إلى العيش في حضرة المصطفى- خطبة الجمعة التي ألقاها د.محمود أبو الهدى الحسيني في جامع العادلية بحلب بتاريخ 2008-06-06

اذهب الى الأسفل

إلى العيش في حضرة المصطفى- خطبة الجمعة التي ألقاها د.محمود أبو الهدى الحسيني في جامع العادلية بحلب بتاريخ 2008-06-06

مُساهمة من طرف محمد فتحي في الخميس يونيو 12, 2008 10:39 am

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

قال ربنا تبارك وتعالى في محكم كتابه: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} [البينة: 1-2].

فأخبر الله سبحانه وتعالى أنّ أهل الكتاب كلَّهم، والمشركين من الوثنيين وغيرهم، وأهل المادة والإلحاد... لا يمكن خلاصهم ولا نجاتهم إلا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الرسولِ الذي يتلو صحفًا قرآنية مطهرة.
ونحن نقرأ هذه الآية كثيرًا، لكننا مع الأسف غالبًا ما نُخرج أنفسنا من هذا الخطاب.
نقرأ هذه الآية فنوجهها في الخطاب إلى اليهود والنصارى ومَن أشرك أو ألحد، وننسى أنه من باب أولى أن يتوجه الخطاب إلينا معاشر أمة الإسلام، فإذا كان اليهود والنصارى وأهل الإلحاد والشرك لا خلاص لهم ولا نجاة إلا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فهل يكون لنا - يا أمة الإسلام - خلاصٌ أو نجاةٌ أو نهضةٌ أو حضارةٌ... إلاَّ بمحمد صلى الله عليه وسلم؟
هل نعيش اليوم يا أمة المسلمين، ويا أمة الإسلام، ويا أمة القِبلة... مع البيّنة الذي يبين لنا فنهتدي بما يبينه؟ ومع الرسولِ الذي جاء بالرسالة لتكون هذه الرسالة حاضرة في حياتنا؟ ومع الذي يتلو صحف القرآن المطهرة لتكون منهاج حياتنا ومرشد سلوكنا؟
هل نعيش اليوم - ونحن نقرأ هذا الخطاب القرآنيَّ - لنُدرج أنفسنا في المخاطبين ونستشعر معنى كون الخلاص من أزمتنا الحاضرة لا يكون إلا بالبينة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟
تحوّل اليوم كثيرٌ من المسلمين إلى حالةِ تَوهُّم كونه مسلمًا، وحقيقةُ أمره أنه متحلل من مضمونات الإسلام القولية والفعلية والحالية، وقد تكون هذه نتيجةً من النتائج التي يرصد لها من يخطط لدمار الإسلام، ولكن: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} [يوسف: 21].
سنة 1978م انعقد مؤتمر التنصير في كولرادو، وأوصى في وثيقته التي صدرت في ختام ذلك المؤتمر بتشويه الثقافة الإسلامية، بحيث يصبح المؤمن ملحدًا لكنه يستمر في وصف نفسه بأنه مسلم، فلا يخرج عن الافتخار بالإسلام، ولا عن دعوى الانتماء إلى الإسلام، بل يتحول الإسلام في حياته إلى طَقسيّة شكلية وتُراث شعبيّ، وموروثٍ ورثه عن الآباء والأجداد يندرج في عاداته ومألوفاته، فإذا نفذتَ إلى باطنه وإلى تفاعله وإلى حالته المعبرة عن هويته لم تجد مسلمًا ولا مؤمنًا.
إنه لن يستطيع أحدٌ منّا معاشر المسلمين أن يكون في ظاهره وباطنه صاحب هوية إسلامية حتى يكون وثيق الصلة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وحتى تأتيه البينة رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة، وحتى يعيش معايشة على الدوام مع المعاني المحمدية، وحتى يكون قلبه حاضرًا مع الشخص المعنويّ المحمديّ...
فإذا لم يكن قلبه حاضرًا مع الشخص المعنويّ المحمديّ فإنه سيتفرغ في باطنه من المضمون، ويبقى في الظاهر والشكل منتميًا إلى الإسلام، لأن الهوية الإسلامية تبدأ من الداخل لا من الخارج، ومن باطن الإنسان وقلبه.
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 24] إنها شجرة الإسلام التي أصلها في القلوب ثابت ثم بعد ذلك تتفرع سلوكًا متميزًا وخُلقًا معبرًا عن ذلك الباطن.
وكيف يمكن لشجرة الإسلام أن تكون جذورها في باطن الإنسان إذا لم يكن الشخص المعنويّ المحمديّ حاضرًا، وإذا لم يكن هذا القلب معايشًا للشخص المحمديّ المعنويّ؟
فسنبقى في ضلالٍ وحَيرةٍ وتيهٍ وتخبُّط حتى تكون قلوبنا حاضرة في حضرة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أي: {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}.
وقد اختصر ربُّنا سبحانه وتعالى سرَّ الإعراض حينما تحدث عن المعرضين فقال: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5].
تأملوا قوله تعالى حاكيًا عن المنكرين والمعرضين كيف يصفهم بأنهم يعيشون في قلوبهم حالة الحجاب بينهم وبين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: {وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}، فإذا كنت ممن يعيش هذا الحجاب فلن تكون في يوم من الأيام على بينة من أمرك، لأنك محجوب عن البينة محمد صلى الله عليه وسلم.
{وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} أي في حجب.
{مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ} أي قلوبنا محجوبة عن القرآن ومحجوبة عنك يا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
إذًا: فحينما تُحجب القلوب عن أنوار القرآن، وتحجب عن أنوار سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، سيعيش الإنسان حالة التخبط تلك، ولا يمكن له أن يتخلص من حالة التخبط في معاشه أو في معاملاته أو في سلوكه الاجتماعيّ أو سلوكه على كل الأصعدة... إلا حينما يكون موصولاً مع النورين: نور القرآن، ونور سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام:
{حتى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ}: النور الأول.
{يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً}: النور الثاني.
وهو سبحانه وتعالى الذي وصف الكتاب الذي جاء به رسول الله بالنور، ووصف سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم بالنور، فقال سبحانه: {فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنـزلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] فعبر عن نور القرآن.
وقال في آية أخرى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15] أي جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب معه.
فمرَّةً جعل لفظ النور يتوجه إلى القرآن، ومرَّةً جعله يتوجه إلى الرسول الذي جاء بهذا القرآن، الذي نـزل القرآن معه، والذي أنـزل إليه.
وقال سبحانه: {كِتَابٌ أَنـزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 1] وكيف لا يخرج الناس من الظلمات إلى النور إذا كانوا في قلوبهم موصولين مع نورين: نور القرآن، والنور المعبر عن القرآن الذي هو محمد عليه الصلاة والسلام؟!
ولما كان نور القرآن كلام الله، ولم يكن لنا باستعداداتنا البشرية أن نتواصل مع كلام الله إلاَّ من خلال مُجانسٍ لنا بالبشرية، كان النور الثاني معبرًا عن النور الأول، فكان النور المحمديّ معبرًا عن نور القرآن.
ولهذا لما سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله قالت: "كَانَ خُلُقُهُ القُرْآن"، أي: نور على نور.
فلا يمكن لنا يا شباب، أيها الأطفال، أيها الشيوخ، أيها الكهول، يا فتياتنا، يا نساءنا... أن نخرج من حالة الخمول، أو حالة التجمد، أو حالة التبلد، أو حالة الخوف، أو حالة الانهزام، أو حالة الرعب، أو حالة النفاق، أو حالة الغش، أو حالة الضبابية والظلامية التي يعيش أكثرنا فيها... إلاَّ حينما تكون قلوبنا موصولة مع هذا النور المحمديّ المعبّر عن نور الله، والمعبِّر عن نور القرآن.
فإذا تواصلتْ قلوبُنا وزال الحجاب الذي هو هذه الأشياء، والذي هو علائق النفوس...
ماذا تعيش في باطنك؟ ما هي الخيالات التي تشغَل باطنك؟
ومن المؤسف أن صلاتنا صارت مع الأشياء..
ومن المؤسف أن أحدنا يصلي على النبيّ صلى الله عليه وسلم وقلبُه في الدنيا..
ومن المؤسف أن أكثرنا يقف في الصلاة بين يدي ربِّه ولكن قلبه لا يخرج من الدنيا..
ومن المؤسف أن أحدنا وهو في صلاته يقول: (السلام عليك أيها النبيّ)، وبينه وبين هذا النبي حجاب...
بل إنه سبحانه لما أراد أن يعبِّر عن القرآن في أحد تعبيراته في سورةٍ سمَّاها سورة "محمد" صلى الله عليه وسلم قال: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نـُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} [محمد: 2] صلى الله عليه وسلم.
وهكذا لم يذكر ربُّنا لفظ القرآن أو الفرقان أو الكتاب هاهنا، ولكنه قال: {وَآَمَنُوا بِمَا نـزلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} ليلفت انتباهنا إلى أنه سبحانه وتعالى يريد لنا أن ننظر إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الذي أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم ظهر في محمد صلى الله عليه وسلم، فظهر في قول محمد صلى الله عليه وسلم، وظهر في سلوك محمد صلى الله عليه وسلم، وظهر في أحوال محمد صلى الله عليه وسلم، وظهر في بكاء محمد صلى الله عليه وسلم، وظهر في أمانة محمد صلى الله عليه وسلم، وظهر في شجاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وظهر في عظمة سلوك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع الموافق والمخالف...
فلا يمكن لنا أن نمسكَ بالمصحف الشريف ونتلوَ ما بين دفتيه دون أن ننظر إلى المصحف الذي أخرج الله لنا لننظر إليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
قال: {وَآَمَنُوا بِمَا نـُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} حتى تلتفت قلوبنا إلى المصحفِ الحاضر بيننا، المصحفِ العمليّ، المصحفِ المعبِّر حقيقةً عن كلام الله، البينةِ الذي من خلاله نستبين ومن خلاله نصل إلى اليقين.
وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] ليس قولاً منحصرًا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هيهات... إذًا: فقد قطعنا الأمة عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لكنه خطاب يتوجه إلى الإنسانية إلى قيام الساعة، ففي كل لحظة عليك أن تكون ممن يستشعر في باطنه أنه يأخذ من محمد صلى الله عليه وسلم في الوقت وفي اللحظة.
فإذا كنت في بيعك فخذ من محمد صلى الله عليه وسلم توجيهك، وإذا كنت مع زوجتك فخذ من محمد صلى الله عليه وسلم توجيهك، وإذا كنت في مسجدك فخذ من محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا كنت في بيتك فخذ من محمد صلى الله عليه وسلم...
{وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} إنها آية تدل على الدوام والاستمرار، وحتى نعيش هذه الحالة لا تخطُ خطوةً إلاَّ وأنت تأخذ التوجيه والإرشاد فيها من محمد صلى الله عليه وسلم، عندها نكون منفكين، لأن البينة أتتنا.
{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} فإذا كانوا لا خلاص لهم إلاَّ بمحمد صلى الله عليه وسلم فمن باب أولى أنه لا خلاص لنا، ولا تحرر لنا، ولا نهضة لنا، ولا حضارة لنا، ولا ارتقاء لنا، ولا حلّ لعقدتنا... إلاَّ بمحمد صلى الله عليه وسلم.
فعودوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
رُدَّنا اللهم إلى حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم ردًّا جميلاً، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
أقول هذا القول وأستغفر الله.
منقول من منتديات البدر الكامل

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلى العيش في حضرة المصطفى- خطبة الجمعة التي ألقاها د.محمود أبو الهدى الحسيني في جامع العادلية بحلب بتاريخ 2008-06-06

مُساهمة من طرف اسامه خليف في السبت يونيو 14, 2008 5:37 pm

اللهم لا تحرمنا من اهل الله ومن علماءه العاملين
avatar
اسامه خليف

عدد الرسائل : 415
تاريخ التسجيل : 06/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إلى العيش في حضرة المصطفى- خطبة الجمعة التي ألقاها د.محمود أبو الهدى الحسيني في جامع العادلية بحلب بتاريخ 2008-06-06

مُساهمة من طرف محمد فتحي في السبت يونيو 14, 2008 6:20 pm

اسامه خليف كتب:اللهم لا تحرمنا من اهل الله ومن علماءه العاملين

اللهم آمــين

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى