عنصر الحقيقة-بديع الزمان محمد سعيد النورسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عنصر الحقيقة-بديع الزمان محمد سعيد النورسي

مُساهمة من طرف محمد فتحي في الخميس يونيو 26, 2008 10:30 am

عنصر الحقيقة


مقدمات
إن من دساتير أهل العلم المحققين الاستناد إلى مقدمات، بلوغًا إلى
الهدف والقصد. لذا ننصب سلمًا ذا اثنتي عشرة مرتبة:

المقدمة الأولى
من الأصول المقررة أنه:
إذا تعارض العقل والنقل، يعدّ العقل أصلاً ويؤوّل النقل، ولكن ينبغي لذلك العقل أن يكون عقلاً حقًا.
ثم قد تحقق أيضًا:
أن مقاصد القرآن الأساسية وعناصره الأصلية المنبثة في كل جهاته أربعة: إثبات الصانع الواحد، والنبوة، والحشر الجسماني، والعدل.
أي: إن القرآن هو وحده الكفيل بالإجابة عن الأسئلة التي تسألها الحكمة (الفلسفة) من الكائنات: من أين؟ وبأمر مَن تأتون؟ مَن سلطانكم ودليلكم وخطيبكم؟ ما تصنعون؟ والى أين تصيرون؟ ولهذا فذِكرُ الكائنات في القرآن الكريم - مما سوى المقاصد - إنما هو ذكر استطرادي لبيان طريق الاستدلال على الصانع الجليل بانتظام الصنعة. نعم! الانتظام يشاهد، بل يُظهر نفسه بكل وضوح. فالصنعة المنتظمة تشهد على وجود الصانع وعلى قصده وإرادته شهادة صادقة قاطعة، إذ تتراءى في كل جهة من جهات الكون وتتلألأ من كل جانب.. وتعرض جمال الخلق إلى أنظار الحكمة. حتى لكأن كل مصنوع لسان يسبّح بحكمة صانعه، كل نوع يشهد مشيرًا بأصبعه إلى حكمة الصانع.
فمادام المقصد هو هذا، وما دمنا نتعلم من كتاب الكائنات الرموز والإشارات الدالة على الانتظام، وان النتيجة الحاصلة واحدة، فكيفما كان تشكّل الكائنات في ذاتها، فلا علينا، إذ لا تتعلق بنا.
ولكن كل فرد من أفراد الكائنات، الذي دخل ذلك المجلس القرآني الرفيع موظفٌ بأربع وظائف.
الأولى: إعلان عظمة الخالق الجليل بانتظامه واتفاقه مع غيره.
الثانية: إظهاره أن الإسلام زبدة العلوم الحقيقية، حيث أن كلاً من الأفراد موضوعٌ وخلاصة لعلمٍ من العلوم الحقيقية.
الثالثة: إثبات تطابق الإسلام مع القوانين والنواميس الإلهية الجارية في العالم وانطباقه عليها لينمو الإسلام ويترعرع بإمداد تلك النواميس الفطرية، حيث أن كل فرد من الكائنات نموذج لنوع.
نعم! إن الإسلام، الدين المبين، يتميز بهذه الخاصية عن سائر الأديان المترددة بين الهوى والهوسات، لفقدانها الجذور العريقة الممدة لها. فتارة تضئ وأخرى تنطفئ، وتتغير بسرعة.
الرابعة: توجيه الأفكار إلى حقائق الأشياء والحث عليها والتنبيه إليها، من حيث أن كل فرد منها نموذج لحقيقة من الحقائق.
فمثلاً: إن القَسَم بالأجرام العلوية والسفلية في القرآن الكريم، إنما هو لتنبيه الغافلين دومًا وحثهم على التفكير. فالقَسَم القرآني قرع العصا لمن غطّ في نوم الغفلة.
فالذي تحقق الآن هو الآتي:
إن القرآن الكريم الذي هو معجز، وفي أسمى بلاغة وأرفعها، يسلك بلا ريب أوضح طرق الاستدلال وأصوبها وأقصرها وأوفقها لأساليب اللغة العربية، أي أنه يراعي حسيّات العوام لأجل إفهامهم وإرشادهم، أي يذكر الدليل وهو انتظام الكون بوجه يكون معروفًا لديهم وتأنس به عقولهم.. وبخلافه يكون الدليل أخفى من المدّعى مما ينافي طريق الإرشاد ومنهج البلاغة ومذهب الإعجاز.
فمثلاً: لو قال القرآن: أيها الناس! انظروا إلى الكرة الأرضية الطائرة في انجذاب ونشوة والسائرة في جو الفضاء، وتأملوا في الشمس المستقرة مع حركتها والأجرام العلوية المرتبط بعضها ببعض بالجاذبة العامة، وتدبّروا في العناصر الكثيرة المرتبط بعضها ببعض بأواصر كيمياوية في شجرة الخلقة المنتشرة فروعها في الفضاء غير المحدود.. لتتصوروا عظمة الصانع!! أو انظروا بمجهر عقولكم إلى قطرة ماء، التي تستوعب عالمًا من الحيوانات، بأن الله على كل شئ قدير.!!

فلو قال القرآن هذا، أما كان الدليل أخفى وأغمض من المدّعى وأحوج إلى التوضيح؟ أما كان ذلك تنويرًا للحقيقة بشئ مظلم بالنسبة لهم! أو تكليفهم بأمر غير معقول هو مغالطة أنفسهم تجاه بداهة حسّهم!
إن إعجاز القرآن أجلّ واطهر من أن يقع على ذيله الصافي اللامع غبار إخلال الإفهام. ولقد لوّح القرآن الكريم إلى المقصد الحقيقي في معاطف الآيات البينات وتلافيفها، كما جعل قسمًا من ظواهر الآيات منارًا ومرشدًا إلى المقصد، كالكناية عليه.
ومن الأصول المقررة أيضًا:
أن الصدق والكذب، أو التصديق والتكذيب في الكنايات وأمثالها لا يرجعان إلى صورة المعنى، أي إلى "المعاني الأولى"كما يعبر عنها فن البيان، بل يتوجهان إلى المقصد والغرض، أي إلى "المعاني الثانوية". فكما إذا قيل: "طويل النجاد"فالحكم صحيح والكلام صدق إن كان الشخص طويل القامة وإن لم يكن له سيف. وكما تكون الكلمة الواحدة في كلام، قرينة المجاز للاستعارة، فان طائفة من الآيات الكريمة، كأنها كلمة واحدة لكلام الله، تكون قرائن لحقائق وجواهر سائر أخواتها، وترجمان وإدلاء على ما في ضمائر جاراتها من أسرار.
حاصل الكلام:

من لم يضع هذه الحقيقة نصب العين، وعجز عن موازنة الآيات، ولم يتمكن من الحكم بينها حكمًا عدلاً، يكون كالبكتاشي الذي قال لتسويغ تركه الصلاة، إن القرآن يقول: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ..} أما ما بعده فلست حافظًا للآية! ألا يكون هذا موضع هزء في نظر الحقيقة؟!

المقدمة الثانية
قد يكون بديهيًا ما هو نظري في الماضي. هكذا تحقق، ففي العالم ميل للاستكمال وبه يتبع العالمُ قانونَ التكامل. ولأن الإنسان من ثمرات العالم وأجزائه ففيه كذلك ميل الترقي المستمد من الميل للاستكمال. وميل الترقي هذا ينمو ويترعرع مستمدًا من تلاحق الأفكار الذي ينبسط بتكمل المبادئ واكتمال الوسائل، وتكمل المبادئ يلقي - من صلب الخلقة - بذور علوم الأكوان ملقحًا رحم الزمان التي تربي تلك البذور وتنبتها، فتستوي بالتجارب المتعاقبة التدريجية.
وبناءً على هذا، فان مسائل كثيرة في هذا الزمان قد أصبحت في عداد البديهيات والعلوم المعتادة، بينما كانت في السابق أمورًا نظرية، شديدة الخفاء والغموض، ومحتاجة إلى سرد البراهين، إذ نرى كثيرًا من مسائل الجغرافية والفلك والكيمياء والهندسة العملية، يعرفها حتى صبيان هذا الزمان، بل يلعبون بها لعبهم بالملاعيب وذلك بتكمل المبادئ وبرقي الوسائط وبكشفيات تلاحق الأفكار، علمًا أنها كانت نظرية وخفية على "ابن سينا"وأمثاله من الفلاسفة. مع أنه لو وزن "أبو الفلسفة"بمئات من فلاسفة هذا الزمان لرجحهم في الذكاء وقوة الفكر وكمال الحكمة وسعة القريحة. فالنقص إذًا ليس في "ابن سينا"فهو ابن الزمان، بل في أبيه الزمان.
أليس بديهيًا أنه لو لم تكتشف الدنيا الجديدة (أمريكا) - واشتهر به كولومبس - لاقتدر على اكتشافها وإلحاقها بهذه الدنيا القديمة أبسط الملاحين؟ إذ بدلاً من تبحر فكر المكتشف الأول واقتحامه المهالك تكفي الآن سفينة صغيرة وبوصلة.
ومع هذا يلزم أخذ الحقيقة الآتية بنظر الاعتبار وهي:
أن المسائل قسمان، قسم يؤثر فيه تلاحق الأفكار، بل يتوقف عليه، كالتعاون في الماديات لرفع صخرة كبيرة.
والقسم الثاني، لا تأثير للتعاون وتلاحق الأفكار فيه من حيث الأساس. فالواحد والألف سواء. كالقفز في الخارج من مرتفع إلى آخر، أو المرور من موضع ضيق. فكل فرد والكل سواء، ولا يجدي التعاون.
فبناءً على هذا القياس:
فان قسمًا من العلوم هو كرفع الصخر، بحاجة إلى التعاون وتلاحق الأفكار. وأغلب هذا القسم هو من العلوم المادية.
أما القسم الثاني، وهو الشبيه بالمثال الثاني، فتكمّله دفعي، أو شبيه الدفعي. وأغلب هذا القسم هو من المعنويات ومن العلوم الإلهية.
ولكن على الرغم من أن تلاحق الأفكار لا يغير ماهية هذا القسم الثاني ولا يكمِّله ولا يزيده، إلاّ أنه يفيض وضوحًا وظهورًا وقوة في مسالك براهينه.
ويجب ملاحظة مايأتي:
إن من توغل كثيرًا في شئ، أدّى به في الغالب إلى التغابي في غيره.
فبناء على هذا:
من توغل في الماديات تبلّد في المعنويات وظل سطحيًا فيها.
فنظرًا إلى هذه النقطة:
لا يكون حكم الحاذق في الماديات حجة في المعنويات بل غالبًا لا يستحق سماعه.
نعم، إذا ما راجع مريض مهندسًا بدلاً من طبيب، ظنًا منه أن الطب كالهندسة. وأخذ بوصفة المهندس، فقد أخذ لنفسه تقريرًا بنقله إلى مستشفى مقبرة الفناء، وعزّى أقرباءه.
وكذلك مراجعة أحكام الماديين في المعنويات التي هي الحقائق المحضة والمجردات الصرفة واستشارة آرائهم وأفكارهم، تعني الإعلان عن سكتة القلب الذي هو اللطيفة الربانية، وعن سكرات العقل الذي هو الجوهر النوراني.
نعم! إن الذين يبحثون عن كل شئ في الماديات عقولهم في عيونهم، والعين عاجزة عن رؤية المعنويات

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عنصر الحقيقة-بديع الزمان محمد سعيد النورسي

مُساهمة من طرف محمد فتحي في الخميس يونيو 26, 2008 10:34 am

المقدمة الثالثة
إن دخول طائفة من الإسرائيليات وقسم من الفلسفة اليونانية ضمن دائرة الإسلام وظهورها بزي الدين الجميل، شوشت الأفكار. وذلك:
أن أولئك القوم، العرب النجباء، كانوا أمة أمية في الجاهلية. ولكن لمّا تجلّى الحق فيهم وتيقظ استعداد حسياتهم بمشاهدة الدين المبين، وجّهوا رغباتهم وميولهم كلها في معرفة الدين وحده. ولم يك نظرهم المتوجه إلى الكون من نوع التفصيل الفلسفي بل نظر استطرادٍ للاستدلال ليس إلاّ.
وما كان يلهم ذوقهم المرهف الطبيعي إلاّ محيطهم الواسع الرفيع المنسجم مع فطرتهم، والقرآن الكريم هو وحده المربي لفِطَرهم الأصيلة النقية ومعلمها.. ولكن الأمة العربية - بعد ذلك - أخذت تحتضن الأقوام الأخرى فدخلت معلومات سائر الملل وعلومها أيضًا حظيرة الإسلام، ثم وجدت الإسرائيليات المحرّفة منفذًا إلى خزائن خيال العرب، فأسالت مجرىً إلى تلك الخزائن، بإسلام عدد من علماء أهل الكتاب كـ"وهب وكعب"فامتزجت الإسرائيليات بالأفكار الصافية، فضلاً عن ذلك وجدت الاحترام والتقدير، لأن الذين اهتدوا من علماء أهل الكتاب قد تكاملوا بشرف الإسلام ونالوا به مكانة فائقة، لذا غدت معلوماتهم الملفقة كأنها مقبولة ومسلّم بها فلم تردّ، بل وجدت آذانًا صاغية لها من دون تنقيد، وذلك لعدم مصادمتها بأصول الإسلام ولأنها كانت تروى كحكايات لا أهمية لها.. ولكن يا للأسف. قبلت تلك الحكايات بعد فترة من الزمن كأنها حقائق وأصبحت سببًا لكثير من الشبهات والشكوك.
إذ أن هذه الإسرائيليات قد تكون مرجعًا لبعض إيماءات الكتاب والسنة، ومصدرًا لبعض مفاهيمهما - بوجود علاقة - إلاّ أنها لا تكون معنى للآيات الكريمة والأحاديث الشريفة. بل لو صحت ربما تكون أفرادًا من معاني ما يصدُق عليه مفهوم

الآية والحديث. ولكن المفتونين بالظاهر الذين لم يجدوا - بسوء اختيارهم - مصدرًا غيره، ولم يتحرّوا عنه، فسّروا قسمًا من الآيات والأحاديث بتطبيق الإسرائيليات عليهما. والحال أن الذي يفسر القرآن ليس إلاّ القرآن والحديث الصحيح، وإلاّ فلا يفسر القرآن بالإنجيل والتوراة المنسوخة أحكامهما والمحرفة قصصهما.
إن المعنى شيء وما يصدُق عليه المعنى شيء آخر. غير أنه أقيم ما يمكن أن يكون مصداقًا لشيء مقام المعنى، فاختلط كثير من الإمكانات والاحتمالات مع الوقائع.
ثم لما ترجمت الفلسفة اليونانية في عصر المأمون، لضمها إلى الفكر الإسلامي، تلك الفلسفة الناشئة من منبع كثير من الأساطير والخرافات، حملت معها شيئًا من العفونات، وتداخلت في أفكار العرب الصافية، فشوشت الأفكار إلى حدٍ ما، وفتحت طريقًا من التحقيق إلى التقليد، كما أنها صرفتهم عن الاستنباط بقرائحهم الفطرية من معدن ماء حياة الإسلام إلى الافتقار بالتتلمذ على تلك الفلسفة المانعة للكمال.
نعم، فكما أن العلماء المحققين دوّنوا قواعد علوم العربية،عندما فسدت باختلاط الأعاجم، حفاظًا على سلامة مَلَكة الكلام المُضرى، كذلك حاول قسم من علماء الإسلام الناقدين فرز الفلسفة وتمييز الإسرائيليات لمّا دخلتا دائرة الإسلام.
ولكن يا للأسف لم يوفقوا كليًا، فلم يبق الأمر عند حده، إذ لما صرفت الهمة إلى تفسير القرآن الكريم... طبّق عدد من الظاهريين منقوله على بعض الإسرائيليات، ووفقوا بين قسم من معقوله والفلسفة المذكورة، لما رأوا من شموله على المنقول والمعقول، وكذا الحديث النبوي، فبدلاً من أن يستخرج المقاصد من عين الكتاب والسنة استنبط طائفة مطابقةً وعلاقةً بين بعض نقلياتهما الصادقة وبعض الإسرائيليات المحرفة، وبين عقلياتهما الحقيقية وهذه الفلسفة الموهومة المموّهة، ظنًا منهم أن هذه المطابقة والمشابهة تفسيرٌ لمعاني الكتاب والسنة وبيان لمقاصدهما!
كلا.. ثم كلا! لأن مصداق الكتاب المبين اعجازهُ. والقرآن يفسّر بعضه بعضًا، ومعناه فيه، وصَدَفُه درّ مثله لا قشر. وحتى لو فُرض أن القصد من إظهار هذه المطابقة هو تزكية ذلك الشاهد الصادق، فهو عبث أيضًا، إذ القرآن المبين أسمى وأغنى من أن يفتقر إلى تزكية العقل والنقل اللذين ألقيا إليه المقاليد، لأنه إن لم يزكهما فشهادتهما لا تسمع.
نعم! يجب البحث عن الثريا في السماء لا في الأرض. فابحث عن معاني القرآن في أصدافه، لا في جيبك الحاوي على أخلاط، فانك لن تجد شيئًا، وحتى لو وجدت فالقرآن يرفضه، إذ لا يحمل طغراء البلاغة.
ومن المقرر: أن المعنى هو ما صبّته الألفاظ في الصماخ نافذًا في الذهن، منتشرًا منه إلى الوجدان، مفتحًا منه أزاهير الأفكار. وإلاّ فليس هو ما تسرب في خيالك من احتمالات لكثرة توغل أمور أخرى، أو ما سرقته وملأت جيبك من أباطيل الفلسفة وأساطير الحكايات، ثم أخفيته في معاطف الآيات والأحاديث ثم أظهرته ممسكًا به في يدك تبرزه وتنادي: "هذا هو المعنى، هلموا لأخذه!!"فيأتيك الجواب: ياهذا! إن المعنى الذي استخرجته مزيف، عليه علامة التقليد يردّه نقاّد الحقيقة، وسلطان الإعجاز يطرد من ضرب سكته، وحكيم البلاغة يسجن وهمك في خيالك بشكوى الآية عليك، لما تعرضت إلى نظامها ونظام الحديث. وطالب الحقيقة لا يقبله منك حتمًا إذ يقول لك: إن معنى الآية درّ وهذا مَدَر ومفهوم الحديث مهج وهذا همج.
مَثل للتنوير: من أمثال الأكراد الادبية: أن رجلاً اسمه (علو) كان يسرق العسل، فأشير عليه بأن ستظهر سرقتك وينكشف أمرك. فجمع الزنابير في كوارة، لأجل الخداع والتمويه، فكان يسرق العسل ويدّخره في الكوارة، وإذا ماسأله أحد يقول: هذا العسل صنعته نحلي، مهندسة العسل. ثم يحدث الزنابير بلغة مشتركة بينهما "فز فز ز وه هه نكفين ز من"أ ي: عليكم الدوي والطنين ومني العسل!
فيا أيها المؤوّل بالتشهي والهوى، لا تتسل بهذا التشبيه، فهذا ضرب للمثل. إذ المعنى الذي أوردته ليس عسلاً بل سمًّا، فان تلك الألفاظ - القرآنية والنبوية - ليست نحلاً بل كالملائكة توحي أرواح الحقائق إلى القلب والوجدان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.. إن الحديث النبوي معدن الحياة، وملهم الحقائق.

نحصل مما سبق:
إن الإفراط والتفريط كلاهما مضران، وربما التفريط أكثر ضررًا إلاّ أن الإفراط أكثر ذنبًا، لأنه يسبب التفريط.
نعم! لقد فتح باب السماح بالإفراط، فاختلطت الأشياء المزيفة بتلك الحقائق الرفيعة. ولما شاهد أهل التفريط والنقد غير المنصفين هذه المزيفات بين تلك الحقائق التي لا تقدر بثمن، ذعروا واشمأزوا، وظنوها كلها مزيفة تافهة ملوثة، ظلمًا وإجحافًا.. كلا وحاش لله...
ترى لو وجدت نقود مزيفة في كنـز، أدخلت إليه من الخارج، أو لو شوهد تفاح فاسد سقط إلى بستان من غيره، أمن الحق والإنصاف عدّ الكنـز كله مزيفًا، أو البستان كله فاسدًا، ومن ثم تركهما لأنهما ملوثان معيوبان مشوبان؟!

خاتمة:
أقصد من هذه المقدمة: أن الأفكار العامة تريد تفسيرًا للقرآن الكريم.
نعم! إن لكل زمان حكمه، والزمان كذلك مفسّر. أما الأحوال والأحداث فهي كشافة. وأن الذي يستطيع أن يكون استاذًا على الأفكار العامة هو الأفكار العلمية العامة أيضًا.
فبناءً على هذا واستنادًا إليه أريد تشكيل مجلس شورى علمي، منتخب من العلماء المحققين، كل منهم متخصص في علم. ليقوموا بتأليف تفسير للقرآن الكريم بالشورى بينهم، تحت رياسة الزمان الذي هو مفسّر عظيم، ويجمعوا المحاسن المتفرقة في التفاسير، ويهذّبوها ويذهّبوها.
وهذا الأمر مشروط بأن تكون الشورى مهيمنة في كل شيء. والأفكار العامة مراقبة. وحجية الإجماع حجة عليه.

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عنصر الحقيقة-بديع الزمان محمد سعيد النورسي

مُساهمة من طرف محمد فتحي في الخميس يونيو 26, 2008 10:37 am

المقدمة الرابعة
الشهرة تملّك الإنسان ما لا يملك، إذ من سجايا البشر، إسناد الشيء الغريب أو الثمين إلى من اشتهر بجنسه، لإظهاره أصيلاً. أي: لأجل أن يروّج كلامه ويزينه أو لئلا يكذََّب، أو لأغراض أخرى، يحيل نتائج أفكار أمة أو محاسن أطوارها إلى شخص ما - ظلمًا وعدوانًا - ويشاهد صدورها عنه! بينما ذلك الشخص نفسه من شأنه ردّ تلك الهدية المهداة له ظلمًا وتعسفًا، إذ لو عرض على شهير في صنعة جميلة أو خصلة راقية أمرٌ، وقيل له - بغير حق -: إن هذا من صنع يدك - مثلاً- فإنه يردّه حتمًا ويتبرأ منه ويشمئز، قائلاً حاشَ لله، ذلك لأن نظره النافذ في ما وراء الحسن الظاهر يبصر إخلال ذلك الأمر بجمال تلك الصنعة الناشئ من تناسقها وانتظامها.
فبناءً على هذه السجية، واستنادًا إلى القاعدة المشهورة: "إذا ثبت الشيء ثبت بلوازمه"يضطر الناس إلى إسناد قوة عظيمة وعظمة فائقة وذكاء خارق.. وأمثالها من لوازم خوارق العادات إلى ذلك الشخص الشهير، ليوائم ما في خيالهم، وليمكّن له أن يكون مرجعًا ومصدرًا لجميع ما ينسب اليه من أمور خارقة. فيتجسم ذلك الشخص في أذهانهم أعجوبة من أعاجيب الخلق.
فان شئت فانظر إلى صورة "رستم بن زال"المعنوية، الذي نما في خيال العجم، ترى العجب العجاب. فانه لما اشتهر بالشجاعة اغتصب مفاخر الايرانيين وأغار عليها بقوة الشهرة، وبحكم الاستبداد الذي لم يتخلص منه الإيرانيون قط. وهكذا ضخمت تلك الشخصية واستعظمت في الخيالات.
ولما كان الكذب يردفه كذب ويسوق إليه، استلزمت هذه الشجاعة الخارقة للعادة، عمرًا خارقًا، وقامة خارقة، وما يكتنفهما من لوازمهما!.. حتى تجسم ذلك الخيال في الذهن وهو يصرخ: "إنا نوع منحصر في شخص". لا من أبناء البشر بل ككائن خرافي يدور في حكايات الناس ويتقدم الخرافات فاتحًا الطريق إلى أمثاله.

يا من يريد رؤية الحقيقة مجرّدة! انعم النظر في هذه المقدمة، لأن باب الخرافات ينفتح من هذا الموضع، وباب التحقيق (العلمي) ينسد به، زد على ذلك ففي هذه الأرض القاحلة الجرداء يضيع على الإنسان أخذ العبرة من القصة، ويفوته البناء على أسس المتقدمين كما يمليه الترقي، ولا يتجرأ على التصرف في ميراث الأسلاف ولا الزيادة عليه.
فان شئت قل للخواجة نصر الدين الشهير بـ (جحا الرومي): أهذه الأقوال الغريبة كلها لك؟ فسيكون جوابه: "هذه الأقوال تملأ المجلدات، وتحتاج إلى عمر مديد. وأقوالي كلها ليست من نوادر الكلم، فأنا عالم من العلماء تسعني زكاة ما نسبوا إليّ من أقوال. أما الباقي فارفضه وأردّه لأنها تقلب ظرافتي إلى التصنع".
فيا هذا! من هذا العرق تنبت الخرافات والموضوعات، ومنه تتفرع، وهو الذي يزيل قوة الصدق.
خاتمة:
إن إحسانًا يزيد على الإحسان الإلهي ليس بإحسان.
إن حبة من حقيقة تفضل بيدرًا من الخيالات.
الاطمئنان والقناعة بالإحسان الإلهي في التوصيف فرض.
يجب ألاّ يخل بنظام المجتمع مَن كان داخلاً فيه.
أصل الشيء تبيّنه ثمرته. شرف الشيء في ذاته لا في نسله.
إذا اختلطت في بضاعة، بضاعةٌ أخرى، فإنها تنقص من قيمة الأولى وإن كانت الثانية قيّمة ونفيسة، بل تسبب حجزها.
والآن، بناءً على هذه النقاط، أقول:
إن إسناد قسم من الأحاديث الموضوعة إلى "ابن عباس"رضي الله عنه وأمثاله من الصحابة الكرام، لأجل الترغيب أو الترهيب، إثارةً للعوام وحضًا لهم، إنما هو جهل عظيم.
نعم! إن الحق مستغن عن هذا، والحقيقة غنية عنه. فنورهما كافيان لإنارة القلوب. تسعنا الأحاديث الصحيحة المفسّرة الحقيقية للقرآن الكريم ونثق بها ونطمئن إلى التواريخ الصحيحة الموزونة بميزان المنطق.

المقدمة الخامسة
إذا وقع المجاز من يد العلم إلى يد الجهل ينقلب إلى حقيقة، ويفتح الباب للخرافات إذ المجازات والتشبيهات إذا ما اقتطفتهما يسار الجهل المظلم من يمين العلم المنور، أو استمرتا وطال عمرهما، انقلبتا إلى "حقيقة"مستفرغة من الطراوة والنداوة، فتصير سرابًا خادعًا بعدما كانت شرابًا زلالاً، وتصبح عجوزًا شمطاء بعدما كانت فاتنة حسناء.
نعم! إن شعلة الحقيقة إنما تتلمع من المجاز بشفافيته. ولكن بتحوله إلى حقيقة يصبح كثيفًا قاتمًا يحجب الحقيقة الأصلية. فهذا التحول قانون فطري، فان أردت شاهدًا عليه راجع أسرار تجدد اللغات وتغيراتها، والاشتراك والترادف في الأمور. انصت إليها جيدًا تسمع حتمًا:
إن كثيرًا من الكلمات أو الحكايات أو الخيالات أو المعاني التي كان السلف يتذوقونها، لم توافق الرغبات الشابة لدى الخلف، لأنها غدت عجوزًا لا زينة لها. لذا أصبحت سببًا لدفعهم إلى ميل التجدد والرغبة في الإيجاد، والجرأة على التغيير. هذه القاعدة جارية في اللغات مثلما هي جارية في الخيالات والمعاني والحكايات. ولهذا لا ينبغي الحكم على أي شيء بظاهره، إذ من شأن المحقق:
سبر غور الموضوع.. والتجرد من المؤثرات الزمانية.. والغوص في أعماق الماضي.. ووزن الأمور بموازين المنطق.. ووجدان منبع كل شيء ومصدره.
ومما أطلعني على هذه الحقيقة ودلّني عليها هو حدوث خسوف القمر زمن صباي، إذ سألت والدتي عنه، فأجابت: لقد ابتلع الثعبان القمر. فقلت: فَلِمَ يشاهد القمر؟ قالت: إن ثعابين السماء شبه شفافة.
فانظر كيف تحول التشبيه إلى حقيقة! فحجبت حقيقة الحال، إذ شبّه أهل الفلك تقاطع مائل القمر بمنطقة البروج في الرأس والذنب، بثعبانين أو تنينين، حيث أن القمر أو الشمس إذا أتى أحدهما إلى الرأس والآخر إلى الذنب وتوسطتهما الأرض، يخسف القمر.
يا من لا يسأم من كلامي المختلط هذا! انعم النظر أيضًا في هذه المقدمة وانظر اليها بدقة متناهية، فكثير جدًا من الخرافات، والخلافات، إنما تنشأ من هذا الأصل. فينبغي الاسترشاد بالمنطق والبلاغة.
خاتمة:
يجب أن يكون للمعنى الحقيقي ختم خاص وعلامة واضحة متميزة. والمشخّص لتلك العلامة هو الحُسن المجرد الناشئ من موازنة مقاصد الشريعة.
أما جواز المجاز فيجب أن يكون على وفق شروط البلاغة وقواعدها، وإلاّ فرؤية المجاز حقيقة والحقيقة مجازًا، أو إراءتهما هكذا، إمدادٌ لسيطرة الجهل ليس إلاّ.
إن ميل التفريط من شأنه حمل كل شيء على الظاهر.. حتى لينتهي الأمر تدريجيًا إلى نشوء مذهب الظاهرية مع الأسف. وإن حب الإفراط من شأنه النظر إلى كل شيء بنظر المجاز، حتى لينتهي الأمر تدريجيًا إلى نشوء مذهب الباطنية الباطل. فكما أن الأول مضر فالثاني أكثر ضررًا منه بدرجات.
والذي يبين الحد الأوسط ويحد من الإفراط والتفريط إنما هو فلسفة الشريعة مع البلاغة، والحكمة مع المنطق.
نعم! أقول: الحكمة (الفلسفة) لأنها خير كثير مع تضمنها الشر، إلاّ انه شرٌ جزئي. ومن الأصول المسلمة أنه يلزم اختيار أهون الشرين، إذ ترك ما فيه خير كثير لأجل شر جزئي فيه، يعني القيام بشر كثير.
نعم! إن الحكمة القديمة (الفلسفة القديمة) خيرها قليل، خرافاتها كثيرة، حتى نهى السلف - إلى حد ما - عنها، حيث الأذهان كانت غير مستعدة، والأفكار مقيدة بالتقليد، والجهل مستول على العوام. بينما الفلسفة الحاضرة فخيرها كثير - من جهة المادة - بالنسبة للقديمة، وكذبها وباطلها قليل. والأفكار حرة في الوقت الحاضر، والمعرفة مسيطرة على الجميع. وفي الحقيقة، لابد أن يكون لكل زمان حكمه.

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عنصر الحقيقة-بديع الزمان محمد سعيد النورسي

مُساهمة من طرف محمد فتحي في الخميس يونيو 26, 2008 10:40 am

المقدمة السادسة
فمثلاً: إن كل ما يرد في التفسير لا يلزم أن يكون منه، إذ العلم يمدّ بعضه بعضًا.
فما ينبغي التحكم (في الرأي). إذ من المسلّمات: أن الماهر في مهنة الهندسة، ربما يكون عاميًا وطفيليًا في مهنة أخرى كالطب، ودخيلاً فيها.
ومن القواعد الأصولية: أنه لا يعدّ من الفقهاء مَن لم يكن فقيهًا، وإن كان مجتهدًا في أصول الفقه، لأنه عامي بالنسبة إليهم.
وكذلك من الحقائق التاريخية: إن الشخص الواحد لا يستطيع أن يتخصص في علوم كثيرة، إلاّ من كان فذًا، فيستطيع أن يتخصص في أربعة أو خمسة من العلوم، ويكون صاحب ملكة فيها.
فمن ادّعى الكل فاته الكل. لان لكل علم صورة حقيقية، وبالتخصص تتمثل صورته الحقيقية. إذ المتخصص في علم إن لم يجعل سائر معلوماته متممة وممدةً له، تمثلت من معلوماته الهزيلة صورة عجيبة.
لطيفة افتراضية للتوضيح: لو افترض مجيء مصوّر إلى هذه الأرض من عالم آخر لم يكن قد شاهد صورة كاملة للإنسان ولا غير إنسان من الأحياء. وربما رأى عضوًا من أعضاء كل منها. فإذا أراد هذا المصور تصوير إنسان، مما شاهد منه من يد ورجل وعين وأذن ونصف الوجه وأنف وعمامة وأمثالها. أو أراد تصوير حيوان مما صادف نظره من ذيل حصان وعنق جمل ورأس أسد. فالمشاهدون يتهمون المصور في عمله لأن عدم وجود تناسق وانسجام وامتزاج بين الأعضاء يحول دون وجود كائن حي كهذا وسيقولون: إن شروط الحياة لا تسمح لمثل هذه الأعاجيب.
فهذه القاعدة نفسها تجري في العلوم.. والعلاج هو: اتخاذ المرء أحد العلوم أساسًا وأصلاً، وجعل سائر معلوماته حوضًا تخزن فيه.
ومن العادات المستمرة: أن علومًا كثيرة تتزاحم في كتاب واحد، فبسبب تعانقها وتجاوبها بإمداد بعضها بعضًا وإنتاج بعضها بعضًا، يحصل تشابك إلى حد كبير، بحيث لا تكون نسبة مسائل العلم الذي ألّف الكتاب فيه إلاّ زكاة محتواه. فالغفلة عن هذا السرّ تؤدي بالظاهري أو الغوغائي المغالط إلى أن يقول محتجًا به: "الشريعة هي هذه، وهذا هو التفسير!"إذا ما يرى مسألة ذكرت استطرادًا في تفسير أو كتاب فقه. وإن كان صديقًا يقول: "مَن لم يقبل بهذا فليس بمسلم!!"وإن كان عدوًا يقول محتجًا به: "الشريعة أو التفسير خطأ"حاشَ لله.
أيها المفرطون والمفرّطون! إن التفسير والشريعة شيء وما ألّف فيهما من كتب شيء آخر، فالكتاب يسع الكثير. ففي حانوت الكتاب أشياء تافهة غير الجواهر النادرة.
فان استطعت أن تفهم هذا، تنجو من التردد. فانتبه! فكما لا تشترى لوازم البيت المتنوعة من صناع واحد فقط، بل يجب مراجعة المختص في صنعة كل حاجة من الحاجات، كذلك لابد من توفيق الأعمال والحركات مع ذلك القانون الشامخ بالكمالات (قانون الفطرة). ألا يشاهد أن من انكسرت ساعته، إذا راجع خياطًا لخياطتها فلا يقابَل إلاّ بالهزء والاستخفاف؟
إشارة: إن أساس هذه المقدمة هو: أن الامتثال والطاعة لقانون التكامل والرقي للصانع الجليل - الجاري في الكون على وفق تقسيم الأعمال - فرض وواجب، إلاّ أن الطاعة لإشارته ورضاه سبحانه الكامنين في ذلك القانون لم يوف حقها. علمًا أن يد عناية الحكمة الإلهية - التي تقتضي قاعدة تقسيم الأعمال - قد أودعت في ماهية البشر استعدادات وميولاً، لأداء العلوم والصناعات التي هي في حكم فرض الكفاية لشريعة الخلقة (السنن الكونية).
فمع وجود هذا الأمر المعنوي لأدائهما، أضعنا بسوء تصرفنا الشوق - الممد للميل، المنبعث من ذلك الاستعداد - وأطفأنا جذوته بهذا الحرص الكاذب، وبهذه الرغبة في التفوق التي هي رأس الرياء! فلا شك أن جزاء العاصي جهنم. فعُذّبنا بجهنم الجهل. لأننا لم نتمثل أوامر الشريعة الفطرية التي هي قانون الخلقة.. وما ينجينا من هذا العذاب إلاّ العمل على وفق قانون (تقسيم الأعمال). فقد دخل أسلافنا جنان العلوم بالعمل على وفق تقسيم الأعمال.

خاتمة:
كما لا يكفي مجرد دخول غير المسلم المسجدَ لاعتناقه الإسلام، كذلك دخول مسألة من مسائل الفلسفة أو الجغرافية أو التاريخ وأمثالها، في كتب التفسير أو الفقه، لا يجعل تلك المسألة من التفسير أو الشريعة قطعًا.
ثم إن حكم مفسّر أو فقيه - بشرط التخصص - يعدّ حجة في التفسير فقط أو في الفقه فحسب. وإلاّ فهو ليس بحجة في الأمور التي دخلت خلسة في كتب التفسير أو الفقه. لأنه يمكن أن يكون دخيلاً في تلك الأمور. ولا عتاب على الناقل. ومن كان حجة في علم وناقلاً في علوم أخرى، فاتخاذ قوله فيها حجة أو التمسك بقوله فيها من قبيل الدعوى ما هو إلاّ إعراض عن القانون الإلهي المستند إلى تقسيم المحاسن وتوزيع المساعي. ثم إنه مسلّم منطقيًا: إن الحكم يقتضي تصور "الموضوع" و"المحمول"_بوجه ما فقط، أما سائر التفاصيل والشروح ليس من ذلك العلم، وإنما من مسائل علم آخر.
ومن المقرر أنه: لا يدل العام على الخاص بأيٍ من الدلالات الثلاث الخاصة. فمثلاً: إن أعظم مجافاة للمنطق النظرُ إلى تأويل الآية الكريمة {بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} [الكهف: 96] في تفسير البيضاوي، نظرة جازمة أنه: بين جبال أرمينيا وأذربيجان. إذ هو أساسًا ناقل. فضلاً عن أن تعيينه ليس مدلول القرآن، فلا يعدّ من التفسير. لأن ذلك التأويل تشريحٌ مستند إلى علم آخر لقيد واحد من قيود الآية الكريمة.
وكذلك ظلم وإجحاف بحق ذلك المفسر الجليل وبرسوخ قدمه في العلم في تفسيره المذكور اتخاذ أمثال هذه النقاط الضعيفة فيه ذريعة لبث الشبهات حوله. فحقائق التفسير الأصلية والشريعة واضحة جلية، وهي تتلألأ كالنجوم. فما الذي يدفع عاجزًا مثلي على الجرأة غير ما في تلك الحقائق من وضوح وقوة. فادّعي وأقول:
إذا دقق النظر في كل حقيقة من الحقائق الأساسية في التفسير والفقه، يشاهد: أنها نابعة من الحقيقة، موزونة بميزان الحكمة، وتمضى إلى الحق وهي حقٌ. فالشبهات الواردة - مهما كانت - ناشئة من أذهان مهذار ثم اختلطت بتلك الحقائق. فمن كانت لديه شبهة حول حقائق التفسير الأصلية، فهذا ميدان التحدي، فليبرز إلى الميدان.

المقدمة السابعة
المبالغة تشوش الأمور وتبلبلها، لأن من سجايا البشر: مزج الخيال بالحقيقة، بميل إلى الاستزادة في الكلام فيما إلتذ به، والرغبة في إطلاق الكلام جزافًا فيما يصف، والانجذاب إلى المبالغة فيما يحكى. وبهذه السجية السيئة يكون الإحسان كالإفساد، ومن حيث لا يعلم يتولد النقصان من حيث يزيد، وينجم الفساد من حيث يصلح، وينشأ الذم من حيث يمدح، ويتولد القبح من حيث يُحسن.. وذلك لإخلاله - من حيث لا يشعر - بالحسن الناشئ من الانسجام والموازنة (في المقاصد).
فكما أن الإستزادة من دواء شاف قلبٌ له إلى داء، كذلك المبالغون في الترغيب والترهيب، المستغني عنهما الحق، كجعل الغيبة كالقتل أو إظهار التبول وقوفًا بدرجة الزنا أو التصدق بدرهم مكافئ لحجّة... وأمثالها من الكلمات غير الموزونة التي يطلقها المبالغون إنما يستخفون بالزنا والقتل ويهوّنون شأن الحج.
فبناءً على هذا: لا بد أن يكون الواعظ حكيمًا، وذا دراية بالمحاكمات العقلية.
نعم! إن الوعاظ الذين لا يملكون موازين، ويطلقون كلامهم جزافًا، قد سببوا حجب كثير من حقائق الدين النيّرة. فمثلاً: الزيادة التي زيدت في معجزة انشقاق القمر الباهرة بالمبالغة في الكلام، وهي أن القمر قد نـزل من السماء ودخل تحت أبط الرسول صلىاللهعليهوسلم ثم رجع إلى السماء. هذه الزيادة، جعلت تلك المعجزة الباهرة كالشمس، مخفيةً كنجم السهى، وجعلت ذلك البرهان للنبوة الذي هو كالقمر، مخسوفًا، وفتحت أبواب حجج تافهة للمنكرين.
حاصل الكلام:
يجب على كل محبّ للدين وعاشق للحقيقة: الاطمئنان بقيمة كل شيء وعدم إطلاق الكلام جزافًا وعدم التجاوز. إذ المبالغة افتراء على القدرة الإلهية. وهي فقدان الثقة بالكمال والحسن في العالم واستخفاف بهما واللذين ألجآ الإمام الغزالي إلى القول: "ليس في الإمكان أبدع مما كان".
أيها السيد المخاطب! قد يؤدي التمثيل أيضًا ما يؤديه البرهان من عمل. فكما أن لكل من الألماس والذهب والفضة والرصاص والحديد قيمتها الخاصة، وخاصيتها الخاصة بها، وهذه الخواص تختلف، والقيم تتفاوت. كذلك مقاصد الدين تتفاوت من حيث القيمة والأدلة. فان كان وضع أحدها الخيال، فموضع الآخر الوجدان والآخر في سر الأسرار. إن من أعطى جوهرة أو ليرة ذهبية في موضع فلس أو عشر بارات، يحجر عليه لسفهه، ويمنع من التصرف في أمواله. وإذا انعكست القضية فلا يسمع إلاّ كلمات الاستهزاء والاستخفاف، إذ بدلاً من أن يكون تاجرًا صار محتالاً يسخر منه. كذلك الأمر في من لا يميز الحقائق الدينية ولا يعطي لكل منها ما يستحقه من حق واعتبار، ولا يعرف سكة الشريعة وعلامتها في كل حكم. كل حكم شبيه بجزء ترس يدور على محوره لمعمل عظيم. فالذين لا يميزون يعرقلون تلك الحركة. مثلهم في هذا كمثل جاهل شاهد ترسًا صغيرًا لطيفًا في ماكنة جسيمة، وحاول الإصلاح وتغيير ذلك الوضع المتناسق. ولكن لعدم رؤيته الانسجام الحاصل بين حركة الترس الصغير والماكنة الكبيرة وجهله بعلم المكائن، فضلاً عن غرور النفس الذي يغريه ويخدعه بنظره السطحي، تراه يخلّ بنظام المعمل من حيث لا يشعر ويكون وبالاً على نفسه.
زبدة الكلام:
إن الشارع سبحانه وتعالى قد وضع سكته وختمه المعتمد على كل حكم من أحكام الشرع. ولابد من قراءة تلك السكة والختم. فذلك الحكم مستغن عن كل شيء سوى قيمته وسكته. فهو في غنىً عن تزيين وتصرف الذين يلهثون وراء المبالغين والمغالين والمنمقين للّفظ. وليعلم هؤلاء الذين يطلقون الكلام جزافًا، كم يكونون ممقوتين في نظر الحقيقة في نصحهم الآخرين. فمثلاً: لم يكتف أحدهم بالزجر الشرعي لتنفير الناس عن المسكرات فقال كلامًا أمام جمع غفير من الناس أخجل من كتابته، وقد شطبته بعد كتابته.
فيا هذا! انك بكلامك هذا تعادي الشريعة! وحتى إن كنت صديقًا فلا تكون إلاّ صديقًا أحمق، واضرّ على الدين من عدوه.
خاتمة:
أيها الظالمون الذين يحاولون جرح الإسلام ونقده من بعيد، من الخارج. زنوا الأمور بالمحاكمة العقلية. ولا تنخدعوا ولا تكتفوا بالنظر السطحي. فهؤلاء الذين أصبحوا سببًا لأعذاركم الواهية - في نقد الإسلام - يسمّون بلسان الشريعة "علماء السوء". فانظروا إلى ما وراء الحجاب الذي ولّده عدم موازنتهم الأمور، وتعلقهم الشديد بالظاهر، سترون: إن كل حقيقة من حقائق الإسلام برهان نيّر كالنجم الساطع، يتلألأ عليه نقش الأزل والأبد.
نعم، إن الذي نـزل من الكلام الأزلي يمضي إلى الأبد والخلود. ولكن - يا للأسف- يلقي أحدهم ذنوبه على الآخرين ليبرئ نفسه، وما ذلك إلاّ من حبه لها وانحيازه إليها ومن عجزه وأنانيته وغروره. وهكذا يسند كلامه الذي يحتمل الخطأ أو فعله القابل للخطأ إلى شخص معروف، أو إلى كتاب موثوق، بل حتى أحيانًا إلى الدين، وغالبًا إلى الحديث الشريف، وفي نهاية المطاف إلى القدر الإلهي. وما يريد بهذا إلا تبرئة نفسه.
حاش لله ثم حاشَ لله. فلا يرد الظلامُ من النور. وحتى لو ستر النجوم المشاهدة في مرآته لا يستطيع ستر نجوم السماء. بل هو العاجز عن الرؤية والأبصار.
أيها السيد المعترض! إنه ظلم فاضح جعل الشبهات الناشئة من سوء فهم الإسلام والأحوال المضطربة الناشئة من مخالفة الشريعة، ذريعة لتلويث الإسلام. وما هذا إلاّ كالعدو الذي يتذرع لأي سبب كان للانتقام والثأر. أو مثل الطفل الذي يروم البكاء لأتفه سبب. إذ أن كل صفة من صفات المسلم لا يلزم أن تكون ناشئة من الإسلام.

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عنصر الحقيقة-بديع الزمان محمد سعيد النورسي

مُساهمة من طرف محمد فتحي في الخميس يونيو 26, 2008 10:43 am

المقدمة الثامنة
تمهيد:

لا تمل من هذه المقدمة الطويلة الآتية، لأن ختامها في منتهى الأهمية، فضلاً عن أنها تزيل اليأس المبيد لكل كمال. وتبعث الحياة في الأمل، الذي هو جوهر كل سعادة وخميرتها.. وتبشر بأن المستقبل سيكون لنا والماضي لغيرنا.. رضينا بالقسمة وها هو ذا موضوعها:
عقد موازنة بين أبناء الماضي والمستقبل، فالمدارس العليا لا تقرأ فيها الألف باء، ومهما عظمت ماهية العلم فإن صورة تدريسها غير ماهيتها.
نعم! إن الماضي مدرسة الأحاسيس والمشاعر المادية، بينما المستقبل هو مدرسة الأفكار. فهما ليسا على طراز واحد.
واقصد من أبناء الماضي أولاً: القرون الأولى والوسطى لما قبل القرن العاشر لغير المسلمين. أما الأمة الإسلامية فهي خير أمة في القرون الثلاث الأولى، وأمة فاضلة عامة إلى القرن الخامس، وما بعده حتى القرن الثاني عشر اعبّر عنه بالماضي. اما المستقبل فأعدّه ما بعد القرن الثاني عشر.
وبعد هذا فمن المعلوم أن الغالب على تدبير شؤون الإنسان. إما العقل أو البصر، وبتعبير آخر: إما الأفكار أو الأحاسيس المادية. أو: إما الحق أو القوة. أو: إما الحكمة أو الحكومة. أو: إما الميول القلبية أو التمايلات العقلية. أو: إما الهوى أو الهدى.
وعلى هذا نشاهد أن: أخلاق أبناء الماضي الحاملة شيئًا من الصفاء، وأحاسيسهم الخالصة إلى درجة، قد استخدمت أفكارهم غير المنورة وسيطرت عليها، فبرزت الشخصيات وسادت الاختلافات. بينما أفكار أبناء المستقبل المنورة - إلى حد - قد تغلبت على أحاسيسهم المظلمة بالهوى والشهوة وسخرتها لأمرها، فتحققت: أن السيادة تكون للحقوق العامة. فتجلت الإنسانية إلى حد ما. وهذا يبشر بأن الإسلام الذي هو الإنسانية الكبرى سيسطع كالشمس في رابعة النهار في سماء المستقبل وعلى جنان آسيا.
ولما كانت الأحاسيس المادية والميول والرغبات والقوة التي أنشأت الأغراض النفسانية والخصومات وميل التفوق على الآخرين مسيطرة على أودية الماضي كان الإقناع الخطابي كافيًا لإرشاد أهل ذلك الزمان، لأن تصوير المدّعى وتزيينه وتهويله وتأنيسه إلى الخيال يداعب الأحاسيس ويؤثر في الميول والرغبات، فكان هذا يسد مسدّ البرهان. بيد أن قياس أنفسنا عليهم يعني التحرك إلى الخلف، وإقحامًا لنا في زوايا ذلك الزمان. إذ لكل زمان حكمه. نحن نطلب الدليل. ولا ننخدع بتصوير المدعى وتزيينه.
ولما كان مصدر تبخر حقائق الحكمة في صحراء الوقت الحاضر والباعث بالسحاب الممطر إلى جبال المستقبل، هو الأفكار والعقل والحق والحكمة والتي ولّدت حديثًا ميل التحري عن الحقيقة، وعشق الحق، وترجيح المنفعة العامة على الخاصة، وظهور رغبات إنسانية، لذا لا يثبت المدّعى بغير البراهين القاطعة. فنحن أبناء الحال الحاضرة والمرشحين للمستقبل لا يشبع أذهاننا تصوير المدّعى وتزيينه بل نطلب البرهان.
فلنذكر قليلاً من حسنات وسيئات الماضي والمستقبل اللذين هما في حكم سلطانين.
ففي ديار الماضي كان السائد في الأغلب هو: القوة، والهوى، والطبائع، والميول، والأحاسيس، لذا فان إحدى سيئاته أنه كان هناك في كل أمر من أموره - ولو بصورة عامة - تحكّم واستبداد وظهور محبة شخص على حساب خصومة آخر.. وغلبة خصومة مسلك الآخرين على محبة مسلكه.. ومداخلة الالتزام والتعصب.. والانحياز المانع عن كشف الحقيقة.
حاصل الكلام:
لما كانت الميول متفاوتة فان تدخل الشعور بالانحياز في كل شيء، ونشوء التبلبل بالاختلافات جعل الحقيقة تهرب وتختفي.
ثم إن من سيئات استبداد الأحاسيس: تأسس المسالك والمذاهب غالبًا على التعصب.. وتضليل الآخرين، أو على السفسطة.. بينما هذه الثلاثة مذمومة في نظر الشرع، منافية للأخوة الإسلامية، مفرقة للانتساب الجنسي (الإنساني) مخالفة للتعاون الفطري لدرجة أن احد هؤلاء يضطر في النهاية إلى تبديل مذهبه ومسلكه دفعةً، مصدقًا إجماع الناس وتواترهم تاركًا التعصب والسفسطة. بينما إذا ما عمل ابتداءً بالحق بدلاً من التعصب، وبالبرهان بدلاً من السفسطة، وبالتوفيق والتطبيق بدلاً من تضليل الآخرين، وطبّق الشورى، فلا يمكن أن يبدّل مذهبه ومسلكه الحق ولو بجزء منهما حتى لو اتفقت الدنيا عليه.
ولما كان المهيمن هو الحق والبرهان والعقل والشورى في خير القرون وعصور السلف الصالح، لم يك للشكوك والشبهات موضع. كذلك نرى أنه بفضل انتشار العلوم في الوقت الحاضر وهيمنتها بصورة عامة وفي المستقبل هيمنة تامة إن شاء الله سيكون المهيمن هو الحق بدلاً من القوة، والبرهان بدلاً من التعصب والسفسطة، والحمية بدلاً من الأحاسيس المادية، والعقل بدلاً من الطبع، والهدى بدلاً من الهوى كما كان الحال في القرون الأولى والثانية والثالثة وحتى إلى القرن الخامس عامة. أما بعد القرن الخامس إلى الآن فقد غلبت القوةُ الحقَ.
ومن محاسن سلطان الأفكار أن تخلصت شمس الإسلام مما كان يحجبها من غيوم الأوهام والخيالات. بل أخذت كل حقيقة منها بنشر نورها، حتى المتعفنين في مستنقع الإلحاد أخذوا يستفيدون من ذلك النور.
ومن محاسن مشاورة الأفكار تأسس المعتقدات والمسالك على البراهين القاطعة، وربط الحقائق بالحق الثابت الممدّ للكمالات كلها. مما يؤدي إلى عدم تمويه الأفكار وخداعها بإلباس الباطل لباس الحق!
أيها الإخوة المسلمون!
إن الوضع الحاضر يبشرنا بلسان الحال أن مضمون: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: 81]قد أشرأب بعنقه ويشير بيده إلى المستقبل مناديًا بأعلى صوته:
إن الحاكم على الدهر وعلى طبائع البشر إلى يوم القيامة هو "حقيقة الإسلام"التي هي تجلّي العدالة الأزلية في عالم الكون، والتي هي الإنسانية الكبرى. وما محاسن المدنية التي هي الإنسانية الصغرى إلاّ مقدمتها! ألا يشاهد أنه قد خفف تلاحق الأفكار وتنوّرها عن كاهل حقائق الإسلام طبقات تراب الأوهام والخيالات.. وهذا يبين أن ستنكشف تمامًا تلك الحقائق التي هي نجوم سماء الهداية وستتلألأ وتسطع على رغم أنوف الأعداء.
وإذا شئت فاذهب إلى المستقبل وادخل فيه وشاهد: كيف يهذر وينهزم في ميدان الحقائق - التي تحكمها وترعاها الحكمة - من يتحرى التوحيد في التثليث فيما لو بارز المتمسكين بالعقيدة الحقة، المتقلدين سيف البرهان، تلك العقيدة التي يرضاها التوحيد الخالص، والاعتقاد الكامل، والعقل السليم.
أقسم بالقرآن العظيم ذي الأسلوب الحكيم،انه ما ألقى النصارى وأمثالهم في وديان الضلالة نافخًا فيهم الهوى إلاّ عزل العقل وطرد البرهان وتقليد الرهبان..
وما جعل الإسلام يتجلى دومًا، وتنكشف حقائقه وتنبسط بنسبة انبساط أفكار البشر إلاّ تأسّسه على الحقيقة وتقلده البرهان ومشاورته العقل واعتلاؤه عرش الحقيقة ومطابقته دساتير الحكمة المتسلسلة من الأزل إلى الأبد ومحاكاته لها.
إلا يشاهد كيف يحيل القرآن الكريم في فواتح أكثر الآيات وخواتمها البشر إلى مراجعة الوجدان واستشارة العقل بقوله تعالى (أفلا ينظرون) و(فانظروا) و(أفلا يتدبرون) و(أفلا تتذكرون) و(تتفكروا) و(ما يشعرون) و(يعقلون) و(لا يعقلون) و(يعلمون) و(فاعتبروا يا اولي الابصار). وأنا أقول أيضًا: فاعتبروا يا أولي الألباب.
خاتمة:
فيا أولي الألباب! انفذوا من الظاهر إلى الحقيقة فهي تنتظركم. وإذا ما شاهدتموها فلا تؤذوها. هكذا ينبغي، وهذا هو الإلزم.

المقدمة التاسعة
لقد تحققت لدى العقول السليمة:
أن الخير هو الأصل في العالم، أما الشر فهو تبعي. فالخير كلي والشر جزئي. إذ:
يشاهد أنه قد تكوّن ـ وما زال يتكون ـ علمٌ خاص لكل نوع من أنواع العالم، والعلم عبارة عن قواعد كلية. فإذا كانت الكلية قاعدة، فهي إذًا كشّافة عن حسن الانتظام في ذلك النوع. أي أن كل علم من العلوم شاهد صادق على حسن الانتظام.
نعم! الكلية دليل على الانتظام، لأن مالا انتظام فيه لا كلية لحكمه، بل يكون هزيلاً لكثرة استثناءاته. والذي يزكّي هذا الشهود الاستقراء التام بنظر الحكمة. إلاّ أنه أحيانًا لا يُرى الانتظام، لسعة دائرته عن أفق النظر، فلا يمكن الإحاطة به ولا تصوره، وعندئذٍ يصعب أن يبين النظامُ نفسه.
وبناءً على ما سبق:
فقد ثبت بشهادة العلوم جميعها، وبتصديق الاستقراء التام الناشئ من نظر الحكمة: أن الحسن والخير والحق والكمال، هو المقصود بالذات والغالب المطلق في خلق العالم. أما الشر والقبح والباطل، فهي أمور تبعية ومغلوبة ومغمورة، وحتى لو كانت لها الصولة فهي صولة موقتة.
وقد ثبت أيضًا: أن أكرم الخلق بنو آدم، تشهد له استعداداته ومهاراته.
وأن اشرف بني آدم هم المسلمون الصادقون، وهم أهل الحق والحقيقة، تشهد لهم حقائق الإسلام، كما ستصدقهم وقائع المستقبل.
وثبت أيضًا: أن أكمل الكل هو محمد صلىاللهعليهوسلم، تشهد له معجزاته وأخلاقه السامية، كما يصدّقه علماء البشر المحققون، بل يسلّم له أعداؤه، وعليهم أن يسلّموا.
فإذ هذه الثلاثة هكذا، أيقتدر نوع البشر بشقاوته على جرح شهادة تلك العلوم، ونقض الاستقراء التام، والتمرد على مشيئة ربه؟.. كلا.. لا يقتدر ولن يقتدر.
أقسم باسم الرحمن الرحيم العادل الحكيم: أن البشرية لن تستطيع أن تهضم بسهولة وسلامة، الشر والقبح والباطل، ولن تسمح لها الحكمة الإلهية. لان من يتعدى على حقوق الكائنات العامة لا يعفى عنه، ولا يسمح بعدم إنـزال العقاب عليه.
نعم! إن تغلب الشر طوال ألوف السنين، لا يؤدي إلاّ إلى مغلوبية مطلقة لألف سنة في الأقل، محصورة في الدنيا. أما في الآخرة فسيحكم الخير على الشر بالإعدام الأبدي! وإلاّ لو لم يكن الأمر هكذا، فإن سائر الأنواع والأجناس المنظمة المكملة المنقادة للأوامر الإلهية المنتظمة، لا يقبلون بين ظهرانيهم هذا الإنسان الشقي الكنود، بل يسقطون حق وجوده بينهم. وينفونه إلى مأوى العدم والظلمات، ويطردونه من وظيفة الخلق الفطرية. لان غلبة الشر على الخير تستلزم عبثية القابليات والميول المودعة في استعدادات البشر ليسود العالم وينال السعادة الأبدية في الآخرة! والحال أن العبث مناقض للاستقراء التام، كما أنه مناف لحكمة الصانع الحكيم، ومخالف لحكم النبي الصادق الأمين صلىاللهعليهوسلم.
وسيصفّي المستقبل قسمًا من هذه الدعاوي، أما تصفيتها النهائية فستشاهد في الآخرة، ذلك لأن المستقبل هو ميدان تغلب الحسن والحق النوعي والعمومي - بغض النظر عن الأشخاص - فان متنا، فأمتنا باقية.. لا نرضى بالظهور والنصر لأربعين سنة بل نريد ألفًا من السنين في الأقل.
أما ميدان تغلب الحسن والحق والخير والكمال الشخصي والعام، والجزئي والكلي، ومحكمته الكبرى التي تجازى فيها البشر - كسائر إخوانه من الكائنات المنقادة - ويكافأ بما يوافق وينسجم مع استعداداته، فهو: الدار الآخرة، إذ يتجلى فيها الحق والعدالة المحضة.
نعم! إن هذه الدنيا الضيقة لا تسع ولا تلائم نمو وتزاهر ما أودع في جوهر البشر من استعدادت غير محدودة وميول ورغبات مخلوقة للأبد. لذا يبعث إلى عالم آخر كي تُربّى وتكمل تلك الميول والاستعدادات.
أن جوهر الإنسان جليل، وماهيته رفيعة، وجنايته كذلك عظيمة وطاعته وانقياده مهمة، فهو لا يشبه سائر الكائنات، لذا لا يمكن أن لا ينتظم مع الكائنات ولا ينقاد للأوامر.
نعم! أن المرشح للأبد عظيم، لن يُترك سدى، ولا يكون عبثًا، ولا يحكم عليه بالفناء المطلق، ولا يهرب إلى العدم الصرف.. بل جهنم فاغرة فاها، والجنة قد فتحت ذراعيها اللطيفتين لاحتضانه.
خاتمة:
أن مستقبل الإسلام وآسيا، باهر وفي غاية السطوع واللمعان، كما يتراءى من بعيد. لأن هناك أربعًا أو خمسًا من القوى، تتفق - بما لا يمكن مقاومتها - على سيادة الإسلام المهيمن أولاً وآخرًا على آسيا:
القوة الأولى: قوة الإسلام الحقيقية المدعمة بالمعرفة والمدنية.
القوة الثانية: الحاجة المجهّزة بتوافر الوسائل وتكمّل المبادئ والأسباب.
القوة الثالثة: المنافسة والغبطة والغيظ المضمر، هي أمور تهيئ الصحوة العامة الناشئة من رؤية آسيا في منتهى السفالة وغيرها في منتهي الرفاه.
القوة الرابعة: استعداد الفطرة المجهّز: بتوحيد الكلمة، الذي هو دستور الموحّدين.. وبدماثة الخلق والاعتدال، الذي هو خاصة الوضع الحاضر.. وبتنوير الأذهان، الذي هو ضياء الزمان.. وبتلاحق الأفكار، الذي هو قانون المدنية.. وبسلامة الفطرة، التي هي لازمة البداوة.. وبالخفة والأقدام، وهما ثمرة الضرورة.
القوة الخامسة: الرغبة في التحضر والتمدن والنـزوع إلى التجدد والتقدم المادي - الذي يتوقف عليه إعلاء كلمة الله في هذا الوقت - التي يأمر بها الإسلام، ويدفع إليها الزمان، ويلجئ إليها الفقر الشديد، والأمل الباعث للحياة بموت اليأس القاتل لكل رغبة. والذي يدعم هذه القوى ويمدّها: تغلّب مساوي المدنية على محاسنها، تلك المساوي التي بثت الفوضى في الأجانب وأرهقت الحضارات وشيّبتها.. ثم عدم كفاية السعي للسفاهة (أي عدم سدّه لمتطلباته)، ولهذا سببان:الأول: فسح المجال للسفاهة، وتلبية شهوات النفس، بعدم جعل الدين والفضيلة دستورًا للمدنية. الثاني: التباين الاجتماعي الرهيب في الحياة المعشية، الناشئ من فقدان التراحم الناجم من حب الشهوات ومجافاة الدين.
نعم! إن هذا الإلحاد ومجافاة الدين قد سبب فوضىً في المدنية الأوروبية، وقلبها رأسًا على عقب، بحيث ولّد كثيرًا من المنظمات الفوضوية وهيئات الإفساد والإضلال. فلو لم يُلجأ إلى حقيقة الشريعة الغراء، ولم يُتحصن بذلك الحبل المتين ولم يوضع سدٌّ تجاه هذه المنظمات الفوضوية كسد ذي القرنين، فستدمّر تلك المنظمات عالم مدنيتهم وتقضي عليها، كما يهددونها حاليًا.
ترى لو صارت الزكاة التي هي مسألة واحدة من ألف من مسائل حقيقة الإسلام، دستور المدنية وأساس التعاون فيها، ألا تكون دواءً ناجعًا وترياقًا شافيًا للتباين الفظيع في الحياة المعاشية، الذي هو جحر الحيات والسم الزعاف والبلاء المدمّر؟
بلى! سيكون الدواء الناجع الساري المفعول أبدًا.
وإذا قيل: "لِمَ لا يكون السبب الذي أدّى إلى تغلب أوروبا إلى الآن سببًا لاستمراره"؟
فالجواب: طالع مقدمة هذا الكتاب، ثم أدم النظر في هذا:
كان سبب رقيها هو: التأني في اخذ كل شيء أو تركه.. والصلابة في الأمر، التي هي من شأن برودة بلادهم.. ونمو الفكر والمعرفة والتوجه إلى الصناعة لكثرة السكان وضيق المكان والمساكن.. والتعاون والتتبع الحاصلين من وجود الوسائط المساعدة كالبحر والمعادن وأمثالها.. أما الآن فقد تطورت وسائل النقل إلى درجة كبيرة بحيث أصبح العالم كالمدينة الواحدة، وغدا أهله في مداولتهم الأمور كأنهم في مجلس واحد، بحكم التقدم في وسائل المخابرات والمطبوعات. نحصل من هذا: أننا سنلحق بهم، بل نسبقهم، إن حالفنا التوفيق الإلهي لان حملهم ثقيل وحملنا خفيف.
خاتمة الخاتمة:
إن ما يفتح حظ آسيا وسَعد الإسلام هو الشورى والحرية، المشروطتان بتربية الشريعة الغراء_.
تنبيه: إن الأمور التي تسمى بمحاسن المدنية ما هي إلاّ مسائل شرعية حوّلَتْ إلى شكل آخر

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عنصر الحقيقة-بديع الزمان محمد سعيد النورسي

مُساهمة من طرف محمد فتحي في الخميس يونيو 26, 2008 10:48 am

المقدمة العاشرة

لا يؤاخذ المتكلم فيما يتكلم من كلام، بكل ما يرد إلى ذهن السامع، لأن المفاهيم والمعاني - سوى ما سيق له الكلام - هي في عهدة المتكلم بالإرادة، فان لم يردها لا يعاتب، إلاّ أنه ضامن حتمًا بالغرض والقصد.
وقد تقرر في علم البيان: أن الصدق والكذب يعقبان قصد المتكلم وغرضه، فالتبعة والمؤاخذة في المقصود وفيما سيق له الكلام، على المتكلم. أما الذنب والخلل في مستتبعات الكلام - أي في تلويحاته وتلميحاته - وفي وسائله وأسلوب عرضه - أي في صور المعاني وطرز الإفادة والمعاني الأولى - فليس على المتكلم، بل على العرف والعادة والقبول العام، إذ يُحترم العرف والقبول العام لأجل التفهيم. ثم إذا كان الكلام حكاية، فالخلل والخطأ يعودان إلى المحكي عنه.
نعم! لا يؤاخذ المتكلم في الصور والمستتبعات، إذ تناولهما ليس لجني الثمرات وإنما للتسلق منهما إلى أغصان مقاصد أعلى. فان شئت فتأمل في الكنايات، فمثلاً: عندما يقال: طويل النجاد كثير الرماد. فالكلام صادق إن كان الشخص طويل القامة سخي الطبع ولو لم يكن له سيف ولا رماد.
وان شئت فأدم النظر في المثال والأمثال الافتراضية ترى: إن تلك الأمثال لها بالشهرة في مداولة الأفكار والعقول قيمة وقوة، حتى إنها تستعد للقيام بمهمة السفارة بينها. بل إن أصدق مؤلف واعلم حكيم كصاحب المثنوي (جلال الدين الرومي) وسعدي الشيرازي يستخدمان ذلك المثل الافتراضي، ولم يريا مشاحة وبأسًا في استعماله.
فإذا تنوّر لك هذا السر، فاقتبس منه واذهب إلى زوايا القصص والحكايات، وقس فان ما يجري في الجزء قد يجري في الكل أيضًا.
تنبيه:

سترد قاعدة في "المقالة الثالثة"حول المشكلات القرآنية ومتشابهاته، ولكن لاقتضاء المقام نذكر هنا نبذة منها:
إن المقصود الأهم من الكتاب الحكيم هو إرشاد الجمهور الذين يمثلون أكثرية الناس، لأن خواص الناس يمكنهم أن يستفيدوا من مسلك العوام، بينما العوام لا يستطيعون فهم ما يخاطب به الخواص حق الفهم، علمًا إن معظم الجمهور هم عوام الناس والعوام لا يقتدرون على مشاهدة الحقائق المحضة وإدراك المجردات الصرفة متجردين عن مألوفاتهم ومتخيلاتهم. فالذي يضمن رؤيتهم ويحقق إدراكهم: إلباس المجردات وإكساءها زي مألوفاتهم، تأنيسًا لأذهانهم، كي يروا المجردات ويعرفوها بمشاهدتها خلف صور خيالية.
ولما كان الأمر هكذا، تلبس الحقيقة المحضة مألوفاتهم. ولكن يجب إلاّ يقصر النظر في الصورة ولا ينحصر فيها. وبناءً على هذا: فان ما في أساليب اللغة العربية من مراعاة الأفهام ومماشاة الأذهان، قد جرت في القرآن الحكيم المعجز البيان، والتي تعبر عنها بـ "التنـزلات الإلهية إلى عقول البشر". فمثلاً:
قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:7] و{يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] و{جَاءَ الْحَقُّ} [الفجر: 22] وأمثالها من الآيات الكريمة.
وأيضًا {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف: 86] و{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} [يس: 38] ونظائرهما من الآيات... كلها روافد لهذا الأسلوب.. {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} [البقرة: 2]
خاتمة:
إن إغلاق الكلام المعقد وإشكاله ينشأ: إما من ركّة اللفظ وضعف الأسلوب، فهذا لا يدنو من القرآن المبين.. أو من دقة المعنى، وعمقه، وجودته، وعدم مألوفيته، وندرته، حتى لكأن المعنى يتدلل على الفهم ويبهم تجاهه، ليثير الشوق، طالبًا للاهتمام والمكانة، فمشكلات القرآن من هذا القبيل.
تنبيه:
إن لكل آية ظهرًا وبطنًا، ولكل منها حد ومطّلع، ولكل منهما شجون وغصون. كما ورد حديث شريف بهذا المعنى والشاهد الصادق عليه: العلوم الإسلامية. فلكل مرتبة من هذه المراتب درجتها وقيمتها ومقامها، لا تتزاحم هذه المراتب، وإنما تشتبك فينشأ الاشتباه، ولا بد من التمييز، إذ كما لو مزجت دائرة الأسباب بدائرة الاعتقاد تتولد البطالة والكسل تحت اسم التوكل، أو ينتج مذهب الاعتزال باسم مراعاة الأسباب، فان المراتب والدوائر هذه إن لم تفرز تنتج مثل هذه النتائج

المقدمة الحادية عشرة
قد يتضمن الكلام الواحد أحكامًا عدة، فربما يحوي الصدف الواحد كثيرًا من الدرر. والمقرر لدى أرباب العقول:
إن القضية الواحدة تتضمن قضايا عدة، كل يثمر ثمرًا مباينًا للآخر، كما نبع ونشأ من أصل مختلف.. فالعاجز عن التمييز يجانب الحق ويغترب عنه.
مثال ذلك:
ورد في الحديث الشريف: (بعثتُ أنا والساعة كهاتين)أخرجه البخاري. أي: لا نبي بعدي إلى قيام الساعة.. فالمقصود - أيًا كان - من الحديث فهو حق.
فهذا الحديث الشريف يتضمن ثلاث قضايا:
أولاها: إن هذا الكلام هو كلام النبي صلىاللهعليهوسلم.. هذه القضية هي نتيجة التواتر إن كان. "أي: أن كان الحديث متواترًا".
ثانيتها: إن المعنى المراد من هذا الكلام حق وصدق.. هذه القضية هي نتيجة للبرهان المستند إلى معجزاته صلى الله عليه وسلم "إذ لا يصدر عنه غير الصدق". فينبغى الاتفاق في هاتين القضيتين، لأنه من ينكر الأولى فهو كاذب مكابر. أما الذي ينكر الثانية فهو ضال قد هوى في الظلمات.
القضية الثالثة: إن المراد من هذا الكلام هو هذا "أي الذي أسوقه".. فها هو الدر الموجود في هذا الصدف. هذه القضية هي نتيجة الاجتهاد، لا التشهي، إذ من المعلوم أن المجتهد ليس مكلفًا بتقليد غيره من المجتهدين.
هذه القضية الثالثة هي منبع الاختلافات. واصدق شاهد على ذلك هو ما نراه من الأقوال المتضاربة "في مسألة واحدة".
فالذي ينكر هذه القضية لا يكون مكابرًا ولا ضالاً، ولا ينساق إلى الكفر، إن كان إنكاره نابعًا من الاجتهاد، إذ العام لا ينتفي بانتفاء الخاص، وكم من قطعي المتن ظني الدلالة.. فلا بد من الدخول إلى البيوت من أبوابها، فان لكلٍ بابًا، ولكل قفل مفتاحًا.
خاتمة:
هذه القضايا الثلاث تجري في الآية جريانها في الحديث الشريف حيث إنها قضايا عامة. إلا أن الأولى منها فيها فرق دقيق.
وهكذا يتضمن الكلام إحكامًا كثيرة، إلا أنها أحكام خاصة، كل منها يختلف عن الآخر في الأصل مثلما يثمر ثمرة مباينة للآخر.
تنبيه:
قد يجد من يريد أن يغالط في مثل هذه المقامات ذرائع تافهة وحججًا واهية ناجمة من حب النفس:
كالتزام الطرف المخالف..
والتعصب الذميم..
وحب الظهور..
والشعور بالانحياز إلى جهة..
وتسويغ الأوهام والخيالات بإسنادها إلى أصل..
ورؤية الأمور الواهية قوية، لموافقتها رغباته الشخصية.
وإظهار كماله بتنقيص الآخرين والتهوين من شأنهم..
وإبراز كونه صادقًا بتكذيب الآخرين..
وبيان استقامته بإضلالهم..
وغيرها من الأمور السافلة المنحطة!
والى الله المشتكى.

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عنصر الحقيقة-بديع الزمان محمد سعيد النورسي

مُساهمة من طرف محمد فتحي في الخميس يونيو 26, 2008 10:51 am

المقدمة الثانية عشرة
من لم يجد اللب ينهمك في القشر.. ومن لم يعرف الحقيقة يزلّ إلى الخيالات. ومن لم ير الصراط المستقيم يقع في الإفراط والتفريط.. ومن لا يملك ميزانًا ولا موازنة له يخدع وينخدع كثيرًا.
إن سببًا خادعًا للظاهريين هو: إلتباس علاقة القصة بالعبرة المرادة منها، واقتران المقدمة بالمقصود في الذهن، والاقتران الحاصل في الوجود الخارجي.
لاحظ هذه النقطة فانك تحتاج إليها فيما بعد.
ثم إن أحد الأسباب المولدة للفوضى والموقعة في الاختلافات والموجدة للخرافات والمنتجة للمبالغات - بل أهم سبب لها - هو عدم القناعة والاطمئنان بما خُلق في العالم من حسن وعظمة وسمو. والذي يعني الاستخفاف بالنظام بذوق فاسد. حاشَ لله.
إن حسن الانتظام والعظمة والعلو المودعة في حقائق العالم، التي كل منها أبهر معجزة من معجزات القدرة الإلهية في نظر العقل والحكمة، قد أبدعتها يد الحكمة الإلهية إبداعًا في غاية الروعة بحيث لو قورن بها ما يمرّ في خيال عشاق الخيال والمبالغين من حسن وكمال خارقين، لبقيت تلك الخيالات الخارقة، اعتيادية جدًا. ولبدت تلك السنن الإلهية خارقة حقًا، في غاية الحسن ومنتهى الكمال والعظمة. الاّ أن الألفة - التي هي أخت الجهل المركب وأم النظر السطحي - هي التي عصبت عيون المبالغين.
ولا يفتح تلك العيون المعصوبة إلاّ أمر القرآن الكريم بالتدبر والتأمل في الآفاق والأنفس المألوفتين.
نعم! إن نجوم القرآن الثاقبة هي التي تفتح الإبصار وترفع ظلام الجهل وظلمات النظرة العابرة. إذ تمزق الآيات البينات بيدها البيضاء حجاب الإلفة والنظر السطحي
وأستار التشبث بالظاهر المحسوس، فتوجّه العقول وترشدها إلى حقائق الآفاق والأنفس.
ثم إن مما يولد الرغبة في المبالغة، حاجة الإنسان الفطرية إلى إخراج ميله من طور القوة إلى طور الفعل. إذ من ميوله: رؤية العجائب المحيّرة وإراءتها والرغبة في التجدد والإيجاد. وبناءً على هذا:
لما عجز الإنسان بنظره السطحي أن يتذوق ما في جفان الكائنات وصحونها من غذاء روحي مغطى بغطاء الإلفة، سئم من لعق الجفان ولَحْس الغطاء. ولم يفده سوى عدم القناعة، والتلهف إلى خوارق العادات والرغبة في الخيالات، مما ولّد لديه الرغبة في المبالغة للتجدد أو الترويج.. تلك المبالغة شبيهة بكرة الثلج المتدحرجة من أعلى قمة الجبل، كلما تدحرجت كبرت، فالكلام المتدحرج أيضًا من ذروة الخيال إلى اللسان ومنه إلى لسان ولسان، تُشتت حقيقته الذاتية، إلاّ أنه يجمع حوله خيالات من كل لسان بميل المبالغة، فيكبر ويكبر حتى لا يسعه القلب بل الصماخ بل حتى الخيال، ثم يجئ النظر بالحق فيجرّده من توابعه، ويرجعه عاريًا مجردًا إلى أصله، فيظهر سر {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ}
حكاية جرت في هذه الأيام تكون مثالاً على هذا:
إن أساس مسلكي منذ أيام صباي - ولا فخر - إزالة الشبهات التي تلوث حقائق الإسلام سواءً بالإفراط أم بالتفريط، وصقل تلك الحقائق الألماسية. والشاهد على هذا تاريخ حياتي في كثير من حوادثه.
ففي هذه الأيام ذكرت مسألة بديهية كـ"كروية الأرض"، وطابقت عليها ما يوافقها ويتعلق بها من مسائل دينية، دفعًا لاعتراضات الأعداء وإزالة لشبهات المحبين للدين. كما سيأتي مفصلاً في "المسائل".
ثم ظهر المغرمون بالظاهر المعتادون على الخيالات المهولة، وكأن عقولهم لا تقبل هذه المسألة، إلاّ أن السبب الأساس غير هذا بلا شك، فتصرفوا تصرفات جنونية، كمن يريد أن يجعل النهار ليلاً بإغماض العين، أو يطفئ الشمس بالنفخ! وفي ظنهم كأن الذي يحكم بكروية الأرض يخالف كثيرًا من مسائل الدين. فتذرعوا بهذا وافتروا فرية كبيرة، ولم يبق الأمر في هذا الحد بل تجاوز إلى تضخيم الفرية حيث وجدوا لها جوًا ملائمًا في الأذهان المرتابة، بل ضخموها إلى حد كبير كووا بها كبد أهل الدين. وأيّسوا أهل الحمية في رقي الإسلام.
ولكن كان هذا درسًا عظيمًا لي، إذ أيقظني إلا أن الصديق الجاهل يمكنه أن يضرّ الدين بمثل ما يضرّ به العدو، ولهذا فلقد كنت منذ بداية الكتاب أتوجّه إلى حيث يكون العدو، أقطع بالسيف الألماسي الذي في اليد بخسَهم حق الإسلام.. أما الآن فلأجل تربية أمثال هؤلاء الأصدقاء، اضطر إلى أن لا أمس - بذلك السيف - إلا قليلاً من خيالاتهم المفرطة التي يتلهف لها العوام.
وعلى الرغم من أن أمورًا شخصية كهذه لا تستوجب مثل هذه المباحث، فان الأمر لم يعد أمرًا شخصيًا، بل أصبحت مسألة عامة تتعلق بحياة المدارس الدينية.
ألا فليعلم أولئك الظاهريون! إنهم عبثًا يحاولون.. فلقد تركونا حتى الآن في غيابة الجهل بهذرهم وسفسطتهم هذه التي يغرم بها العوام ويريدون أن يدعونا جاهلين، ليستغلوا جهلنا.
هيهات! لا.. ولن يكون هذا.. ستُبعث الحياة في المدارس الدينية! والسلام.
ثم إنه مما يشوش أفكار الظاهريين، ويخلّ بخيالاتهم، اعتقادهم أن دلائل صدق الأنبياء عليهم السلام، محصورة ضمن خوارق العادات. واعتبارهم أن جميع أحوال رسولنا الكريم صلىاللهعليهوسلم وحركاته - أو معظمها - لا بد أن تكون خارقة. وهذا ما لا يسمح به الواقع، لذا لا يستقيم ولا يصلح لهم ما يتخيلون. إذ أن اعتقادًا كهذا غفلة عظيمة عن سر الحكمة الإلهية في الوجود، وعن تسليم الأنبياء عليهم السلام مقاليد الانقياد إلى قوانين الله الجارية في العالم.
نعم! إن كل حال من أحواله صلىاللهعليهوسلم وكل حركة من حركاته دليل على صدقه، وتشهد على تمسكه بالحق، مع انه يتبع السنن الإلهية وينقاد إليها (سينبّه إلى هذا في المقالة الثالثة).
ثم إن إظهار الخوارق ما هو إلاّ لتصديق النبوة، والتصديق يحصل على أكمل وجه بمعجزاته الظاهرة، فإذا زادت عن الحاجة، فأما أن تكون عبثًا.. أو منافية لسر

التكليف - الذي هو امتحان في الأمور النظرية دون البديهيات أو ما يقرب منها حيث يتساوى الأدنى مع الأعلى - أو تكون مخالفة للتسليم والانقياد لجريان الحكمة. بينما الأنبياء عليهم السلام مكلّفون بالعبودية والتسليم أكثر من أي احد.
فيا طالب الحق، الناظر إلى كلماتي المشتتة!
إن الميول المزروعة في ماهيتك ستنمو وتفتح الأزاهير بشمس الحقيقة التي تجري وهي ساكنة في المقدمات الإثنتي عشرة المذكورة.

خاتمة:
من يدّعي انه سيد - من أهل البيت - وهو ليس منهم، ومن ينكر انتسابه إليهم وهو سيد، كلاهما مذنب. فالدخول في السادة والخروج منهم كما أنه حرام، كذلك النقصان والزيادة في القرآن الكريم والحديث الشريف ممنوع، بل الزيادة اضر لإفسادها النظام وفتحها أبوابًا لمرور الأوهام، لان الجهل ربما يكون عذرًا للنقصان، بينما الزيادة لا تكون إلاّ بالعلم، والعالم لا يعذر، فكما إن هذا هكذا، فالوصل والفصل في الدين لا يجوز أيضًا، بل إن إدخال زيف الحكايات وخبث الإسرائيليات وأباطيل التشبيهات في ألماس العقيدة وجوهر الشريعة ودرر الأحكام إنما هو حطّ لقيمتها وتنفير لطالبيها من متحري الحقيقة، ودفعهم للندامة.
خاتمة الخاتمة:
إن ترك المستعد لما هو أهل للقيام به، وتشبثه بما ليس أهلاً له، عصيان كبير وخرق فاضح لطاعة الشريعة الكونية (شريعة الخلقة). إذ من شأن هذه الشريعة: انتشار استعداد الإنسان ونفوذ قابليته في الصنعة واحترام مقاييس الصنعة ومحبتها وامتثال نواميسها والتمثل بها. وخلاصة الكلام: إن شأن هذه الشريعة، الفناء في الصنعة.
وإذ وظيفة الخلقة هذه، فان الإنسان بمخالفته هذه الشريعة، يغير الصورة اللائقة بالصنعة ويخل بنواميسها. ويشوّه صورة الصنعة غير الطبيعية - التي تشبث القيام بها - بميله الكامن للصنعة الأخرى لعدم الامتزاج بين الميل والصنعة، فيختلط الحابل بالنابل.
وبناءً على هذا: فان كثيرًا جدًا من الناس يمضي بميل السيادة والآمرية والتفوق على الآخرين، فيجعل العلم المشوّق المرشد الناصح اللطيف، وسيلة قسر وإكراه لاستبداده وتفوقه، فبدلاً من ان يخدم العلم يستخدمه. وعلى هذا فقد دخلت الوظائف بيد من ليسوا لها أهلاً، ولاسيما الوظائف في المدارس الدينية، فآلت إلى الاندراس نتيجة هذا الأمر. والعلاج الوحيد لهذا: تنظيم المدرسين الذين هم في حكم العاملين في دائرة واحدة، في دوائر كثيرة كما هو الحال في الجامعة، كلٌ في مجال اختصاصه، ليذهب كل واحدٍ بسوق إنسانيته، وبتوجهه نحو حقه، ينفّذ قاعدة تقسيم الأعمال بميله الفطري امتثالاً للأمر المعنوي للحكمة الأزلية.
تنبيه: إن السبب المهم الذي أدّى إلى تدني علوم المدارس الدينية، وصرفها عن مجراها الطبيعي هو: أن العلوم الآلية_ لما أرجت في عداد العلوم المقصودة، أصاب الإهمال العلوم العالية، إذ سيطر على الأذهان حلّ العبارة العربية التي لباسها (لفظها) في حكم معناها، وظل العلم الذي هو أصل القصد تبعيًا. زد على ذلك، إن الكتب التي أصبحت في سلسلة التحصيل العلمي رسمية، وعباراتها متداولة إلى حد ما. هذه الكتب حصرت الأوقات والأفكار في نفسها ولم تفسح المجال للخروج منها.

من موقع البدر الكامل

_________________
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )
avatar
محمد فتحي

عدد الرسائل : 913
تاريخ التسجيل : 21/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ansaralmostafa.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى