذه
الأنظمة الدقيقة الهادفة التي تعكف عليها الأشياء الموجودة
كلها، تريك الله تعالى يقيناً بعين بصيرتك. وهذا هو معنى قول
ابن عطاء الله في هذه الفقرة: ((كيف يحجبه شيء، وهو الذي ظهر
بكل شيء)) أي وهو الذي ظهر بسبب الوظيفة الهادفة التي تسير
وفقها وبكل دقة أشياء الكون أجمع.وياعجباً لمن يعلم هذه الحجة
ويعتمد عليها في الإيمان بأمم وشعوب مضت ودخلت في عالم الغيب،
ثم لايعلم هذه الحجة ذاتها ولايعتمد عليها في الإيمان بخالق
هذه الأجهزة الكونية وموجهها إلى هذا النظام الهادف الذي
لاتحيد ولاتشرد عنه!!. ينظر أحدهم إلى أطلال باقية من بناء، أو
إلى كتابات أو نقوش مهترئة على بعض الجدران أو الصخور، فيعمل
عقله، ويتبين مما تدل عليه تلك النقوش أو الأطلال، من أهداف
كانت ترمي إليها ومقاصد تستخدم لها، أن تلك البقاع شاهدت يوماً
أمما ذات حضارة وقدرة علمية، وقوة راسخة.. ثم لايعمل عقله
ليدرك من خلال رؤيته لأضعاف هذه الظواهر الهادفة والمنتشرة في
أجزاء هذا الكون كله، أن وراء هذا النظام منظماً وأن وراء
المقصد الذي تهدف إليه قاصداً، هذا بالإضافة إلى دليل الخلق
والإبداع الذي قرره ابن عطاء الله في الفقرة الأولى.ياعجباً
لأولئك الذين لادليل الخلق والإبداع يوصلهم إلى اليقين بوجود
الخالق المبدع، ولادليل النظام الهادف ينبههم إلى اليقين الذي
لابدّ منه بوجود المدبر والمنظم!!.. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:12 am

كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل
وجود كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف
يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء؟ يا عجباً كيف
يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف
القدم؟

ـ شرح الفقرة الثالثة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي
ظهر في كل شيء)).

وننتقل الآن إلى الفقرة الثالثة، وهي: ((كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟)) .قبل كل شيء إياك أن تفهم معنى
الحلول من هذه الفقرة بأن يخيل إليك أن معناها أنه جل جلاله
موجود بذاته في داخل كل شيء... معاذ الله!!. لو قلنا ذلك لعاد
الكون وعاء حُجبَ الله في داخله!! تعالى الله عن مثل هذا الوهم
علواً كبيراً.


ـ إياك أن تخطئ فتفهم معنى الحلول من هذه الفقرة

إذن ما معنى هذه الفقرة؟ معناها: كيف يحجبه شيء وهو الذي
ظهرت صفاته كلها في كل شيء. وإليك البيان:ما من شيء تراه عيناك
إلا وتجد فيه صفة الإبداع والحكمة والجمال والقوة والإرادة إلى
آخر ماينعت به الله عز وجل من صفات الكمال، أليس كذلك؟اختر من
المخلوقات ماشئت، تأمل فيه واسبر غوره تجد هذا الذي يقوله لنا
ابن عطاء الله. انظر إلى الزهرة تأمل في عبقها.. في ألوانها،
وجمال الأصباغ العجيبة التي تلاقت منسجمة فيها ألا تراها تفيض
بصفات الله عز وجل؟ ألا ترى في داخلها صفة الجمال صفة
الحكمة؟صفة القدرة الباهرة؟ صفة الإبداع؟ صفة العلم؟ عندما
تعبق بالرائحة الزكية التي يشمها أنفك، أمسك بيدك واحدة من
أوراقها واسحقها بضغط بين أصابعك ثم ابحث بأنفك عن تلك الرائحة
الزكية، لن تجد في سحاقتها إلا النقيض الذي يشمئز منه أنفك!!..
ضع يدك على أوراقها الخضراء وابحث فيها عن هذا العبق المنعش،
أو تلمسه في الجذور أو في شيء من العروق لن تجد إلا مايشمئز
منه أنفك وتكرهه نفسك، حتى إذا وقفت على الزهرة مفتحة بالشكل
الذي أبدعها الله، سرت منها إلى أنفك رائحة زكية منعشة لاتقوى
اللغة ولا العبارات على وصفها والتعبير عنها.ألست من هذه
الزهرة، بكل ماتراه عيناك ويشمه أنفك، أمام صفات الله الباهرة
التي تفرّد بها من دون كل شيء؟عندما تترك النواة الصغيرة بين
التراب، ثم تعود إليها بعد أيام، فتجد أنها قد تفجرت عن
شُعَيْرةٍ هبطت إلى الأدنى، وعن شُعَيْرةٍ أخرى اتجهت إلى
الأعلى، وتتأمل في كل من هاتين الشعيرتين، فلاتشك أنه من اللين
والرخاوية بحيث لو لمسته بين إصبعيك لاضمحل وذاب، ولكنك تنظر
فتجد أن الأول منهما قد مخر هابطاً صلابة الأرض وكأنه مسمار من
الصلب، وتجد أن الثاني قد مخر صاعداً كل سدّ في طريقه مهما
كانت قسوته وصلابته.. فهذه الأعجوبة التي تراها عيناك ألا ترى
فيها مجموعة من صفات الله الباهرة؟ ألا ترى فيها قدرته..
حكمته.. إبداعه.. علمه... تدبيره...عندما تبحر، وتتوسط بك
السفينة عرض البحر، وتتأمل فيما يحيط بك، عالم من المياه
المتلاطمة، ينطوي فيه عالم من الحيوانات المتنوعةالعجيبة، ألا
ترى نفسك من ذلك كله أمام سطور تنطق بآيات الله الباهرة، تنطق
بصفات جبروته وسلطانه وقهره، وأحديته وصمديته؟عندما تتوغل في
الأدغال، أو تشرف عليها من كثب، وتتأمل منها في عالم الطيور
العجيبة في أشكالها وأصواتها ونظام حياتها، ثم في عالم
الزواحف، المتنوعة الغريبة، ثم في عالم السباع الضارية، ثم في
النهج الثابت الذي يلتزمه كل منها، والضوابط المعيشية التي
تشكل القانون الصارم في حياتها، ألا ترى أنك أمام صفحة أخرى من
باهر صفات الله المبدع القيوم المدبّر المحيط المتعالي
القدير؟ تأمل في الرياح الهابة من حولك ومن فوقك، وانظر كيف
تؤدي وظيفتها الدائمة في إثارة السحب وسوقها من مكان إلى مكان،
تبددها آناً وتكثفها وتجمعها آناً آخر، وانظر إليها كيف تتمازج
مع الرطوبة النسبية، ثم كيف يصدر الأمر إلى تلك السحب في
اللحظة المعينة بأن تمطر في المكان المعين، بقدر معين!.. ألا
ترى في ذلك كله صفات التدبير واللطف والإنعام والفضل
الإلهي!إذن، فالكون كله مظهر، بل مَعينٌ لصفات الله عز وجل.
فكيف يكون فيه مع ذلك ما يحجبه عن الله؟فهذا هو معنى قول ابن
عطاء الله ((كيف يحجبه شيء وهو الظاهر في كل شيء)) أي وهو
الظاهر بصفاته في كل شيء.إنك لن تجد في الكون مايقطعك عن
الله.. ولكن الكون مع ذلك مليء بأناس مقطوعين عن الله، لماذا؟
ألأن في الأكوان ما حجبهم وقطعهم عن الله؟.. معاذ الله!.. إنما
الذي حجبهم عن الله قهره عز وجل. كما ذكرنا في شرح الحكمة
السابقة.وإنما حجبوا عنه بقهره، لما اهتاجت بهم أهواؤهم
فاستكبروا عليه وتناسوا ذلّ عبوديتهم له. وقد علمت أن المعاصي
على اختلافها ليست هي التي تحجب الإنسان عن الله، إنما الذي
يحجب الإنسان عنه إنما هو العتوّ والاستكبار. * * *


__________________

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:13 am

كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل
وجود كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف
يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء؟ يا عجباً كيف
يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف
القدم؟

ـ شرح الفقرة الرابعة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو
الذي ظهر لكل شيء)).

أما الفقرة التالية من هذه الحكمة فهي قوله ((كيف يتصور أن
يحجبه شيء وهو الذي ظهر لكل شيء)) .


ـ ظهور الله للعقلاء من الإنس والجن والملائكة معروف،
ولكن كيف يكون ظهور الله للجامدات والنباتات ونحوها؟ جواب
علمي مفصل عن هذا السؤال.

أما ظهور الله للعقلاء من الإنس والجن والملائكة فلا إشكال فيه
لأن عقولهم من شأنها أن تهديهم إليه وأن تبصّرهم به، فهو يظهر
بصفاته لمداركهم بهذا المعنى.ولكن كيف يكون ظهور الله للأشياء
الأخرى من الجمادات والنباتات ونحوها، وهي كلها
لاتعقل؟ والجواب: أن الخطأ يكمن فيما قد نتوهمه، من أن وسيلة
معرفة الله واليقين بوجوده، إنما هي هذا العقل الذي يتميز به
الإنسان عن سائر الحيوانات والمخلوقات الأخرى... ونظراً إلى أن
ماعدا الإنسان (طبعاً بقطع النظر عن الجن والملائكة) لا
يتمتع بالعقل، إذن فإن ماعداه غير مؤهل لمعرفة الله والإيمان
به والشعور بوجوده.وهذا خطأ.. فإن سبل معرفة الله والدينونة له
ليست محصورة بهذا الذي جهز الله به الإنسان ومتعه به، مما يسمى
العقل:ولتقريب هذه الحقيقة إليك أقول: أرأيت إلى الملائكة،
إنهم لايتمتعون بالوسيلة الإدراكية ذاتها التي نتمتع بها نحن
البشر، ليس لهمفي رؤوسهم الأدمغة التي في رؤوسنا والتي يشرق
عليها ذلك السر الرباني الذي به يتم العلم والإدراك والذي
نسميه العقل. ولكنهم مع ذلك يعلمون ما لانعلمه من أسرار
الملكوت الرباني، ويعرفون الله ويعرفون عبوديتهم له، ويدينون
له بالتبتل والولاء.وهذا يدل دلالة قاطعة على أن لهم إلى ذلك
سبلاً أخرى متعهم الله بها. وهذا الذي يصدق على الملائكة يصدق
على المخلوقات الأخرى أياً كانت.. إن حصر سبيل معرفة الله
والإيمان به وبصفاته في العقل، حصر سليم وصحيح بالنسبة للمجتمع
الإنساني والنظام الذي أقام الله حياته عليه، أما فرض هذا
الحصر على سائر المخلوقات الأخرى فقرار غريب أعزل، يعوزه
البرهان والدليل. أضف إلى هذا بيان الله عز وجل الذي أنبأنا من
خلاله بما يدل على أن سائر المخلوقات الأخرى تتمتع بما يبصرها
بالخالق عز وجل، وبما يدعوها إلى الولاء والدينونة له. ألا ترى
إلى قول الله عز وجل: { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ
بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } {
الإسراء: 17/44 } ونحن إنما نخاطب بهذا الدليل المؤمنين بالله
عز وجل، وبأن هذا الكلام إنما هو كلامه، وأما من لم يؤمن
بوجوده بعد، فالبحث كله غير ذي موضوع بالنسبة إليه، ويوشك أن
يأتي يوم يفيق فيه من خَدِر عقله ويوقن بما لم يكن يوقن به
اليوم، إلا إن كان محجوباً عن الله بعناده واستكباره، فأغلب
الظن أن هذا الفريق سيبقى سادراً في غيه إلى أن يلقى الله عز
وجل.إذن فلتعلم أن الله كما ظهر لك بنور من إدراك عقلك، فقد
ظهر للمخلوقات كلها بنور رباني آخر لاعلم لنا به، فهي تظل في
دينونة دائمة لحكمه، وفي تسبيح دائم لذاته العلية. بل إن في
صنف الإنس والجن من حجبوا عن الله فلم يتجلّ ولم يظهر لهم،
بحجاب من قهره وعاجل بطشه، أما الأصناف الأخرى من المخلوقات
فليس فيها ما لم يتجلّ الله عليه تجلياً يخضعه للولاء الكامل
له ويحمله طوعاً على السجود لذاته العلية، كل بطريقته
ولغته.وتأمل في هذا، قول الله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ
اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي
الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ
وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ
حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ
مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ } { الحج:
22/18 } فقد نسب البيان الإلهي السجود الذي هو أثر من آثار
ظهور الله وتجليه، إلى كل المخلوقات التي في السماوات والأرض
دون استثناء، ولكنه لما نسب السجود ذاته إلى الناس استثنى
منهم، فقال: { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ } { الحج:
22/18 } فيا عجباً للخليقة الإنسانية التي متعها الله بالعقل
والرشد وكرمها وفضلها على كثير ممن خلق، كيف يكون فيها كثير
ممن لم يستفيدوا من عقولهم ورشدهم وعاشوا محجوبين عن الله بغير
حجاب، في حين أن سائر المخلوقات الأخرى نعمت بلذة ظهور الله
لها، ثم نعمت بولائها لسلطانه وسجودها الدائم لذاته
العلية!..ثم أن هذا الذي يخبرنا به بيان الله عز وجل، من تسبيح
كل شيء لله عز وجل، بما فيه الجمادات والنباتات والحيوانات
العجماوات، نتلقاه نبأً عن الله نوقن ونؤمن به، وإن لم تظهر
لنا دلائل مادية منظورة على ذلك.ولكن الخوارق التي قضى الله عز
وجل أن تخترق نواميسه وسننه الكونية، بين الحين والآخر، تضعنا
أمام الدليل المادي المنظور على مايقوله الله عز وجل.من ذلك
مارواه البخاري في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه قال: كان
جذع يقوم إليه النبي ، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل
أصوات العشار العشار جمع عشراء، وهي الناقة التي أتى على حمله
عشرة أشهر. حتى نزل النبي فوضع يده عليه إلى أن سكن.فحنين
الجذع إلى رسول الله نتيجة لشعوره به وحبّه له، وهو بدوره
نتيجة لشعوره بوجود الله وحبه له. وللجذع إلى ذلك سبيله الذي
جهزه الله به. ولايشترط فيه أن يكون كسبيلنا نوراً أو سراً
ينعكس على حجيرات الدماغ فيتكون منه العلم والإدراك.وليس لك أن
تقول: إن هذه واقعة خارقة جرت في ثوان معدودات ثم انتهت وعاد
الجذع إلى شأنه وطبيعته الجامدة، لأن حنينه الذي لاريب فيه،
كان من آثار شعوره السابق بالقرب من رسول الله إذ كان يستند
إليه عندما يقف خطيباً، ثم تبدّل ذلك القرب إلى بعد. فحنينه
إنما هو نتيجة شعور متراكم يعود إلى ماض لايعلم مداه إلا
الله.ولكن الجديد والمفاجئ في الأمر إنما هو بروز هذا الشعور
وظهور أثره بذلك الصوت الذي انبعث منه. وإنما كان ذلك (والله
أعلم) ليستبين الناس أن مايعدونه من الجامدات التي لاتعي، لها
إحساس بالقدر الذي يناسب وضعها الذي هي فيه، ومن ثم فإنها ليست
محجوبة عن الله عز وجل. والله ظاهِرٌ لها بالإحساس الخاص الذي
بثه فيها، كما هو ظاهر للإنسان بالعقل الذي ميزه به. بل كثيراً
مارأينا من يتميز بالعقل والإدراك، محجوباً عن عقله وإدراكه
ورأينا في المقابل أصنافاً من الجمادات والحيوانات العجماوات،
تدرك ما لا يدركه كثير من أصحاب العقول.ويرحم الله الإمام
البوصيري فقد أبدع وأجاد إذ قال في همزيته المشهورة: ربِّ إن
الهدى هداك وآيـــــــــا

تُكَ نورٌ تَهْدِي بها من
تشـــــــاء

كم رأينا ما ليس يَعْقِلُ قــــد أُلْهِـ

ـمَ ما لَيْسَ يُلْهَمُ العقــــــــــــلاء

إذ أبى
الفيلُ ما أتى صاحبُ الـ

ـفيلِ ولـمْ ينْفَع الحِجَا
والذكـاء

والجماداتُ أفْصَحَتْ بالــذي أُخْـ

ـرِسَ
عنه لأحَمدَ الفصـــــــحاءُ

ويح قومٍ جَفَوْا
نبيّــــــــاً بأرضٍ

أَلِفَتْهُ ضِبَابُها
والظِبَــــــــــــــاءُ

وسَلَوْهُ وُحنَّ جِذْعٌ
إليــــــــــــه

وقَلَوْهُ وَوَدّه
الغربـــــــــــــــــاء * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:14 am

كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل
وجود كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف
يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء؟ يا عجباً كيف
يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف
القدم؟

ـ شرح الفقرة الخامسة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو
الظاهر قبل وجود كل شيء))

ثم يقول ابن عطاء الله ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر
قبل وجود كل شيء)) ؟!من أبرز صفات الله تعالى القدم، والقديم
لغة، لاعرفاً: من لا أول له. أما ما يقصده كثير من الناس من
أنه الشيء الذي تطاول أمده، فهو معنى عرفي لا لغوي. تقول: دار
قديمة وثوب قديم، أي ليست أو ليس بجديد.أما المعنى الحقيقي
لصفة القديم، فهو الكينونة التي لا أول لها. وهذا هو معنى
القدم الثابت لله تعالى. دليله قول الله تعالى: { هُوَ
الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ } { الحديد: 57/3
} يدل على ذلك أيضاً قول الله تعالى: { اللَّهُ خالِقُ كُلِّ
شَيْءٍْ } { الرعد: 13/16 } كما يدل عليه أيضاً قول رسول الله
فيما رواه البخاري في كتاب بدء الخلق: ((كان الله تعالى ولم
يكن شيء غيره)) وفي رواية أبي معاوية في الكتاب ذاته: ((كان
الله تبارك وتعالى قبل كل شيء)) وهو بهذا اللفظ من رواية
الإمام أحمد أيضاً من حديث أبي معاوية.وإذا ثبت أن الله كان
موجوداً ولم يكن شيء غيره، فإن ذلك يستلزم أن الله كان موجوداً
ولاشيء قبله من باب أولى. وقد ورد الحديث بهذا اللفظ أيضاً في
البخاري من حديث عمران بن حصين ((كان الله ولاشيء قبله وكان
عرشه على الماء)) .إذن فقد ثبت أن الله كان ولاشيء معه أو
ولاشيء غيره، وأنه عز وجل كان ولاشيء قبله.. وهذا مما يقتضيه
قول الله تعالى: { اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } { الرعد:
13/16 } ونزيد هذه الحقيقة بياناً فنقول: إن المادة بمعناها
النوعي الذي توالدت منها الأشياء، داخلة في عموم قول الله
تعالى: { ...كُلِّ شَيْءٍ } { الرعد: 13/16 }


ـ بيان بطلان القدم النوعي الذي تطوح في القول به كثير من
الفلاسفة، وقلدهم فيه بعض السطحيين من (المفكرين)
المسلمين

إذن فقد سقطت قيمة الكلام الذي تطوح فيه كثير من الفلاسفة
عندما قالوا بالقدم النوعي للأشياء، أي بقدم المادة الخام التي
تشكل جنس الأشياء أو نوعها العالي. إذ إن الجنس المادي للأشياء
المتكاثرة ليس خارجاً عن مدلول كلمة الشيء في قوله تعالى: {
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } { الرعد: 13/16 } وليس الغريب
أن يتطوح الفلاسفة في هذا الوهم المناقض لكلام الله عز وجل،
فإن شأنهم على الأغلب ذلك.. ولكن الغريب جداً أن يتورط ابن
تيمية رحمه الله في هذا اللغو، وأن يجنح إلى ما يراهالفلاسفة
في ذلك، مقرراً أن المسلم لايكفر إن اعتقد بالقدم النوعي
للعالم وبأن في أشياء المادة ما لم يخلقه الله عز وجل انظر
كتاب نقد مراتب الإجماع لابن تيمية ص167 ومابعدها، وانظر
التحقيق الذي كتبته في ذلك في كتابي (السلفية) ص164 ومابعدها.
.فإذا ثبت وصف القدم لله عز وجل وأنه هو الخالق لكل شيء، إذن
فقد ثبت أن كل ماهو موجود إنما وجد بخلق الله له، فهو بعض من
آثار وجوده وصفاته، إذ المخلوق يدل على الخالق والمصنوع يدل
على الصانع. فكيف يصح أن يقال إن في المخلوقات الدالة على
خالقها ما يصح أن يكون حجاباً يمنع التبصر بشهوده والوقوف على
دلائل وجوده. كيف يكون الدليل حجاباً يصدّ عن رؤية
المدلول؟‍..فإن قلت: ولكني أعتقد أن العالم قديم لا أول له،
ومن ثم فهو غير مخلوق حتى نبحث له عن خالق، وحتى نجعل من وجوده
أي العالم دليلاً عليه، أي على الله عز وجل، أقول: إن هذا الذي
تعتقده أوغل في البطلان ممن يقول إن في مخلوقات الله ما يصدّ
عن شهود الله والإيمان به. ذلك لأنا أوضحنا من قبلُ أن هذه
الموجودات هي أضعف من أن توجد نفسها، إذن فوجودها متوقف على
موجد؛ فإن قلت: هي سلسلة مخلوقات دائمة يتوالد بعضها من بعض،
قلنا: هذا مثل قولك إن الصفر ولدت قيمته من الصفر الذي إلى
يساره، والصفر الثالث كذلك، وهكذا إلى ما لانهاية. فإن كان في
العقلاء من يؤمن بأن مجموعة ملايين الأصفار التي لانهاية لها
توالدت قيمة كل منها من الصفر الذي يليه وهكذا، فإنه قد يوجد
في هؤلاء العقلاء من يصدقبأن هذه الموجودات التي لايقدر كل
منها أن يوجد نفسه، إنما سرت فيها القدرة على ذلك، مروراً من
كل موجود منها إلى الموجود الآخر الذي تفرع عنه!...ولا أتصور
أن في العقلاء من يعتقد أو يؤمن بأي من هاتين الخرافتين.إذن
فلنردد مع ابن عطاء الله قوله: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الظاهر قبل وجود كل شيء)) . * * *


ـ شرح الفقرة السادسة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر
من كل شيء)).

ثم يقول رحمه الله: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل
شيء)) .ستقول: إني أرى ضوء الكهرباء أمامي، ولا أرى الله..
أرى خضرة الأشجار والبساتين ولا أرى الله.. أرى الأفلاك
والنجوم والأرض والبحار والناس ولا أرى الله.. فكيف أصدق أن
الله الذي لا أراه أظهر من كل هذه الأشياء التي أراها؟!..وأنا
أسألك بدوري: هذه الأشياء التي تراها، بأي وسيلة رأيتها
وأدركتها؟ ستقول: بوسيلة الإبصار وهي العين، وبوسيلة الإدراك
وهي العقل.ولكن ماهي العين التي تكسبك الرؤية؟ هل هي القرنية
أو الشبكية أو اللزوجات والرطوبات الدهنية التي فيها أو
الأوردة التي تصل مابين العين ومؤخرة المخّ؟.كل ذلك لا قيمة له
ولا يفعل شيئاً إن غاب عن عينيك النور الإلهي الذي ينسكب
فيهما.والعقل!.. ما الذي تعنيه بهذه الكلمة؟ هل هو الدماغ الذي
يصفه بعضهم بأنه مادة عالية التنظيم؟!.. ولكن للحيتان والحمير
وسائر الحيوانات العجماوات أدمغة، وربما كان فيها ما هو أضعاف
الكم الذي يتمتع به الإنسان من ذلك، ومع ذلك فإن أدمغتها لم
تسعفها بالإدراك الذي يتمتع به الإنسان.والسبب أن الإدراك إنما
يتم بنور رباني يقذفه الله إلى الدماغ. لا بجوهر الدماغ
ذاته.إذن فأنت ترى ما تراه من المرئيات وتدرك ما تدركه من
المعنويات بالنور الإلهي الذي قُذف منه في بصرك فرأيتْ، ووُجه
منه إلى دماغك فأدركتَ وعلمتْ. وإني لأسألك: أيهما أجلى وأظهر:
الشيء المدرَك أم وسيلة الإدراك؟ أيهما أجلى وأظهر: المصباح
الذي تبحث بواسطته أم المتاع الذي تبحث به عنه؟ولعلك لم تنس
بعد، الحكمة السابقة التي يقول ابن عطاء الله فيها: ((الكون
كله ظلمة، وإنما أناره وجود الحق فيه)) .غير أن كثيراً من
الناس يقعون تحت سلطان القاعدة القائلة: من شدة الظهور الخفاء.
فيغيب عنهم أظهر ما في الكون لا لشيء إلا لأن ظهوره كامل واسع
لا ترتسم له أبعاد ولاحدود. وأعيدك إلى المثال الذي سبق أن
ذكرته.. عندما تنظر إلى الأشياء المتناثرة من حولك،وتتأمل في
أهم ماورد في العدد الجديد من الجريدة التي وصلتك للتو، من
خلال المنظار المثبت على عينيك، إنك لتعلم أنك بهذا المنظار
تتبين كل ماحولك. ومع ذلك فإنك لا ترى المنظار، ولو رأيته لقام
أمام عينيك من ذلك حاجز يقصيك عن رؤية ماكنت تراه. ولربما جاء
من يسألك عنه، فتبحث عنه في كل زوايا الدار، وتفتش عنه في
أدراج مكتبك، ثم تيأس من العثور عليه، دون أن تتذكر أنه مثبت
على عينيك وأنك به تفتش عنه، وبه تبحث عنه في كل الزوايا
والجهات. ولقد انتابتني أنا شخصياً هذه الحالة في إحدى المرات
لعل موجز لهذ الكلام مرّ في شرح بعض الحكم السابقة. .وعلى كل،
سواء أتذكرت أن على عينيك منظاراً ترى به دقائق الأشياء، أم
نسيت ذلك، فإنك ترى به، ولكنك لاتراه. ولاريب أن الأداة التي
ترى بها أظهر وأجلى من مرئياتك ذاتها.إذن فلنقل مع ابن عطاء
الله: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء)) وسبحان
من حجب عنه عباده المحجوبين مع ذلك بحجاب قهره. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:15 am

كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل
وجود كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف
يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء؟ يا عجباً كيف
يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف
القدم؟

ـ شرح الفقرة السابعة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الواحد الذي ليس معه شيء))

ثم قال: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه
شيء)) ؟هل هذا تعبير عن وحدة الوجود التي لايقرها عقل
ولاشرع؟تأمل في كلمة ((معه)) تعلم الجواب عن هذا السؤال: ذلك
لأن ابن عطاء الله ينفي أن يكون لأي شيء آخر غير الله وجود
ذاتي ثابتمع وجود الله. وماينبغي أن يغيب عنك الفرق الكبير بين
وجود الأشياء بالله ووجودها مع الله. وإنما ينفي ابن عطاء الله
وجود الأشياء مع الله، لاوجودها بالله.


ـ بيان الفرق بين ((الوجود بالله)) و((الوجود مع الله))

فما الدليل على أنه لايوجد (مع) الله شيء؟الدليل على ذلك أن
الأشياء الموجودة، كما أنها مفتقرة إلى من يوجدها من العدم وهو
الله عز وجل، فإنها مفتقرة إليه أيضاً في استمرارية وجودها
لحظة فلحظة..فليس معنى خلق الله الكائنات أنه أبدعها من العدم
وأقامها على النسق الذي أقامها فيه، ثم إنه تركها وتخلى عنها
لتستقل بالمحافظة على ذاتيتها ومقومات وجودها.. لو كانت لها
هذه القدرة الذاتية، إذن لكان وجودها من ذاتها ولما احتاجت إلى
موجد. ولكن مما لاريب فيه أنها لا تتمتع بهذه القدرة الذاتية،
بدليل أنها كانت معدومة، ثم سرى في العدم الوجود بمشيئة الله
وقدرته.. إذن فكما أنها فقيرة إلى من يحيل عدمها إلى وجود
ابتداءً، فهي فقيرة إلى من يمتعها بهذا الوجود دواماً، بحيث إن
تخلّى عنها الموجد فلا بدّ أن يعود بها الضعف الذاتي إلى وضعها
الذاتي القديم وهو العدم.هذا دليل منطقي وعلمي لايتأتى الريب
فيه.أما الدليل على هذا من كلام الله وبيانه فنصوص كثيرة، نذكر
منها:ـ قول الله تعالى: { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ
الْحَيُّ الْقَيُّومُ } { البقرة: 2/255 } صيغة مبالغة،
ومعناها القائم بأمر المخلوقات على الدوام. ومعنى ذلك إن
وجودها الذاتي وعكوفها على أعمالها الوظيفية، إنما هو بدوام
قيومية الله عليها.ـ وقد فصَّل البيان الإلهي هذا المعنى في
قوله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ
وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا } { فاطر: 35/41 } ـ ومنها قول الله
تعالى: { وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } { يس: 36/41 } ـ ومثله قول الله
تعالى: { وَحَمَلْناهُ عَلَى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ،
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ } { القمر:
54/13ـ14 } فقد أبطل البيان الإلهي وجود أي فاعلية ذاتية
للفلك، ونبَّه إلى أن مايبدو أن الفلك تقوم به من وظيفة الحمل
والطفو على سطح الماء، إنما هو بفاعلية مباشرة من الله عز وجل،
ولذا فإن الحامل الحقيقي لها ولمن هم على ظهرها إنما هو الله.ـ
وهذا هو معنى الكلمة القدسية التي علمنا إياها رسول الله
وهي: ((لاحول ولاقوة إلا بالله)) فقد انتفى إذن أي حول وأيّ
قوة لأي شيء في الكون، ابتداء ودواماً، ألا أن يمدّه الله من
عنده بالحول والقوة، إن للإيجاد ابتداء، أو لبقاء الوجود
استمراراً، أو لقيام الموجودبالوظيفة التي عهدت إليه. إذ كل
ذلك يحتاج إلى حول وقوة، ولاحول ولاقوة إلا بالله، أي فليس
لجنس القوة السارية في أي شيء من الأشياء، أي مصدر إلا مصدر
واحد لاثاني له، هو الله عز وجل انظر تفصيل موسع في بيان هذه
الحقيقة في كتابي: (السلفية) ص176 فم بعدها. .إذن فهل بقي
وجودٌ مع وجود الله عز وجل؟ ليس في العقلاء من يؤمن بالله ثم
يعتقد أن لغير الله وجوداً مستقلاً يتمتع بمعنى المعية إلى
جانب وجود الله. بل المنطق البدهي والنصوص القاطعة، كل ذلك
يعلن على سمع الدنيا وبصرها، أن الوجود الذاتي الحق إنما هو
وجود الله عز وجل، أما ما تراه عيناك من الموجودات الأخرى
فبالله وجدت، وبالله يستمر وجودها، وبالله تؤدي وظائفها
التكوينية التي عهد بها إليها.وأقرب مثال إلى ما أقول، ولله
المثل الأعلى، حال طفل صغير لم يكمل بعدُ السنة من عمره، ينهضه
أبوه واقفاً ويمسكه بعضديه، فترى الطفل واقفاً على قدميه.
أفتقول: إنه يقف مع أبيه أم تقول: إنه يقف بأبيه؟ لاشك أن
الطفل مهما طال وقوفه على قدميه بهذا الشكل، فهو إنما يقف لحظة
فلحظة بعون من أبيه، لابقوة ذاتية منه مع أبيه. فلتعلم أن
الكون كله بالنسبة إلى الله كذلك. فقد صح إذن ما قاله ابن
عطاء الله من أنه جل جلاله الواحد الذي ليس معه شيء.فإذا ثبت
أن الله ليس (معه) شيء فكيف يحجبك عنه ما لا وجود له؟ كيف
يكون المعدوم حجاباً يصدّك عن رؤية الموجود؟ ولا ريبأن
المكوّنات كلها معدومة بذاتها أي ليس لها وجود ذاتي، وإنما هي
موجودة بموجدها الذي أمدّها بالوجود ابتداء، ويمدّها بالوجود
دواماً، وهو الله عز وجل. فهي إذن دالة على موجدها، وليست
حجاباً عن موجدها. * * *


ـ شرح الفقرة الثامنة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب
إليك من كل شيء))

ثم يقول ابن عطاء الله ((كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب
إليك من كل شيء؟)) .أجل.. هو أقرب إليك من كل شيء، ألم يقل عز
وجل: { وَلَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما
تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ
حَبْلِ الْوَرِيدِ } { ق: 50/16 }


ـ هل جرى السلف على تأويل الآيات التي تثبت قرب الله من
الإنسان وتؤكد معيته له؟

ولاتقولن إنها آيات مؤولة، فالمراد بالقرب فيها المعنى المجازي
وهو العلم، أي إن الله يعلم من الإنسان - أينما كان ومهما خلا
بنفسه - كل خافية.. فنحن مع السلف الذين يفسرون صفات الله
تعالى في آيات الصفات بمعناها الحقيقي دون تكييف ولاتشبيه،
ولسنا ممن ينتقي ما يروق له أن يفسره من ذلك على حقيقته فيقول:
نحن نتبع ماكان عليه السلف، وينتقي ما يروق له أن يؤوله من ذلك
قائلاً: لا يصلح المعنى إلا بالتأويل.ونحن نقول: إننا نجنح إلى
ماكان عليه السلف دون انتقاء. ومادامت الحقيقة ممكنة فالتأويل
تمحّل. وإنما تمتنع الحقيقة بسبب إلحاق الكيفية بها، والكيف في
الصفات الإلهية كلها غير معقول، إذن فلا داعي إلى التأويل.على
أن الذين أوَّلوا القرب في قوله تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ
إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } { ق: 50/16 } فلقد صرّح
البيان الإلهي في أماكن كثيرة أن الله يعلم حال كل إنسان ويعلم
سرّه وجهره. وذلك في مثل قوله: { وَهُوَ اللَّهُ فِي
السَّماواتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ } { الأنعام: 6/3 } لذا فإننا نجزم
بأن البيان الإلهي يقرر أن الله أقرب إلى الإنسان من حبل
الوريد، وينبغي أن نعلم هذا ونستيقنه دون أن نقيده بأي كيفية
مما هو من شأن المخلوقات كالتحيز والحلول واحتواء المكان..
كذلكنجزم بالمعنى الحقيقي لقوله تعالى: { وَهُوَ مَعَكُمْ
أَيْنَما كُنْتُمْ } { الحديد: 57/4 } ومن المهم أن نعلم أننا
نضطر إلى تأويل آيات الصفات عندما نقرنها في أذهاننا بالكيفية
التي تقفز إلى أذهاننا عندما نتحدث عن صفات المخلوقين. ولكنا
عندما نتذكر أن الله منزه عن الكيفية من حيث هي، نعلم عندئذ أن
لاحاجة إلى التأويل، تنسـب إلى الله عز وجل كل ماقد نسبه إلى
ذاته العلية من صفات الأفعال وصفــات الذات، بمعناها الحقيقي
الذي أراده الله عز وجل دون أي تكييفيزجنا في تناقض مع قوله
تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } { الشورى: 42/11 } فإذا
تبين هذا، وعلمنا أن الله أقرب إلى الإنسان من كل شيء، القرب
الذي لايستلزم تحيزاً في مكان ولا انحصاراً في جهة ولا أي
كيفية مما يلازم المخلوقات، فقل لي: كيف يتصور أن يحجبه عن
الإنسان شيء؟.. إن من شرط هذا الشيء ليحجبك عنه أن يكون الشيء
أقرب إليك منه. وليس في أشياء الكون كلها ما هو أقرب إليك منه،
أي من الله عز وجل.رب قائل يناقش فيقول: ألسنا نستعين بالعقل
لمعرفة الله والإيمان به؟ ونقول له في الجواب: بلى.من حقه أن
يقول إذن: فالعقل أقرب إليّ إذن من الله عز وجل، لأن الدليل
الذي أستعين به لابدّ أن يكون أقرب إليّ من المدلول، وإلا لما
صح أن يكون دليلاً. فما الجواب؟الجواب هو أن العقل الذي تستدل
به على الله تعالى إنما هو نور يقذفه الله في كيانك، ويعكس منه
ماشاء على حجيرات دماغك، وقد أوضحنا هذه الحقيقة من قبل...
وهذا من بعض مايعنيه قول الله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ
اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ } { النور: 24/40 }
إذن فقد عدنا إلى الحقيقة التي لاريب فيها، وهي أنه ليس في
المكونات كلها ماهو أقرب إليك من الله. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:16 am

كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه
شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو
الذي ظهر لكل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل
وجود كل شيء؟ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟
كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟ كيف
يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء؟ يا عجباً كيف
يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف
القدم؟

ـ شرح الفقرة التاسعة: ((كيف يتصور أن يحجبه شيء ولولاه
ماكان وجود كل شيء))

ثم يقول ابن عطاء الله في نهاية أسئلته الإنكارية ((كيف يتصور
أن يحجبه شيء ولولاه ماكان وجود كل شيء)) .سبق أن قلنا
وأوضحنا أن وجود الله هو الوجود الذاتي المطلق، أما الموجودات
الأخرى فإنما انبعثت من العدم بإيجاد الله لها، وقلنا إن من
أوضح الأدلة العلمية على ذلك أن الموجودات الكونية على
اختلافها كلٌ منها فقير بحدّ ذاته إلى الموجد، لذا فمهما تفرع
بعضها عن بعض، فإن مجموعة هذه السلسلة المتوالدة بعضها من بعض،
مفتقرة إلى ذي وجود ذاتي مطلق يبث فيها الوجود، بل يرعى أيضاً
وجودها على الدوام.ومن أنكر هذا الدليل العلمي البدهي، وادعى
أن سلسلة الموجودات التي تفتقر كل حلقة منها إلى التي قبلها،
متوالدة من بعضها بدون بداية وإلى غير نهاية، وبدون حاجة إلى
موجد ذي وجود ذاتي مطلق، لابدّ أن يدعي أيضاً أن سلسلة أصفار
طويلة غير متناهية تساوي قيمة مالية مّا!.. ولاشك أنها دعوى
باطلة بالبداهة، لأن الصفر لا يحمل في داخله أي قيمة رقمية أو
رياضية، وإنما هو يكتسب القيمة من رقم ذاتي يكون عن يساره،
فمهما تراصفت الأصفار الكثيرة التي لانهاية لها، فإن كثرتها
لاتستولد لها أي قيمة إلى أن تضع رقماً ذاتياً كالواحد أو
الأربعة مثلاً، عن يسارها. فعندئذ تسري القوة من هذا الرقم
الذاتي إلى الأصفار الفقيرة، متجاوزة من الواحد إلى الذي يليه
فالذي يليه وهكذا إلى نهاية الأصفار.فمن ذا الذي يجهل أن سلسلة
المكونات التي يتوالد بعضها من بعض، إن هي إلا كهذه الأصفار
تماماً، تظل خيالاً بل وهماً لاوجودله، في يقين العقل وقراره،
إلى أن يبرز على ساحة العقل الكائن الذي يتمتع بوجود ذاتي
ينبثق وجوده من ذاته ولايفد إليه فيضاً من غيره. وعندئذ يؤمن
العقل بأن وجود سلسلة المكونات حقيقة لا وهم أو خيال.. وهذا
الكائن الذي يتمتع بالوجود الذاتي المطلق إنما هو الله عز وجل.
فهو الشرط الذي لابدّ منه ليقين العقل بوجود هذه السلسلة
المتوالدة من المكونات. أي إن من أنكر وجوده، فلا بد أن ينكر
أيضاً وجود هذه المكونات ولا بد أن يجزم بأنها مجرد أخيلة
وأوهام.فإذا تذكرنا هذه الحقيقة التي سبق أن أوضحناها وزدناها
الآن بياناً ووضوحاً، علمنا أن هذه المكونات كلها من آثار وجود
المكوّن عز وجلّ. وهل في العقلاء من يزعم أن الأثر يمكن أن
يكون حجاباً عن رؤية المؤثر؟هل في العقلاء من يزعم أن أشعة
الشمس تشكل حجاباً يقصي العقل عن الإيمان بوجود الشمس، أو هل
فيهم من يزعم أن الشبع حجاب ينسي العقل وجود الطعام، أو أن
الشفاء يحجب صاحبه عن الإيمان بما قد استعمله قبل ذلك من
دواء؟ألم يقل ذلك الأعرابي، اعتماداً على فطرته العقلية وحدها:
البعرة تدل على البعير، وأقدام السير تدل على المسير؛ فسماء
ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على العليم الخبير؟فإذا
كان الكون كله أثراً لوجود المبدع والصانع، فمن أين يأتي
الحجاب الذي يقصي العقل ويحجبه عن رؤية الله وشهوده؟ * * *


ـ شرح الفقرة الأخيرة: ((ياعجباً كيف يظهر الوجود في
العدم، أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم))

والآن، تأمل في الخاتمة التي ينهي بها ابن عطاء الله حكمته
هذه، يقول: ((ياعجباً كيف يظهر الوجود في العدم، أم كيف يثبت
الحادث مع من له وصف القدم)) .إنه بعد تلك الطوفة الطويلة من
الأسئلة الإنكارية، التي لاتترك لمرتاب في وجود الله ووحدانيته
عذراً، يلتفت في عجب لاينتهي إلى التائهين عن وجود الله،
الغارقين في ظلمات تأليههم لكل من عدا الله، المحجوبين عن رؤية
الله بدون حجاب، فيقول: ياعجباً كيف يظهر الوجود في العدم!..
أي لقد عرفت من كل مامضى ذكره وبيانه، إن هذه المكونات كلها في
حكم المعدوم الذي لا وجود له. إذ إن وجودها ابتداء ودواماً
إنما هو بالله عز وجل، فهي مسبوقة بعدم وآيلة إلى عدم. فالوجود
الذي تتمتع به إنما هو في الحقيقة وجود الله، أي وجود من
أوجدها ثم جعل من رعايته الدائمة لها سنداً لاستمرار وجودها،
فهل هو إلا كوجود الظل التابع لأصله؟ ومن الذي يعقل ثم يزعم أن
الظل له وجود من ذاته؟!فإذا ثبت هذا وتبين لنا أن هذه المكونات
إذن في حكم المعدوم، فالعجب كل العجب ممن يتيه عن وجود الموجود
ذي الوجود الذاتي الحقيقي، ثم يضفي صفة الوجود الحقيقي على هذا
الذي هو في حكم المعدوم!.. يسبح بحمد وجود الظل الذي ليس له أي
وجود ذاتي، وينكر وجود الشاخص الذي انبثق منه الظل وامتد منه
وجود وهمي خيالي!!..ثم يبدي ابن عطاء الله عجبه الآخر، فيقول:
((أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم)) ؟الحادث هو الذي
كان معدوماً ثم وجد، وإنما أوجده القديم الذي لا أول له، وهو
الله عز وجل، وهذا يعني أن الحادث موجود بالله عز وجل، لا مع
الله عز وجل، إذ المعية تستلزم النِدِّيَّة التي تعني التلاقي
والتساوي على صعيد واحد.أليس من العجيب إذن أن يكون في العقلاء
من ينظر إلى الحادث على أنه ذو وجود ذاتي مستقل بنفسه، تماماً
كوجود من قد ثبت له وصف القدم وهو الله عز وجل!!..أقول: ولكن
العجب يزول إن عدنا إلى الحكمة السابقة التي تم شرحها وهي قوله
رحمه الله: ((مما يدلك على وجود قهره سبحانه أن حجبك عنه بما
ليس موجوداً معه)) .فعلى الرغم من أن كل ماقد ذكره هنا ابن
عطاء الله حق لا مِرْيَةَ فيه، مما عبر عنه بقوله: كيف يتصور
أن يحجبه شيء.. إلخ. إلا أن القهر الإلهي يجعل من اللاشيء
شيئاً ومن العدم حجاباً عنه، إذا حاق غضبه بالعبد، وإنما يحيق
غضبه بالعتاة والمستكبرين، تبقى لهم عقولهم، ولكنهم لايستفيدون
منها شيئاً، ويتمتعون بأعينهم التي تتحرك في محاجرها، ولكنهم
لا يرون بها شيئاً. أولئك هم الذين قال الله عنهم: { وَلَقَدْ
ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا
يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
أُولَئِكَ كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ
الْغافِلُونَ } { الأعراف: 7/179 } فإذا عوفي الإنسان من حجاب
كبره وعناده والركون إلى عصبيته، وأخذ نفسه بزاد دائم من ذكر
الله عز وجل، لم يجد بينه وبين الله أيحجاب يصدّه عن معرفته
وشهوده، بل إنه لايرى المكوَّنات على اختلافها إلا سطوراً
هادية إلى الله، وآيات تنطق بباهر صفات الله.. وكلمـــا ازداد
تقـرباً إلى الله بالأذكار والطاعات، ازداد شهوداً لله عز وجل
بعين بصيرته، إلى أن يرقى إلى ما سماه رسول الله بالإحسان،
وعبر عنه الربانيون بوحدة الشهود.. إذ يرى المكونات ويؤمن
بوجودها، ولكنه لايرى فيها إلا المكوِّن عز وجل.ولايقوى الخيال
ولا البيان على التعبير عن النشوة التي يشعر بها أصحاب هذا
الشهود!.. وحسبك أن تعلم أن شيئاً ما من المشاغل الدنيوية إذا
ألمت أو طافت بهم (وهم معرّضون لذلك ماداموا بشراً من الناس)
خُيِّل إليهم أنهم قد زُجّ بهم من تلك الحالة في سجن، واعترتهم
من ذلك وحشة وأيّ وحشة.وكم كان الواحد منهم يردد، تعبيراً عن
تلك النشوة، وخوفاً من هذه الوحشة قول القائل: فما عذابي إلا
حجابي وما نعيمي إلاّ وصالي اللهم لاتقطعنا عنك بقواطع
الذنوب ولابقبائح العيوب، يامن عليه العسير يسير، واهدنا اللهم
واهدِ بنا إلى سواء صراطك المستقيم، واختم حياتنا بأحب الأعمال
إليك، حتى نلقاك وأنت راض عنا، يارب العالمين. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 3 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4 ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى