التصوف هو حقيقة الدين السامية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التصوف هو حقيقة الدين السامية

مُساهمة من طرف محمد فتحي في الأربعاء يونيو 18, 2008 9:36 am

بقلم: د. عبد الحليم محمود رحمه الله تعالى شيخ الجامع الأزهر الأسبق
العقيدة الإسلامية يظهر فيها بوضوح التفرقة بين جزأين متكاملين هما «الظاهر» و«الباطن» أعني «الشريعة» وهي الباب الذي يدخل منه الجميع، و«الحقيقة» ولا يصل إليها إلا المصطفون الأخيار، والشريعة تتضمن فضلاً عن الناحية الاعتقادية والناحية التشريعية والناحية الاجتماعية أنها أولاً وقبل كل شيء قاعدة للسلوك، أما الحقيقة فإنها معرفة محضة، وهذه المعرفة هي التي تعطي للشريعة معناها السامي العميق، فالحقيقة هي المركز الأساسي للشريعة، مثلها كمثل مركز الدائرة بالنسبة لمحيطها بيد أن الباطن لا يعني فقط الحقيقة وإنما يعني كذلك السبل الموصلة إليها فالطريقة هي الخط الذاهب من محيط الدائرة إلى المركز وكل نقطة على محيط الدائرة هي مبدأ الخط، وهذه الخطوط التي لا تحصى تنتهي كلها إلى المركز.
والطريقة والحقيقة مجتمعتان يطلق عليهما التصوف وهو ليس مذهباً خاصاً لأنه الحقيقة المطلقة، وليست الطرق مدارس مختلفة لأنها سبل موصلة جميعها إلى الحقيقة المطلقة ﴿ التوحيد واحد ﴾ .
ويجب أن يلاحظ أنه لا يمكن لأحد أن يطلق على نفسه أنه ﴿ صوفي ﴾ اللهم إلا إذا كان ذلك من جهل محض، ويمكن أن يقول الإنسان عن نفسه إنه متصوف وهو عنوان يطلق على السالك في أي مرحلة كان، ولكن الصوفي بمعناه الحقيقي لا يطلق إلا على من بلغ الدرجة العليا، أما أصل هذه الكلمة ﴿ صوفي ﴾ فقد اختلف فيه، وهي في الحقيقة تسمية رمزية وإذا أردنا أن نرجع إلى القيمة العددية لحروفها فإنها تماثل القيمة العددية لحروف ﴿ الحكمة الإلهية ﴾ فيكون الصوفي الحقيقي إذاً هو الرجل الذي وصل إلى الحكمة الإلهية، إنه العارف بالله إذ إن الله تعالى لا يُعرف إلا به، وتلك هي الدرجة العظمى ﴿ الكلية ﴾ فيما يتعلق بمعرفة الحقيقة.
الصوفية ليست شيئاً أضيف إلى الدين الإسلامي، إنها ليست شيئاً أتى من الخارج فألصق بالإسلام، هي جزء جوهري من الدين إذ إن الدين بدونها يكون ناقصاً، لذلك كانت فَرَضيات رخيصة تلك التي تذهب بالصوفية إلى أصل أجنبي: يوناني أو هندي أو فارسي، وهي معارضة بالمصطلحات الصوفية نفسها تلك المصطلحات التي ترتبط باللغة العربية ارتباطاً وثيقاً، وإذا كان هناك من تشابه بين الصوفية وبين ما يماثلها في البيئات الأخرى فتفسير هذا طبيعي وهو أنه مادامت الحقيقة واحدة فإن كل العقائد السنية تتحد في جوهرها وإن اختلفت فيما تلبسه من صور، ويجب أن لا نعطي عناية كبيرة حينما نتحدث عن أصل التصوف لتلك المناقشات التي لا تنتهي بتحديد الفترة الزمنية التي وجدت فيها لفظة ﴿ صوفي ﴾ فإن الشيء قد يوجد قبل اسمه الخاص سواء وجد تحت اسم آخر، أو وجد ولم تكن هناك حاجة لتسميته.
فاستعمال لفظ صوفي ومتصوف لم ينشر في الإسلام إلا في القرن الثاني وما بعده سواء أكان هذا التعبير عن الزاهد بالصوفي حدث في أثناء المائة الثانية كما هو رأي ابن خلدون في مقدمته، أم كان هذا التعبير معروفاً في الإسلام قبل القرن الثاني، أم كان لفظاً جاهلياً على ما ذكره الطوسي صاحب اللمع والحق أن التصوف عربي إسلامي كما أن القرآن الذي يستمد التصوف أصوله منه مباشرة عربي إسلامي، ومن الطبيعي ألا يوجد قبل أن يفهم القرآن ويفسَّر ويتدبّر تدبّراً تتفجر عنه ينابيع الحقائق، ولقد فسّر القرآن لغوياً ومنطقياً وكلامياً أولاً، وتفسيره الصوفي اقتضى مرور زمن لتأمله في عمق وشمول، وإذا كان القرآن مصدر الشريعة والحقيقة معاً فلا يمكن أن يوجد بينهما تناقض أو اختلاف ما، وكيف يوجد الاختلاف ومصدرهما واحد، وكيف يوجد الاختلاف والحقيقة لا تقوم إلا على الشريعة في أساسها وفي سندها.

مجلة العشيرة المحمدية /العدد السادس من السنة الرابعة/ 1954م

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى