الحكم العطائية وشرحها

صفحة 4 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5 ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:17 am

الحكمة السابعة عشرة



ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ما
أظهره الله فيه

ـ خاطب الله عباده بأوامره ووصاياه، ثم تركهم أحراراً
فيما يفضلونه من الوظائف والصناعات والتجارات والعلوم
والمعارف

الوقت هو المجال الزمني الذي قضى الله تعالى أن تظهر فيه أنشطة
الناس وأعمالهم.وقد خاطب الله تعالى الناس جميعاً بأوامره
ووصاياه التي كلفهم بها مع النواهي عن المفاسد التي حذرهم من
الوقوع فيها. فذلك هو الجامع المشترك الذي يجب أن يلتقي عليه
الناس جميعاً في كل زمان وفي كل مكان.ثم إنه تركهم جميعاً
لاختياراتهم فيما يفضلونه من الوظائف والصناعات والتجارات
والعلوم والمعارف الكثيرة المتنوعة، ويسّر لكل منهم الأنشطة
والأعمال التي شاء الله أن يوجهه إليها وأن يلهمه إياها.إذن،
فذلك هو الجامع المشترك الذي أوصاهم به، وهذه هي سبل المعايش
المتنوعة التي حبب إلى كل منهم ماشاءه منها.ولله عز وجل في
توزيع هذه الأنشطة والوظائف على عباده، أو توزيعهم عليها، حكمة
باهرة لاتخفى على عاقل.. فإن الأرض التي أنشأنا الله عليها،
وأقام لنا فيها مفاتيح المعايش وأسباب الحياة الرغيدة، لابدّ
من عمارتها بالمعنى المادي والحضاري، ولا تتم عمارتها إلا
باستعمال مفاتيح المعايش واستخدام أسباب رغد الحياة.. وكللك لا
يتم إلا بانصراف كل الناس إلى كل المفاتيح والأسباب التي تحقق
لهم معايشهم وتبني لهم مجتمعاتهم، وإنما يكون ذلك بأن يتقاسموا
فيما بينهم أنواع الوظائف والأنشطة والأعمال التي بها تتحقق
عمارة الأرض. فكان من لطف الله وعظيم إحسانه، أن قسم بينهم هذه
الأنشطة والوظائف بسائق من الإلهام والرغبة وانشراح الصدر، ولم
يدفع كلاً منهم إلى ماشاء له منها بدافع الجبر والإلزام.


ـ إذن فهو أمر شرعي مقبول أن تجد الناس قد توازعتهم
الوظائف والأعمال الكثيرة المختلفة

إذن، فهو أمر شرعي وديني مقبول، أن تنظر فتجد الناس قد
توازعتهم الأعمال والأنشطة المتنوعة، هؤلاء حببت إليهم الأعمال
التجارية فهم منصرفون إليها، والفئة الأخرى طاب لها الاتجاه
إلى الصناعة وفنونها فهي ماضية منهمكة في هذا السبيل.. وفئة
ثالثة لاتبغي عن الفلاحة والزراعة وأعمال الأرض بديلاً.. وأخرى
تجنح إلى العلوم الكونية والاستزادة منها والتعمق فيها.. إلى
جانب فئة أعرضت عن ذلك كله واتجهت إلى الأعمال الإدارية
والخدمات السياسية. أجل.. إنه أمر ديني مشروع أن تجد الناس في
أي مجتمع من المجتمعات قد توازعتهم هذه الوظائف والأعمال
المختلفة، على أن ينطلقوا إليها بعد الالتقاء والاجتماع على
جامع مشترك فيما بينهم، وهو الاستجابة لتعاليم الله: أوامره،
نواهيه، وصاياه، والتحقق بهوياتهم عبيداً مملوكين لله، والدوام
جهد الاستطاعة على مراقبة الله عز وجل.


ـ فإذا جاء من ينكر على الناس توازعهم بين هذه الأعمال
باسم الدين، فهو من الجهالة بمكان

فإذا جاء، مع ذلك، من ينكر على الناس الانكباب على هذه الوظائف
والأعمال، بحجة أنها مشاغل دنيوية تبعد الإنسان عن اللهوتشغله
بالدنيا عن الدين، فإنه من الجهالة بمكان كما قال ابن عطاء
الله.أمْرٌ أقام الله منه نظاماً لحياة عباده، ثم ملأ بهذا
النظام أوقاتهم، ما الذي يغريك باقتلاع هذا النظام وبالاندفاع
إلى غرس وظائف وأعمال أخرى في أوقاتهم وأعمارهم التي متعهم
الله بها سوى الجهل بحكمة الله وسننه التي أقامها على الأرض في
عباده؟!

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:18 am

ما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ما
أظهره الله فيه

ـ إنما يستقي ابن عطاء الله هذه الحكمة من هدي رسول الله
ومن سيرة أصحابه

وإنما يستقي ابن عطاء الله هذا من سيرة الصحابة إذ كان رسول
الله بين ظهرانيهم، فقد كان فيهم من يشهد مع رسول الله صلاة
الفجر، حتى إذا كان وقت الضحوة الكبرى ذهب غائباً إلى أرض له
يفلحها ويزرعها وذلك هو شأنه دائماً، وكان فيهم من ينصرف بياض
نهاره إلى صناعة تعلق بها فأتقنها فكان ذلك شأنه، وكان فيهم من
يقبل على التجارة ويجدّ ويكدّ في أعمالها، وكان فيهم من ينقطع
عن الدنيا فيلازم رسول الله في كل شؤونه وتقلباته ليسمع منه
فيحفظ عنه، أو لينقطع للأذكار والعبادات في المسجد كأهل الصفة،
ولم يكن رسول الله ينكر على أيّ منهم شأنه وعمله الذي اختاره
لنفسه.إذ كان كلهم ينطلقون إلى أعمالهم المتنوعة تلك من جامع
مشترك هو أداء حقوق الله، والالتزام بما يأمرهم ويوصيهم به
رسول الله، والتشبع بمعرفة أحكام الله وشرائعه، والإكثار من
ذكر الله ومراقبته، فلاجرم أن أعمالهم المتنوعة التي كانوا
يتفرقون إليها، كانت مصبوغة هي الأخرى بصبغة الإقبال على الله
والتقرب إليه والتطلع إلى مرضاته.ولكن المشكلة تتمثل في حال من
يتجهون إلى هذه الوظائف والأعمال الدنيوية المتنوعة، دون أن
ينطلقوا إليها من هذا الجامعالمشترك الذي لابدّ منه، والذي من
شأنه أن يسبغ على الأنشطة الدنيوية معنى الدين ويسكب فيها روحه
وحقيقته.وليس حديث ابن عطاء الله في هذه الحكمة عن هؤلاء الناس
الذين استبدلوا الدنيا بالدين فحق عليهم قول الله تعالى: {
قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ
وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها
وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها
أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي
سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ } { التوبة: 9/24
} وإنما حديثه عن التنوع الذي لابدّ منه في الوظائف والأعمال
تحت سلطان الدين وحكمه، وبقصدٍ يهدف إلى مرضاة الله وتنفيذ
أمره. فهو كقوله في الحكمة الأخرى التي مرّ ذكرها: ((تنوعت
أجناس الأعمال بقدر تنوع واردات الأحوال)) .


ـ غير أن هذا التنوع الذي لابدّ منه يجب أن يكون تحت
سلطان الدين وحكمه

غير أن هذا التنوع لابدّ أن يكون مردّه إلى تنفيذ الوصية التي
خاطب بها عباده إذ قال لهم: { هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ
الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها } { هود: 11/61 }


ـ المشكلة تكمن في أن جل الذين ينصرفون إلى وظائفهم
وأعمالهم المختلفة، قد انقطعت صلتهم بالجذع الجامع لأشتات
تلك الأعمال، فغدت أنشطتهم مفصولة عن قيادة الدين وحكمه

وأعود فأقول: إن المشكلة تكمن في أن جُلَّ الذين ينصرفون إلى
وظائفهم وأعمالهم الدنيوية المختلفة قد انْبَتَّتْ حياتهم من
الجذع الجامع لكل تلك الفروع والأعمال المتنوعة، وعادت أنشطتهم
مفصولةعن قيادة الدين وحكمه، فحيل بينهم وبين الرجوع إلى أداء
ما عليهم من حقوق لله عز وجل، وأسكرتهم الدنيا التي غرقوا في
حمأتها عن الوقوف أمام مرآة الذات ليتبينوا أنهم عبيد أذلاء
مملوكون لله.. ولم تترك لهم مشاغل الدنيا أي بقية من الوقت
يجلسون فيها إلى مجلس ذكر أو حلقة علم!.. إنني أْدُعى بين
الحين والآخر إلى حفلات عقود وحفلات زفاف ونحوها.. فأستجيب
للداعين إن أتيح لي ذلك.. وأتأمل في أمر هؤلاء الذين أُلْزِمُ
نفسي بالاستجابة لدعوتهم، وجُلُّهُمْ من رجال الأعمال ومن ذوي
الأنشطة الدنيوية المتنوعة التي نتحدث عنها، فلا أكاد أذكر
أنني قد رأيت أياً منهم، في شيء من حلقات الدروس التي أقامني
الله عليها منذ سنوات!..ولكم سألت نفسي، في ألم وحزن، لماذا
يدعوني هؤلاء الناس إلى حفلاتهم وأفراحهم فأستجيب، ويدعوهم
الله إلى حلقات ذكر أو علم يقرّب إلى الله فلا يستجيبون؟!..ثم
إني أعلنت لهم هذا السؤال جهراً في كلمات ألقيتها في بعض تلك
الحفلات، قلت لهم: حفلات أفراحكم تدعونني إليها فأستجيب،
وحفلات الدروس العلمية التي تقام في المساجد، أدعوكم إليها بل
يدعوكم إليها الله عز وجل، فلاتستجيبون!!..لماذا تقتصر حلقات
الذكر والدروس العلمية والإرشادية في المساجد على فئة الشباب
الذين هم الكثرة الكبرى فيها، وعلى الطبقة الوسطى فمن دونها من
الناس، دون أن تجد فيها وجهاً لرجل أعمال.. لقائم على صناعة..
لمدير شركة.. لذي تجارة مرموقة..؟!..هذا مع العلم بأن أصحاب
هذه الوجوه أحوج إلى هذه المجالس التي تذكر بالله، وتنمي في
القلب محبة الله وتعظيمه والخوف منه، وتغذي العقل بمزيد من
المعارف والثقافة الإسلامية، أقول: إن أصحاب هذه الوجوه أحوج
إلى هذه المجالس من سائر الفئات الأخرى التي تغشى بحمد الله
هذه المجالس.ذلك لأن عواصف الأهواء والمتع والشواغل الدنيوية
إنما تتجه بأخطارها إلى هؤلاء الذين يتقلبون في غمار الدنيا
ويَسْبَحون في أغوارها، فتبتليهم أولاً بقسوة القلب، ثم تزجهم
في النسيان.. نسيان الضوابط والأحكام التي شرعها الله، ونسيان
المآل الذي لابدّ أن يصير إليه كل إنسان، ونسيان الوظيفة التي
ابتلى الله الإنسان بها، وكلفه القيام بها.ولذا فإن هذه الفئة
من الناس هي أحوجهم جميعاً إلى أن تنعش نفسها بمجالس الإيمان
وحلقات العلم والتذكرة.. إذ هي التي تجهزها بالكوابح التي
تقيها خطر الاستسلام لتلك التيارات العاصفة.. ثم هي التي
تمتعها بالجامع المشترك الذي لابدّ منه، منطلقاً إلى تلك
الأنشطة والأعمال الدنيوية المختلفة.ليس في دين الله عز وجل ما
يمنع المسلمين من أن ينشطوا في بناء المجتمع الإنساني وترسيخ
الدعائم الحضارية في جنباته، بل هذا هو واجبهم الذي خاطبهم
الله به.وهذا مانهض به الرعيل الأول في صدر الإسلام كما أوضحت
مفصلاً في أوائل كتابي (السلفية) . ولكن على أن ينطلقوا
جميعاً إلىهذه الأنشطة المتنوعة من الجامع المشترك الذي لابدّ
منه، ألا وهو الوقوف على مرآة الذات والتشبع بمعرفة الهوية
الإنسانية، ثم معرفة حق الله عز وجل على العبد والعمل الجاد
على أدائه، مع الانضباط بجميع الأوامر والوصايا التي شرف الله
بها الإنسان إذ خاطبه وكلفه بها.هذه الأنشطة الحضارية الدنيوية
المتنوعة، ومثلها الأعمال والسلوكات الدينية الكثيرة هي التي
يتحدث عنها ابن عطاء الله في حكمته هذه، عندما يقول: ((ماترك
من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث في الوقت غير ماأظهره الله
فيه)) .


- أمثلة لطائفة من المظاهر والسلوكات الدينية التي يطيل
بعض الناس ألسنتهم عليها بالنقد، وبيان خطأ هذا النقد
وخطورته

فإذا كان المنتقد للوظائف الدنيوية التي أقام الله عليها
طائفة من عباده، لم يترك من الجهل شيئاً، فما بالك بحال من
يتجه بالنقد إلى ما لا يروق له من السلوكات والأعمال
الدينية؟كثيرون هم الذين يتخذون من أمزجتهم مقاييس لما هو
مقبول وغير مقبول من المظاهر والسلوكات الدينية.. ولعل هؤلاء
هم في مقدمة من لم يتركوا من الجهل شيئاً إلا تلبسوا به وركنوا
إليه، على حدّ تعبير ابن عطاء الله.( هنالك مجالس تعقد بعد
صلاة الفجر من أيام محددة في كل أسبوع، للصلاة على سيدنا رسول
الله ، في بلدتنا هذه، دمشق.. وظيفة أقام الله عليها طائفة من
عباده الصالحين، وأَعْظِمْ بها من وظيفة.. كثيرون هم الذين
يضيقون ذرعاً بها، ويستخفّون بها عند الحديث عنها، ويجزمون بأن
لقاء فكرياً تتم فيه مناقشة إحدىمشكلات العالم الإسلامي خير
وأجدى من الوقت الذي يتبدد بما يسمّى مجالس الصلاة على رسول
الله!..وأنا واحد ممن يعلم علم اليقين أن كثيراً من المصائب
والمحن تدنو، بل تطوف بهذه البلدة، ثم إن الله يصرفها عنها
بفضل هذه المجالس وما تفيض به من خير، ومايجتمع فيها من
الصالحين.( لاتخلو مجتمعاتنا، ككثير من المجتمعات الأخرى، ممن
يسمون ((الدراويش)) لا يأبه بهم الناظر وليس فيهم ما يلفت
إليهم النظر بأي تقــدير، تبدو عليهم سمة البطالة، أطمارهم
بالية، ودرايتهم بسيطة... ما أكثر الذين يطيلون ألسنتهم في
حقهم نقداً وتجريحاً واستهزاءً!... يقول أحدهم في هياج
وازدراء: ليس في ديننا دروشة، إسلامنا إسلام عمل ونشاط ومظهر
مرتب جذاب يأخذ بالألباب.. ثم يصرّ إصراره على أن هؤلاء يرسمون
صورة شوهاء تخفي السيما الرائعة المشرقة لواقع المسلمين..
وربما استشهد في هياجه هذا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ كان
يعلو بدرّته رؤوس أناس عاطلين، أشدّاء، قد لازموا المسجد لا
يبارحونه، يقودهم إلى السوق قائلاً: قد علمتم أن السماء لا
تمطر ذهباً ولافضة.ووجه الخطأ في هذا الاستنكار أن هؤلاء
ينطلقون إلى استنكارهم من مشاعر ومواقف مزاجية، لا من تحكيم
لشرع الله وحكمه.وموازين الشرع تقول: إذا تبين أن هؤلاء الناس
يتكلفون (الدروشة) ديدناً لهم، ويؤثرون البطالة لكسل ران
عليهم أو لهوى في نفوسهم، فإنها إذن معصية يجب إنكارها والعمل
على زوالها، ومن هذا القبيل ماكان يفعله عمر.أما إن تبين أن
حالاً انتابتهم فزجتهم دون قصد ولا تكلف منهم في تيه عن الدنيا
وشؤونها، وألبستهم مظهر هذه (الدروشة) وتركتهم دون وعي منهم
لثيابهم الرثة وأطمارهم البالية، فلتعلم إذن أن هؤلاء ربما
كانوا ممن قال عنهم رسول الله : ((رُبَّ أشعثَ أغبرْ ذي
طمرين باليين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّ
قسمه)) ورد هذ الحديث بألفاظ متقاربة من رواية مسلم، وأحمد،
والحاكم، والبزار. بل أغلب الظن أنه منهم.


ـ تعليق هام عن الأبدال والأحاديث الواردة بحقهم

فإن غابت عنك الدلائل ولم تتبين من أي الفريقين هو، فحسن الظن
هو المطلوب في ميزان الشرع وحكمه، وهو مقتضى الحيطة في الأمر.
لا سيما إذا تذكرت أن في الناس أناساً هم من خلّص عباد الله،
لو أقسموا على الله لأبرّ قسمهم كما قال رسول الله، قضى الله
لحكمة أن يخفيهم عن عامة الناس بحجاب من هذه الصورة التي
تزدريها أعين المتسرعين والمزاجيين من الناس. أقامهم الله من
حياتهم وفي مجتمعاتهم على وظائف ذات أهمية كبرى، لايعلمها إلا
الله ومن هم على شاكلتهم من الصالحين من أصحاب هذه الوظائف
الأبدال، والأحاديث الواردة في حقهم كثيرة جد وذات طرق متعددة،
وأسانيد أكثره صحيحة أذكر منها:. مارواه الإمام أحمد من حديث
عبادة بن الصامت مرفوعاً: ((الأبدال في هذه الأمة ثلاثون
رجلاً، قلوبهم على قلب إبراهيم خليل الرحمن، كلم مات رجل أبدل
الله مكانه رجل غيره)).. مارواه الطبراني عن عبادة بن الصامت
أيض مرفوع بلفظ: ((الأبدال في أمتي ثلاثون بهم تقوم الأرض،
وبهم تمطرون، وبهم تنصرون)).. مارواه الطبراني من حديث عوف بن
مالك مرفوع بلفظ: ((الأبدال في أهل الشام بهم ينصرون وبهم
يرزقون)).. مارواه الإمام أحمد من حديث علي رضي الله عنه
مرفوعاً: ((الأبدال بالشام وهم أربعون رجل كلم مات رجل أبدل
الله مكانه رجلاً، يسقى بهم الغيث، ويُنتصر بهم على الأعداء
ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب)). .وأقول لمن يكثر من
الاستشهاد بعمل عمر بن الخطاب، لتأييد موقفه المزاجي: كن في
الإشراف على حال المسلمين والاطلاع على أحوالهم ودخائلهم مثل
عمر الذي كان يعلم عوامل الكسل والبطالة من حال أولئك الذين
كان ينتهرهم ويقودهم إلى السوق، ثم لك أن تقلده وتسلك مسلكه في
ذلك.أما أن تتخذ موقفه في حق من لا تعلم شيئاً عن أحوالهم
ودخائل أمورهم، فهو لا يتفق مع ميزان الشرع، ومن ثم فإن عمر
بريء إلى الله منه. * * * وصفوة القول إن عليك أن تعلم أن الله
تعالى أقام عباده على وظائف قسمهم بينها أو قسمها بينهم. فيها
ما هو بيّن معلوم، وفيها ما هو خفي وغير مفهوم.وظيفتك تجاهها
أن ترعى الشرع وأحكامه، فإن لم تجد بعد التبصر ودقة النظر، ما
يخالف متفقاً عليه من مبادئ الشرع وأحكامه، فألجم فمك عن قالة
السوء بحق عباد الله مهما استغربت أحوالهم وعجزت عن فهم
شؤونهم، ووجّه فؤادك إلى حسن الظن بهم، فذاك هو الأمثل والأليق
بواجب الأدب مع عباد الله.واعلم أن في عباد الله الصالحين من
أخضعهم الله لأحوال لاخيار لهم تجاهها ولاسبيل أمامهم للتخلص
منها.. فسلّم إليهم أحوالهم، دون أن تلزم نفسك بما لم يلزمك
الله به من ذلك.قلت مرة لواحد من أصحاب هذه الأحوال، وقد رأيت
الكثير من دلائل صلاحه وصدقه: ادع الله لي أن أكون مثلك، فقال
لي: وماحاجتك إلى ذلك، إن الناس عندئذ لن يستفيدوا ولن يفهموا
منك شيئاً.فتأمل في معنى كلامه هذا، إنه يقول لي: لكل منا
وظيفة أقامه الله عليها، أما أنا فوظيفتي ما ترى من الحال التي
أنا فيها، وأما أنت فوظيفتك أن تخاطب الناس وتحاورهم بما علمك
الله. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:19 am

الحكمة الثامنة عشرة


إحالتك الأعمال على وجود الفراغ؛ من رعونات النفس

ـ معنى هذه الحكمة واضح ودلائل صدقها بدهية، ومع ذلك فهي
تظل غائبة عن كثير من الأذهان

أولاً: يجب أن نعلم أن ((الأعمال)) التي يعنيها ابن عطاء
الله هنا هي الوظائف والأوامر الدينية.ثانياً: إن المعنى الذي
تتضمنه هذه الحكمة معروف ومألوف، غير أنه يغيب مع ذلك عن كثير
من الأذهان، لدى التوجه إلى الوظائف والأعمال الدينية. ومن ثم
فقد كان هذا المعنى بحاجة إلى دراسة وشرح كما أن الناس بحاجة
إلى التنبيه إلى أهمية هذا المعنى، وإلى خطورة الإعراض عنه
والاستهانة به. ونبدأ ببيان ذلك بشيء من التفصيل:


ـ أمثلة لصور تسويف الأعمال عن مواقيتها من واقع
مجتمعاتنا اليوم

يقول أحدهم، وقد انهمك في مشروعه التجاري، لمن يذكِّره بأوامر
الله، والارتباط بمجلس من مجالس العلم، أو التقيد بمنهاج دراسي
خفيف يتعلم من خلاله عقائد الإسلام وأحكامه، يقول له:إنني قد
وضعت هذا الذي تقول في برنامج أعمالي، وأدرجته في سلّم وظائفي،
لكنني أنتظر الفراغ من مشروعي التجاري هذا الذي ملك عليّ سائر
أوقاتي.. إنني مضطر أن أوليه الآن كل وقتي وجهدي لأنني إن لم
أفعل ذلك، فلسوف تفوتني الفرصة بدون ريب؟..وتقول لأحدهم: إن
الله قد أكرمك بالمال الوفير، ومتعك ببحبوحة من العيش، فهلاّ
عدت بشيء من فضول أموالك إلى هؤلاء المحتاجين الذين من حولك.
فيجيب: ومن قال لك إني ذاهل عنهم أو أنني ناسٍ لواجبي تجاههم؟
إنني قد قررت، إذا نجح مشروعي التجاري هذا الذي أنا منهمك فيه
الآن، بناء مستوصف للفقراء، بناء مشفى، سأعود بعشرين في المئة
من ريع مشروعي هذا إلى الأسر الفقيرة لاسيما الشباب المحتاجين
إلى الزواج.. سأفعل.. وسأتصدق.. أَنْظِرْني فقط إلى ظهور نتائج
المشروع!..وتتجه إلى طائفة الموظفين، وذوي الرتب العسكرية في
القطعات والمعسكرات، فتذكرهم بحقوق الله عز وجل، والوظيفة
العظمى التي خلق الله الإنسان من أجلها، وسخر له ما في
السماوات والأرض خادماً له على طريق أدائها، من الإقبال على
معرفة العقائد الإيمانية أولاً، والالتزام بأوامر الله
السلوكية ثانياً، فيقول لك أحدهم، وهو يشعرك بأنه يتبوأ وظيفة
حساسة، تتجه إليها أنظار الرقباء:بيني وبين الوصول إلى التقاعد
خمس سنوات، ولا أخفيك أنني سأتجه فور تقاعدي حاجاً إلى بيت
الله الحرام، ولسوف تجدني بعد ذلك في أول صف في المسجد عند كل
صلاة. ولا أخفيك أنني شديد الرغبة في دراسة القرآن والعكوف على
فهمه وتفسيره.. سأضع منهاجاً لدراسة الإسلام وأحكامه.فإن قلت
له: فما الذي يمنعك من أن تباشر ذلك من الآن؟ حدّق في عينيك
مشيراً، ثم مصرحاً إن لم تفهم، بأنه يمارس وظيفة حساسة ويتبوأ
مركزاً يلفت الأنظار. * * *


ـ علاج هذه المشكلة أن يتذكر الإنسان الوظيفة التي خلقه
الله لأدائها

ما الذي يقال لهؤلاء المستعجلين في أمور معاشهم التي ضمنها
الله لهم، والمسوّفين لواجباتهم الربانية التي كلفهم الله
بها؟نقول ما قاله ابن عطاء الله: إنها رعونة من رعونات
النفس. نبدأ فنسأله قبل أن نواجهه بهذه الحقيقة: ما المهمة
التي خلقك الله من أجلها؟ لعله لا يعلم الجواب، ولعله لم يصغِ
في يوم من الأيام إلى حديث الله عن مهمة الإنسان ووظيفته التي
خلق من أجلها، إذن نضعه أمام قول الله تعالى: { وَما خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ، ما أُرِيدُ
مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } {
الذاريات: 51/56-57 } إذن فالمطلوب من الإنسان الذي قضى الله
أن يكون له نصيب من الحياة فوق هذه الأرض، أن يعرف ربه من خلال
معرفته لنفسه عبداً مملوكاً له، ثم أن يصغي إلى الوصايا
والأوامر والنواهي التي خاطبه الله بها، فينهض بها وينفذها على
الوجه المطلوب.ثم إن الله ضمن للإنسان في مقابل ذلك حاجاته
وأسباب طمأنينته ورغد عيشه وسخر لمصلحته سائر المكونات التي
حوله، كما قد قال له ممثَّلاً في شخص آدم عليه السلام إذ خاطبه
وهو في الجنة بما حكاه لنا في محكم كتابه: { إِنَّ لَكَ أَلاّ
تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرَى ، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها
وَلا تَضْحَى } { طه: 20/118-119 }

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:20 am

إحالتك الأعمال على وجود الفراغ؛ من رعونات النفس

ـ مثال يقرب إليك فهم هذه الحقيقة

وإليك هذا المثال الذي يقرب إليك هذه الحقيقة، وما أكثر الناس
التائهين عنها:موظف أرسله رئيس الدولة إلى بلدة في دولة نائية،
ليقوم بمهمة محدودة كلَّفه بها. من الطبيعي أن يكلَّف سفير هذه
الدولة باستقباله لدى وصوله إلى تلك البلدة، وأن تهيّأ له فيها
إقامة كريمة، وأن توفّر له أسباب الراحة على اختلافها، إلى
جانب العلاوات المالية التي تقدم إليه.ليس في الناس من يجهل أن
الرجل إنما أوفد إلى تلك البلدة النائية ليستجيب لما قد كلفه
به رئيس الدولة من القيام بالمهمة التي أوضحها له، على خير
وجه، فتلك هي وظيفته التي يجب أن ينفق في سبيلها وقته طوال
غيابه في ذلك المكان، وإنما توفر له ماتوفر من المال وأسباب
الراحة والنعيم هناك، ليكون كله مسخراً وخادماً على طريق
إنجازه للمهمة التي أوفد من أجلها.فماذا تقول فيمن ركن إلى ذلك
النعيم وأسبابه، وعانق تلك المتع واستنفد وقته كله في اعتصارها
والتلذذ بها، ناسياً أو متناسياً الوظيفة التي أوفد إلى تلك
الديار من أجلها، أو مسوفاً لواجباته تجاهها ريثما يروي ظمأه
أو يشبع نهمه من أسباب النعيم التي أحيطت به؟!..أقل مايقال عنه
في ذلك إنه قد خان سيده ورئيسه فيما قد كلف به، وأنه استسلم
لرعونات نفسه.ألا فلتعلم أنها هي ذاتها قصة الإنسان الذي أوفد
إلى هذه الحياة الدنيا لمهمة قدسية أنبأه الله بها وشرحها له
في خطابه الذي شرفهوكلمه به، ولكنه أعرض عنها ونسيها أو
تناساها، واتجه بدلاً عنها إلى الدنيا التي سخرها الله له على
طريق السير إلى أداء مهمته، فركن إليها، واستمتع بها، ورقص على
إيقاعاتها، ونسي سيّده وأوامره، وفضله وإكرامه. التقط المغانم
فعانقها، وأعرض عن المغارم والواجبات فنسيها أو استخف
بها!!..وفي أحسن الأحوال، يَعِدُ من يذكِّره بالوظائف التي
يلاحقه الله بها في هذه الحياة، بأنه سيلتفت إليها ويهتم بها
عندما يذوي شبابه وتتراجع غرائزه وتنطفئ جذوة نشاطه وتنكسر
حدّة نهمه وإقباله، فيعاف بقايا لذائذه ونعيمه، ويمضي ثمالة
عمره مقوس الظهر، معتمداً على عكاز، عندئذ سيقبل على الله،
ويعطيه من نفسه ومن إمكاناته ماقد طلبه منه!!..فهل بوسعك أن
تتصور للحظة واحدة أن هذا هو شأن العبد المملوك مع ربه المالك؟
أم هل تتصور أن هذا هو شأن الإنسان الوفيّ مع سيده المنعم
المتكرم المتفضل؟!..


ـ تحليل أسباب هذه الرعونة وبيان علاجها

أما الآن، فإليك تحليل هذه الرعونة التي يقع فيها هذا الشخص
وأمثاله، من خلال بيان أبعادها التالية: أولاً: من أين لهذا
الإنسان أنه سيعيش إلى أن يفرغ من مشاريعه التجارية، أو من
أحلامه التوسعية، أو إلى أن يتقاعد من وظيفته؟ ومن الذي أخبره،
فصدّقه، أنه سيعيش إلى الأمد الذي يحلم به، وأن الموت لن
يتخطفه بعد أيام أو بعد أسابيع؟وأنت تعلم أن الله قضى بالموت
على كل حيّ وأكد للإنسان أنه لن يتخلص من عادية الموت مهما
أمكنته الحيل ومهما تمكن من ناصية العلم واستكثر من نتائج
قدراته، ولحكمة باهرة عظيمة أخفى عنه ميقات قضائه هذا، فليس في
الناس كلهم من يعلم أين يقف من الطابور الممتد أمام باب الموت،
أهو يقف في أوله أم في آخره، أم فيما بين طرفيه!..وكم من إنسان
مدّ جسوراً من الآمال بينه وبين ظلمات الغيب الذي هو مقبل
عليه، فلم يتح له أن يقطف من آماله تلك إلا الحسرة والأسى، فقد
كان الموت المخبوء وراء أذنه أسرع إليه من آماله التي كان
ينسجها. وحاق به قول الله عز وجل: { يا أَيُّها الإِنْسانُ
إِنَّكَ كادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ } {
الانشقاق: 84/6 } ثانياً: لماذا يجعل هذا الإنسان التسويف من
نصيب واجباته الأساسية التي خلقه الله من أجلها، ولايجعله من
نصيب أنشطته الدنيوية ورغباته المعيشية التي ضمنها الله تعالى
له؟..لماذا يلهث وراء مجموعة أعمال ويتجه إلى عدة مشاريع في آن
واحد يمزق وقته بينها ويقضي على راحته في سبيلها كلها، فإذا
جاء من ينصحه بأن يريح نفسه وأن لا يجمع على كيانه ركاماً من
المشاريع والوظائف والمهام في وقت واحد، أجاب قائلاً: الواجبات
المعيشية أو التجارية كثيرة، وكل منها مرهون بوقته، فإن هو أخر
واحداً منها ريثما ينجز الذي قبله فاتته الفرصة وخسر
الصفقة!..فإن قلت له: ففيم الحرص على الاستئثار بكل هذه
المشاريع أو الصفقات، وهلا اكتفيت بما قد يغنيك منها؟ أجابك
بدرس طويليعلمك من خلاله الطموح الذي لا يقف عند حدّ، ولا يعرف
ما يسمى بمقياس الحاجة أو مقومات العيش الكريم.قل له: ما الذي
ذكّرك بهذا الطموح الذي تعتزّ به وتعلمنا إياه، عندما تكون
بصدد ما قد ضمنه الله لك من أمور معاشك ودنياك، وما الذي أنساك
هذا الطموح ذاته، وزجك في نقيضه من الكسل والإهمال، عندما تجد
من يذكرك بالوظيفة التي طلبها الله منك وخلقك من أجلها؟ثم
ذكّره بحكمة أخرى لابن عطاء الله، يقول فيها: ((اجتهادك فيما
ضُمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على انطماس البصيرة
منك)) . ثالثاً: إن الوظائف الدينية التي كلف الله الإنسان
بها، ذات هدف معروف ومكرر في كتاب الله تعالى، ألا وهو التربية
وتزكية النفس، ودور هذا الهدف يتمثل في تقيد الأنشطة والأعمال
الدنيوية من تجارة وصناعة وزراعة، ووظائف أياً كانت، بقيود
الأخلاق لكي تبعدها عن سبل الغش والخداع والختل والمكر
بالآخرين.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:21 am

إحالتك الأعمال على وجود الفراغ؛ من رعونات النفس

ـ لابدّ من مزج الوظائف الدينية مع الأنشطة والأعمال
الدنيوية حتى يحقق كل منهما الغاية المطلوبة

وهذا يتوقف على أن يتمازج النشاط الدنيوي بأشكاله وأنواعه
المختلفة بالوظائف الدينية التي تربي الفرد وتزكي النفس... إذ
يغدو الالتزام بالوظائف والأوامر الدينية رقيباً على استقامة
السلوك بصدد الأنشطة والالتزامات الدنيوية على اختلافها،
فيتسامى كل من التاجر والصانع والزارع والعامل والموظف
والعسكري، عن الخيانة والخداع والدجل في المعاملة، ويتفانى
العامل والموظف والعسكري ورجل الأمن صدقاً وإخلاصاً في أداء
المهمة.أجل.. إن هذا الاشتباك المتمازج بين الدين والدنيا، هو
الذي ييسر للدين أن يحقق مهمته في حياة الفرد والمجتمع، وهو
الذي يبرز للدنيا وجهها الحضاري والإنساني المسعد الصحيح.


ـ غير أن المشكلة تكمن في إصرار الكثيرين على فك هذا
الاشتباك

أمّا ما يعمد إليه هؤلاء الذين يصرّون على أن يفكوا الاشتباك
بين الأعمال والأنشطة الدنيوية من جانب، والوظائف والواجبات
الدينية من جانب آخر، بحيث تسير أعمالهم ووظائفهم الدنيوية
بعيدة ومتحررة عن سلطان الدين وقيوده، وبحيث يتم إرجاء
الواجبات الدينية، إلى مابعد الفراغ، بل إلى مابعد الشبع من
المتع والرغائب الدنيوية، فهذا تعطيل خطير لوظيفة الدين في
حياة الإنسان، وإقصاء له عن مناخه الاجتماعي الذي يجب أن يوجد
وأن تظهر فاعليته فيه، وإنه لغباء ثقيل وممجوج في جهل مهمة
الدين وحكمته في حياة الإنسان، أو هو عبث مقصود يراد منه إطلاق
أيدي الماكرين والخادعين المدجلين بحقوق الناس، وبالمصالح
الشخصية والاجتماعية، دونما ضابط أو رقيب.وإلاّ فمن الذي يعلم
أن الطعام لابدّ في إعداده من ملح أو سمن يصلحه، ثم يعدّ
الطعام ويطبخه مع ذلك دون ملح ولا سمن، فيقدم الطعام للآكلين
في طبق، ويقدم كلاً من الملح والسمن في طبق آخر، ويدعوهم إلى
أن يبدؤوا فيأكلوا الطعام كما قد حضّره أولاً، ثم يتحولوا إلى
تناول الملح والسمن ثانياً.إن الذي يرجئ عمل الدين ووظيفته إلى
مابعد فراغ الناس من أنشطتهم وأعمالهم الدنيوية المتنوعة
ووظائفهم الاجتماعية والسياسيةالمتفاوتة، حيث التقاعد بعد
الجهد والعمل، وتوديعُ الحياة من خلال التعامل مع أيامها
القليلة الباقية، إنما يقصي الدين بذلك عن وظيفته التي أقامه
الله عليها، كما يقصي ذلك الأحمق ملح الطعام عن وظيفته التي
أعدّ لها. * * * وأخيراً، وبالإضافة إلى هذا كله، يجب أن يعلم
كل منا أن جهده كله، بكل ما يتنوع ويتفرع إليه، مِلْكٌ لله عز
وجل، كما أن ذاته وكيانه ملك له. فليس في أنشطته وأعماله ما هو
عائد إلى الله، وما هو عائد إليه هو كما قد يتوهم بعض
الناس...إن هذا الوهم يتناقض تناقضاً حادّاً مع الخطاب الذي
علّمنا وأمرنا الله أن نتوجه به إليه في فاتحة كل صلاة: ((إن
صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)) .إذن فجهودي
التجارية والصناعية والزراعية والوظيفية والسياسية، يجب أن
أمارس من خلالها عبوديتي لله عز وجل. أي يجب عليّ أن أنهض بها
أو بما أقامني الله منها، استجابة لأمره الذي وجهه إليّ عندما
كلفني وبني جنسي بعمارة الأرض التي أقامنا الله عليها، على
الوجه وبالطريقة التي رسمها لنا وقيدنا بها. وكم يجدر بنا أن
نتبين هذه الوظيفة من خلال قوله عن ذاته العلية في حقنا: {
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها } {
هود: 11/61 } فاعجب لمن يحاول أن يقسم مملكة الله بينه وبين
نفسه، يقتطع منها لنفسه حصة يزعم أن لا حقّ لله فيها، ويحيل
الأخرى إلى الله يزعم أنها هي وحده ملكه وحقه، فإذا ناقشه في
ذلك باحث، حاول أن يسكته مستشهداً بالمقولة الذائعة: ((أعط ما
لقيصر لقيصر، وما لله لله)) وكأنه لا يعلم أن قيصر من حيث هو،
بقضّه وقضيضه، ليس إلا ملكاً لله!..لقد بحثت عن كلمة
((المِلْكِ)) هل نسبها الله إلى الإنسان في آية مّا من قرآنه
بالنسبة لأيٍّ مما قد يضع يده عليه، فلم أجد.. وإنما وجدته
يقول: { وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ
} { الحديد: 57/7 } فمن أدرك اليوم هذه الحقيقة البدهية، فذاك،
وقد أحرز بذلك الخير لنفسه، ومن لم يدركها، فلسوف تتبيّن له
بكل جلاء ووضوح عندما يقع في سياق الموت ويجد نفسه راحلاً إلى
الله مجرداً عن كل ماكان يتوهم أنه شريك مع الله في امتلاكه
وفي حق استعماله كما يريد. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:22 am

الحكمة التاسعة عشرة



لاتطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو
أرادك لاستعملك من دون إخراج

ـ عرض أمثلة حية لبيان معنى هذه الحكمة

( نظرتَ، فوجدتَ أن كلاً من ظروفك ووضعك ومستواك الدراسي وجّهك
إلى كلية الطب، وتأملت فوجدت أن طريقك في هذه الكلية إلى دراسة
الطب، صاف عن شوائب الحرمة، بعيد عن مطارح السوء، ولكنك عدت
إلى نفسك فشعرت أنك ميال إلى أن تتحول إلى دراسة الهندسة
متأملاً أن يكون لك حظ من خلال هذا الاختصاص في بناء المساجد
والمعاهد ونحوها، أو إلى دراسة الشريعة في كلية الشريعة، لتكون
بذلك أقرب إلى معرفة الإسلام وأحكامه وإلى خدمة دين الله
والدعوة إليه... يقول لك ابن عطاء الله، لاتتكلف التحول مما
اختاره الله لك من العمل المباح بدون تكلف، متأملاً أن يستعملك
الله فيما هو أرضى له، من خلال التحول إلى العمل الثاني الذي
تتوق نفسك إليه، ذلك لأن الله قادر على أن يستعملك فيما يزيدك
قرباً إليه، ويزيده رضاً عنك، دون أن تتحول عن العمل الذي
أقامك فيه. إذا أحبك الله عز وجل فما أيسر أن يستعملك في أجلّ
القربات التي يحبها من خلال اختصاصك الذي ساقتك ظروفك إليه..
يعلمك دينه وشريعته وأنت جالس على مقاعد كلية الطب، يستخدمك في
عمارة مساجده ورعاية معاهده، وأنت تستقبل المرضى في عيادتك.
هذا فضلاً عن القربات الجليلة التي ستحظى بها من خلال اهتمامك
بعافية الناس وسهرك على تطبيبهم.( أقامك الله عز وجل، ضمن ظروف
وأسباب أحاطت بك، على صناعة أسستها ومضيت في بناء مقوماتها،
وتأملت فوجدت أنها لا تزجك في معصية ولا تحملك على أي سوء،
ولكنك تتبعت حال جنود يقومون على الثغور ويحرسون الأمة وحقوقها
من العدو المتربص بها والطامع فيها، وعدت إلى ما قد وعد الله
به المجاهدين والقائمين على الثغور من المثوبة العظمى والأجر
الكبير الذي أكده الله لهم في كثير من نصوص كتابه، فاستهواك
هذا الجهاد المبرور، واتجهت إلى الله تطلب منه أن ينقلك عما
أقامك فيه، ليستعملك في ذلك العمل الثاني، الذي وعد من الأجر
الكبير عليه ما وعد.... يقول لك ابن عطاء الله: لا، إياك أن
تطلب منه ذلك، فليس عسيراً عليه أن يستعملك فيما يكسبك الأجر
ذاته، دون أن يخرجك من عملك الذي أقامك فيه.( نظرَتِ الزوجةُ
الماضيةُ في نسج أسباب السعادة لزوجها، وفي العمل على تربية
أولادها وتنشئتهم نشأة صالحة، إلى أتراب وصديقات لها ينشطن في
أعمال الدعوة الإسلامية والاستزادة من الثقافة والمعارف
الإسلامية، فتمنت على الله أن ييسر لها سبيل انتقال مما هي
فيه، إلى هذا الجهاد الدعوي والنشاط العلمي، لتنال الأجر الذي
وعد به أرباب الدعوة إلى دين الله.. يقول لها ابن عطاء الله:
لاتتمنَيْ على الله خلاف ما أقامك فيه. إن كنت تبحثين في هذا
عن حظ يروق لنفسك فلن ينالك على ذلك أي أجر، وإن كنت تتلهفين
للمثوبة، فإن الله قادر على أن يكرمك بها وأنت تعكفين على هذا
الذي أقامك الله فيه.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:23 am

لاتطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو
أرادك لاستعملك من دون إخراج

ـ مصدر الخطأ فيمن يخالفون هذه الحكمة عدة أمور

ومصدر الخطأ في هذه الرغبة وأمثالها، عدة أمور:


ـ الأمر الأول ما يتخيله البعض من أن المثوبة منوطة آلياً
بسبب مادي. مع أن الأمر ليس كذلك

الأمر الأول: أن صاحب هذه الرغبة يخيل إليه أن المثوبة منوطة
آليّاً بسبب مادي، فما لم يتحقق هذا المناط لا تأتي المثوبة أو
الأجر.. يخيل إليه أن التعامل بالشريعة الإسلامية دراسة
وتدريساً ودعوة إليها مصدر لأجر كبير، وأن الارتباط بينهما
مادي وطبيعي، ومن ثم فإن هذا الأجر لا يتأتى إلا بالتوجه إلى
هذا العمل حصراً.غير أن الحقيقة ليست كذلك. فالمؤجر والمثيب في
كل الأحوال وعلى كل الأمور هو الله عز وجل، فهو الذي أناط
إكرامه ومثوبته بما قد أناطهما به من أنشطة وأعمال، هذا إلى
جانب ما يجب أن تعلمه من أن الله لا يحتاج إلى من يسخره لأداء
عمل ذي فائدة دينية أو اجتماعية أو اقتصادية مثلاً. فالموفق
والمعين في كل ذلك هو الله عز وجل، ولكنه عز وجل قضى لطفاً منه
ورحمة أن يثيب عباده بعضهم ببعض، يسخر هذا لمصلحة ذاك أو
لمصلحة المجموعة فيؤجره على هذا الذي سخره له، فهو المعين وهو
المؤجر على ما قد أعان عليه، فالله عز وجل مثلاً هو الشافي كما
قد حكى الله عز وجل عن خليله إبراهيم: { وَإِذا مَرِضْتُ
فَهُوَ يَشْفِينِ } { الشعراء: 26/80 } ولكنه مع ذلك يؤجر
الطبيب الذي يسعى متلهفاً للعمل على شفاء مريضه، وكم قلنا في
المناسبات: الله هو الشافي، والأطباء هم الذين يأخذون الأجر من
الناس والثواب من الله.


ـ الأمر الثاني ما يغيب عن بال الكثيرين من أن المصالح
التي تدور عليها أحكام الشريعة كثيرة ومتنوعة جداً

الأمر الثاني: أن المصالح التي تدور أحكام الشريعة الإسلامية
عليها كثيرة ومتنوعة جداً، وأكاد أقول: ليس فيها ما هو أجلَّ
وأبعث على المثوبة والأجر من الآخر، إن صفا القصد وخلصت النية
لله عز وجل.وأساس ذلك أن المصالح التي بها تقوم حياة الأفراد
والمجتمعات كثيرة ومتنوعة كما قلنا، والدين الحق إنما يتمثل
(بعد توفر الاعتقاد الصحيح) في العكوف على خدمة الأمة من خلال
رعاية هذه المصالح.ونظراً إلى أن الشخص الواحد لا يتأتّى له أن
ينهض برعاية سائر تلك المصالح، فقد كان من حكمة الله ولطفه أن
يسّر كلاً من عباده الصالحين لخدمة مصلحة من مصالح الأمة، وإنك
لتنظر فتجد أنه عز وجل قد وزع مسؤوليات الأمة فيما بين عباده
طبقاً للقدرات والرغبات المتنوعة التي قسمها بينهم.وإنما الشرط
الوحيد عندئذ ليتساوى الجميع في نيل المثوبة الربانية والحصول
على رضا الله عز وجـل، أن تكون نياتهم خالصة لوجهه عز وجل، وأن
لا تكون لأهوائهم ومصالحهم الدنيوية ورعوناتهم النفسية أي مدخل
إلى أعمالهم وخدماتهم تلك.فإذا تبينت هذه الحقيقة، لم يبق معنى
ديني موجب لتطلع إنسان أقامه الله على خدمة المجتمع من خلال
واحدة من مصالحه الكثيرة، إلى التحول من عمله الذي أقامه الله
فيه إلى عمل آخر، وإذا كان حافزه إلى ذلك، التطلع إلى مزيد من
المثوبة يتخيله في الانتقال إلى العمل الآخر، فإن الله قادر
على أن يكرمه بذلك المزيد دون أن يتحول عن عمله ذاك، بل ذلك هو
المأمول من كرم الله وإحسانه.


ـ الأمر الثالث ما يغيب عن أفكار الكثيرين من الانتقال من
مجال اختصاص إلى غيره ليس شرطاً لابدّ منه للجمع بين
وظيفتين أو مصلحتين في خدمة الأمة

الأمر الثالث: إن الانتقال المادي من مجال اختصاص إلى مجال
اختصاص آخر، ليس شرطاً لابــدّ منه للجمع بين وظيفتين أو
مصلحتين في خدمة الأمة والمجتمع.إن المخلص في عمله لله لا
يحتاج لتحقيق هذا الهدف إلى أن يعرض عن المجال الذي هو فيه إلى
المجال الآخر، بل بوسعه أن يجمع بين خدمات شتى وهو في موقعه
ذاك لم يتحول عنه.أرأيت إلى من شاء الله أن ييسر له دراسة الطب
والالتحاق بكليته، إن بوسعه، إن هو رغب في خدمة دين الله عن
طريق دراسة شريعته والتبصر الواسع بأحكامها، أن يفعل ذلك دون
أن يتحول من موقعه الذي هو فيه إلى كلية الشريعة ويلازم
مقاعدها بشكل رسمي.إن سبيله إلى هذه الخدمة الأخرى ميسر
ومفتوح، أينما كان وفي أي موقع وجد، وذو الحرقة على دراسة دين
الله والتوسع في معارفه، يتنقل كما تتنقل النحلة التواقة إلى
الرحيق، من حلقة إلى أخرى ومن درس إلى غيره، في المعاهد
الرسمية وفي الحلقات المسجدية والدروس الخاصة، دون أن يتحول من
اختصاصه الذي يسّره الله له وأقامه فيه. بل إن هذا هو شأن
المخلص لوجه الله، لا يهمه المعهد الذي ينتمي الناس إليه، ولا
الشهادة التي يعودون بها، وإنما يهمه أن ينهل من العلوم
والمعارف الدينية التي فيه. وهذا معنى قول ابن عطاء الله: فلو
شاء لاستعملك من دون إخراج.وقد ضربت لك في بيان هذا الأمر،
مثال الطالب في كلية الطب عندما يتوق إلى خدمة الدين من خلال
دراسة الشريعة، فقس أنت عليه سائر الاختصاصات والخدمات
الإسلامية الأخرى. الأمر الرابع والأخير: النية!!.. لا تنس أن
نيّة المرء هي مصدر المثوبة إن صلحت وَصَفَتْ عن الشوائب
وتوجهت بصاحبها إلى مقصد واحدهو مرضاة الله. وهي السبب في ضياع
الجهد وغياب المثوبة والأجر، عندما تتجه بصاحبها إلى غاية من
الغايات الدنيوية الأخرى، وما أكثرها، وما أخطرها على عمل
المسلم وجهوده التي يضني نفسه في بذلها.فإذا عرفت ذلك، فإنك لن
تتعلق بمظاهر الأعمال وصورها، ولن تربط المثوبة بأنواع
الأعمال، وما قد يبدو لك من تفاوتها في الأهمية وفي ما قد
تحققه من خير. بل ستتجه بالاهتمام والتمحيص إلى النية التي
تدفعك إلى هذه الأعمال أياً كانت.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:24 am

لاتطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو
أرادك لاستعملك من دون إخراج

ـ مثال على ذلك: الفرية التي نسبت إلى عبد الله بن
المبارك، إذ أنكر على الفضيل بن عياض العمل الذي أقامه
الله فيه

والآن، أفيساورك شك في أن يكون واحد كالعالم الرباني عبد الله
ابن المبارك، جاهلاً بهذه الحكمة التي تبينت لك وتجلى لك
موقعها في حقيقة هذا الدين ومنهجه التربوي والاجتماعي القويم،
فيحمله جهله بها على أن يرسل إلى الفضيل بن عياض -فيما زعموا-
أبياتاً يقرّعه فيها على موقعه الذي أقامه الله فيه، متعبداً
متبتلاً في مكة، ويسخر من ركعاته وعباداته هناك، ويدعوه إلى
الخروج مما هو فيه والالتحاق به في موقعه الجهادي، ليراه كيف
يبارز علوج الشرك والطغيان، وليبصره وقد تخضّب نحره بدمه،
فتهونَ في عينيه مدامع خشوعه التي يتخضب بها وجهه!!..أجل.. فقد
نسبوا إلى عبد الله بن المبارك زوراً وبهتاناً هذا التقريع
الساخر من الفضيل وهذا الطلب الملحّ بأن يقتلع نفسه من الحال
التي أقامه الله فيها ويتحول إلى موقعه هو الذي يتباهى عليه
به، وذلك في أبيات ركيكة ألصقت به دون أي سند، يبرأ شعر ابن
المبارك إلى الله منها، أولها: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك بالعبادة تلعب وهل تعلم من هو فضيل بن عياض؟ هو
ذاك الذي كان قلب ابن المبارك فياضاً بحبه وتعظيمه وتبجيله،
كان يقول عنه: ((إذا نظرتُ إلى فضيل بن عياض جدّد فيَّ الحزن،
ومقتُّ نفسي)) ويقول عنه: ((مابقي على ظهر الأرض أفضل من
فضيل ابن عياض)) ولقد كان من أشد الناس خوفاً من الله. وهل
تعلم من هو عبد الله بن المبارك؟ هو ذاك الذي سئل عن رجلين،
أحدهما قتل في سبيل الله، والآخر أشدّ خوفاً من الله، فقال:
أحبّهما إليّ أخوفهما.. وهو الذي سأله بعض إخوانه -وكانوا على
ثغر من ثغور القتال يتذاكرون مسائل العلم- أترى يا أبا عبد
الرحمن أن في أعمال البرّ ما هو أرضى لله مما نحن فيه؟ قال:
نعم... رجل يسعى على عياله، قام من جوف الليل يتفقد حال صبيته
ويطمئن إلى راحتهم وأغطيتهم.أفيمكن أن تستبقي معشار عقلك ثم
تصدق أن عبد الله بن المبارك هذا والذي قال عن الفضيل ما قد
سمعت، يوجّه إليه أبيات تقريعٍ وسخرية من عباداته، ويتباهى
عليه بما هو فيه، ويدعوه إلى أن يأتي فيرى نحره المخضب بدمائه،
مع العلم بأن نحره لم يخضب يوماً ما بدمه؟!..ولعلك تعود إلى
كتابي (شخصيات استوقفتني) ص67 فيما بعد، لتقف على الأدلة
الناطقة ببراءة عبد الله بن المبارك من هذا الهراء وفي مقدمتها
عدم وجود أيّ سند لنسبة هذه الأبيات إليه.أخيراً، لا تنسَ أن
ابن عطاء الله إنما يتحدث عن الأعمال المباحة، بل الأعمال
الصالحة، التي أقام الله عباده فيها، فهي التي ينطبق عليها
المبدأ الذي يوصي به ابن عطاء الله.أما العمل الذي لا مبرر له
في ميزان الشرع، مما قد يجد المسلم أنه متورط فيه، فإن الخروج
من هذا العمل واجب، بل الدخول فيه والركون إليه محرّم.ولسنا
الآن بصدد تحديد الأعمال المحرمة وبيان أصنافها، فالبحث في ذلك
يحتاج إلى بيان طويل الذيل.إنما المهم أن تعلم بأن على المسلم
أن يتعرف على الوظائف والأعمال التي تساق إليه، أو يدفع إليها،
وأن يتبين حكم الله تعالى في الإقدام عليها، فإن علم أنها
داخلة في صنف المحرمات فليتجنبها، ولا يقولن إن الله قد أقامني
في هذا العمل وليتذكر قول الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا
يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا
تَعْلَمُونَ } { الأعراف: 7/28 } والله الموفق والهادي إلى
سواء صراطه المستقيم. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:25 am

الحكمة العشرون




ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ بيان معنى الشطر الأول من هذه الحكمة

هذه الحكمة، ذات أهمية كبرى، وكأن ابن عطاء الله نبَّه إليها
ليجعل منها كابحاً يلجم به أفواه مدّعي القرب والوصول، ومصطنعي
الولاية من أولئك الذين يتعاملون مع مريديهم بالخوارق، بل
بدعوى الخوارق.وهي -فيما ستجد فيما قد تضمنته من المعاني
الجليلة- تعيد السالك إلى حمى كتاب الله وهديه، وإلى ساحة
السنة النبوية وضوابطها، وتجعل السبيل الموصل إلى التزكية
ودرجة الإحسان، خاضعاً لما تنزل من وحي كتاب الله وهدى رسوله،
فإن شرد السبيل عنهما فذلك هو التيه الذي لا بدّ أن يزجّ
الشاردين إليه في الضلال الوبيل.


ـ مكائد الشيطان للمسلمين الملتزمين تختلف عن مكائده
للتائهين والشاردين

زيدٌ من الناس، كان بالأمس القريب شارداً عن صراط الله معرضاً
عن كلامه وخطابه، منغمساً في بحار شهواته وأهوائه.. ثم إن
هداية أدركته، فشرح الله صدره للإسلام، وتعرف على أوامره
وأحكامه، ثم أخذ يلزم نفسه بأساسيات الدين، يصلي فرائضه، يصوم
شهره، ويبتعد جهد استطاعته عن المحرمات. ويؤدي ما أمكنه من
الطاعات.زيد هذا، كان الشيطان يغريه من قبلُ بالموبقات ويحبِّب
إليه الفواحش والمحرمات، فلما اتجه إلى الله يصغي إلى عظيم
خطابه ويسعى سعيه للالتزام بأهم أوامره والابتعاد عن معاصيه؛
لم يعد سبيل الإغراء له بالموبقات مجدياً، فيسلك الشيطان إليه
سبيلاً آخر يتفق والحال التي آل زيدٌ إليها.يوسوس إليه قائلاً:
ألا ترى كيف أصبحت من خيرة عباد الله الصالحين.. تصلي الفرائض
دون انقطاع، تصوم رمضان صابراً محتسباً، ترى الناس يتهافتون
على الفواحش والموبقات، وأنت مصرّ على تجنبها.. ألا تلاحظ أنك
قد أصبحت من أولياء الله المقربين؟..فإن هو ركن إلى هذا
الوسواس ولغوه، وتشرب هذا الإيحاء إلى مكمن اليقين من نفسه،
عاد إلى شرٍّ مما كان عليه سابقاً قبل توبته لأن العُجْبَ الذي
يتسرب إلى مشاعر بعض المتعبدين، من أخطر أسباب هلاك صاحبه، وهو
من أشد الأمراض التي تستقر في القلب فتهلك صاحبه، وهو من أخطر
ما سماه الله: باطن الإثم.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:26 am

ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ يوسوس الشيطان للتائب الذي فرح بتوبته: ألا ترى كيف
أصبحت الآن مقرباً من الله، في طاعاتك وجهودك؟

والشيطان يضع في طريق كل فئة أو نوع من الناس، الفخ، أو الكمين
الذي يناسبه، فالملتزمون منهم يؤخذون بداء العجب والاعتداد
بالذات وتخيل أنهم أصبحوا من عباد الله الصالحين وأوليائه
المقربين. وإذا استسلموا لهذا التصور، خسروا قرباتهم وذهبت
طاعاتهم كلها أدراج الرياح؟فما السبيل العاصم لزيد هذا من هذا
الوسواس الشيطاني؟السبيل هو أن يأخذ نفسه بهذا الذي يقوله ابن
عطاء الله.. يجيب وسواس الشيطان قائلاً: أين أنا من الوصول إلى
سدّة القرب؟ إنني لا أزال أخطو الخطوات الأولى في مدارج
السلوك.. ها أنا لا أزال غريقاً في بحار التقصير.. بضاعتي كلها
ركعات صلاة مفروضة وصيام أيام معدودة، أين أنا من النوافل
والقيام في الأسحار؟ أين أنا من الخشوع في الصلاة ومن نسيان
الدنيا إذا أقبلتُ أناجي الله؟ أين أنا من القلب النابض بذكر
الله؟ ومن الابتعاد عن كل ما حرّم الله؟ بل ماقيمة هذا التافه
من طاعاتي أمام ما أنا غارق فيه من نعم الله وفضله وآلائه.
إنني لا أزال أخبّ في أول الطريق، ومطمح قلبي من رضا الله ما
يزال بعيداً بعيداً أمامي.فهو هذا معنى قول ابن عطاء الله:
((ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلا ونادته هواتف
الحقيقة: الذي تطلبه أمامك)) .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:28 am

ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ العلاج أن يأخذ هذا التائب نفسه بنصيحة ابن عطاء الله
هذه، فيقارن بين أعماله الطفيفة وقربات الصالحين الذين هم
مضرب المثل في العبادات والتقوى

فإذا التجأ زيد من وسواس الشيطان إلى سلوك هذا السبيل (وهو
سبيل العبودية المثلى) فلسوف تحصنه عبوديته هذه ضدّ لغو
الشيطان ووساوسه، بل ستتجه به همته إلى أخذ نفسه بالمزيد
والمزيد من الطاعات والقربات، وإلى تجنب المزيد والمزيد من
المحرمات والمكروهات، كان لايصلي أكثر من فرائضه، ولا يصوم
أكثر من شهره، دون أن يأخذ نفسه بمجلس ذكر أو أن يلزمها بحضور
حلقة علم. فلما أعرض عن وساوس الشيطان وأخذ يصغي إلى هواتف
الحقيقة (على حدّ تعبير ابن عطاء الله) التي تناديه قائلة:
إن الذي تطلبه من رضا الله لا يزال بعيداً أمامك، قفزت به همته
إلى أن يضيف إلى فرائضه السننَ، وأن يلزم نفسه بورد من الأذكار
وقراءة القرآن، ثمازمه الشعور بالتقصير، فقفزت به همته إلى
القيام في الأسحار، وإلى أن يصلي صلاة مودع للدنيا كلما وقف
بين يدي الله.والشأن في هذا السالك أنه كلما خطا خطوةَ قُرْبٍ
إلى الله عن طريق مزيد من الالتزام، ازداد شعوراً بعظمة الله
وسلطانه وعظيم حقه عليه، ومن ثم ازداد شعوراً بتقصيره في جنب
الله عز وجل. وسيظل على هذه الحال، كلما ازداد قرباً منه بمزيد
من الالتزام، ازداد شعوراً بعظيم حق الله عليه، ومن ثم تبينت
له جوانب جديدة من تقصيره، فلا تنفك عنه هذه الحال إلى
الممات.هل هنالك نهاية لرحلة السعي في أداء كامل حقوق الله،
يصل إليها السالك قبل الموت؟..لا... لا نهاية لهذه الرحلة
بالنسبة لأي من عباد الله قط.لو أمكن لنبي أو وليّ أن يصل
إليها، إذن لأمكن له أن يؤدي حقوق الله عليه كاملة ولأصبحت
ذمته بريئة من أفضال الله عليه، فمن؟ ومتى؟ وكيف؟ يستطيع أن
يعتق نفسه من آلاء الله عليه؟إن سلوكه إلى الله إنما هو بفضل
الله وتوفيقه، وإن اللسان الذي يحركه بشكر الله إنما هو من
أعطياته ومننه، كذلكم العين التي يبصر بها والأذن التي يسمع
بها والرجل التي يمشي بها، كل ذلك من مواهب الله وإحسانه،
والقوة التي بها يركع ويسجد بين يديه، والمال الذي يتصدق به،
والعقل الذي يدرك به، كل ذلك منح من الله عز وجل!.. إذن فكلما
ازداد العبد قرباً إلى الله تعالى باستعماله لهذه الوسائل التي
أكرمه الله بها، تزداد منة الله عليه، ويتراكم المزيد منحقوق
الله في عنقه، فقل لي: كيف وأنَّى يتاح لهذا العبد أن يحرر
نفسه من حقوق الله وأفضاله عليه، وأن يرقى إلى حالة يؤدي فيها
كامل الذمم التي عليه لله تعالى، دون تقصير؟غير أن الشخص الذي
يكون حديث عهد بمعرفة الله والإقبال عليه والانضباط بأوامره،
لا يدرك هذا الذي قلته لك، بل يظن أنه أدى كل مالله عليه إن
رأى نفسه يصلي الفرائض في مواقيتها، ومن ثم فإن سبيل الشيطان
إليه يسير.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:29 am

ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ كلما ازداد الإنسان شعوراً بعظمة الله وعظيم حقه عليه،
ازداد شعوراً بتقصيره في جنبه، وهذا علاج آخر

والعلاج الذي يجب أن يأخذ هذا الشخص به نفسه، هو الاهتمام بذكر
الله والتأمل في صفاته والإحسان الذي يفد إلى العبد من الله عز
وجل.وبعبارة أخرى: إن علاجه يتمثل في الإقبال إلى معرفة الله،
من خلال دراسة بحوث العقيدة، بالطريقة القرآنية التي يسلكها
العلماء الربانيون، لا بالطريقة الفلسفية التي يلتقي عليها
المجادلون وعشاق المباريات الكلامية.فهذا العلاج من شأنه أن
يملأ القلب تعظيماً لله، وأن يجعل الشعور أسيراً لآلاء الله
وجليل نعمه التي لا تحصى. ومن ثم فلا بدّ أن يلازمه الشعور
بالتقصير في جنب الله، مهما ارتقى في درجات السلوك ومهما أكثر
من الطاعات والقربات.وانظر إلى ماكان عليه حال رسول الله، الذي
كان مضرب المثل في الالتزام بأوامر الله، وشكره، وأداء حقوقه؛
لقد كان على الرغم من كل ذلك، يعود إلى نفسه فيرى نفسه مقصراً
في شكر الله متهاوناً في‌‌‌‌‌‌‌‌ ‌‌‌‌‌‌‌داء حقوقه، متلبساً
بالذنب، موغلاً في الغفلة عن الله، فيُهرَعُ إلى الاستغفار كما
لو كان واحداً من العصاة المعرضين عن الله فعلاً!..إليك،
فاسمع، استغفاره هذا الذي كان يناجي به ربه عز وجل: ((اللهم
أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك
ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء
بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت))
رواه_البخاري_من_حديث_شداد_بن_أوس. .وقد صح عنه أنه قال:
((إنه ليغان على قلبي حتى إني لأستغفر الله في كل يوم مئة
مرة)) أخرجه_مسلم_وأحمد_وأبو_داود،_من_حديث_الأغرّ_المزني.
.فشعوره المتزايد، ، بعظيم حق الله عليه، يشعره بتقصيره الذي
يدفعه إلى الاستغفار وطلب الصفح منه عز وجل.وإذا تأملنا في حال
الصالحين الذين جاؤوا بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
وسلم، ممن التزموا هديه وساروا على سنته، وشهد لهم السلف
الصالح بالاستقامة والتقوى، نجد أنهم كلما ازدادوا معرفة لله
وقرباً منه، ازدادت نفوسهم لديهم ضآلة، وظهر لهم المزيد من سوء
حالهم، فتضاعفت الخشية منه في نفوسهم، والتعظيم له في قلوبهم.
ورد في ترجمة عبد الله بن المبارك أنه أقبل إلى زمزم وكان
حاجّاً، فاستقى دلواً واستقبل البيت فقال: اللهم إن عبد الله
بن المؤمل حدثني عن ابن الزبير عن جابر عن رسولك قال: ((ماء
زمزم لما شرب له)) ‌‌‌للهم إني أشربه لعطش يوم القيامة. فشرب
منه ما شاء الله أن يشرب
مختصر_تاريخ_ابن_عساكر_14/19،_وتاريخ_بغداد_10/166. .ولو أن
أحدنا وقف في المقام ذاته ليشرب من ماء زمزم، وتذكر الحديث
ذاته، لعرض بين يدي شربه آماله ورغباته الدنيوية، واتجه إلى
الله بطلبها، من تجارة أو زواج أو حل معضلة أو نحو ذلك من أمور
الدنيا. فما الفرق بيننا وبين أمثال عبد الله بن المبارك في
هذا الأمر؟الفرق أن واحداً مثلي يرى أنه قد أدى كل ما قد طلبه
الله منه على خير وجه، بل زاد وأجاد، فها هو يشتغل بالدعوة،
يعلم الناس دينهم يؤلف الكتب في الدفاع عن الإسلام والتصدي
للعابثين به والمتربصين به، ففيمَ يخاف من ظمأ يوم القيامة،
وهو مطمئن إلى أنه سينال آنذاك المثوبة التي ينتظرها وسيكرمه
الله بالجزاء الأوفى، إذن فليطلب في هذه المناسبة حاجاته
الدنيوية ورغباته العاجلة.أما ابن المبارك وأمثاله، فقد كانوا
كلما ازدادوا معرفة بالله ازدادوا شعوراً بتقصيرهم وعجزهم عن
أداء حقوق الربوبية في أعناقهم، فزادهم ذلك الشعور خشية من
الله وتعظيماً له، وزادهم تبتلاً له وانكساراً وتذللاً بين
يديه. فإذا وقف أحدهم في موقف يستجاب فيه الدعاء، نسي رغباته
الدنيوية وحاجاته العاجلة، واستغرق في همِّ ما هو مقبل عليه من
أحداث يوم القيامة.. ورأى نفسه مجرداً عن الأمل بأيّ عمل
يستأهل به مثوبة الله وإحسانه. إن هو إلا التعلق برحمة الله
والدعـاء الواجف في هذا الموقف، بأن يعامله الله يوم القيامة بما هو
جل جلاله أهل له من الصفح والغفران، لا بما هو
-في نظره- أهل له من الهلاك والبوار، فيخاطب الله قائلاً:
اللهم إني أشرب ماء زمزم لتقيني من ظمأ ذلك اليوم.وإني لأذكر
في هذا الصدد أن مسؤولاً كبيراً ذا مكانة مرموقة في الدولة زار
والدي رحمه الله لأول مرة دون سابق معرفة. واستقبله والدي في
غرفته الصغيرة المتواضعة كما يستقبل عامة من يزوره من الناس...
وجلس الرجل كمن يحبّ أن يتعرف على شيء غريب يتبدّى في حال
إنسان مجهول. ثم نظر إلى والدي وخاطبه بالكلمة التقليدية التي
يخاطب بها عادةً أمثالُه أمثالَ والدي، قال له: ادع الله لنا
ياشيخي فنحن مقصرون!..نظر إليه والدي قائلاً: أفجادٌ أنت بقولك
هذا؟.. أفموقن أنت بأنك مقصر حقاً؟.. إن كنت كذلك فاطمئن بالاً
إلى رحمة الله وسعة مغفرته.ثم قال له: أتشكو تقصيرك إليّ؟ مَنْ
منا ليس مقصراً في جنب الله؟لعلك سمعت الناس يقولون عني: شيخ
ملا.. شيخ ملا... ورأيت سجادتي أمامي والسبحة في يدي ومظهري
بهذه العمامة واللحية، فغرك ذلك مني فظننتني أحسن حالاً منك،
وجئت تشكو إليّ تقصيرك.. من منا غير مقصر في حق إلهنا ووليّ
أمرنا؟ثم أخذ رحمه الله يكلمه عن عظيم حق الربوبية لله على
عباده، وعن ضعف الإنسان تجاه أداء أي جزء من أجزاء هذه الحقوق.
وأكد له أن خير مايقرب العبد إلى الرب التذلل الصادق على
أعتابه، والعزمعلى أن يظل يتابع الخطى على طريق الالتزام
بأوامره جهد استطاعته، موقناً بأنه لو عاش عمر الدهر كله، فإنه
لن يستطيع أداء أصغر جزء من حقوق الله عليه.أذن أعود فأقول لك:
إذا أراد الشيطان أن يفتَّ في عضدك ويوسوس إليك بأنك قد أديت
كامل ما افترضه الله عليك وطلبه منك، فأعرض عن وساوسه وأَصْغِ
إلى صوت الحقيقة التي شرحتها لك من خلال الصفحات القليلة
الماضية، تجد أنها تقول لك:ألا إن الكمال لايزال أمامك،
ولايزال ظهرك مثقلاً بعظيم حق الله عليك، فتجاوز هذه المراحل
لا تقف عندها، ولا تلتفت إلى حديث الشيطان ومكره، وليكن رأس
مالك الذي تتعامل به مع الله عز وجل أن تعلن له عن عجزك وضعفك،
وأن توقن بأنك كلما ازددت توفيقاً في أداء أوامره، ازدادت منته
عليك، وتضاعف افتقارك إلى رحمته بك ومغفرته لك. * * *


__________________

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:30 am

ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ بيان معنى الشطر الثاني من هذه الحكمة:

ثم ينقلنا ابن عطاء الله إلى الشطر الثاني من حكمته هذه،
فيقول: ((ولا تبرجت له ظواهر المكوَّنات إلا ونادته حقائقها:
إنما نحن فتنة فلا تكفر)) .


ـ تتبرج المكوَّنات للسالكين والمرشدين بمعنيين اثنين:

تتبرج المكوَّنات للسالكين بمعنيين اثنين: أحدهما: انفتاح
الدنيا على السالك، وتكاثر النعم وأسباب المتع من
حوله.. ثانيهما: انقشاع بعض أسرارها له، من خلال خوارق تبدو
له بين الحين والآخر.‌‌‌‌وللشيطان صولة وجولة، أمام كل من هذين
المعنيين، إذ يسعى سعيه اللاهث إلى توظيفه لإبعاد السالك عن
مواصلة السير إلى الله، ولشغله عن مجاهدة النفس وأهوائها وعن
مراقبة الذات أن لا تتيه وتنحرف، بما قد يلذّ له من بوارق
النعم والمتع التي تتكاثر بين يديه، أو من بوارق الخوارق التي
تلوح له فيحسبها شهادة ولاية أو علوّ في درجته عند الله عز
وجل.وكم من صلحاء وسالكين تخطَّفهم الشيطان ثم قذف بهم في
أودية الضلال والشقاء، عندما نصب لهم من هذين الخطرين
شِرْكَيْنِ تصيَّدهم بهما أو بواحد منهما.تفتح الدنيا على
المرشد وتساق إليه النعم وترخص بين يديه المتع، بقطع النظر عن
الأسباب التي تيسر له ذلك، فإن كان ممن تشبع بنصيحة ابن عطاء
الله هذه، مرّ غير عابئ بها ولا واقف عندها، موقناً أنها تقول
له بلسان الحال، فعلاً: إنما نحن فتنة فلا تكفر.


ـ المعنى الأول انفتاح الدنيا عليهم وتكاثر النعم وأسباب
المتع من حولهم، فيوظفهم الشيطان للركون إليها والتقلب
فيها

ومعنى كونه لا يعبأ بها ولا يقف عندها، أنه لا يجعل لها مغرس
حب في قلبه، ولا يجعل منها هدفاً يسعى إليه، أو زينة يتباهى
بها، أو متعة يركن إليها فتصدّه عما هو بصدده من التوجه قلباً
وقالباً إلى ما به بلوغ مرضاة الله.وإن كان ممن يتخذ الإرشاد
مصدر تجارة، ويجعل من حسن سيرته وربّاني سلوكه بين الناس، شارة
مميزة يتجمل بها، ومركزاً يتبوَّؤه في قلوب الناس، فإنها لا
بدّ أن تستهويه فتجذبه إليها فتحبسه في أقطارها، ولا بدّ أن
يقطعه الشيطان عن مواصلة السير في الطريقالمقرب إلى الله، ثم
يسقيه من تلك المتع والنعم التي تتراقص بين يديه وفي أحضانه
كؤوساً إثر كؤوس، حتى يثمل بها، ويحجب عن المصير الذي كان
يؤرقه، والإله الذي كان يسعى لاهثاً إلى استرضائه، فيصبح مثله
كالذي قال الله تعالى عنه: { وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ
يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } { الأعراف: 7/176 } فهذا
هو أحد المعنيين المرادين لتبرج المكوَّنات أمام السالكين.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:31 am

ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ المعنى الثاني: تزايد الناس المستفيدين من حول أحدهم
وتأثرهم به، فيشعر من ذلك بأن له قدم صدق عند ربه، وأنه
قد غدا من أوليائه المقربين

وإليك الآن بيان المعنى الثاني: يسير العالم المرشد (ولايكون
المرشد إلا عالماً ولا العالم الرباني إلا مرشداً) في طريقه
متعلماً ومعلماً ومرشداً للناس، فتقبل إليه جماهيرهم من كل حدب
وصوب، ويشعر من تأثرهم به وهداية الكثير منهم على يده أن له
قدم صدق عند الله، وأنه ذو نفحات قدسية وكرامات ربانية، فإن
كان من المتشبعين بأخطار النفس والهوى، والمتبصرين بمداخل
الشيطان ومزالقه، لم يقف عند هذه المشاعر والأوهام، ومرّ بها
مستغفراً الله تعالى، موقناً بأنه عبد سوء، وأنه شديد الحاجة
إلى حماية الله وستره.أما إن لم يكن قد أخذ حظه كافياً من
تزكية النفس ودوام مراقبة الله، وكان ممن يتعامل بكلمات الدين
وشعاراته، بعيداً عن جوهره ولبابه، فإن الحال التي وصفت من
إقبال الناس إليه وتأثرهم به، وازدهار كلماته في نفوس الناس،
لا بدّ أن تأسره فتسكره، فتوقظ بين جوانحه الاستكبار والإعجاب،
وهي آفة راقدة بالفطرة في كيان كلإنسان، إلاّ أن هذه الآفة
تصطبغ في كيانه بصبغة الوظيفة التي هو فيها، فيكون استكباره
بوظائف الدين، وليس استكباراً على الدين ووظائفه كما هو شأن
المارقين والملحدين.


ـ من شأن هذا الذي ركبه هذا الوهم أن يظل يحدّث مريديه عن
مناماته وكراماته، وأن يلفت أنظارهم إلى خوارقه

ومن شأن النفس الأمارة بالسوء أن تزيده اندفاعاً في هذا
السبيل، أما الشيطان فيجمِّل له هذا المسعى ويوهمه أنه ليس إلا
واحداً من كبار المرشدين الربانيين ومن أوليائه الصالحين، وأن
عليه أن يلفت نظر مريديه إلى هذه الحقيقة، حتى يكونوا أكثر
انتفاعاً به واقتداء بسلوكه وانقياداً لتوجيهاته.ومع اندفاعه
في هذا السلوك وتصديقه لهذا الوهم الشيطاني المنبعث في كيانه،
يدبج مجالسه ودروسه وعظاته، بالحديث عن مناماته التي يرى فيها
رسول الله ، بل ربما حدّثهم عن رؤيته له يقظة لا مناماً،
ويشيع عن نفسه الخوارق والكرامات التي يميزه الله بها فتشهد
على عظيم حاله وشديد قربه من الله.وأنا لا أستبعد أن يكون بعض
ما ينسبه إلى نفسه من الخوارق صحيحاً، بل الأصل هو الصدق فيمن
لم يعلم عنه الكذب. ولكن الراجح أن في شياطين الجن من يجندون
أنفسهم لخدمة هؤلاء التائهين والمستكبرين بوظائفهم الدينية،
ليدفعوا بهم إلى مزيد من اعتقاد الولاية في حق أنفسهم، وإلى
مزيد من الاستدراج على طريق الإعجاب بأنفسهم. فيقحموهم من وراء
ذلك بأودية الهلاك ويدفعوهم إلى أحابيل الإهلاك.والميزان
الشرعي في هذا أن الكرامة الحقيقية التي تكون دليلاً على صلاح
صاحبها وعلى تقواه وولايته، هي الاستقامة على شريعة الله
والانضباط بأوامر الله المتجهة إلى إصلاح كلٍّ من الظاهر
والباطن. فمن تمتع بهذه الاستقامة واصطبغ ظاهره وباطنه بجوهر
العبودية لله وثبت على ذلك فهو الوليّ الذي عرفه الله تعالى في
القرآن بقوله: { الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ } {
يونس: 10/63 } وقد اجتمعت كلمة العلماء الصالحين الذين شهد لهم
السلف الصالح بعلوّ المنزلة عند الله تعالى على أنه لا قيمة
لحال من يُرى ماشياً على البحر، أو طائراً في الجو، أو مظهراً
لما هو أغرب من ذلك من الخوارق، إن لم يتمتع بهذه الاستقامة
على أوامر الله وشرعه ظاهراً وباطناً.ذلك لأن الشياطين ييسّرون
لأوليائهم من الخوارق مايفوق في الغرابة المشي على البحار
والطيران في الهواء، فلا يكون ذلك دليلاً إلاّ على إغواء
الشياطين لهم، والتحكم بهم.فإن التبس عليك الأمر، ولم تعلم
شيئاً عن حال صاحب هذه الخوارق أمستقيم هو أم لا، فانظر إلى
موقفه من الخوارق التي تنسب إليه أو التي تظهر على يديه، فإن
رأيته حريصاً على أن لا ينوّه ولا يأبه بها، يوصي من حوله بأن
لا يتحدثوا بها ولا يرددوها عنه، مؤكداً في المناسبات بأن
الخوارق التي تجري على أيدي بعض الناس لا أهمية ولا قيمة لها،
إنما الأهمية تكمن في الاستقامة التي أمر الله بها رسوله،فبعث
ذلك الأمر في قلبه من مشاعر الخشية وثقل المسؤولية، ماشيّبه
كما قال ذلك عن نفسه. فاعلم أن هذا الموقف منه دليل على
استقامته، وعلى أنه إنما يستنزل من عند الله لنفسه الكرامة
الحقيقية التي عبرّ عنها البيان الإلهي بقوله عز وجل: {
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ
الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ } { إبراهيم: 14/27
} أما إن رأيته يصطنع المناسبات ليذكر بها أو يستعمل أقصى
درجات اللباقة ليستنطق بالحديث عنها والتذكير بها المريدين
الذين من حوله، ويجعل من الحديث عن الخوارق وأنواعها وأهميتها،
نسيج دروسه ومواعظه، ويصرّ على أن يغرس الثقة به في قلوب الناس
عن طريق الخوارق التي يزعم أن الله يخصّه ويؤيده بها، فاعلم
أنه مفتون بنفسه وأنه من هواة التبجيل والتمجيد وعلو المكانة
بين الناس، وأنه إنما يتخذ مما يسميه الكرامات والمنامات وما
قاله له رسول الله في المنام أو اليقظة، هالة دعاية أو دعوة
لنفسه.وإن رأيت أيّ خارقة ظهرت على يد واحد من أصحاب هذا الشأن
فاعلم أنها استدراجٌ فتنه الله تعالى به. ألم تقرأ قول الله
تعالى: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ،
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } { القلم: 68/44ـ45 }
ولاتتوهمن أن الاستدراج إنما يبتلى به الكافرون فقط، بل إن
الله قد يبتلي به كل من يسخر دينه عز وجل لأهوائه ومطامحه
الدنيوية.كثيرون هم الذين يحدثونني عن شيوخهم والكرامات التي
يؤيَّدون بها، وعن رؤيتهم لرسول الله في المنام والأقوال التي
قالها لهم عليهالصلاة والسلام، مما يعدّ شهادة منه على عظيم
جاههم عند الله عز وجل.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:32 am

ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلاّ ونادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، ولاتبرجت له ظواهر
المكوّنات إلاّ ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر

ـ ربما ادعى أحدهم أنه يرى رسول الله يقظة وأنه يحدثه
وأنه يسأله فيجيبه!!

ثم إنهم اليوم يخبرونني برؤية شيوخهم لرسول الله يقظة لا
مناماً. ويطلعونني على الحوارات التي تجري بينهم وبين رسول
الله، وعلى مواقفه من كثير من الحوادث والمشكلات
المعاصرة.فماذا يقول الشرع في حق هؤلاء الناس؟ يقول الشرع في
حق من يزعم أنه يرى رسول الله يقظة: إنه يجب أن يعزر.ذلك لأن
أياً من أصحاب رسول الله بعد وفاته أو التابعين أو تابعي
التابعين أو تابعيهم، لم يزعم أنه رأى رسول الله يقظة، فيما
وعاه التاريخ الإسلامي العام أو تاريخ التراجم.ولو كان في
الصالحين من هو أهل لأن يرى رسول الله يقظة، لكان رجال السلف
الذين شهد لهم رسول الله بالخيرية والأفضلية، هم أولى الصالحين
بذلك.ونحن لا نستدل بهذا الذي عرفناه من تاريخ السلف الصالح،
على أن رؤية رسول الله يقظة مستحيلة. معاذ الله، فرسول الله
حيّ يتمتع بحياة برزخية متميزة عن حياة غيره من الأولياء
الصالحين، وإمكانية رؤية أهل البرزخ عقلاً قائمة.ولكن
الإمكانية العقلية لها شيء، وادعاء وقوعها شيء آخر.إن التاريخ
لايعلم أن في العصور المفضلة الثلاثة، بل الأربعة، من ادعى هذه
الرؤية.. فهي إما أنها لم تقع، أو إنها ربما وقعت لبعض منهم،
ولكنه لم يزعمها لنفسه ولم يتحدث بها، لا في مجالسه الخاصة،
ولا على الملأ وأمام عامة الناس، كما يفعل بعضهم اليوم.إذن
فالذي يدعي أنه رأى، أو يرى، رسول الله يقظة، في زماننا هذا
ينبغي أن يعزر لأنه كاذب. إذ لو رآه فعلاً بناء على الإمكان
العقلي، لكان إذن من أصلح الصالحين ولحملته حاله المتميزة من
الصلاح والفضل والتقوى والقرب من الله، على أن يصمت ولايجلجل
بهذا الأمر بين الناس، بل لا بدّ أن تحمله حاله تلك على أن لا
يفتح فمه بهذا الخبر لأحد، وأن يزداد وجلاً وتواضعاً وخوفاً من
الله عز وجل.ولماذا يحدث الشيخ مريديه بمثل هذه المزاعم أو
الأخبار؟!.أمَا إنها لا تقنع مرتاباً بالحق، ولا تعرّف جاهلاً
بالدين، ولا ترقق قلباً جللته القسوة، ولا تقرب فاسقاً إلى
حظيرة التوبة والالتزام.أغلب الظن أنه لا يملك حصيلة من العلم
واسعة بدين الله عز وجل يردّ بها غائلة الجاحدين ويروي بها
غلّة الجاهلين، ويحبّب بها الإيمان بالله إلى القلوب، فهو يغطي
جهالته هذه بما يتسنى له من دعوى الخوارق والكرامات وأعاجيب
التحويلات.فلئن صح أن تكون هذه الدعاوى، أو حتى هذه العروض، من
نوع العمل الإرشادي وجهود الدعوة إلى الله والتبصير بدين الله،
فما أيسر أن تكون عروض السحرة وقرناء الجان، ومن تبعهم من
الممخرقين وذوي المهارات اليدوية، مادة متميزة رائعة في عمل
الدعوة الإسلامية والإرشاد الديني. * * * فإذا تبيّن لنا هذا،
فإن النتيجة التي يريد ابن عطاء الله أن ينتهي بنا إليها هي أن
على السالك أياً كانت مرتبته أن لا يفرح بالخوارق التي قد
يجريها الله على يديه، وأن لا يلتفت إليها التفاتة فرح
واهتمام.فإنه إن فعل ذلك، كان كالطفل، وضع في حجره حبات ذات
ألوان زاهية من السكاكر والحلوى، فهو يلهو ويفرح بها!.. وما
أدراه أن الله يمتحنه بهذه الخوارق أفيلهو بها ويطمئن إليها
وتعود به إلى طفولة إقباله على الله، وحداثة عهده بالسلوك على
صراطه سبحانه، أم إن تعلقه بالله وشديد تعظيمه له وصادق شوقه
إليه، كل ذلك يحجبه عن الاهتمام بتلك الخارقة والالتفات إليها،
فيواصل طريقه سعياً إلى استنزال المزيد من رضا الله ومغفرته
وعفوه. متناسياً بل ناسياً ذلك العارض الذي وقع له والذي لا
يقدم ولا يؤخر أمام عظيم طموحاته وآماله.فتلك هي حصيلة المعنى
الذي تضمنه قول ابن عطاء الله: ((..ولا تبرجت له ظواهر
المكونات إلا ونادته حقائقها إنما نحن فتنة فلا تكفر)) أي
إنما نحن مادة امتحانية سخرنا الله لامتحانك (وابن عطاء الله
يستنطق الخوارق بهذا الكلام بأسلوبه البليغ كما ترى) فإياك أن
تفتن بظواهرنا وأن تنسب لنفسك ما لا تملكه من تصرفات الله بنا.
فإنما أنت في كل الأحوال عبد عاجز ضعيف؛ فالزم واقع عجزك
وضعفك، وعد إلى مزيد من التبتل والانكسار على أعتاب مولاك
وخالقك. * * *


ـ ما يظنه بعض العوامّ من الناس، من أن الوليّ هو الذي
تجري على يديه الخوارق والكرامات.. وبيان المعنى الديني
السليم للولي

بقي أن نختم شرح هذه الحكمة بالتحذير مما عليه حال كثير من
العوام من النظر إلى قيمة العالم أو المرشد الديني، من خلال
ماقد يتراءى له أو ينسب إليه من الخوارق والكرامات، فإن كان
ممن يتحدث الناس عن كراماته الخارقة، تفتحت له نفسه وشدّ
الرحال إليه ووثق به، وصدّقه في كل ما يقول، وسلّم له كل
أفعاله وتصرّفاته، دون أن يعود في شيء من ذلك إلى ميزان القرآن
والسنة.وإن لم يكن له نصيب من أقاويل الناس وحكاياتهم عن
كراماته، ربما سألوا عن ذلك واستوضحوا.. حيطة منهم قبل أن
يعرضوا عنه ويسيئوا الظن به، فإن تأكدوا أن الرجل ليس في كل من
حوله من يروي عنه خارقة وقعت له، لم يشكّوا بأنه فارغ من
الأسرار، بعيد عن الأنوار العلوية، وبأنه حديث عهد بالمعارف
الدينية والعلوم الربانية، ومن ثم فلا بدّ أن يعرضوا عنه ولا
يلقوا بالاً له!..مقياس ولاية الأولياء عندهم ما قد عرفوا به
ونسب إليهم من هذه الخوارق والأعاجيب.ولعل هذا هو السبب في أن
كثيراً من الأولياء الصالحين الذين شهد لهم السلف الصالح
بالاستقامة والتقوى، نسجت من حولهم قصص وحكايات عن خوارق نسبت
إليهم باسم الكرامات التي جاءت شاهداً على علو مكانتهم عند
الله عز وجل.وقد ثبت لدى التحقيق أن معظم تلك الحكايات مختلقة
لا أصل لها، وإنما تخيلها ثم رواها عنهم مريدون محبون، دفعهم
الحب إلى أن ينسبوا إليهم هذا الذي يعدّ في نظرهم الشرط الذي
لا بدّ منه لحيازة العالم المرشد على وصف الولاية ومن ثم على
لقب: الولي!..وقد عرفت أن الحقيقة ليست كذلك!.. عندما ألفت
كتابي (هذا والدي) في ترجمة حياة والدي الشيخ ملا رمضان رحمه
الله، لم أعرّج فيه على ذكر شيء من الكرامات، ولم أنسب إلى
والدي شيئاً منها... ولما ظهر الكتاب وانتشر، اطّلع عليه بعض
الفضلاء الذين كانوا يترددون على والدي بين الحين والآخر، ممن
يهمهم أمر الكرامات ولا يستطيعون أن يتخيلوا أي انفكاك بينها
وبين صلاح الصالحين وتقواهم. فأقبل إليّ مستنكراً يقول:كتابك
هذا ناقص.. فأنت لم تتحدث فيه عن أهم ما كان يجب أن تحكيه عن
الوالد!.. قلت: ماهو؟.. قال: كراماته العجيبة!..قلت له: إنني
تريثت كثيراً في تأليف هذا الكتاب مخافة أن لا يرضيه حديثي
عنه. ثم إني استخرت الله واستشرت بعض الصالحين، فأشاروا إليّ
بالمضي فيه، شريطة أن أسلك في حديثي عنه المنهج الذي
يرضيه...وأنا أعلم أنه كان شديد الكراهية للوقوف في تراجم
الصالحين عند كراماتهم، وكان أشدّ ما يكون كراهية، عندما يجلس
إليه من ينقب له عن خارقة أو كرامة.ففيم تطلب مني أن أخلط عملي
في إخراج هذا الكتاب بما يبغض والدي ولا يسرّه، وهو في حياته
البرزخية التي آل إليها؟قال لي: ولكني سأتمم نقص كتابك، وألحق
به الفصل الذي أسقطته أنت منه.وغاب عني.. ثم أقبل إليّ بعد حين
يحمل إليّ نسخاً من كتيّب سماه (الفصل الساقط من كتاب هذا
والدي) ضمنه حكايات عن خوارق نسبها إلى والدي رحمه الله، ولا
علم لي بها، ومن ثم لا أستطيع أن أثبتها ولا أن أنكرها.لقد كان
اهتمام هذا الأخ الفاضل بالحكايات التي رواها عن والدي، والتي
لا تحمل في طيها أي إرشاد أو توجيه ديني أو علمي، وإنما تحمل
روحاً من التسلية من خلال الغرائب التي فيها، أكبر بكثير من
اهتمامه بالعبر والعظات التي تؤخذ من سيرة والدي، منذ هجرته
إلى دمشق إلى الساعات التي ودع فيها الدنيا متجهاً إلى لقاء
ربه عز وجل.وإنها لآفةُ تعامُلِ كثير من العامة اليوم مع
العلماء المعروفين بصلاحهم واستقامتهم وشدّة تعلقهم بالله عز
وجل.وإني لأقول لهؤلاء الأخوة: ماذا يفيدني في ديني وإصلاح
حالي أن أصغي إلى قصة تقول: أن الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس
الله روحه، قدمت إليه مرّةً دجاجة مشوية، فلما أكلها جمع
عظامها المتناثرة على المائدة، ثم قال لها: قومي بإذن الله،
فقامت للتوّ دجاجةً حية، وانطلقت تخفق بجناحيها؟ولكن كم وكم
يفيدني في إصلاح حالي، وإيقاظي من غفلات الأهواء، إلى مصيري
الذي أنا مقبل إليه، وفي ترقيق قلبي بعد القسوة التي غلف بها،
أن أصغي إلى عظاته ونصائحه الفواحة بعبير الإخلاص وحرقة القلب
الملتاع بمحبة الله عز وجل، في مجلس من مجالسه الإيمانية
الرائعة، في كتابه ((الفتح الرباني والفيض الرحماني))
!...فلماذا أضيع الوقت في تسلية من خلال سماع حكاية، لا أدري
أصحيحة هي أم مختلقة، وأحرم نفسي من نصائح عقلانية ونورانية
تمخر الكيان مني إلى مقرّ القناعة في العقل وإلى منتهى التأثر
في سويداء القلب؟!.. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:33 am

الحكمة الحادية والعشرون



طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ شرح الفقرة الأولى منها: ((طلبك منه اتهام له))

هذه الحكمة تتألف من أربع فقرات، لكل منها معنى مستقل. فلنبدأ
بشرح الفقرة الأولى منها: ((طلبك منه اتهام له)) :قضت
محكمة نمرود على سيدنا إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة
والسلام، بالحرق لأنه كسّر أصنامهم.. وجيء بالحطب الكثير
فأضرمت فيه النيران، حتى ارتفعت ألسنة اللهب واشتدّ أواره،
وجيء بسيدنا إبراهيم مقيداً ووضع في المنجنيق (القاذف) ليلقى
به منه إلى تلك النيران الموقدة.فهل في الساعات التي يحتاج
فيها العبد إلى ربه عز وجل كهذه الساعة التي مرّ بها سيدنا
إبراهيم احتياجاً إلى لطف الله وحمايته؟!..


ـ مثال توضيحي قصة النمرود مع سيدنا إبراهيم إذ قرر حرقة
بالنار

ومع ذلك فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام لم يتجه إلى ربه عز
وجل بأي طلب. بل قال وهو يرمى به في النار: حسبي الله ونعم
الوكيل روى_ذلك_البخاري_في_صحيحه_من_حديث_ابن_عباس. .وهذه
الكلمة استسلام لأمر الله وحكمه، وليس فيها رائحة طلب لشيء.فما
الذي صرف خليل الرحمن عن المسألة وطلب النجاة من عتو نمرود
وبطشه؟..إنه حالٌ هيمنت عليه في تلك الساعة، ألجمته عن
السؤال..كان يعلم أنه إنما حكم عليه بهذا العقاب الفريد من
نوعه لأنه انتصر لوحدانية الله بكل ما أوتي من وسيلة وقدرة.
وهو يعلم بأن الله عز وجل لا بدّ أن يبادل حبه لذاته العليّة
بحبه الذي هو أجلّ وأقدس، بل هو الأسبق في قضاء الله وعلمه،
وهل يتخلى المحب عن محبوبه، بل هل يتخلى المحبوب جل جلاله عن
عبده الذي يحبه؟ هيهات، بل معاذ الله!...لقد كان سيدنا إبراهيم
إذن واثقاً الثقة التامة بأن مولاه الواحد المحب المحبوب لن
يتخلى عنه.وهذا هو معنى قوله: حسبي الله ونعم الوكيل.إنها كلمة
الواثق برحمة الله المطمئن إلى حمايته له ودفاعه عنه وانتصاره
له، فكيف يتجه إليه بالمسألة والطلب مع ذلك؟!..إن حاله التي
كان فيها من عظيم الثقة بلطف الله وبانتصاره له وتداركه له
بالحماية، يتناقض بشكل حاد مع الطلب الذي يفترض أن يتوجه به
إلى الله عز وجل.. فطلبه في هذه الحال التي هو فيها إنما يفسر
باتهامه الله عز وجل بأنه لن يتداركه بالحماية من بطش نمرود إن
هو لم يطلب منه ذلك. وصاحب هذه الثقة يتبوء مركزاً سامياً عند
الله عز وجل.يشير إليه الحديث القدسي الذي يرويه رسول الله عن
ربه عز وجل: ((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما
أعطيالسائلين))
أخرجه_البخاري_في_التاريخ،_والبيهقي_في_شعب_الإيمان، _والبزار_ف
ي_مسنده_من_حديث_عمر_بن_الخطاب. إذ المراد بالذكر هنا شدّة ثقة
العبد بالرب، واستغراق القلب في هذه الحال.قلت لك: هذه حال
تنتاب العبد المؤمن بربه عز وجل من جراء وضع مرّ به أو عمل قام
به، فضاعف ذلك من ثقته برحمة الله وحمايته ونصره وتأييده. وتلك
هي الحال التي هيمنت على سيدنا إبراهيم فألجمت فاه عن التوجه
إلى الله بالمسألة والطلب.. والأمر أو العمل الذي أورثه تلك
الحال انتصاره لدين الله ووحدانيته، عندما أقبل فكسر كل تلك
الأصنام وجعلها جذاذاً متناثرة. إنه -وقد انتصر لمولاه وخالقه-
أيقن أنه عز وجل ناصره وأنه لن يتخلى عنه، فكيف يسأله مع ذلك
سؤال الخائف المرتاب.ولكن هذه الحال قد تغيب لتظهر في مكانها
حال أخرى تتجلى من خلالها مشاعر العبودية لله عز وجل خوفاً من
مقت الله وغضبه وتحسباً لعقاب يرى العبد أنه متعرض له، وذلك
لتقصير وقع فيه أو لسوء بدر منه، فتدفعه هذه الحال إلى أن يلوذ
بكرم الله وصفحه، وإلى أن يرجوه الصفح عن زلاته والعفو عن
تقصيره، ومغفرة ذنوبه وما وقع فيه من سوء.وقد تجلت في حياة
سيدنا إبراهيم هذه الحالة الثانية، كما تجلت فيها الحالة
الأولى التي وصفتها لك.تأمل في كلامه هذا الذي يرويه عنه ربّه
عز وجل بعد أن جادل قومه وأباه في مسألة الأصنام التي
يعبدونها: { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ
الْعالَمِينَ ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي
هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ، وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ
يَشْفِينِ ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ، وَالَّذِي
أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } {
الشعراء: 26/77-82 } إذن فالحال التي انتابت سيدنا إبراهيم هنا
هي الخوف من تقصيره في جنب الله والخوف من عواقب ما يسميه
خطيئة ارتكبها فاستحق بها العقاب.. إن من الطبيعي أن تدفعه هذه
الحال الثانية إلى أن يبسط كفيه بالدعاء تذللاً وانكساراً بين
يدي الله عز وجل، وهذا ماحكاه عنه بيان الله عز وجل بعد أن
تحدث عن خطيئته وطمعه بمغفرة الله له، إنه يقول: { رَبِّ هَبْ
لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ، وَاجْعَلْ لِي
لِسانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ
جَنَّةِ النَّعِيمِ ، وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ
الضّالِّينَ ، وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ، يَوْمَ لا
يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ، إِلاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } { الشعراء: 26/83-89 } وعن هذه الحالة
الثانية يتحدث ابن عطاء الله في حكمته الأخرى الآتية قائلاً:
((لا يكن طلبك تسبباً إلى العطاء منه، فيقلَّ فهمك عنه، وليكن
طلبك لإظهار العبودية، وقياماً بحق الربوبية)) .إذن هما
حالتان تعتريان المؤمن: إحداهما تبعث فيه الخجل من الطلب
والدعاء، وذلك عندما يوحي الطلب بضعف ثقة الطالب أو السائل
برّبه عز وجل، وما قد ألزم به ذاته العليّة تجاهه. الأخرى
تبعث فيه الخوف مما يرى نفسه مستحقاً له من الزجر الإلهي
والتأديب الرباني، فيدعوه ذلك الخوف إلى الانكسار والتذللعلى
أعتاب الله عز وجل، وإلى أن يسأله التفضل بالصفح عن إساءاته
وزلاّته وأي الحالتين تعرّض لها المؤمن، فإنها على كل حال لا
تكون إلاّ من ثمرة صدق العبودية لله تعالى. والمؤمن الصادق
المتفاعل مع إيمانه، لا بدّ أن يتقلب، من علاقته بالله عز وجل،
في إحدى الحالتين. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:34 am

طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ شرح الفقرة الثانية: ((وطلبك له غيبة منك عنه))

ثم ينتقل بنا ابن عطاء الله إلى الفقرة الثانية فيقول:
((وطلبك له غيبة منك عنه)) .طلبك له.. أي بحثك عنه. تقول:
طلبت فلاناً، أو طلبت آية في كتاب الله، أي فتشت وبحثت عنها أو
عنه.وإنما يكون طلب الشيء عند غيابه، وإلا فلا معنى لطلبه؟فمتى
كان الله غائباً حتى يطلب أي حتى يبحث عنه؟!..لقد سبق أن أكد
ابن عطاء الله في الحكمة السادسة عشرة أن الله عز وجل ليس
محجوباً بشيء عن بصيرة الإنسان وعقله.إذ ما من شيء يفترض أن
يكون حجاباً عن الله تعالى إلا وهو دليل عليه، فكيف يكون
الدليل على الشيء حجاباً دون رؤيته أو العلم به؟!..وتأمل في
دقة التعبير في قوله: ((...غيبة منك عنه)) إنه يقول لك:
عندما تجد نفسك في حالة تحتاج فيها إلى البحث عن الله، فاعلم
بأنه ليس غائباً عنك وراء حجاب قد حجبه عنك، ولكنك أنت الغائب
عنه داخل سجن من الجهالة أو التيه أقصاك عنه... إذ إن الذي
عَشِيَتْعيناه عن رؤية ما هو موجود أمامه، لا يقال إن الموجود
غائب عنه، ولكن يقال إنه هو الغائب عن الموجود، إذ الحجاب
يتمثل في ضعف لاصق به، وليس متمثلاً في غشاء مسدل على
الموجود.وتلك هي حال من عَشِيَ عقله، بسبب استكبار هيمن عليه
أو عصبية استعبدته، فلم يعد يؤمن بوجود الخالق عز وجل، وراح
يسأل: أين هو؟ دلّني عليه.قل له: إنه أمامك، بل إنه ملء بصيرتك
وإدراكك، ولكن فلتمزق العصابة التي عصبت بها بصيرتك، بتحررك من
الاستكبار الذي ران عليك، تعلم عندئذ أنك أنت الذي كنت غائباً
عنه داخل سجن مظلم من كبريائك.وما أعتقد أننا بحاجة إلى مزيد
شرح لهذه الفقرة، بعد الذي ذكرناه مفصلاً ومطولاً في شرح
الحكمة السادسة عشرة. * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:35 am

طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ شرح الفقرة الثالثة: ((وطلبك لغيره لقلة حيائك منه))

أما الفقرة الثالثة ، فيقول فيها ابن عطاء الله: (( وطلبك
لغيره لقلة حيائك منه )) . ((الغير)) هنا تشمل الأشخاص أو
الكائنات التي يتوهم أن لها فاعلية مع الله أو من دون الله،
كما تشمل الأعراض والمتع التي يبتغيها ويتعلق بها الإنسان من
دون الله عز وجل.فمن تأمل في هذه المكونات وعظيم إبداعها ورائع
نظامها، ودقائق أهدافها، ثم ابتغى لها خالقاً ومنظماً من دون
الله عز وجل، فقد بالغ في جرأته على الله وعدم الاستحياء
منه.ولا يشترط لابتغاء غير الله أن يذهب هذا المبتغي في البحث
عن غيره مذهب الملاحدة والمنكرين لوجود الله عز وجل، بل يدخل
في ذلك، على حد تعبير ابن عطاء الله هنا، من صدّق بسببية
حقيقية بين الخالق ومخلوقاته، فأضاف الغذاء إلى فاعلية القوت
والنبات، وأضاف فاعليتها إلى فاعلية السحب والأمطار، وأضاف
فاعليتهما إلى أبخرة البخار، موقناً بأن لتلك السلسلة من
الأسباب الجعلية الظاهرة، فاعلية حقيقية طبيعية أو فاعلية
أودعها الله في الأشياء ثم تركها تفعل فعلها.إن على الموقن
بوحدانية الله عز وجل أن يعلم أن الله واحد في ذاته العلية،
وواحد أيضاً في صفاته السنية كلها، فلا يشركه في تلك الصفات
شيء.وهذا التوحيد يستلزم أن تعلم أن ما نظنه أسباباً، في نظام
هذه المكونات إنما هو اقترانات شاءها الله تعالى بين سابق
ولاحق، استمرت وتكررت، فتبدّى لنا من ذلك التكرار المستمر أن
السابق منهما سبب والمتأخر منهما مسبَّب.ولو شاء الله عز وجل
لفك عرى هذا الاقتران بينهما، فظهرت الحقيقة التي لايجوز أن
تغيب عن البصائر، وهي أن الخالق للسابق واللاحق والعلاقة
السارية بينهما (إن كانت ثمة علاقة) هو الله عز وجل.إذن
فتجاهل هذه الحقيقة، وابتغاء الباحث لمسبب غير الله، معه أو من
دونه، إنما هو من جرأته على الله تعالى وقلة حيائه منه.ثم إن
كلمة (غير) تشمل كما قلنا الأعراض والمتع الدنيوية بل
الأخروية أيضاً عندما يتوجه إليها الإنسان ويطلبها من دون الله
تعالى.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:37 am

طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ بعض الأمثلة الواقعية على ذلك

( بلغني مما روي عن رسول الله أن من داوم على قراءة سورة
الواقعة، وقاه الله من الفقر، فاندفعت إلى قراءة السورة
والمداومة عليها، (وقد كنت من قبل معرضاً عنها غير آبه بها،
كشأني بالنسبة للسور الأخرى في القرآن) لا تقرباً إلى الله
تعالى بقراءة كلامه والإصغاء إلى خطابه ورائع مناجاته، ولكن
وسيلةً أستدرُّ بها الرزق والمال.لا ريب أن هذا يدلّ على قلة
حيائي من الله عز وجل.( قرأتَ في القرآن كلام الله عن الجنة
ونعيمها، وأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها ما لا
عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. فاستهواك ذلك
النعيم وتعلقت آمالك به، ثم علمت أن لا سبيل لك إليه إلا إن
أديت ما قد افترضه الله عليك من واجبات وأعرضت عما حذرك الله
منه من محرمات، فتوجهت إلى الالتزام بذلك كله، لا لشيء إلاّ
رغبة في الحصول على ذلك النعيم الخالد الذي أخبرك الله عنه
فآمنت به. بحيث علمت من نفسك أنك إن أيقنت أن طاعاتك ستذهب
هدراً ولن تنال من ورائها هذا الذي تحلم به، فلن تلقي بالاً
لها، ولن تستجيب لأوامر الله التي يخاطبك بها، أو بحيث علمت
أنك إن أيقنت أنّ بوسعك أن تحتال للوصول إلى ذلك النعيم دون أن
ترهق نفسك بشيء من هذه الطاعات والالتزامات، فلسوف تستعمل تلك
الحيلة قفزاً فوق الالتزام بأوامره عز وجل..فاعلم إذن أن هذا
دليل على قلة حيائك من الله عز وجل، بل هو دليل على جرأتك
عليه!..ولكن إياك أن تسيء فهم هذا الكلام الواضح الذي لا يمتري
فيه عاقل آمن بعبوديته لله وبربوبية الله له، على غرار بعض
الأغبياء أو المتغابين، فتظن أن المطلوب من العبد المؤمن أن لا
يطلب الجنة وأن لا يستجير من النيران، فهذا الشرق الذي قد
تتوهمه، لا علاقة له بالغرب الذي نتحدث فيه.لقد أطمعنا الله
بجنته، إذن يجب علينا أن نطمع، فيها وأن نسأله باستمرار أن
يَمْتَنَّ علينا بها، وهذا من كمال عبودية الإنسان لله..ولقد
حذّرنا وخوّفنا من ناره، إذن يجب علينا أن نستشعر الخوف
الحقيقي منها وأن نستعيذ بالله منها، وهذا أيضاً من كمال
عبودية الإنسان له عز وجل.ولكن عليك في كلا الحالتين أن تجعل
عبادتك لذاته العلية، لأنه ربك ولأنك عبده، وهذا معنى قوله عز
وجل: { وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ } { البينة: 98/5 } ربما ساقك الضعف والشعور
بالحاجة إلى أن تطلب منه اللطف بك والصفح عنك، وصرف السوء عنك،
والفضل عليك بالمن والمغفرة والعطاء، لا حرج.. بل هذا هو شأن
العبد تجاه ربه..ولكن ليس لك قطّ أن تجعل التزامك لأوامره
مشروطاً بما تطلبه من عطاياه.فالعبد لا يملك أن يشرط على ربه
شيئاً.أليس هذا الذي يقوله ابن عطاء الله، والذي شرحته لك بهذه
الأسطر من بدهيات الحقائق التي ما ينبغي أن تغيب عن بال عاقل
آمن بأنه عبد لله؟

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:38 am

طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ العبد الحقيقي هو من يعبد الله لذاته لالغيره من جنة أو
نحوها. ورابعة العدوية مضرب المثل لهذه العبودية الصادقة

إذن فما الذي زادته رابعة العدوية على هذه الحقيقة أو نقصته
منها عندما كانت تناجي ربها قائلة: اللهم إني ماعبدتك خوفاً من
نارك ولاطمعاً في جنتك ولكني علمت أنك رب تستحق العبادة
فعبدتك.وأنت تعلم، إن كنت ممن تتبعت أدعية رابعة في عباداتها
وخلواتها، أنها كانت كثيرة الاستجارة من عذاب الله والبكاء عند
الآيات التي يصف الله فيها عقابه الذي توعد به الجاحدين
والمستكبرين، وكانت كثيرة الأمل برحمة الله والطلب لمغفرته وأن
يكرمها بجنته.ولكن فلتعلم أن هذا الطلب والاستجداء شيء، وأن
ربط العبادات والطاعات بشرط الجنة شيء آخر، فلايذهبن بك الغباء
مذهباً تخلط فيه بين هذا وذاك.ولايُدْخلنَّ عليك شيئاً من
الوهم تجاه هذه الحقيقة الواضحة، مايفهمه بعض الناس خطأ من
قوله تعالى: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ } { النحل: 16/32 } فربط الجنة، جزاءً، بالعمل
الصالح، إنما هو بالتفضّل من طرف واحد، إن صح التعبير، وهو
الله عز وجل، وليس باتفاقية تَمَّتْ منطرفي العبد والرب جل
جلاله!.. إنه من قبيل قول الله عز وجل: { مَنْ ذا الَّذِي
يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً
كَثِيرَةً } { البقرة: 2/245 } فهل بوسعك أن تفهم من هذه الآية
أن عقداً حقيقياً من الاستقراض والإقراض يجري ما بين الله
تعالى وعبده، يُلْزَم الله بموجبه أن يعيد ما اقترضه من عبده
ومعه أضعاف مضاعفه؟!.. وهل يملك العبد شيئاً حتى يقرضه
لربه؟!..المسألة ليست إلا تعبيراً حلواً عن لطف الله وتفضله إذ
جعل جنته حقاً لمن يؤدي ما افترضه الله عليه. وإلاّ فقل لي كيف
تستطيع أن تجمع وتنسق بين تفضل الله عليك بهذا العطاء، وبين
تسمية هذا الذي يتفضل ويمتنّ به عليك حقاً تستوجبه؟وإليك هذا
المثل المقرب، ولله المثل الأعلى، رجل غني كريم مرّ في طريقه
بفقير منعته العفة عن المسألة، فوضع أمامه بين أيدي المارة
هناتٍ رخيصة تافهة كعلب كبريت، دفاتر صغيرة، أقلام رصاص..
تحركت الرحمة في قلب الغني الكريم له، ولم يشأ أن يحرج مشاعر
عفته، فاشترى منه واحدة من تلك العلب ونقده قيمةً لها، ورقة من
فئة الألف ليرة.هل في الناس من يجهل أن هذا العقد إنما جرى من
طرف واحد، هو الغني الكريم الذي أصرّ على أن يغطي إكرامه
بصورةٍ لعقد شراء؟فيا عجباً لهذا الفقير إن بلغ به الغباء إلى
أن تغيب عنه هذه الحقيقة، وأن يتصور أن عقد بيع حقيقي جرى بينه
وبين هذا الذي جاء ملهوفاًليشتري منه ما هو بأمس الحاجة إليه
من علبة الكبريت التي لو لم يتفضل عليه الفقير فيبيعها له بألف
ليرة سورية، لوقع المشتري من ذلك في ضيم لا مفرّ له منه!..أليس
الذي يتصور أن عقداً حقيقياً جرى بينه وبين الله عز وجل ينصّ
على أنه إن نفذ المطالب والأوامر التي خاطبه الله بها، استحق
في مقابل ذلك الجنة التي وعده الله بها طبقاً للمواصفات التي
التزم له بها، نسخة طبق الأصل لذلك الفقير المغرور الذي توهم
أنه إنما استحق الألف ليرة ثمناً لعلبة الكبريت التي
باعها؟!..ومع ذلك فإن على من ظل الوهم راكباً رأسه أن يدرك قول
رسول الله في الحديث الصحيح: ((لن يُدخل أحدَكم الجنة عمله،
قالوا ولا أنت يارسول الله؟ قال: ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله
برحمته)) متفق_عليه_من_حديث_أبي_هريرة_بألفاظ_متقاربة.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:39 am

طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ شرح الفقرة الأخيرة: ((وطلبك من غيره لوجود بعدك عنه))

ويختم ابن عطاء الله حكمته هذه بقوله: وطلبك من غيره لوجود
بعدك عنه. قد تكون لك حاجات أو رغبات تطلبها، والمفروض في هذه
الحالة أن تطلبها من الواحد الذي لا يملك أن يحققها لك غيره،
فإن تحولت عنه، وطلبتها من غيره، فإنما ذلك بسبب بعدك عن الله
عز وجل. وليس المراد بالبعد هنا، البعد المكاني الذي تحدّه
المسافات، وإنما المراد الجهل به أو النسيان له.إذ لو لم تكن
جاهلاً به أو ناسياً له، لعلمت أنه لا نافع ولا ضارّ في الكون
غيره، ولأيقنت أن كل ما يتم في الكون من حركات وسكناتوتقلبات
وأحوال فبتدبيره وبأمره يتم. والكل جنود له لا يخرجون عن
مشيئته وحكمه قيد شعرة.

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:41 am

طلبُكَ منْهُ اتِّهامٌ لَهْ. وطلبُكَ لَهُ غيْبَةٌ مِنْكَ
عنْه. وطلبُكَ لِغَيرِه لِقِلَّةِ حيائِكَ مِنْه، وطلبُكَ
مِنْ غيرِه لِوُجُودِ بُعْدِكَ عنْه

ـ ليس معنى الطلب من غيره تعاملك مع الأسباب، بل التعامل
مع الأسباب مع الطلب من المسبب هو المطلوب وهو شأن المسلم

وليس المراد أيضاً بالطلب الذي يحذر منه ابن عطاء الله هنا،
تعاملك مع نظام الأسباب والمسببات، كما قد أقامه الله في هذه
الحياة الدنيا، وإنما الذي يعنيه توجه القلب والعقل إلى ما سوى
الله باعتقاد أنه ذو أثر أو فاعلية من دون الله عز وجل.ولشرح
هذه الفقرة ينبغي أن نعلم أن الإنسان مكلف بصدد هذه المسألة
بموقفين: موقف اعتقادي، وموقف سلوكي.أما الموقف الاعتقادي
فيتلخص فيما قلته لك: أن يعلم جازماً أن لا نافع ولا ضارّ ولا
محرّك ولا مسكّن في الكون كله إلاّ الإله الواحد الذي فطره،
وكيف يكون شريكاً مع الله في شيء من ذلك من لم يكن موجوداً ولم
يكن شريكاً معه في الخلق والإبداع.ولست بحاجة إلى عرض الأدلة
العقلية والنقلية بعد الذي بينته لك من ذلك من قبل.فإن غاب عنك
شيء منها، فعد إلى ماذكرته لك في تفسير قول الله تعالى عن ذاته
العليّة ((القيوم)) وفي تفسير قوله تعالى: { وَمِنْ آياتِهِ
أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ } { الروم:
30/25 } ثم كيف يصدّق العقل، أو يتصور، أن ينهض المخلوق، فيصبح
شريكاً مع خالقه، أو أن يقوم بالتنظيم والتدبير مقام
خالقه؟!..كيف يتصور أن يكون الموجود الضعيف الذي ظهر وجوده بين
ضعفي عدم سابق وعدم لاحق، ذا قدرة في التدبير أو التحريك؟!..من
أجل هذا وجه سيدنا رسول الله نصيحته الغالية هذه إلى سيدنا
عبد الله بن عباس قائلاً: ((ياغلام، إني أعلمك كلمات: احفظ
الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا
استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك
بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن
يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام
وجفت الصحف))
رواه_الترمذي_من_حديث_عبد_الله_بن_عباس،_وقال_عنه:_ح سن_صحيح.
.وأما الموقف السلوكي ، فيتلخص في ضرورة الانسجام والمواءمة
مع النظام الذي سيّر الله كونه هذا عليه، أعني نظام السببية
الذي أقيمت علاقة الأشياء بعضها مع بعض على أساسه.فأنت ترى
فيما يبدو لك أنه ما من ظاهرة تبدو على مسرح هذه الدنيا إلا
وهي متأثرة بظاهرة قبلها ومؤثرة في أخرى تأتي من بعدها. لا
يشذّ عن ذلك شيء اللهم إلا الخوارق النادرة التي يقضي بها الله
في كونه لحكم وأسباب، كالتي تقع للرسل والأنبياء.إن الواجب
الذي يكلف الله به عباده، هو التعامل الإيجابي مع هذا النظام
والانسجام معه..لقد قضى الله تعالى أن يخلق الشبع في الإنسان
عندما يتناول قدراً معيناً من الطعام، إذن فعلى المسلم أن يتخذ
طريقه إلى الشبع بهذهالوسيلة، ولقد قضى الله أن يخلق في كيانه
الريّ بعد الظمأ، عندما يتناول فيشرب كأساً من الماء، إذن يجب
عليه أن يتخلص من الظمأ المهلك بهذه الوسيلة، وقضى أن يخلق فيه
الشفاء من المرض عندما يتناول الدواء الذي قرر الأطباء أهميته
وجدواه، إذن ينبغي أن يتداوى كما أمر بذلك رسول الله.. ولقد
قضى الله أن يخلق الاحتراق عند ملامسة النار، وأن يخلق الموت
عند تجرع السم، إذن يحرم على الإنسان أن يعرض نفسه للوقوع في
النار أو لتناول السم.ومن زعم أنه لا يريد التعامل مع هذه
الأسباب الظاهرية أو (الجعلية) كما يسميها علماء التوحيد،
لأنه يتعامل مع عقيدته التي لا يرتاب فيها، وهي أن النافع
والضار هو الله عز وجل، فهو مثلاً لا يريد أن يأكل إن جاع ولا
يريد أن يشرب إن ظمئ، ولا يريد أن يتقي النار المحرقة ولا السم
المهلك، فهو قليل الأدب مع الله، إذ يتدلل عليه بما لا حَقَّ
له فيه ولم يخوّله أي سبيل إليه.قضى الله أن يربط الأشياء
بعضها ببعض ربطاً صورياً، لحكمة باهرة بوسعك أن تطّلع عليها في
كتب العقيدة، وإنما يريد هذا المتدلل على الله بما لم يأذن له
فيه، أن يقول له: أنا أعلم أنك أنت الذي تحرق، لا النار، وأنت
الذي تهلك لا السم، وأنت الذي تروي الظمآن لا الماء. وقد قررت
أن أتعامل مع الكون بناء على ما أعتقد، لا بناء على ماتظهر
وتنظم. فأرني الحق الذي أعتقده، ولا تعاملني حسب النظام الذي
تقود به المخلوقات!!..فمن أنت حتى تتجرأ عليه وتطلب منه أن
يتخلّى عن قراره الذي اتخذه للسير بالمكونات على أساس من رابطة
العلل الشكلية أو الجعلية،أن يشبعك بدون طعام ويرويك بدون ماء،
ويشفيك بدون دواء، وأن يحميك من السم إن تجرعته، ومن النار إن
اقتحمت فيها... إلخ؟؟..هذا الدلال الممجوج الثقيل، لم يدْن
إليه بأي التفاتة لا الرسل والأنبياء ولا الربانيون الصادقون
من علماء هذه الأمة..وإن وجدت من صبغ نفسه بصبغة التصوف: أو
سمعت بترجمته في غابر الأزمان، وكان من عادته أن لا يلتفت (في
سلوكه) إلى عالم الأسباب، لأنه مصرٌّ على أن يقنعك بأنه
دائماً مع المسبب، فاعلم أنه معطّل للشرع، وأنه جاهل بمبادئ
التوحيد وقواعده، وأنه يتسامى على الرسل والأنبياء بمتطلباته
التي يتدلل بها على الله عز وجل.نعم... يجب على المسلم أن
يتعامل مع الأسباب تحت سلطان الشرع وضمن قيوده وضوابطه. أي
يتعامل معها ويبحث عن السبيل إليها، مادام الشرع يأمر بذلك، أو
لا ينهى عن ذلك على أقل تقدير.فأما عندما يتعارض حكم شرعي ثابت
مع الأخذ بسبب ما من الأسباب فإن القيمة التي كان الشرع قد
أولاها لذلك السبب تؤول إلى السقوط. كأن يهرع إلى الدواء الذي
وصفه الطبيب له، فعلم أنه مسكر، فإنَّ أَخْذَهُ بذلك السبب
يغدو محرماً بالاتفاق
هذا_ما_لم_يثبت_أنه_لاعلاج_لذلك_الداء_غيره،_كما_قرر _ابن_عابدي
ن_في_حاشيته_والعز_ابن_عبد_السلام_في_كتابه_(قواعد_ا لأحكام_في_
مصالح_الأنام)،_انظر_كتابي_مع_الناس_ص6 ـ7. .وكأن يهرع إلى
السوق ليمارس أعماله التجارية، دون أن يبالي بدخول وقت الظهر
من يوم الجمعة، محتجاً بأن على المسلم أن يتفاعلينسجم مع ما قد
قضى الله به من نظام الأسباب والمسببات، ومثل ذلك أن يأخذ من
حساب واجباته الدينية، لأعماله ووظائفه الدنيوية، وكأن تصرّ
المرأة على الخروج إلى العمل والكسب، في جوّ موبوء لا تملك فيه
المحافظة على الواجبات الشخصية التي كلفها الله بها.ففي هذه
الصور وأمثالها، تسقط شرعية الاهتمام بالأسباب، وتبرز في
مكانها فاعلية العقيدة التي يجب أن لا تغيب عن بال المسلم في
كل الأحوال، وهي أن الله هو وحده مسبب الأسباب، وإن هي إلا
روابط شكلية أقامها الله عز وجل، نوليها الأهمية عندما يأمرنا
بذلك الشرع الإلهي، ونعرض عنها تعاملاً مع الحقيقة عندما
ينهانا عن ذلك الشرع.فإن أقامك الله في عالم الأسباب، وأحاط بك
نظامها، فَسِرْ مع مقتضاه، وابحث عن المسببات من خلال سعيك
وراء الأسباب.وإن أقامك الله في عالم التجريد، وتخلّت عنك
الأسباب وبعدت عنك ظروفها، فعد إلى الأصل واركن إلى المسبب،
وانتظر العطاء والفرج من المسبب عز وجل.وفي كلا الحالين، لا
تعلق فؤادك إلاّ بمولاك الذي بيده كل شيء والذي إليه مردّ كل
شيء، وردد مع المنشد قوله: لاتعلق بسواه أملاً إنما يسقيك من
قد زرعك * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:42 am

الحكمة الثانية والعشرون



ما من نفَس تبديه إلاّ وله قدر فيك يمضيه

ـ الشرح الإجمالي لهذه الحكمة وبيان مستندها من كلام رسول
الله

النَفَس هو هذا الهواء الصاعد والنازل من وراء صدرك. وهو يتألف
من شهيق وزفير.. وحياة الإنسان إن هي إلا مجموعة أنفاسه. وإنما
تتحقق أعمال أحدنا وأقواله وتصرفاته وأنشطته، في ساحة هذه
الأنفاس التي يتمتع بها.إذن، فابن عطاء الله يخاطب كلاً منا من
خلال حكمته هذه قائلاً: يا ابن آدم، إن كل تقلباتك وكل أحوالك
الصغيرة والكبيرة الخفية والمعلنة، داخل في قضاء الله وقدره،
بحيث ماتكاد تطلق شهقة ثم زفرة إلا وهو داخل في سجلّ علم الله
عنك.وأساس هذا قول رسول الله : ((كل شيء بقدر حتى العجز
والكيس)) رواه_مسلم_وأحمد،_من_حديث_عبد_الله_بن_عمر. ومن ثم
فإن معرفة هذه الحقيقة واليقين بها من أوليات العقيدة
الإسلامية.أما ثمرة تشبع المسلم بهذه الحقيقة، فهي أنه يستريح
بذلك ويريح. على أن لا ينسى ما قلناه من ضرورة التعامل مع
الأسباب لا اعتماداً عليها ولكن تأدباً مع الله عز وجل في
الخضوع للنظام الذي سيَّر هذه المكونات على أساسه.ينهض المسلم
بما كلفه الله به، ويبحث عن المسبَّبات عن طريق التعامل مع
أسبابها، فإن هو وصل إلى مبتغاه حمد الله عز وجل موقناًأن الله
هو المتفضل عليه، وإن لم يصل إليه استسلم لحكم الله موقناً أن
الله لم يقدّر له في سابق غيبه وعلمه هذا الأمر، واستراح من
القلق والاضطراب متذكراً قول الله تعالى: { وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ
تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } { البقرة: 2/216 } ومن ثمرات تشبع
المسلم بهذه الحقيقة أنه لا يبالي أن يغامر في سبيل ما شرعه
الله له أو أمره به، بجسده وراحته، بل بماله وحياته إن تطلب
الأمر ذلك، إذ هو يعلم أن ما قد سجل في علم الله وغيبه القديم
لا بدّ أن يجري ويتم، سواء أعرض عما ينبغي أن يفعله وتكاسل، أو
أقبل وغامر.. إذن فالكسل غير وارد، لأن الله قد أمره بالسعي
والعمل وبذل كل ما يملك من جهد، مادامت الغاية مشروعة أو
مطلوبة، والإقدام لا حاجة إلى الخوف من نتائجه وأخطاره، مادام
المقدّر لا بدّ أن يجري وأن يتحقق في ميقاته.والنتيجة أن يلتزم
المسلم الذي أيقن بهذا، بميزان الشرع في إقدامه وإحجامه، ثم لا
يبالي بشيء من المخاوف التي قد تصيبه أو تطوف به.. وتتجلّى هذه
النتيجة أكثر ما تتجلى، في أنشطة المسلمين، في العصور الغابرة
على طريق الجهاد والدعوة إلى الله عز وجل والعمل على نشر
المبادئ والقيم الإسلامية، الاعتقادية منها والحضارية. فقد
ضربوا الأمثلة المدهشة في المغامرة بالمال والحياة ومفارقة
الأوطان والتعرض لشتى الأخطار، وها هم أولاء قد تناثرت قبورهم
في أنحاء العالم الإسلامي الذي لم يكن إسلامياً آنذاك.ولو
ساءلت نفسك عن السرّ الذي حملهم على كل ذلك، لعلمت بدون كثير
تأمل أو جهد أنه الالتزام بأوامر الله أولاً، والاستهانة
بالأخطار على تفاوتها وتنوعها ثانياً، ولكن، فمن أين جاءت تلك
الاستهانة؟.. لا ريب أنها إنما جاءت من اليقين بأن كل ما
سيواجه الإنسان في حياته ليس إلا مصداقاً لقضاء الله وقدره. *
* * بوسعك أن تعلم إذ أن كل مايجري في حياة الإنسان، من أعماله
وتصرفاته الاختيارية، وشؤونه وأحداثه الاضطرارية، مرآة دقيقة
للقدر المغيّب عنا في علم الله عز وجل. وليس في شؤون الإنسان
وتصرفاته ما هو داخل في هذه المرآة وما هو خارج منها، بل الكل
مرآة دقيقة لقدر الله عز وجل.ولكن كثيراً من المسلمين يظلون
ويا للأسف في جهالة عمياء تجاه هذه الحقيقة التي هي من أوليات
الدين.تسألني فتيات هذا السؤال الدائم: هل الزواج قسمة
ونصيب؟أقول: ما معنى قسمة ونصيب، تقول السائلة: يعني أهو قضاء
وقدر؟ويسألني السؤال نفسه كثير من الشباب!!..تقع حادثة ما،
وينتهي التحقيق في التعرف على حقيقة الحادثة وأسبابها، إلى
أنها قضاء وقدر!.. أي ليس لها خلفيات مسببِّة. ومعنى ذلك أن
الحادثة لو كانت مستندة إلى خلفيات مسببة، إذن لما كان لها
علاقة بالقضاء والقدر!..وقد انتشر هذا التصور الأخرق، حتى غدا
ذلك مصطلحاً يعتمده كثير من القانونيين والمحامين، في تقسيم
الحوادث إلى ما له سبب جرمي وإلى ما ليس له سبب جرمي.كل هذا...
ورسول الله يقول في الحديث الصحيح والمعروف: ((كل شيء بقدر
حتى العجز والكيس)) . * * *

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد الحسيني في الأحد يونيو 15, 2008 12:43 am

ما من نفَس تبديه إلاّ وله قدر فيك يمضيه

ـ ولكن ما القضاء والقدر؟

ولكن ما القضاء والقدر؟ هذا أيضاً مايتيه أكثر المسلمين عن
معرفته اليوم. وأظن أن تيههم هذا هو سبب جهلهم بأن كل شيء في
الدنيا بقضاء وقدر.القضاء هو علم الله بكل ماسيجري في الكون،
أي مستقبلاً، من الحوادث الطبيعية، والتصرفات البشرية القسرية
منها والاختيارية.والقدر وقوع هذا الذي تعلق به علم الله
تعالى، مطابقاً لعلمه، إذن فالقضاء هو علم الله بكل ماسيجري
مستقبلاً.والقدر هو المرحلة التنفيذية لذلك المعلوم الذي كان
مخبوءاً في غيبه عز وجل.وهل يساورك شك في أن الله يعلم ماسيجري
في ملكوته، وهل يجري شيء ما في ملكوته إلا بخلقه وقدرته، فكيف
لا يحيط علمه بما قرر أو (خطط) خلقه أو إعدامه أو تكييفه؟ وليس
قضاء الله عز وجل أكثر من علمه بما قد قرر فعله.فإذا علمت أن
قضاء الله هو علمه بما سيكون، علمت أن القضاء لا علاقة له
بالجبر أو الاختيار كما يتوهم كثير من الناس. إذ القضاء هو
العلم، والعلم صفة كاشفة لا تستلزم بحدّ ذاتها جبراً ولا
اختياراً.ولكن بوسعك أن تتبين ما قد تعلق به علم الله عز وجل،
وأن تتأمل فيه لتدرك أنه ينقسم:إلى ما علم الله أنه سيخلقه
بأمر تكويني لاعلاقة للاختيار الإنساني به، كالحوادث التي تعرض
لما يسمونه الطبيعة من فياضانات وزلازل وتقلبات مناخية وتطورات
نباتية وكالحوادث التي تنزل قسراً بالإنسان، من ولادة وموت
وأمراض وعاهات ورقاد، ويقظة، وسقوط...إلخ.وإلى ما علم الله أنه
سيخلقه تبعاً لما قد تتجه إليه رغبة الإنسان واختياره، مثل
كافة التصرفات والأعمال التي يمارسها أحدنا برغبته واختياره.
دور الإنسان فيها التوجه واتخاذ القرار، بمقتضى ما أودع الله
فيه من ملكة تجعله صاحب اختيار، ودور الباري عز وجل (إن صح
التعبير) أن يخلق هذا الذي وقع اختيار الإنسان عليه وعزم على
فعله.فهذان النوعان من الأشياء التي تخضع للخلق التكويني،
والأشياء التي يخضع فيها الخلق لإرادة الإنسان واختياره،
كلاهما داخل في معلومات الله عز وجل قبل أن يوجدها.. إذن فكل
ذلك داخل في قضاء الله عز وجل، وذلك لما علمنا من أن قضاء الله
علمه بكل ما سيجري في الكون.أعود فأقول: إن مشكلة عالمنا
الإسلامي أن أكثر المسلمين فيه يمارسون إسلاماً تقليدياً،
فارغاً عن مضمون المعرفة له، وبعيداً عن مضمون الالتزام الدقيق
به!..


ـ الأسئلة التقليدية التي يطرحها المسلمون التقليديون حول
القضاء والقدر

يقول أحدهم: فإذا كان الله يعلم سلفاً أنني سأعصيه، إذن فهو
الذي أجبرني على المعصية!.. وكم من مثقفين، بل متفلسفين،
واجهوني بهذا الإشكال!... دون أن يعلم أحدهم أن صفة العلم صفة
كاشفة للمعلوم كما هو، وليست صفة مؤثرة، أي فهو (العلم)
كالضوء المنبثق من مقدمة سيارتك، يريك ويكشف لك الطريق كما هو،
دون أي تأثير فيه.أرأيت لو كان لك ولد يحضّر للحصول على
الثانوية العامة، وكنت تنصحه وتلحّ عليه دوماً أن يُقْبِل على
الدراسة، ولا يتوانى عنها... فلما أدى الامتحان لم يكتب له
النجاح، أرأيت لو قلت له: لقد كنت أعلم أن النجاح لن يكون
حليفك، أفيسوغ له، فيما يقضي به العلم، أن يقول لك: فأنت الذي
حرمتني النجاح إذن؟لا عِلْمُ الوالد باستحقاق ابنه للنجاح سبب
لنجاحه، ولا عِلْمُهُ باستحقاق ابنه للرسوب سبب لرسوبه، السبب
في كل الأحوال يعود إلى العامل المؤثر، وهو القابلية أوعدم
القابلية.كذلكم العبد بالنسبة لربه الذي أعطاه العقل ومتعه
بالاختيار لا علمه باستقامته على طريق الفوز والعلاج سبب
للفوز، ولا عِلْمُهُ بعدم استقامته سبب لعدم الفوز وللشقاء.
إنما السبب في كل الأحوال مايختاره العبد لنفسه ثم مايبذل من
جهد على طريق ذلك الاختيار.وصدق الله القائل: { وَكُلَّ
إِنْسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ
يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً } { الإسراء:
17/13 } إن الجهل الذريع بحقائق الإسلام، لاسيما الاعتقادية
منها، لاسيما مبحث التسيير والتخيير في حياة الإنسان، هو الذي
حملني منذ سنوات على إخراج كتابي المعروف (الإنسان مسيّر أم
مخير). وأعتقد أن الإحالة إلى هذا الكتاب تغنيني عن المزيد في
شرح هذه الحكمة.غير أن المهم أن تعلم أن كل مايصدر عن الإنسان
من شؤونه القسرية وأعماله الاختيارية على اختلافها، داخل في
علم الله سلفاً، أي إنه جل جلاله يعلم كل ماسيصدر عنه من ذلك،
كلٌّ في ميقاته الزماني وحيزه المكاني، وعِلْمُ الله بما سيجري
في الكون هو الذي يسمى قضاء، فإذا وقع المعلوم، ولن يقع إلا
طبق علم الله به، سمّي ذلك الوقوع المطابق لعلم الله
قدراً.وهذا معنى قول رسول الله: ((كل شيء بقدر حتى العجز
والكيس)) . * * *

يتبع الحكمة الثالثة والعشرون باذن الله .

محمد الحسيني

عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحكم العطائية وشرحها

مُساهمة من طرف محمد فتحي في الأحد يونيو 15, 2008 9:54 am

سلمت يدكم أخى الحبيب محمد الحسيني

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 4 من اصل 11 الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5 ... 9, 10, 11  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى